نوفلو | Novloo: ZuEaAYWSUEU23U4LKPFipRltoWu2
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

أنتِ الأمان نور

"إلى صديقتي… لم أكن يومًا أبحث عن الأمان، ولم أتخيل أن أجده صدفة في طريق قلبي. كنت أظن أن الأمان شيء بعيد، شيء نبحث عنه طويلًا بين الناس والأيام، لكنني اكتشفت معكِ أن بعض النِعَم لا نبحث عنها… بل يرسلها الله إلينا في الوقت الذي تكون فيه قلوبنا في أمسّ الحاجة إليها. حين عرفتكِ، أدركت أن بعض اللقاءات ليست مجرد صدفة عابرة،

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

رواية حشيش.. وخيال غير علمي (مقبرة النيون في كوكب أوريزون)

جاري التحميل...

مقبرة النيون في كوكب أوريزون

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

الفصل الثاني: مقبرة النيون في كوكب أوريزون.. 




​القفزة عبر الزمكان تشبه أن يتم عصرك داخل خلاط فواكه صدىء معطل.. 
ظلت معدة سيد في إمبابة بينما وصل جسده إلى كوكب أوريزون.. 


عندما انفتحت أبواب السفينة لم يجد الحضارة المتقدمة التي رآها في أفلام الخيال العلمي؛ بل استقبلته أنفاس غريبة.. رائحة كيميائية نفاذة تشبه مزيجاً من حريق في معمل وعطر رخيص منتهي الصلاحية.


​كان كوكب أوريزون غارقاً في غسق أبدي.. 
الشمس هناك تبدو كجمرة منطفئة يحجبها غلاف جوي سميك من سحب الدخان الاصطناعي الملون.. 
المباني شاهقة.. أبراج بلورية تناطح السحاب لكن سيد وهو يسير بين الحراس الآليين لاحظ الشقوق في جدرانها.. 


الشوارع الذهبية مغطاة بطبقة من لزوجة براقة، تشبه تلك القشرة التي تتكون فوق برك مياه الصرف الصحي تحت أضواء النيون.
​
تمتم الأمير زيلاكس وهو يترنح خارج السفينة:


_أهلاً بك في الفردوس. 


 كان الأمير يقبض على جهازه الذهبي بشدة، وعيونه تلمع بطاقة جنونية وجوفاء في آن واحد.


​​بينما كانوا يتوجهون صوب القصر الملكي رأى سيد المواطنين.. 


في إمبابة كان  يرى المدمنين زبائنه..
كان يعرف العيون الغائرة والرعشات العصبية والملابس المهملة.. لكن سكان أوريزون كانوا نوعاً آخر من الرعب.. 


​لم يكونوا جائعين بل كانوا موصولين، بعضهم يجلس في زوايا الشوارع وأسلاك مضيئة متصلة بصدغيه، ووجوههم متجمدة في ابتسامة عريضة مرعبة، بينما أجسادهم تذوي وتتحول إلى جلد على عظم..
 وآخرون يطاردون فراشات الضوء *وهي طائرات آلية صغيرة تبث ترددات تهيج مراكز اللذة في الدماغ حتى يتوقف القلب حرفياً من فرط السعادة الزائفة*


​قال زيلاكس وهو يلوح بيده النحيفة بلا مبالاة: 
_انظر إليهم.. هؤلاء رعاياي.. لقد ذاقوا كل شيء، لكنهم يشعرون بالملل يا سيد.. المواد الاصطناعية لم تعد تؤثر فيهم، إنهم مثل الأشباح التي تبحث عن حائط تصطدم به لتشعر أنها موجودة. 


​شعر سيد بقشعريرة لا علاقة لها ببرودة الكوكب.. 
رأى فتاة صغيرة ليست أكبر من أخته تحاول أكل شعاع ضوئي هولوجرامي وتخمش بأظافرها في الهواء حتى نزفت أصابعها.. لم يساعدها أحد..
 الجميع كانوا مشغولين بمطاردة ظلالهم الخاصة.


​همس لنفسه: 
_ هذا ليس كوكباً.. هذه غرفة انتظار في مشرحة. 


