انتِ وحدك - الفصل الأول
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

انتِ وحدك - الفصل الأول

جاري التحميل...

الفصل الأول

في عالم حيث التقاليد تحكم الحياة والعلاقات، تبرز ليليان محمود عبد الرحيم، فتاة مستقلة، واعية، تعمل جاهدة لتثبت أن الاعتماد على النفس لا يقلل من قيمتها كأنثى. في المقابل، يقف أدهم أحمد عبد اللطيف، طبيب حنون، يؤمن أن الرجولة مسؤولية قبل أن تكون سلطة. بينهما قصّة تتشكل بهدوء، حيث يلتقي العقل بالقلب، والحرية بالحب، في رحلة لا تخلو من التحديات، المواقف الواقعية، واختبار الثقة والاحترام

تحميل الفصول...
المؤلف

انطلق صوت المنبه في تمام الرابعة والنصف فجراً، رنينه الهادئ كان يصارع سكوناً مطبقاً يلف أرجاء الغرفة. تحت طبقات "اللحاف" الثقيلة، كانت ليليان أو "ليلو" كما تناديها أمها تنكمش على نفسها في محاولة يائسة للاحتفاظ بآخر ذرات الدفء. كانت برودة الشتاء القاسية تتسلل من شقوق النافذة الخشبية القديمة، وكأنها نصل يطعن سكون الليل. صراع داخلي مألوف دار في عقلها؛ وسوسة النوم تارة، ونداء الروح تارة أخرى، كان صراعًا يوميًا يتكرر؛ النوم مغرٍ والدفء لا يُقاوم، لكن نداء روحها كان أقوى. تمتمت بصوتٍ مخنوق من أثر النوم:


"اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"


وبحركة سريعة فيها الكثير من المجاهدة، أزاحت الغطاء عنها، فانتفض جسدها فورًا من لسعة الهواء البارد. أسرعت بخطوات مرتعشة نحو الحمام. هناك، كان التحدي الأكبر؛ الماء الذي ينزل من الصنبور كأنه قطع ثلجية صغيرة تخترق العظام. وبينما كانت تتوضأ وتغسل وجهها، كانت تشعر برعشة تسري في أوصالها، لكنها همست لنفسها بابتسازمة خفيفة:


"إسباغ الوضوء على المكاره يا ليلو.. ربنا بيكافئك على كل لحظة برد درجة من درجات الجنة بإذن الله"


عادت إلى غرفتها، ارتدت إسدالها الصوف الثقيل، ووقفت على سجادتها. في تلك اللحظات، ومع أول "الله أكبر"، شعرت وكأن ستارة من الدفء قد أسدلت حولها، دفءٌ لا يوفره لحاف، بل هو دفء المناجاة. صلت القيام، ثم جلست تنتظر أذان الفجر وهي تسبح، حتى انطلق صوت المؤذن يتردد في سكون الفجر: "الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ". أتمت صلاة الفريضة، ثم قرأت أذكار الصباح بتمهل: "أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ... اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ، وَنَصْرَهُ، وَنُورَهُ، وَبَرَكَتَهُ، وَهُدَاهُ".


بعد أن أتمت وردها، ذهبت ليليان إلى المطبخ بخفة. البيت غارق في السكون، والبرد يزداد قسوة، لكنها فتحت "الفريزر" وأخرجت مكعبات الثلج بتمردٍ تعشقه. أعدت مشروبها المفضل "الآيس كوفي" بقطع الثلج التي اصطدمت ببعضها في الكوب مُحدثة رنيناً موسيقياً. فتحت باب البلكونة، فاستقبلها هواء الفجر الذي يلسع الوجوه. وقفت هناك، تضع شالاً صوفياً كبيراً فوق إسدالها، ترتشف القهوة المثلجة في عز الصقيع، وتراقب "فرن العيش" في نهاية الشارع، وتصاعد البخار الدافئ منه، وترى صاحب عربة الفول وهو يفتح قفله المعتاد. بدأت تهمس بوردها من القرآن، عيناها تراقب الخط الأرجواني في السماء، وشعور بالقوة يتسلل إليها؛ فهي تملك هذا العالم وحدها في هذه الساعة.
---
على الجانب الآخر من المدينة، كان "دكتور أدهم" يغلق باب منزله بوقار. ارتدى معطفه الثقيل وتوجه نحو المسجد. دخل المسجد، صلى ركعتي السنة، ومع أذان الفجر، طلب منه المصلون التقدم للإمامة كالعادة. كبر أدهم، وبدأ يرتل بآيات من سورة "الواقعة" بصوت رخيم يمتزج فيه الخشوع بالجمال:


"فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ۞ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ۞ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۞ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ۞ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ۞ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ"


كان صوته يهتز عند آيات الوعيد، وينساب برقة عند آيات الجنة، جعل كل من خلفه ينسى برد الشتاء ويغرق في ملكوت الآيات. بعد الصلاة، جلس يقرأ ورده اليومي، ثم عاد للمنزل. وجد والده "الأستاذ أحمد" جالساً يسبح.


