كسر الإيقاع | أثيرالس ( عهد الكريستال المفقود)
كسر الإيقاع
.........
غادرت تولين وادي التناهيد برفقة "كايل"، محملة بنصائح الحكيم "سول" التي كانت تثقل كاهلها أكثر من سلاحها. كانت السماء فوق "سهول الصدى" تكتسي بلون أرجواني غريب، وكأن الغيوم نفسها محتقنة بالخوف.
"تولين، هل أنتِ واثقة مما نفعله؟" سأل كايل بنبرة مشوبة بالقلق، وهو يتحسس موضع قلبه حيث بدأت آثار "الصمت" تترك ندوباً رمادية على جلده. "متاهة المرايا ليست مكاناً للعابرين، يقال إن من يدخلها يخرج وقد فقد صوته الداخلي."
التفتت إليه تولين، وعلى وجهها ابتسامة مشرقة كشمس الصباح، ومسحت خصلة من شعرها المتموج خلف أذنها. "يا كايل، لو خفنا من كل حكاية تُروى، لبقينا حبيسي الكهوف! الصمت لا يملك سلطاناً إلا على من يفتح له باب قلبه. أما نحن.. فنحن نحمل 'نغمة اليقين'. انظر!"
أمسكت تولين بحجر صغير، وأطلقته في الهواء بنقرة من إصبعها، ثم أصدرت صوتاً رقيقاً من حنجرتها جعل الحجر يدور حول نفسه ويصدر رنيناً موسيقياً مبهجاً قبل أن يسقط. "رأيت؟ حتى الحجر يمكنه أن يغني إذا وجد من يحفزه."
بينما كانا يتقدمان نحو المتاهة، حدث شيء غير متوقع. الإيقاع الكوني الذي كانت تولين تشعر به دائماً بدأ يتكسر. الطيور التي كانت تزقزق فجأة سكتت، والرياح التي كانت تداعب الأشجار أصبحت خشنة، تصدر صريراً يخدش الآذان.
تلاشت الابتسامة من على وجه تولين تدريجياً، و اعتلت نظرات حازمة وجهها ثم همت قائلة: "سبحان من يغير ولا يتغير.. ما هذا النشاز؟"
فجأة، انبعثت من الأرض نبضات سوداء، كانت تشبه الأمواج التي تضرب الشاطئ، لكنها كانت أمواجاً من "العدم". تعثر كايل وسقط على ركبتيه، يلهث بشدة، بينما بدأت الندوب الرمادية على صدره تتوهج بلون داكن.
اندفعت تولين نحوه وهي تصرخ "كايل!" ثم حاولت أن تمسك بيده، لكنها شعرت بصدمة كهربائية باردة دفعتها للخلف. كان هناك "كسر في الإيقاع" يمنعها من الوصول إليه.
من بين الضباب الأسود، ظهرت شخصية لم تتوقعها تولين أبداً. لم يكن وحشاً، بل كان رجلاً يرتدي ملابس "جامعي الأصداء"، لكن وجهه كان باهتاً كالموتى، وعيناه فارغتان تماماً. كان هو "زيدان"، المعلم الذي فقدته تولين منذ سنوات وظنت أنه مات.
همست تولين قائلة: "معلمي؟" و أغرورقت الدموع في عينيها. "هل أنت حي؟"
أجاب زيدان بصوت حاد كشفرة الحلاق: "الحياة والموت مجرد نغمات يا تولين.. وأنا اخترت الصمت الأبدي. 'مورغوث' أراني الحقيقة؛ أن كل هذا الضجيج الذي تسمينه 'حياة' ليس إلا فوضى لا معنى لها. الصمت هو الكمال الوحيد."
رفعت تولين رمحها، وقلبها يعتصر ألماً، لكن شجاعتها كانت أقوى من عاطفتها. "لا يا معلمي! الصمت الذي تدعو إليه هو القبر. الله خلقنا لنكون خلفاء في الأرض، والخليفة يعمرها بالذكر والعمل والبهجة، لا بالخمود والعدم. لقد خنت الأمانة!"
اندفع زيدان نحو تولين بسرعة لا تدركها العين، مستخدماً قوى "الصدى المنكسر". كانت ضرباته تصدر أصواتاً تمزق الروح. كانت تولين تتفادى ضرباته ببراعة، مستخدمة أسلوبها الفريد الذي يدمج بين القوة واللطافة.
"استغفر الله العظيم من كل فكر يضلل العباد!" قالتها تولين وهي تقفز فوق ضربة غادرة، ثم سددت لزيدان طعنة برمحها لم تقصد بها قتله، بل أصابت "البلورة السوداء" التي كانت معلقة في عنقه.
انفجرت البلورة، وصرخ زيدان صرخة مدوية هزت أركان السهل، ثم تلاقى جسده مع الأرض وتلاشى كالغبار، تاركاً وراءه كلمات أخيرة: "احذري.. المتاهة.. هي مرآة لضعفكِ يا تولين."
هدأ المكان، لكن الثمن كان غالياً. كايل لم يعد يستطيع الكلام، فقد سلبته تلك المواجهة صوته تماماً. وقفت تولين في وسط السهل الرمادي، وحيدة مع رفيق صامت، وأمامها مدخل "متاهة المرايا" الذي بدأ يلوح في الأفق كفم وحش عملاق.
مسحت تولين دمعة وحيدة سقطت على خدها، ثم التفتت إلى كايل وربتت على كتفه بلطف: "لا تحزن يا صديقي.. سأعيد لك صوتك، ولو اضطررت لمواجهة ألف مورغوث. تولين لا تستسلم، والآن.. لنذهب لنرى ما تخفيه هذه المرايا من أسرار."
كانت الخطوات نحو المتاهة ثقيلة، لكن قلب تولين كان لا يزال ينبض بتلك "النغمة" التي لا تنطفئ، نغمة الأمل التي تتحدى العدم.