​
​لم يُؤخذ إلى غرفة ضيوف في القصر الملكي بل إلى زنزانة تقنية فائقة التطور أطلقوا عليها (ملاذ النباتات) كانت مليئة بأوعية زجاجية تغلي، وشاشات تومض بأرقام لا تنتهي.


​قال زيلاكس بلهجة حادة يملؤها الاحتياج:
_الآن.. القطعة التي أعطيتني إياها انتهت.. أريد المزيد، أريدك أن تزرعها.. تضاعفها.. أريد أن أغرق هذه المدينة بـ غبار إمبابة.. إذا استطعت أن أشعر بذلك الثقل في رئتي مرة أخرى، فربما لن أشعر أنني فارغ هكذا. 


​قال سيد وصوته يرتجف: 
_يا جلالة الأمير.. هذه ليست ماكينة تصوير.. 
هذا زرع.. يحتاج تربة.. يحتاج شمس.. يحتاج رواقة بال.. لا يمكنك ضغط زر لتخرج كيلو حشيش مغربي كأنك تطلب كوب شاي من مكنة. 


​أمسك زيلاكس بياقة قميص سيد المغبرة.. كان وجه الأمير خريطة من الأوردة المنفجرة.. فحيح صوته يقول: 
_إذن استخدم يديك البدائيتين.. خدمي سيعطونك أي شيء، لكن إذا فشلت.. سأقوم بتوصيلك بـ الصرخة الأبدية.. وهو تردد يجعلك تشعر كأنك تسقط في ثقب أسود للأبد.. إنها الرحلة السيئة الوحيدة المتبقية لدينا، وأنا أدخرها لمن يخذلني. 
​
​تُرك سيد وحيداً في المختبر، جلس على مقعد طائر في الهواء ونظر إلى يديه.. لسنوات كان يفتخر بأنه تجر رجل يعرف أسرار الشارع وخبايا وجه زبائنه،
 كان يقنع نفسه دائماً بأنه مجرد رجل أعمال يقدم خدمة لمن يطلبها.


​لكن رؤية أوريزون كانت تشبه النظر في مرآة مكبرة لتجارته..
 في الأرض كانت النتائج تختبئ في الأزقة المظلمة والبيوت المحطمة.. أما هنا، فالنتيجة كانت كوكباً بأكمله.. فقط طنين الآلات وأنفاس المدمنين اللاهثة.


​مد يده في جيبه وأخرج صورة مجعدة لأمه وإخوته وهم يجلسون حول طبلية بلاستيكية في إمبابة، يأكلون الفول والباذنجان..  كانوا فقراء نعم..
والطلاء يتقشر عن الجدران.. لكن عيونهم كانت هنا.. كانت حاضرة.
​
دخل آليّ.. وجهه المعدني يعكس تعبير سيد المتعب والمليء بالذنب.. 
طّنّ الآلي:
_أيها الخاضع سيد.. الأمير يطلب تقريراً عن التقدم.. إنه يهتز الآن بتردد خطير، وقد بدأ في أكل ستائر القصر. 


​نظر سيد إلى الكيماويات المتطورة من حوله، أدرك أنه إذا أعطى زيلاكس ما يريد فسيكون هو الشخص الذي يطفئ آخر شرارة حياة في هذا الكوكب. 


​قال سيد وعقله يسابق الزمن: 
_قل له.. الضباب الأرضي يحتاج لطقوس.. أحتاج لتحضير فحم الروح. 
​
بينما غادر الآلي نظر سيد إلى فتحة تهوية في الجدار، لم يعد يريد تصنيع شيء.. أراد العودة ليتنفس عوادم ميكروباصات القاهرة.. على الأقل تلك العوادم كانت مصنوعة من الحياة لا من موت يلمع بالنيون.


​وفجأة، اهتز القصر.. انطلق إنذار يشبه انذارات الحريق الأرضية،  يبدو أن حفلة الأمير بدأت تخرج عن السيطرة، والأحداث الصادمة التي كان يخشاها سيد لم تكن إلا في بدايتها.
               

قطار زانيتي: تذكرة إلى العدم (الفصل الأخير) | المفارقة التي تلتهم ذيلها

جاري التحميل...