"تقبل الله يا دكتور.. صوتك النهاردة كان يشرح القلب"


انحنى أدهم وقبّل يد والده بحب:


"منا ومنكم يا حاج أحمد.. ربنا يبارك لنا فيك"


دخلت والدته "فاطمة" -أو "بطة" كما يناديها والده أحياناً في لحظات الصفاء- تحمل صينية الإفطار:


"صباح الفل يا دكتور القلوب.. تعالَ افطر قبل ما تنزل المستشفى"


أقبل عليها أدهم، قبل يدها ورأسها:


"يسلم إيدك يا ست الكل، يا شيف العيلة الأول"


خرجت "سلمى" أخته الصغرى، تبدو عليها علامات الإحباط، تمسك بكتاب الرياضيات:


"صباح الخير يا أبيه.. شيتات الرياضيات يا أبيه متنساش، الدرس بكرة وأنا مش فاهمة حاجة من المستر، كلامه معقد أوي"


أدهم بابتسامة حانية:


"من عيوني يا سوسو، هعدي أجيبهم وأنا راجع. بس هاتي كدة أشوف إيه اللي واقف معاكي"


سحب أدهم الورقة، نظر للمسألة بتركيز، ثم حك رأسه بضحكة خفيفة:


"بصي يا سلمى، إنتي عارفة أخوكي دكتور ودماغه في الطب، الرياضة دي كانت بتعملي صداع وأنا في سنك.. بس تعالي نحاول سوا"


بدأ يحاول شرحها بأسلوب "طبي" مضحك، لكن سلمى ظلت غير مستوعبة:


"لا يا أبيه، إنت بتشرح حلو بس المادة دي محتاجة حد متخصص، المستر بيشرحها كأننا آلات مش بشر"


"ولا يهمك يا حبيبتي، هسألك على سنتر كويس يكون فيه حد بيشرح بضمير، المهم كلي لقمة وبطلي كشرة"


وقبل أن يخرج، اتصل بأخته "رانيا" المغتربة فيديو:


"إيه يا رنوش؟ وحشتينا يا حبيبتي، والولاد عاملين إيه؟"


تحدث معها بحنان، مازح ابنة أخته الصغيرة "ليلى" عبر الشاشة، ووعدها بهدية حين تعود. كان أدهم هو "عمود" الخيمة الذي يوزع الحنان على الجميع بلا استثناء.
---
بعد أن انتهت ليليان من قراءة وردها في البلكونة، دخلت غرفتها الدافئة نسبياً مقارنة بصقيع الخارج. كانت الشمس قد بدأت ترتفع في السماء، معلنةً وقت صلاة الضحى. توضأت ليليان مرة أخرى، ليس لأن وضوء الفجر قد انتقض، بل لأنها تحب أن تستقبل "صلاة الأوابين" بوضوءٍ متجدد، وكأنها تغسل هموم اليوم قبل أن تبدأ. وقفت على سجادتها، صلت ركعتين الضحي بخوشوع تام. كانت هذه الركعات هي "صدقة" جسدها، واللحظة التي تستودع فيها الله يومها وأمانيها. دعت في سجودها: "اللهم اجعلني مباركة أينما كنت، ولا تجعل حاجتي إلا إليك" شعرت بعدها بطاقة غريبة تمكنها من مواجهة العالم الخارجي.


خرجت من غرفتها لتجد والدتها "منى" تحضر الإفطار قالت لها والدتها:


"صباح الخير يا ليلو، تعالي يا بنتي اعملي الشاي لأخوكي كريم عشان هينزل"


"صباح النور يا ماما، حاضر"


خرج "كريم" من غرفته وهو يتذمر:


"إيه يا جماعة؟ مفيش شاي؟ أنا متأخر!"


