ملوك الظلال | الفصل الثالث
جاري التحميل...
الفصل الثالث
خفتت الأصوات من حولهما، وبدت الغابة وكأنها تحبس أنفاسها بانتظار إجابته، بينما كانت نظرات لينا معلقة بظهره، تخشى وتترقب اللحظة التي قد يسقط فيها القناع البشري تماما.
لم يعد سديم في عينيها ذلك الصديق الغامض، بل تحول إلى لغزٍ مخيف؛ كائن يملك القدرة على تطويع الحقيقة، وربما كان هو الداء والدواء في آن واحد، يمسك بخيوط اللعبة ويحركها ببراعة جنيٍّ أتقن فن الصبر البشري. انكمشت على نفسها أكثر، وزاد الفراغ بينها وبينه، فكل كلمة ينطق بها عن "أممهم وقبائلهم" أصبحت في مسمعها مجرد ترانيم تهدف لتخدير حذرها قبل أن يبتلعها عالم لا ينتمي إليها. ارتسمت الحيرة والقلق على ارتعاشة شفتيها وهي تسأل سديم بتوجس بعد أن تذكرت جزء من حديثه: - الشكل؟ هل أشكالكم مخيفة إلى حد مرعب؟! خفتت الأصوات من حولهما، وبدت الغابة وكأنها تحبس أنفاسها بانتظار إجابته، بينما كانت نظرات لينا معلقة بظهره، تخشى وتترقب اللحظة التي قد يسقط فيها القناع البشري تماما. توقف سديم تماما، والتفت إليها بجسده الفارع، بينما غدت عيناه الخضراوان تحت ضوء الغسق المتسلل بين السحب أكثر عمقا واتساعا، وكأنها تمتص ما تبقى من الضياء، انخفضت نبرة صوته لتصبح أكثر حدة، وهو يقول بصدق جارح: - نحن نرى أنفسنا طبيعيين، لكن العقل البشري لن يتحمل، لا أدري كيف ستستقبل عيناكِ حقيقتنا، فما ترينه الآن ليس سوى ثوب أرتديه لأناسب حدود عقلك، أما الحقيقة، فهي أبعد مما يتخيله بصرك. عند سماع هذه الكلمات، ارتعدت فرائص لينا، وبهت وجهها حتى صار بلون الرماد، وأخذت تنظر إلى كفيه وشكله البشري الذي ألفته، محاولة بشتى الطرق طرد الصور البشعة والخيالات المشوهة التي بدأت تتشكل في عقلها، فكانت تتشبث بصورته الحالية كغريق، رافضة تخيل أي هيئة مخيفة قد يكون عليها صديقها الوحيد في هذا المكان الموحش. لم تدرِ لينا متى اجتازت تلك الحدود الفاصلة؛ فحديثها مع سديم وغرقها في لجج أفكارها أنساها رهبة الدخول، لكن بمجرد إدراكها لمحيطها، شعرت وكأنها اخترقت غشاء غير مرئي يفصل بين واقعين متنافرين. سكنت الحرارة فجأة، وحل محله هواء رطب بارد يحمل رائحة عتيقة وغريبة، مزيجا من المسك ولحاء الشجر المبتل، ونسمة غامضة تشبه رائحة لحم محروق تظهر وتختفي مع الريح. أما الأوراق من حولها فكانت تهتز بإيقاع خفي، تنبض وكأنها صدور كائنات حية تتنفس بصمت في عتمة المكان. اختفى صرير الرمال تماما، وحل محله همس مبهم يشبه ضحكات بعيدة أو تمتمات بلغة غير مفهومة، مما جعل لينا تسمع دقات قلبها بوضوح مخيف، وكأن الغابة تعمل كمكبر صوت لكل نبضة ذعر تصدر عنها، وتحولت الجذوع من حولها إلى أشكال ملتوية، وقشورها تلمع ببريق معدني خافت كجلد الأفاعي، بينما تراقصت كائنات صغيرة تشبه الفراشات بأجنحة شفافة، تترك خلفها خيوطا من الضوء تتلاشى في الهواء كالدخان الراحل. وسط هذا الذهول، توقف سديم فجأة أمام جذع ضخم، شجرة عملاقة تبدو كحارس أزلي يقف على أعتاب سرٍّ عظيم، وساد صمتٌ مطبق جعل لينا تشعر بأن الغابة بأكملها تنتظر خطوتهما القادمة. التفت سديم إلى لينا التي كانت تقف مأخوذة بين ذهولها ورعبها، وعيناها المتسعتين تلاحقان كل حركة وتذبذب في الهواء، ومال برأسه قليلا نحوها، وقال بنبرة متهدجة تحمل تحذيرا مبطنا يسري كالقشعريرة في جسدها: - لينا، لا تنظري إلى الظلال طويلا، فالظلال هنا تملك فضولا خاصا، وقد تتبعكِ إن هي أحست بخوفكِ وترددكِ. دون وعي منها، وبفعل غريزة البقاء، تمسكت لينا بطرف ردائه، غارت أصابعها في القماش الخشن وكأنها تتشبث بآخر حبل للنجاة، وسألته بهمس متهدج بالكاد يخرج من حلقها الذي جف تماما: - سديم، عن أي ظلال تتحدث؟ التفت سديم بكامل جسده نحوها، ،ثم أشار بيده ببطء إلى يمينها حيث الظلام خلف الجذوع الملتوية. وهناك، تجسد الكابوس أمام ناظريها في أبشع صوره؛ حيث انبعثت من العتمة ظلالٌ شديدة السواد، تفوق بظلمتها قتامة الغابة، ممتدة بطولٍ مرعب وهيئات مشوهة تحاكي وحوشاً ضارية، لم تكن ملامحها واضحة، باستثناء أعينٍ حمراء كانت تطفو في الفراغ كجمراتٍ مشتعلة، تخبو وتتوهج مع كل شهيق وزفير صامت، وكأنها تتربص بها في قلب ذلك السكون الموحش. تجمدت ملامح وجهها، ويبس لسانها في فمها، وشعرت بجسدها يتحول إلى قطعة من الجليد لا تقوى على الحركة. شعر سديم بارتجاف كتفيها العنيف، فوضع يديه الغلظتين عليهما ليثبتها، ملقيا بشيء من هدوئه الخارق في روعها، وقال بصوت ينساب هادئا لكنه حازم: -لا تخافي، لن يؤذوكِ فهم مجرد حراس للغابة، ولكن لو نظرتِ طويلا إليهم سيتبعونكِ إلى أينما ذهبتِ، حتى يجدوا الفرصة، وينقضوا عليكِ لجعلكِ ظلاً مثلهم. قالت لينا بتلعثم: هل هم من الجن؟ أجاب سديم قائلا: لا، هي فقط أرواح تحرس الغابة من اقتلاع أشجارها. انتفضت لينا والتفتت نحو سديم بسرعة خاطفة، محاولة الهروب بعينيها من تلك الومضات الحمراء التي كانت ترمقها بفضول مفترس، وقالت بنبرة يملؤها الذعر والتوسل: - يعني لو نظرتُ أمامي.. لن يتبعوني أبدا؟ هز سديم رأسه ببطء، وظل ممسكا بكتفيها كأنه يحيطها بدرع من القوة، وأجابها وعيناه تلمعان بجدية: - نعم، إلى الأمام فقط. رغم طمأنته، ظلت لينا ترتعش وتسترق النظر بين الفينة والأخرى، لترى تلك الظلال التي كانت تتقافز خلف الأشجار، فرأت أطيافا قصيرة تتدحرج وأخرى طويلة تتسلق الجذوع بصمت مطبق، انكمشت كتفاها نحو الداخل، وكأنها تحاول تصغير حجم جسدها لتتوارى عن تلك الأعين المشتعلة، بينما كانت أصابعها ترتجف وهي تواصل الشد على طرف رداء سديم، استجمعت شجاعتها المتبقية من بين أنقاض رعبها، ورفعت رأسها بصعوبة لتنظر حولها بحذر، ثم خرج صوتها متقطعا يغلفه الخوف: - قلتَ أن شكلكم مختلف، هل سأرى أحدا منهم الآن بهيئته؟ أم أننا وحدنا في هذا الظلام مع هذه الأشباح؟ نظر سديم إلى الأعلى، حيث كانت الأغصان تتشابك في تعقيد هندسي غريب، مشكلة قبة طبيعية ثقيلة حجبت ما تبقى من ضياء الشمس، وكتمت الأنفاس في صدورهما، لم يلتفت إليها هذه المرة، بل ظل بصره معلقا بتلك المتاهة الخضراء، وقال بنبرة هامسة، جعلت القشعريرة تسري في جسدها كتيار كهربائي بارد: -نحن لسنا وحدنا أبدا يا لينا. في هذه اللحظة، اضطربت دقات قلبها حتى خُيل إليها أن صدى النبض يرتطم بجدران حنجرتها، مما جعل التنفس بحد ذاته جهدا شاقا، فبدأت تمشي خلفه بخطوات حذرة للغاية، وكأنها تطأ على حافة الهواء أو تمشي فوق نسيج عنكبوت واهن؛ كانت تخشى أن يكسر حذاؤها غصنا يابسا، فيوقظ صوته ما يتربص بهما في تلك الزوايا المعتمة. استمروا في التوغل بوتيرة هادئة، لكن السكون لم يكن مريحا؛ فقد أصبح الهواء من حولهم مشحونا بالترقب، وكأن الأشجار نفسها قد تحولت إلى كائنات حية تحبس أنفاسها، وتراقب عبورهم بفضول صامت. كانت عينا لينا تتسعان وتضيقان مع كل حركة بسيطة لورقة شجر أو سقطة حشرة، محاولة فك رموز هذا الغموض، بينما ظل وجه سديم كالقناع الرخامي، خاليا من أي تعبير بشري مألوف، سوى من تلك النظرة الغامضة التي كانت تشع من عينيه، نظرة توحي بيقين تام بأنه يرى في هذا الصمت المطبق تفاصيل تعجز فيها لينا حواسها البشرية عن إدراكها. كان كل شبر يقطعانه داخل الغابة يزيد من شعور لينا، بأنها تبتعد عن عالم المنطق، وتغرق في لجة عالمٍ محكومٍ بقوانين لا تفهمها.