المفارقة التي تلتهم ذيلها

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

الفصل الخامس: المفارقة التي تلتهم ذيلها.. 




​المحطة الأخيرة لم تُعلن عن نفسها..
في عالم زانيتي لا توجد أجراس تنبيه، فالكارثة دائماً ما تصل في صمت الموتى
​القطار لم يتوقف؛ بل انسلخ عن الحركة شعرتُ فجأة أن ثقل جسدي قد تبخر، و الضوء خارج النوافذ استقر على درجة رمادية اللون، درجة تُذكرك بلون جدران المستشفيات في ساعة الغروب.. اللون الذي يعني أن كل شيء قد انتهى، لكن لا أحد يملك الشجاعة ليخبرك.. 


​نظرتُ في المرآة..
لم أكن هناك.. 


لا بوجهي الكامل ولا حتى نصف وجه، ولا ضباب.. فقط المقعد الفارغ خلفي..


 لقد أصبحتُ (احتمالاً غير معتمد) بالكامل.
​
— لا ترتعب.. الغياب هنا هو أرقى درجات الحضور.
قالها المُحصّل وهو يضع يده على كتفي.. لم أشعر ببرودة يده، لأنني لم أعد أملك جسداً يشعر.
سألتُه بصوت لا يسمعه سوى عقلي: 
— هل وصلنا؟
— وصلنا إلى المكان الذي تُصنع فيه الحكايات قبل أن تحدث.. مرحباً بك في المطبخ. 




​انفتح الباب لكنه لم يؤد إلى رصيف كما تفعل أبواب القطارات الطبيعية المؤدبة، بل إلى ممر لا نهائي من الأرفف، كانت قاعة هائلة.. تشبه أرشيفاً سرياً في قبو الفاتيكان، وعلى كل رف كانت هناك دفاتر متطابقة تماماً.. نفس لون الغلاف الجلدي لدفتري.. 
​مشيتُ بذهول، سحبتُ دفتراً عشوائياً.. قرأت السطر الأول:
(لم أكن أنوي ركوب هذا القطار.. اسمي ماريو، صحفي مغمور..)
​سحبتُ آخراً:
​(لم أكن أنوي ركوب هذا القطار.. اسمي ستيفانو، صحفي مغمور..) وهكذا الثالت والرابع والعاشر..! 
​شعرتُ بالدوار.. سألتُ المُحصّل:
 — من هؤلاء؟
أجاب وهو يشعل سيجارة تفوح منها رائحة الورق المحروق:
 — أسلافك.. لوتشيانو ليس اسماً بل وظيفة، القطار يحتاج دائماً إلى شاهد، والشركة تحتاج دائماً إلى من يثبّت الرحلة في السجلات. 




​وصلنا إلى نهاية الممر وهناك وجدنا مكتباً قديماً يجلس خلفه رجل عجوز وجهه عبارة عن خريطة من التجاعيد، وعيناه مفقودتان خلف نظارة سميكة.. 
كان يكتب بهمة.. وحين اقتربتُ منه تجمدت الدماء في عروقي — لو كان لدي دماء —
الرجل كان يكتب.. الفصل الأول من نفس القصة!
صرخت فيه: 
​— أنت تكتب قصتي؟ 
رفع رأسه وللمرة الأولى رأيتُ وجهه بوضوح.. ويا للصدمة التي قضت تماما على أخر ركن من أركان عقلي.. لقد كان... 
لقد كان.. أنا! 
كان أنا بعد خمسين عاماً من الكتابة في هذا القبو، 


​قال العجوز بصوت وهو صدى لصوتي:
— لقد تأخرت يا لوتشيانو.. كنتُ أنتظر وصولك لأتمكن من الرحيل، القطار لا يسير بالفحم، بل يسير بمداد أرواحنا.


​فهمتُ الفخ.. الفخ الذي صممته شركة زانيتي بعبقرية شيطانية.. 
المُحصّل هو مجرد طرد يوصل الكاتب الجديد للقديم.. 