خرج والدها "محمود" من غرفته صامتاً، جلس يطالع الجريدة ببرود كعادته، لا يتدخل في طلبات كريم الجائرة ولا في تعب ابنته. وضعت ليليان كوب الشاي أمام كريم بهدوء. ارتشف منه رشفة وقطب جبينه:


"إيه الشاي الخفيف ده يا ليليان؟ ده لا هو شاي ولا هو مية.. وبعدين إيه ده؟ ده برد في ثانية!"


"والله يا كريم حطيت شاي كتير زي ما بتحب، بس الظاهر إن الشاي نوعه المرة دي مش حلو"


محمود من فوق نظارته وقال ببرود:


"يا ليليان، اسمعي كلام أخوكي، هو أدرى بمزاجه.. قومي اعمليله غيره يا بنتي وبلاش مناهدة"


تدخلت الأم منى:


"معلش يا ليلو، اعملي لأخوكي غيره يا بنتي واعمليه 'حِبر' وسخن زي ما بيحبه، أخوكي وراه مسؤولية"


أعادت ليليان صنعه بصبر، ووضعته أمامه. لم يقل شكراً، بل قام وانصرف. تنهدت ليليان ثم ذهبت الي غرفتها وارتدت ملابسها؛ "بلوزة" صوفية طويلة وتحتها قميص، ولفّت حجابها بدقة أمام المرآة. لم تكن تضع من مساحيق التجميل إلا ما يستر شحوب وجهها الناتج عن السهر والمذاكرة. حملت حقيبتها التي تئن تحت وطأة كتب "الرياضيات" و"التربية"، وقبل أن تخرج، قبلت يد والدها قبل ان يذهب لعمله ووالدتها التي تحبها لكنها "تطبعت" بطباع المجتمع:


"دعواتك يا ماما"


"ربنا يستر طريقك يا بنتي ويرزقك بابن الحلال اللي يريح قلبك"
---
وصلت ليليان إلى مدرج الجامعة، كانت مدرجات "تربية رياضة" دائماً ما تعج بالضجيج. جلست في المقعد الأمامي كعادتها، فتحت كشكولها وبدأت في تدوين الملاحظات.


"يا بنتي ارحمي نفسك، لسه المحاضرة مبدأتش!" قالتها مروة صديقتها المقربة وهي تجلس بجانبها وتخرج ساندوتشاً.


"يا مروة لازم أراجع المحاضرة القديمة عشان الدكتور النهاردة هيسأل، وإنتي عارفة إني محتاجة التقدير ده"


"عارفة والله يا ليلو.. بس بجد شكلك مجهد أوي، السواد تحت عينك زاد"


تنهدت ليليان:


"سهر ومذاكرة وشغل يا مروة.. والبيت لوحده حكاية تانية"


بدأت المحاضرة، وكانت عن "المعادلات التفاضلية". ليليان كانت في عالم آخر، قلمها يتحرك بسرعة، وعقلها يفك شفرات الأرقام بسلاسة أبهرت الدكتور حين قامت وحلت مسألة عجز عنها الجميع:


"ممتازة يا ليليان.. برافو عليكي، فعلاً مهندسة رياضيات بجد"


قالها الدكتور، فابتسمت ليليان بشحوب، فهذه الكلمة هي الوقود الوحيد الذي يجعلها تكمل يومها. ومع انطلاق أذان الظهر، شعرت ليليان بأنها بحاجة لتلك الهدنة.


"مروة، أنا هروح المصلى نصلي الظهر ونرجع نلحق السكشن"


"يا بنتي المصلى زحمة أوي دلوقتي، تعالي بس نجيب ساندوتشات الأول"


"لا، الصلاة في وقتها بتريح قلبي، روحي إنتي وهحصلك"


"لأ طبعا، انتي عايزة تاخدي الثواب من غيري ولا ايه، هاجي معاكي الأول وبعدين نروح الكافيتريا نجيب حاجة ناكلها"


اتجهوا معا لمصلى البنات الصغير الملحق بالكلية. توضأت بماء الجامعة البارد، ووقفت وسط صفوف الطالبات. شعرت أن كل تعب الصباح، ومشاحنة كريم، وصقيع الفجر، قد ذابوا في تلك السجدة. كانت صلاتها هي "الفاصل" الذي يعيد توازنها النفسي. بعد الصلاة، أصرت مروة على الذهاب للكافيتريا.


