ملوك الظلال - الفصل الثاني
جاري التحميل...
الفصل الثاني
ساد صمت ثقيل، وتجمد الهواء بينهما بينما شردت نظرات "سديم" نحو الأفق البعيد، ثم أعاد بصره إليها، وكانت عيناه تحملان حزنا غائرا، ثم أجاب بنبرة هادئة:
فتحت لينا جفنيها ببطء، فباغتها وهج الشمس وهو ينسكب فوق الكثبان الرملية التي لا تنتهي، كأنها بحر ذهبي يمتد ليذوب في أفق السماء الباهت. ساد الصمت من حولها، ولم يقطعه إلا صوت أنفاسها المرتجفة، حاولت أن تستعيد ما جرى، لكن آخر ما تتذكره كان وجه صديقها، ثم ظلامًا يبتلع كل شيء. وقفت لينا ونفضت عنها رمال الصحراء، ثم شعرت بوخزٍ غريب سرى في عمودها الفقري؛ كأنَّ نسمة جليدية لامست عنقها، التفتت بذعر، فتجمدت ملامحها وتيبست الكلمات على شفتيها المرتجفتين أمام ذاك الوجه الذي تعرفه جيدا. كان سديم يقف هناك، بذات الهدوء الذي اعتادته، وابتسامته التي كانت يوما مرفأ أمانها، يلوح بيده بتمهل وكأنه كان ينتظر قدومها منذ فترة: - لينا.. أهلا بكِ. خرجت حروفها مخنوقة، تتصارع مع دهشتها: - سديم؟ ما الذي تفعله هنا؟ كيف... كيف لحقت بي؟ هل أنت فعلا. توقفت الكلمات عند طرف لسانها، وتلاشت الحروف التي كانت توشك على النطق بها لتترك خلفها صمتا مفاجئا ومطبقا. شعرت ببرودة تسري في أطراف أصابعها، وفي تلك الفجوة من الصمت، دوت كلمات الشيخ العجوز داخل رأسها، كأجراس ضخمة يتردد صداها في أروقة وعيها، هازّة كيانها من الداخل: - سيكون لي أعوان وأصدقاء، يتشكلون بهيئة البشر، ينتظرونك هناك ليشدوا عضدك ويساعدوك. كان وقع هذه الكلمات كافيا ليجعل نبضات قلبها تتسارع في إيقاع مضطرب خلف أضلاعها، اتسعت حدقتا عينيها وثبتت نظرتها في الفراغ، بينما بدأ عقلها ينسج خيوطا مضطربة بين الماضي والحاضر. وفجأة، غامت الرؤية أمامها حين ترقرقت الدموع في عينيها، وتمنت لو أن الرمال تنشق وتبتلعها، لتختفي عن هذا العالم قبل أن تواجه الحقيقة المريرة التي بدأت تتشكل ملامحها أمامها. سكنت حركتها تماما، وأطبقت شفتيها محاولة استجماع شتات نفسها، لكن فضولها لمعرفة الحقيقة، كان أقوى من قدرتها على الكتمان، فرفعت بصرها نحوه، وسألته بصوت واهن يرتجف بشدة: - أجبني بصدق.. هل أنت منهم؟ هل أنت جني؟ ساد صمت ثقيل، وتجمد الهواء بينهما بينما شردت نظرات "سديم" نحو الأفق البعيد، ثم أعاد بصره إليها، وكانت عيناه تحملان حزنا غائرا، ثم أجاب بنبرة هادئة: - نعم، يا لينا. شعرت لينا وكأن الأرض قد مالت من تحت قدميها؛ اختل توازنها فجأة وترنحت إلى الخلف، وكأن الكلمات من دفعتها، فتقدم سديم نحوها بخطوة سريعة، مدفوعا برغبة في إسنادها، لكنها انتفضت بذعر لم يعهده فيها من قبل، رفعت يدها في وجهه بحركة دفاعية متشنجة، كمن يصد هجوما من كائن مفترس، وصرخت بنبرة مخنوقة: - لا تلمسني! توقف مكانه فورا، وتصلبت أطرافه، بينما كانت هي تحدق في كفه الممدودة برعبٍ جديد، لم تعد ترى فيها اليد التي كانت تساعدها في حمل الكتب بالجامعة، بل رأت مخالب خفية تتربص بها خلف قناع الجلد البشري. تراجعت خطوة أخرى، وهي تشهق بأنفاس متلاحقة، وقالت بصوت يملؤه الارتياب: - كيف لي أن أعرف أنك لا تكذب الآن أيضا؟ الجامعة، المحاضرات، كل تلك الشهور كانت مسرحية؟ ما الذي تريده بالضبط؟ هل تريد أن تؤذيني؟! أجاب سديم، وقد لبس وجهه برودا أخفى خلفه عاصفة من الانزعاج والحزن الذي يعتصر قلبه، وقال: - لو كنتُ أريد بكِ شرا، لما انتظرت كل هذا الوقت يا لينا، أنا هنا لأنقلك مباشرة للملك ولأساعدك. ثم أردف بهدوء، كمن يحاول تهدئة عاصفة هبّت فجأة: - أنا لم أخدعك يوما، هل تذكرين ذلك المساء في المكتبة حين أخبرتك بحقيقتي؟ لقد ضحكتِ طويلا ونعتني بالمجنون، لم أخفِ شيئا، لكن عقلك البشري هو من اختار التكذيب بدل التصديق. وقعت كلماته عليها كالصدمات المتتالية، فشعرت بغصة تخنق صوتها، وقاطعته بحرقة بينما انهمرت دموعها بغزارة فوق وجنتيها الشاحبتين، تاركة خلفها مسارات من الانكسار المرير: - بالتأكيد سأفعل! من قد يصدق أنكم تعيشون بيننا وتخاطبوننا كل يوم بملامحنا؟ لقد انتحلت هيئتنا البشرية، ومن الطبيعي أن أرفض تصديقك وأكذب حواسي، فأنا لم أشهد في حياتي أمرا يتجاوز حدود العقل كهذا. اجتاحتها رعدة قوية وهي تدرك أن الحقيقة لم تكن مواراة خلف الجدران، بل كانت قائمة أمامها بوضوح طوال الوقت، لكنها اختارت أن تغلفها بإنكارها. ومع هذا الإدراك المباغت، نظرت إليه وكأن ملامحه التي طالما ألفتها بدأت تذوب وتتلاشى خلف ضباب كثيف من الذعر والارتباك؛ إذ تحولت فجأة كل ذكرى جمعتهما في الجامعة إلى مجرد مشهد من مسرحية أتقن هو أداء دورها ببراعة، بينما بقيت هي المشاهد الوحيد الذي فاتته خيوط الحبكة، ولم يدرك حقيقة ما يدور. أما سديم، فقد طرأ على ملامحه تحولٌ مباغت؛ إذ ضاقت عيناه اللوزيتان وبرزت عقدة حاجبيه الكثيفين في تعبيرٍ يشي بصراعٍ داخلي مرير، ورغم ذلك الانزعاج الذي فاضت به ملامحه، فإنه لم يكسر هدوءه الرصين، بل تشبث به كغلاف أخير يحميه من انهيار أعصابه. وفي اللحظة التي كان جسده يستشعر فيها تلاشي حرارة الصحراء أمام برودة المساء الزاحفة، كان عقله يتقد نشاطا، محاولا رسم خطة للهرب ببراعة قبل أن يبتلعه الليل وظلامه الدامس. أراد أن يقطع سيل أسئلة لينا التي كانت تنخر في صبره كقطرات ماء فوق صخر صلد، ضيق عينيه وظهرت ابتسامة خاطفة على ثغره، ثم أشار بيده نحو الأفق، حيث بدأت الشمس تجر أذيالها الذهبية المنهكة نحو المغيب، وقال بصوت خفيض يحمل نبرة تحذير هزت سكون المكان: - لينا، الوقت ليس في صالحنا، إنه يهرب منا. إن استمر هذا الجدال شيماء ستموت، إما أن نتحرك الآن أو ننسى أمر إنقاذها؛ الخيار لكِ سكنت ثورة لينا فجأة، وانطفأت حدة غضبها تحت وطأة ذعر جديد؛ شعرت ببرودة تسري في عروقها رغم حرارة الجو المتبقية في الرمال، فصورة شيماء وهي تنازع الجن في جسدها، كانت كفيلة بتجميد كل خلافاتها مع سديم وتبديد دهشتها من حقيقته. تنفست بعمق، محاولة طرد الغصة من حلقها، ورمت بنظرها نحو المدى اللامتناهي، مدركة في لحظة تجلٍّ مرعبة أن الرحلة التي بدأتها كانت من أجل صديقتها، ويجب أن تنهيها مهما كلف الأمر. سألت بصوت مخنوق بالوجل، وعيناها معلقتان بوجهه الذي صار غريبا ومألوفا في آن واحد: - ما الخطوة التالية؟ أجابها وعيناه مثبتتان عليها بنظرة ثاقبة، ثم أشار بيده ببطء نحو ما يقع خلفه، قائلا: -أن نعبر إلى تلك الغابة، هناك حيث يربض الملك. نظرت لينا خلف سديم، واتسعت عيناها بذهول ألجم لسانها؛ فخلف ظهره مباشرة، انبعثت من قلب العدم غابةٌ من الأشجار الخضراء المورقة، أغصانها متشابكة كأصابع عمالقة تتعانق في عنفوانٍ مهيب، كان المشهد مرعبا وسرياليا؛ صحراء قاحلة يقطع صمتها فجأة جدار من الخضرة الكثيفة. ابتلعت ريقها بصعوبة وقد بدأ شعورٌ بالغرابة ينهش طمأنينة قلبها: فكيف لصحراء قاحلة أن تحتضن في جوفها غابة بهذا الكثافة؟ ثم تلاحقت الظنون في رأسها: -هل الغابة هي موطنهم الفعلي، أم أن هذه الأشجار ليست سوى بوابة لعالمهم الحقيقي الأشد غموضا ورعبا؟ ورغم محاولتها المستميتة للوثوق به، كان ثمة تردد في أعماقها، حدسٌ خافت يشبه وخزة إبرة، يهمس لها بأن الدرب الذي توشك على سلوكه ليس طريقا لنجاة صديقتها، بل هو مسار لا رجعة فيه، سيحتجزها هناك للأبد، وبأنفاسٍ مضطربة، التفتت إليه وسألته: -أين تعيشون؟ هل هذا هو عالمكم....مجرد صحراء وغابة؟ ارتسمت على شفتي سديم ابتسامة باهتة، امتزج فيها الوقار بمسحة من الحزن، ثم بدأ يخطو خطواته الأولى نحو الغابة الكثيفة وهو يقول بنبرة حازمة: -سأجيبكِ عن كل شيء، لكن دعينا نتحرك الآن، وإياكِ والتوقف. مشت لينا خلفه، تراقب تارة الطريق المتعرج تحت قدميها، وتارة أخرى ظهر سديم الذي كان يمشي بثقة غريبة، فبدأت تستعيد ذكرياتها معه؛ تذكرت كلماته، وتشجيعه، وطيبته ومساعدته للآخرين. وتذكرت ذلك اليوم البعيد في أروقة المكتبة حين باح لها بهويته الحقيقية، فضحكت يومها من قلبها واعتبرتها مزحة ثقيلة. الآن، وسط هذا الصمت المهيب الذي يبتلع الأصوات، اعترفت لنفسها بمرارة: - لم يكن يكذب أبدا، بل أنا من لم يصدقه حينها لغرابة الحديث. قطع سديم حبل أفكارها، والتفت بنصف وجه نحوها، وكأن ضياء الغابة الخافت يبرز حدة ملامحه: -يا لينا، هذه الغابة هي جزء من عالمي، وأكثر بقاعه غرابة، ستجدين هنا الجمال في أبهى صوره، والجنون في أقسى تجلياته. لا تخافي، طالما أن ظلي يلامس ظلك، فلن يجرؤ شيء على مساسك. ابتسمت لينا رغما عنها، وشعرت بدفء غريب يسري في أوصالها من كلماته، رغم البرودة المفاجئة التي بدأت تتسلل من بين أوراق الشجر، تابع سديم حديثه بنبرة هادئة، وعيناه تجولان في أرجاء الغابة بنظرة غامضة: - نحن أمم أمثالكم، لنا حكام وقبائل، مدن عامرة وقرى منسية، فينا المثقف والجاهل، والشيطان والطيب، لا نختلف عنكم في الجوهر، إنما في القدرة والشكل. هنا، انتفض قلب لينا بين ضلوعها، وتوقفت للحظة عن السير، لم تكن تسمع الكلمات بقدر ما كانت تراقب حركة شفتيه بارتيابٍ محموم. وفجأة، لمع في ذهنها خاطرٌ خفي، تسلل كأفعى بين شقوق أفكارها: - ماذا لو كان كل هذا فخا؟ توقفت دقات قلبها للحظة وهي تحدق في ظهره؛ ماذا لو أن سديم هو نفسه الكيان الذي تلبّس شيماء؟ ماذا لو كان اتفاقا سريا ومظلما عقده مع ذلك الشيخ العجوز ليقوداني إلى هنا بمحض إرادتي؟ حاولت الدفاع عنه، فهزت رأسها بعنف كأنها تطرد ذبابة مزعجة، وهمست لنفسها: - لا، سديم الذي أعرفه، لا يمكن أن يملك هذا القدر من الخبث. لكن هذا الدفاع الضعيف انهار أمام حقيقة صلبة نبتت كالشوك في عقلها؛ فندت فكرتها بمرارة وقالت بصوت داخلي يقطر وجعا: - سديم الذي تعرفينه؟ أي سديم؟ أنتِ لا تعرفين سوى قناع جلدي بشري، ما الذي أعرفه أنا عن عالمهم وقوانينهم؟ عادت تنظر إلى مشيته الرزينة، وشعرت بالغثيان من فكرة أن هذا الهدوء قد يكون غلافا لآلة خداع محكمة، ثم تابعت تحدث نفسها بمرارة: - لقد أخفى حقيقته الكبرى لشهور، فما الذي يمنعه من تمثيل دور المنقذ الآن؟ هل يضطر لخداعي ليسوقني إلى مملكته؟