قلتُ وأنا أرتعب: 
— وماذا لو رفضت؟ لو مزقت الدفتر؟
ضحك العجوز وسعل بقوة: 
— لقد فعلتُ ذلك في دورتي السابقة.. هل ترى هذا الرماد على الأرض؟ إنه بقايا لوتشيانو الذي حاول التمرد، النتيجة واحدة: القطار سيعود للوراء، للثانية التي صعدتَ فيها أول درجة، وستنسى كل شيء، وتبدأ الرحلة من جديد.. إلى الأبد.. 


​نظرتُ إلى المُحصّل، فرأيتُه يتلاشى.. بدأ يتحول إلى رذاذ رمادي، ثم وببطء شديد شعرتُ بملابس المُحصّل تكسو جسدي .. الشارة المعدنية.. الحقيبة الجلدية.. الصافرة.. 


​— لااااا.


قال العجوز وهو يمد لي القلم: 
— اجلس.. اكتب النهاية التي تضمن بها بقاء القطار في الذاكرة، لكي نتمكن من جذب لوتشيانو القادم، هذه هي الطريقة الوحيدة لكي يحصل أحدنا على راحة لمدة خمس دقائق قبل أن تبدأ الرحلة التالية.. 


​جلستُ.. القلم كان أثقل من الجبل.. 


كتبتُ أن القطار اختفى.. كتبتُ أن الركاب صاروا أساطير، 
وكتبتُ أن المُحصّل الجديد والذي هو أنا  سار في الممر ليفحص تذاكر ركاب رحلة 1911 التي ستنطلق بعد ثوان.. 
​استدرتُ لأجد نفسي داخل العربة مرة أخرى.. 
القطار يهتز.. رائحة التبغ الفاخر تعود.. الضجيج الأرستقراطي يملأ المكان.. 
رأيتُ شاباً يجلس قرب النافذة، يخرج دفتراً بيد مرتجفة وملامحه مألوفة لي جداً.. كأنني كنت هو منذ دقيقة.. أو منذ قرن.


​اقتربت منه.. شعرت بالابتسامة الآلية ترتسم على وجهي، الابتسامة التي تلامس الوجنات العينين.


قلتُ له بنبرة تقطر سخرية قديمة:
— صحافة؟
نظر إليّ الشاب بذعر مكتوم وقال:
_نعم.
قرأتُ بطاقته: (لوتشيانو فيرّيتي).


قلت له الجملة التي كان يجب أن تكون التحذير الأخير:
— أتمنى أن تكتب الحقيقة.
​ثم تركتُه وأكملتُ طريقي لأحصي بقية الضحايا... 




(الخاتمة) 
​
​الأسطوة تقول أن قطار زانيتي مفقود.. وهذا خطأ فادح.. 
القطار لم يُفقد قط، هو فقط غيّر إحداثيات وجوده.. 
إنه يسير الآن في مكان ما، خلف جدار الواقع الذي تلمسه بيدك.. 
​وإذا كنت تقرأ هذه الكلمات الآن، وتشعر برغبة عارمة في الالتفات خلفك.. أو إذا شعرت أن غرفتك بدأت تهتز قليلاً كأنها فوق قضبان حديدية..
​فنصيحتي لك كصديق: لا تنظر في المرآة الآن.. 
فقد تكتشف أنك لست القارئ..
بل أنت الراكب القادم الذي كنتُ أنتظره لكي آخذ مكاني في القبو وأبدأ بكتابة قصتك.. 
​والآن.. أرني تذكرتك من فضلك؟


​— انتهت —
               

رواية حشيش.. وخيال غير علمي - زبون فضائي

جاري التحميل...

زبون فضائي

في زاوية مزدحمة من إمبابة، حيث اختلط دخان المعسل برائحة الشوارع،. يعيش سيد حياته البسيطة كديلر صغير يحاول فقط النجاة من صداع العالم.. لكن صفقة عادية في ليلة عادية تتحول فجأة إلى رحلة عبر الزمكان، حين يكتشف أمير فضائي أن أعظم كنز في الكون قد يكون… قطعة حشيش من الأرض.. هكذا تبدأ حكاية عبثية بين مجرة بعيدة وشوارع امبابة، حيث يصبح سيد المورد الملكي لمادة لم يفهمها علماء الكون بعد.

تحميل الفصول...
المؤلف

​من وجهة نظري لن تجد تجسيداً حياً لنظرية البرت أينشتاين عن انحناء الزمكان سوى هنا.. 