"لازم تاكلي يا ليليان، وشك بقى لونه أصفر"


"مش هقدر يا مروة، لازم ألحق أروح أجيب حاجات للبيت قبل ما أروح السنتر"


"برضه؟ كريم وتطلباته اللي مبتخلصش؟"


"أهو أخويا يا مروة.. هعمل إيه؟"
---
في تلك الأثناء، كان أدهم ينهي مروره الصباحي في المستشفى الحكومي. كان يرتدي "البالطو" الأبيض الذي يزيده وقاراً. استمع لأذان الظهر، فاستأذن من زملائه:


"يا دكاترة، هسبقكم على المسجد نلحق الجماعة"


صلى أدهم الظهر مع الممرضين والعمال وبعض أهالي المرضى. كان يجلس على الأرض بتواضع، يسبح الله بهدوء. وبعد الصلاة، استوقفه أحد العمال:


"يا دكتور أدهم، والدي تعبان أوي في العنبر اللي فوق، ممكن تطلع تشق عليه؟"


"من عيوني يا عم حسن، هطلع له حالا"


صعد أدهم، ولم يكتفِ بالكشف الطبي، بل جلس بجوار المريض المسن، سأله عن حاله، ودعا له بصوت رخيم خفف عن الرجل الكثير. خرج أدهم من الغرفة ليجد زميله الدكتور حسام يبدو عليه الضيق:


"أدهم، أنت فاضي؟ الحالات النهاردة كتير أوي والتمريض مش ملاحق، والناس برا بتزعق"


"اهدى يا حسام، الناس تعبانة ومعذورة. تعالَ معايا نشوف حالات الطوارئ ونخلصهم واحد واحد"


بمنتهى الهدوء، امتص أدهم غضب المرافقين للمرضى بكلماته اللينة، وكان يتحرك كالنحلة بين الغرف، لا يأنف من مساعدة ممرض أو إسناد مريض، مؤمناً أن الطب رسالة رحمة قبل أن يكون مهنة.
---
عادت ليليان للمنزل لتجد والدتها "منى" في قمة توترها.


"يا ليلو كويس إنك جيتي! كريم عازم أصحابه على الغدا، واللحمة لسه مستويتش والمواعين ملت الحوض"


دخلت ليليان المطبخ دون أن تخلع ملابسها تماماً. بدأت تغسل الصحون، وتقطع الخضار، وتجهز "السفرة". كريم كان في الصالة يضحك بصوت عالٍ مع أصحابه، ووالدها "محمود" جالس معهم يشاركهم الأحاديث، لا يشعر أحد منهم بلهيب المطبخ الذي تقف فيه ليليان.


"ليليان! الشاي بسرعة يا بنتي للضيوف!" صاح الأب.


خرجت ليليان بالصواني الثقيلة، قدمت الشاي والفاكهة بصمت، بينما كان كريم يتصرف كأنه "سي السيد"، يأمر وينهى دون حتى نظرة شكر. بعد أن رحل الضيوف، كانت الساعة قد قاربت الخامسة.


"ليلو، نضفي الصالة قبل ما تنزلي السنتر، المكان متبهدل خالص" قالها كريم وهو يتمدد على الكنبة.


"يا كريم حرام عليك، أنا متأخرة والولاد مستنيني في السنتر!"


تدخل الأب ببرود:


"يا بنتي الست شطارتها في بيتها، نضفي مكان أخوكي وصحابه وبعدين روحي شغلك"


بكت ليليان بصمت وهي تجمع بقايا "اللب" وقشور الفاكهة، كانت تغسل المواعين وهي تستغفر وتدعو الله أن يربط على قلبها. همست ليليان لوالدتها وهي تغسل الأطباق:


"يا ماما، هو كريم هيخسر إيه لو قال كلمة حلوة؟ ليه ديماً أنا اللي لازم أخدمه وهو بيأمر؟"


ردت الأم بقلة حيلة ونبرة اعتادتها:


"يا بنتي ده أخوكي، والراجل في بيته بيحب يرتاح، إحنا يا بنتي اللي لازم نستحمل ونعدي، دي الأصول اللي تربينا عليها. بكرة تتجوزي وتعرفي إن دي عيشة الستات"


ابتسمت ليليان بمرارة؛ أصولٌ تظلم المرأة لتريح الرجل، وتربية تورث القهر جيلاً بعد جيل.
---
في السادسة مساءً، كان أدهم يفتتح عيادته الخاصة. ومع أذان المغرب، توقف عن الكشف، وصلى في غرفته الصغيرة بالعيادة. كان يقرأ بهدوء، يفرغ شحنة التعب قبل أن يستقبل مريضه التالي. كانت العيادة مزدحمة، لكنه لم يفقد هدوءه. كان يخصص لكل مريض وقتاً كافياً، يستمع بإنصات، ويغض بصره بوقار شديد حين يفحص مريضة، مما جعل سمعته كـ "طبيب خلوق" تسبق مهارته الطبية. في فترة الاستراحة، سأل ممرضه:


