قطار زانيتي: تذكرة إلى العدم (مرايا من العدم)
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

قطار زانيتي: تذكرة إلى العدم (مرايا من العدم)

جاري التحميل...

مرايا من العدم

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

الفصل الرابع: مرايا من العدم


​المرآة كانت هناك منذ البداية..
هذا ما حاول عقلي إقناعي به لاحقًا، في محاولة يائسة لترميم شظايا منطقي المنهار.
 مرآة طولية مثبتة على الجدار المقابل لمقاعد العربة الثانية، يحيط بها إطار نحاسي باهت أصابه الصدأ في زواياه.. لا شيء يلفت النظر، مجرد قطعة ديكور عادية في قطار يُفترض أنه فاخر. 
​لكنني أقسم — وأنا رجل لا يوزع الأقسام مجانًا — أنها لم تكن موجودة قبل المحطة السابقة.
​لاحظتها بالصدفة البحتة، كنت أبحث عن وجهي.. تلك الحاجة البشرية الغريزة لتأكيد أنك لا تزال أنت، وأنك لم تُستبدل بنسخة أخرى رديئة دون علمك ورفعتُ رأسي فرأيتها.


​اقتربتُ منها بخطوات ثقيلة..
 كان انعكاسي واقفًا في مكانه، يرمقني بنظرة قلقة، نفس المعطف المجعد، نفس الشعر المبعثر الذي لم يعرف المشط منذ دهر، ونفس الهالات السوداء التي استوطنت تحت عينيّ كعلامة تجارية للفشل، تطمأنتُ.. لثانيتين فقط.
​
​كانت هناك مقاعد خلفي.. مقاعد مشغولة ببشر من لحم ودم، أسمع أنفاسهم وأرى حركتهم.. لكن في المرآة.. كانت تلك المقاعد فارغة تمامًا!
​التفتُّ خلفي بسرعة البرق.. العربة كانت نصف ممتلئة..
 رجال ونساء، وجوه شاحبة، عيون متوجسة تلاحق المجهول.. كلهم كانوا هناك، يملأون الحيز المادي للعربة.. عدتُ أنظر للمرآة.. لكنها أصرّت على رأيها ببرود مستفز.
​— هل ترى ما أرى؟
سألتُ الشاب الجالس إلى جواري بصوت خافت..
 نظر إليّ باستغراب كأنني أسأله عن نتيجة مباراة كرة قدم تُلعب في قاع المحيط بين فريق الحوت الأزرق ونادي الكراكن المفترس. 
— أرى ماذا؟
​أشرتُ بإصبع يرتجف نحو المرآة.. تقدم خطوة.. ثم توقف فجأة كمن صدمه تيار كهربائي
همس ببطء: 
— هذا.. هذا غريب.


​في المرآة لم يكن يرى أحد سوانا.. أو بالأحرى، لم يكن يرى الجميع.. بعض الركّاب يظهرون بوضوح والبعض الآخر.. مجرد هواء


امرأة مسنة اختفت تمامًا من الانعكاس كأنها لم تولد قط، رجل نحيل كان يظهر في المرآة لكنه بدا أطول، وأكثر انحناء. 
وطفل — أقسم أنني رأيت طفلًا معنا قبل قليل — لم يظهر لا في المرآة ولا في الواقع.. تبخر تماماً.


​— ربما المرآة معطوبة.. قال أحدهم بنبرة عقلانية يائسة، من تلك التي نستخدمها لنفسر بها الحرائق بينما النيران تلتهم ثيابنا.
— أو ربما نحن.. قلتُها وأنا واضع يدي عليها شاعرا ببرودة الزجاج تخترق عظامي.


​في تلك اللحظة مرّ المُحصّل
لم أفاجأ برؤيته هذه المرة فقد صار وجوده هو الثابت الوحيد في هذه المعادلة المجنونة؛ بل العكس، صار غيابه هو ما يثير الريبة.
​
— عذرًا.. قلتُ وأنا أشير للمرآة:
 هل هذه.. طبيعية؟
تأملها للحظة ببرود مهني، ثم قال:
— على حسب ما تعنيه بكلمة طبيعية يا سيد فيرّيتي.
— لماذا لا يظهر بعض الركّاب؟
​ابتسم وقال:
— لأنهم ببساطة لم يعودوا.. ركّابًا.


ساد الصمت قبل أن تسأل امرأة بصوت يرتجف:
— وماذا أصبحوا إذن؟
اقترب المُحصّل منها، وخفّض صوته:
— احتمالات غير مُعتمدة.
صرخ أحدهم: 
— هذا لا معنى له. 
— بل له كل المعنى هنا.. في هذا القطار.