في إمبابة تكتشف أن المتر المربع الواحد قادر على استيعاب خمسة أشخاص، وعربة كبدة، ودراجة نارية يمتطيها مراهق يرى في نفسه بطلاً من أبطال (فورمولا 1) وكل هذا دون أن يصطدم أحد بالآخر.. 
إنها معجزة مصرية خالصة لا يفهمها علماء ناسا حتى. 
​
​تستقبلك إمبابة بمزيج عطري لا يخطئه أنف؛ خليط من دخان المعسل القص الذي يخرج من مقاهٍ لم تغلق أبوابها منذ عهد الملك فاروق، مع رائحة الثوم المقلي في طاسة البرنس، ونسيم النيل الذي يأتي محملاً بذكريات غارقة فيه.. وزحام يجعلك تشعر أن الصمت هنا هو مجرد أسطورة ريفية لا مكان لها في القاموس.
​
​البيوت هنا تشبه علب الكبريت المتراصة في عناد، شرفات تطل على شرفات لدرجة تتيح لك معرفة صنف الطعام الذي تطبخه جارتك في المنزل المقابل، بل وربما تطلب منها القليل من الملح عبر النافذة.. 
خيوط الغسيل الملونة الممتدة بين الشوارع الضيقة تبدو وكأنها أعلام لدول مجهولة تعلن للعالم أن هنا حياة.. وهنا حكايات.. وهنا بشر يضحكون رغم كل شيء.


​حين يهبط الليل على إمبابة لا يسود السكون كليالي الأحياء الراقية بل للتو  تبدأ نوبة عمل أخرى.. 


أضواء السيارات المارة ترسم ظلالاً غريبة على الجدران المتشققة، وأصوات التوكتوك تصبح هي الموسيقى التصويرية لفيلم خيال علمي منخفض الميزانية.. الليل ليس للنوم هنا.. إنه للسمر وللمعارك الصغيرة التي تنتهي دائماً بكوب من الشاي بالنعناع على مقهى الارزاق بالله وللحكايات التي تبدأ بكلمة 
يا صاحبي ويا اسطى.. 




​لو قرر كونت دراكولا زيارة إمبابة لضاع في عزبة الصعايدة ولم يخرج منها أبداً.. وهذا بالطبع ليس لأن أهلها سيؤذونه، بل لأنه سيكتشف أن دمه لن يكفي لسد حاجة الناموس هناك، ولأنه غالباً سيجد نفسه جالساً على مقهى (البعجر) يلعن اللحظة التي ترك فيها ترانسيلفانيا.






(سيد) كان جزءاً أصيلاً من هذه الكيمياء الغريبة لم يكن سيد إسكوبار زمانه، بل مجرد صيدلي غير مرخص لمن ضاقت بهم الدنيا.. كان يملك موهبة فطرية في الاستناد إلى الجدران المتهالكة بطريقة تجعله يبدو وكأنه قطعة من الطوب، يراقب العالم بعينين لم يعد يدهشهما شيء أبدا.. 


​كانت فلسفة سيد بسيطة كبساطة فطور الفول: 
(الحياة صداع مزمن.. وأنا أبيع الأسبرين)


 لكن أسبرين سيد كان مغلفاً بورق الألمنيوم، 
ورائحته تفوح منه لأمتار بعيده..


 نعم كان ديلر حشيش. 




​على الجانب الآخر من المجرة، وعلى بعد ثلاث مجموعات شمسية من ناحية الشمال كان الأمير (زيلاكس) يعاني من ملل قاتل... 


يسكن زيلاكس كوكب أوريزون.. 


وهذا الكوكب هو عالم مليء بناطحات السحاب الكريستالية والكمال الاصطناعي، لكن الأمير نفسه كان حطاماً بشرياً -أو فضائياً إن توخينا الدقة-
 هو من نوعية الأمراء الذين قد يبيعون تاج العرش مقابل طريقة جديدة تجعل أدمغتهم تذوب كالزبدة..
 لقد جرب كل شيء؛ بدءاً من سحق بلورات أقمار جوبيس إلى استنشاق غاز النجوم المحتضرة، لكنه كان يطارد سراباً..(النشوة المطلقة) التي لا تأتي.