"يا محمد، متعرفش سنتر تعليمي هنا في المنطقة يكون مستواه عالي في الرياضيات؟"


"طبعاً يا دكتور، سنتر 'الهدى' اللي ورا العيادة، فيه مدرسة اسمها ميس ليليان، بيقولوا دي 'البريمو' في المادة دي"


أومأ أدهم:


"تمام، هعدي أحجز لأختي سلمى هناك بكرة بإذن الله"
---
وصلت ليليان للسنتر، مسحت آثار دموعها، ورسمت ابتسامة هادئة على وجهها. بمجرد دخولها القاعة، صفق الطلاب:


"ميس ليليان! كنا خايفين تتأخري"


"مقدرش أتأخر عليكم يا أبطال، جاهزين للمعادلات؟"


بدأت تشرح ببراعة، كانت تتحرك بين السبورات كأنها تعزف سيمفونية. نسيت تعب البيت وإهانة كريم وسط حب تلاميذها. ومع أذان المغرب، استأذنت لدقائق، صلت في مكتب السنتر، ودعت الله: "يا رب، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين".
---
بعد انتهاء الدرس في الثامنة مساءً، كانت ليليان تشعر بهبوط حاد في طاقتها؛ جسدها يرتجف من المجهود، وصوتها الذي بُحّ من الشرح طوال ثلاث ساعات كان بالكاد يخرج. تذكرت فجأة وهي تلملم حقيبتها "كارت المتابعة" الخاص بوالدتها، لقد نفد الأنسولين تماماً. توجهت لـ "صيدلية الشفاء" الكبيرة القريبة من السنتر. دخلت ليليان وهي تسند ظهرها على الرف الزجاجي من الإرهاق، وجهها كان شاحباً كالقمر في ليلة شتوية، وعيناها رغم تعبهما، كانت تفيض برقة وانكسار خفي.


في تلك اللحظة، كان أدهم هناك. كان يقف بوقاره المعهود، يرتدي قميصاً أزرقاً هادئاً كهدوء ملامحه، ينتظر تحضير علاج لوالده. كان يغض بصره بامتياز، يطالع في هاتفه بعض الأبحاث الطبية، لكن حسه كطبيب جعله يشعر بدخول "حالة" مجهدة للمكان. وقفت ليليان أمام الصيدلي المتدرب، وأخرجت كارت المتابعة المكتوب فيه الجرعات:


"لو سمحت، عايزة علبة الأنسولين المكتوبة هنا"


أحضر الصيدلي علبة خضراء ووضعها على الزجاج. أدهم، بحكم خبرته وحفظه لأشكال الأدوية، لمح العلبة من بعيد، فانتفضت فيه غيرة المهنة وخوفه على المريض. تقدم خطوة واحدة بوقار، وتحدث بصوت رخيم هادئ كأنه يهمس:


"عفواً يا دكتور.. دي علبة 'لونتوس' (طويل المفعول)، والآنسة الكارت اللي في إيدها مكتوب فيه 'أبيدرا' (سريع المفعول).. النوعين عكس بعض تماماً والتبديل بينهم ممكن يعمل غيبوبة سكر لا قدر الله"


ارتبك الصيدلي بشدة، وأخذ الكارت مرة أخرى ودقق فيه، ثم اعتذر برهبة وأحضر العلبة الصحيحة. في تلك اللحظة، التفتت ليليان لمصدر الصوت. التقت عيناهما لثانية واحدة كانت كفيلة بأن توقف الزمن. رأت فيه نبل الفرسان الذي تقرأ عنه في الروايات؛ عيوناً تشع إيماناً وهيبة، ووجهاً يفيض بالسكينة.


أدهم، الذي اعتاد غض البصر، وجد نفسه أمام وجه "ملائكي" رغم شحوبه، فأنزل عينه فوراً للأرض بوقار شديد. لاحظ ارتعاش يدها وهي تمسك بالكارت، فخمن بفراسته أن هذا التوتر ليس لمرضها هي، بل لخوفها على غالي عندها.


"شكراً جداً يا دكتور.. بجد أنا مكنتش مركزة خالص من التعب، ربنا يبارك لك" همست ليليان وصوتها يرتجف.