​جلستُ مكاني، وشعرت بدوار مزعج يهاجم رأسي.. 
سألته وأنا أضغط بيدي على رأسي محاولا تخفيف حدة الصداع: 


— هل القطار هو من يقرر من نحن؟
هز رأسه نافياً:
 — لا.
— إذن؟
— القطار يكشف فقط عمن ستكونون.. لو قررتم الاستمرار.
​بدأتُ أفهم.. وكنت أكره نفسي لأني بدأت أفهم.
قُُلت: 
— الذين لا يظهرون في المرآة.. هم الذين لن يصلوا؟
— بل هم الذين وصلوا بالفعل.. قالها المُحصّل بلهجة قاطعة.


— لكنهم ما زالوا هنا.. أمامنا!
— أجسادهم فقط.. مجرد قشور لثمرة التهمها العدم.
​
التفتُّ إلى المرأة المسنّة..  كانت تنظر أمامها بهدوء مريب، كأن ثقلاً جبالياً قد أُزيح عن كاهلها.. 
 سألتها بفضول حذر:
— هل أنتِ بخير؟
نظرت إليّ، وابتسمت ابتسامة لطيفة لم أرَ مثلها منذ بدأت هذه الرحلة الملعونة:
— أنا بخير جدًا.. أفضل مما كنتُ عليه منذ سنوات طويلة.
وكما توقعت تماما... في المرآة.. لم يكن لها وجود.


​بدأت العربة تتغير.. لا أعني الديكور أو الإضاءة، بل الإحساس بالمكان.. كأن الحيز صار أضيق رغم أن الجدران لم تتحرك مليمترًا واحدًا.


 الأصوات خفتت وفقدت اتجاهها، وصار الكلام يأتي من كل مكان ومن لا مكان في آن واحد.
​ثم حدث الشيء الذي حطم آخر تروس المنطق في عقلي.. 


الرجل الأكاديمي رمز الصلابة والعلم وقف فجأة ونظر إلى يديه بذعر:
— هذه ليست يداي! قالها بهدوء مخيف يسبق العواصف عادة. 
​اقتربنا منه.. يداه كانت عاديتين تماماً، لكنه كان يرتجف بعنف.
— أنا أتذكر شكلاً آخر.. أتذكر ندبة قديمة هنا.. لقد اختفت. 


نظر إلى المرآة.. لم يكن له انعكاس.. جلس ببطء، ثم قال بلهجة من أدرك نهايته: 
— أظنني.. انتهيت.
​في اللحظة التالية، لم يختفِ الرجل، لم يمت، ولم يصرخ.. فقط صار غير مهم، 
وجوده فقد وزنه النوعي، الناس لم يعودوا ينظرون إليه، كلماته صارت بلا صدى كأنها تُقال في بئر سحيق. حتى أنا، وأنا أراقبه بكل حواسي، شعرتُ أن عقلي ينزلق عنه، كأنه صار فكرة جانبية لا تستحق العناء.


قال المحصل ببروده المعتاد: 
​— هذا يحدث عندما يتوقف الشخص عن المقاومة..أو عندما يقتنع بأن ما سيأتي أفضل مما كان.


— وهل هو كذلك فعلاً؟


نظر إليّ طويلاً قبل أن يجيب بكلمة واحدة: 
—أحياناً.
​
عدتُ للمرآة مرة أخرى. نظرتُ في عينيّ.. كنتُ هناك، لكن الصورة لم تكن مستقرة.. ظلي يتأخر عن حركتي بنصف ثانية، ملامحي تومض وتضطرب، كأن هناك نسخاً مختلفة مني تتصارع للاتفاق على شكل واحد نهائي.
​
— كم بقي لي؟ سألتُه وأنا أحدق في اللا شيء.
— سؤال جيد.. وقليلون هم من يملكون شجاعة سؤاله.
— أريد إجابة.
— ما دمت تظهر في المرآة، فهذا يعني أنك لم تختر بعد.
— وماذا لو لم أختر أبدًا؟
​ابتسم ابتسامة حزينة، تشبه تلك التي نراها على وجوه التماثيل القديمة:
— إذن.. القطار سيختار نيابة عنك.
​في تلك اللحظة، بدأ القطار يُبطئ.. صفير بعيد.. اهتزاز مختلف عن كل ما سبق.
محطة أخرى تقترب..
لكن هذه المرة، لم يكن الضباب هو ما يثير رعبى..
 كان الخوف الحقيقي يكمن في فكرة واحدة تنهش عقلي: ماذا لو اختفيتُ من المرآة.. قبل أن أعرف أي نسخة مني هي التي تستحق البقاء؟
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.