​قال زيلاكس وهو يتمدد على عرشه العائم، وعيونه الثلاث محتقنة بالدماء:
_هذا العالم نظيف أكثر من اللازم.. أريد شيئاً عضوياً.. شيئاً ينمو في التراب والطين. 


​هنا قامت أجهزته المتطورة تلك التي تشبه خنافس معدنية طنانة بمسح أرشيف الأبعاد..


طنت الخنفساء القائدة وقالت:
_مولاي.. هناك صخرة بدائية تُدعى كوكب الأرض لديهم مادة يطلقون عليها الحشيش..
 تُنتج يدوياً في طقوس من الفقر والقدم.. 


​اتسعت عيون الأمير الثلاث بصدمة ممتزجة بالأمل:


_جهزوا السفينة.. نحن ذاهبون إلى الأرض.. 


​
​كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل بالقرب من الطريق الدائري..


 كان سيد ينتظر زبوناً ينتمي لفئة عادمي الاحترام لمواعيدهم.. أخرج هاتفه النوكيا -ذلك الطراز الذي يمكنه الصمود في وجه انفجار نووي- ليرى الوقت،  
وفجأة.. اختفى طنين الطريق الدائري المعتاد، وسكنت نباح الكلاب الضالة.. 


​انهمر شعاع من الضوء لونه يشبه لون الباذنجان المهروس ليضرب الرصيف.. 


كانت فكرة سيد الأولى هي أن الحكومة قد استثمرت أخيراً في كشافات إضاءة متطورة جداً لرجال المباحث.. 


​بدأ سيد يتحدث بلهجة المواطن الشريف وهو يداري عينيه من الضوء: 


_يا باشا أنا واقف مستني ابن خالتي.. والله ما معايا حاجة، والجيوب عامرة بالهواء..


​لم يكمل جملته.. قوة تشبه مكنسة كهربائية عملاقة شفطت الأكسجين من رئتيه، ونزعت الشبشب من قدميه..


 طار سيد للأعلى، يتشقلب في نفق غريب ذو أصوات أكثر غرابة. 
​
​استيقظ سيد على أرضية تشبه الزجاج الشفاف..
كان رأسه يزّن كخلية نحل.. اعتدل وهو يدلك رقبته متوقعاً أن يرى قضبان زنزانة أو وجه مخبر عابس، لكن ما رآه كان كابوساً صممه مهندس معماري مصاب بالهذيان.


​في المنتصف وقف زيلاكس.. 
كان طويلاً، نحيلاً، جلده يشبه لون بقع الزيت على الأسفلت، ويرتدي أردية من الضوء المنسوج..
بدا وكأنه لم ينم منذ العصور الحجرية.


​همس زيلاكس وهو يقترب منه، ورائحته تشبه رائحة الأوزون والكيماويات الغالية: 
_العينة.. يا تاجر الأراضي المغبرة. 


​حدق فيه سيد بجمود.. نظر إلى الخدم الأربعة الذين يشبهون الحشرات المعدنية،. ثم نظر إلى شاشة العرض العملاقة التي تظهر كوكب الأرض -وقارة أفريقيا تحديداً- وهي تنكمش لتصبح مثل بلية زرقاء صغيرة.. 


​قال سيد وصوته يرتجف لكن جدعنة ابن البلد لم تخذله:


_ شوف يا حاج فضائي.. لو الموضوع عشان ركنة العربية فأنا هنقلها.. ولو كان خطف فوالدي نجار بالمعاش، ومعندناش غير تلاجة بتكهرب وعزة نفس مالهاش آخر.. ففكنا من السيرة دي ورجعني المنيرة. 




​تجاهل زيلاكس توسله وقال بلهفة


_المادة يا أرضي.. الذهب البني.. أرني إياها. 




​أدرك سيد أنه ليس أمام استجواب شرطي يعرفه جيدا، بل أمام زبون عابر للمجرات..


 مد يده في الجيب الخلفي لبنطاله وأخرج قطعة صغيرة داكنة من مخلفات الأرض.. 


بالنسبة لـ سيد كانت هذه قيمتها خمسون جنيهاً.. 
أما بالنسبة لـ زيلاكس فقد كانت الكنز المفقود.