رد أدهم وهو لا يزال ينظر للأرض، وبنبرة حانية طمأنت قلبها:


"العفو يا آنسة.. ده واجبنا. حاولي بس تريحي نفسك شوية، وشك شاحب جداً، وواضح إن الوالدة تعبانة وشاغلة بالك، بس إن شاء الله الأنسولين السريع ده هيظبط لها السكر علطول وتطمني عليها"


اندهشت ليليان كيف عرف أنها والدتها، لكنها شعرت أن كلماته كانت "طبطبة" على روحها المنهكة. أخذت الدواء وخرجت مسرعة، وقلبها يدق دقات لم تعرفها من قبل. شعرت وكأن "غريباً" شعر بتعبها أكثر من أهل بيتها الذين تركتهم يغطون في نوم عميق بعد أن أكلوا من كدّ يدها. أما أدهم، فظل واقفاً مكانه، رائحة المسك الخفيفة التي كانت تنبعث من حجابها ونظرة الانكسار في عينها تركت في قلبه أثراً لا يمحى. دفع ثمن دواء والده وخرج، والقدر يبتسم لهما؛ فقد بدأ الخيط يلتف حولهما في صمت.
---
خرج أدهم من الصيدلية والهواء البارد يلفحه، لكن عقله كان لا يزال عالقاً عند تلك النظرة المنكسرة في عيني "فتاة الأنسولين". ركب سيارته وانطلق نحو منزله، يرتل في سره آياتٍ من سورة "الحشر": "هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ۞ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ".


عندما فتح باب شقته، استقبلته رائحة البخور الدافئة التي تعودت والدته إشعالها. وجد والده الحاج أحمد جالساً يسبح بوقار.


"تأخرت ليه يا دكتور؟ قلقتنا عليك يا حبيبي"


انحنى أدهم يقبل يد والده:


"معلش يا بابا، الزحمة في الصيدلية كانت شديدة. اتفضل الدواء وجهاز الاستنشاق، والحمد لله إن ربنا ستر ولحقت الصيدلي وهو بيطلع نوع غلط"


خرجت "سلمى" تجري نحو أخوها بلهفة:


"أبيه أدهم! جبت الشيتات؟"


أخرج أدهم الملف من حقيبته بابتسامة:


"جبتها يا سوسو، وجبت لك خبر بمليون جنيه. سألت لك النهاردة والكل أجمع على مدرسة اسمها 'ميس ليليان' في سنتر الهدى، بيقولوا عليها مهندسة في شرحها. بكرة بإذن الله هعدي على المدير وأحجز لك عندها، ومن الشهر الجاي تبدأي معاها وتنسي عقدة الرياضة دي خالص"


قفزت سلمى فرحاً:


"يا حبيبي يا أبيه! ربنا يخليك ليا، البنات فعلاً بيقولوا إنها بتخلي المادة مية!"
---
على الجانب الآخر، كانت ليليان تصعد درجات السلم بخطوات مثقلة، وحقيبتها كأنها تزن جبالاً فوق كتفها. فتحت الباب، لتجد الصالة صامتة إلا من صوت إذاعة القرآن الكريم المنبعث من راديو صغير في غرفة والدتها. دخلت لتجد والدتها تدلك قدمها المتعبة:


"جبتي العلاج يا ليلو؟ السكر تعبني أوي يا بنتي"


"جبتوه يا ماما، ألف سلامة عليكي" أخرجت العلبة وقبلت رأسها، "كان الصيدلي هيغلط لولا إن دكتور ابن حلال كان واقف وصحح له"


"ربنا يبارك له يا بنتي.. كريم ساب لك شوية عشا وقال لك نضفي الرخامة قبل ما تنامي عشان مبهدلة"


تنهدت ليليان بمرارة، نظفت الرخامة بيديها المرتجفتين من البرد، ثم أخذت جرعة الأنسولين لوالدتها. توجهت لغرفتها، لم تذق الطعام من فرط التعب. توضأت ووقفت تصلي العشاء، تلت في ركعتها أواخر سورة "البقرة" بصوت باكٍ خافت: "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ...". أطالت السجود جداً وهي تردد: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا...".


ارتمت على فراشها، وقفزت إلى مخيلتها صورة ذاك الطبيب بهدوئه وصوته الرخيم. شعرت بابتسامة دافئة ترتسم على وجهها قبل أن يغلبها النوم. وفي تلك اللحظة، كان أدهم يغلق مصحفه ويدعو: "اللهم اجعل لي نصيباً مما تحب وترضى". نامت ليليان، ونام أدهم، والقدر ينسج خيوط اللقاء في الوقت الذي يختاره الله لهم.
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"