​سأله سيد وهو يرفعها أمام عينيه:


_هي دي؟ قطعت كل ده عشان حتة أفغاني؟


​تناولها زيلاكس بأصابع ترتجف..
 لم يدخنها، بل وضعها في جهاز مرصع بالذهب يشبه الشيشة الأرضية..


 استنشاق واحد.. وغابت عين الأمير الثالثة في سقف رأسه وارتخى جسده.. وارتسمت على وجهه ابتسامة بلهاء لم يعرفها كوكبه من قبل.


​زفر زيلاكس سحابة دخان رمادية تشكلت على هيئة هرم:


 يا للهول.. يا للتعقيد.. يا للقذارة.. يا للأمانة التي فيها.. طعمها يشبه.. التاريخ.. 




​نظر إلى سيد بنظرة مرعبة في كثافتها: 
_أنت.. لن تعود.. ستكون المورد الملكي.. سنذهب إلى أوريزون، وستعلم شعبي فن الضباب الأرضي. 


​سقط قلب سيد في قدميه: 
_يا سعادة البيه عندي فرح ابن خالتي يوم الجمعة وأمي هتدبحني لو اتأخرت. 


​ضحك زيلاكس ضحكة مظلمة: 
_في أوريزون لا توجد جمعة.. يوجد فقط الدماغ.. وأنت يا سيد من سيجعلني أعيش هناك للأبد.. 


​بينما كانت السفينة تقفز في نفق الزمكان راقب سيد عالمه وهو يتلاشى.. نظر إلى قطعة الحشيش في يد الأمير وشعر، لأول مرة في حياته بمرارة الندم..
لقد باع الكثير من الأشياء للكثير من الناس، لكنه للتو باع نفسه لمدمن من النجوم.
               

حشيش.. وخيال غير علمي

حشيش.. وخيال غير علمي
6.0

حشيش.. وخيال غير علمي

مشاهدة

قصة الرواية

في زاوية مزدحمة من إمبابة، حيث تختلط رائحة المعسل بدخان الشوارع،. يعيش سيد حياته البسيطة كديلر صغير يحاول فقط النجاة من صداع العالم.. لكن صفقة عادية في ليلة عادية تتحول فجأة إلى رحلة عبر الزمكان، حين يكتشف أمير فضائي أن أعظم كنز في الكون قد يكون… قطعة حشيش من الأرض.. هكذا تبدأ حكاية عبثية بين مجرة بعيدة وشوارع امبابة، حيث يصبح سيد المورد الملكي لمادة لم يفهمها علماء الكون بعد.

تفاصيل العمل

التصنيف: فانتازيا - كوميدية
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
سيد
ديلر قد الدنيا
اسم الشخصية
الأمير المنتشي
أمير كوكب أوريزون

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

قطار زانيتي: تذكرة إلى العدم (مرايا من العدم)

جاري التحميل...

مرايا من العدم

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

الفصل الرابع: مرايا من العدم


​المرآة كانت هناك منذ البداية..
هذا ما حاول عقلي إقناعي به لاحقًا، في محاولة يائسة لترميم شظايا منطقي المنهار.
 مرآة طولية مثبتة على الجدار المقابل لمقاعد العربة الثانية، يحيط بها إطار نحاسي باهت أصابه الصدأ في زواياه.. لا شيء يلفت النظر، مجرد قطعة ديكور عادية في قطار يُفترض أنه فاخر. 
​لكنني أقسم — وأنا رجل لا يوزع الأقسام مجانًا — أنها لم تكن موجودة قبل المحطة السابقة.
​لاحظتها بالصدفة البحتة، كنت أبحث عن وجهي.. تلك الحاجة البشرية الغريزة لتأكيد أنك لا تزال أنت، وأنك لم تُستبدل بنسخة أخرى رديئة دون علمك ورفعتُ رأسي فرأيتها.


​اقتربتُ منها بخطوات ثقيلة..
 كان انعكاسي واقفًا في مكانه، يرمقني بنظرة قلقة، نفس المعطف المجعد، نفس الشعر المبعثر الذي لم يعرف المشط منذ دهر، ونفس الهالات السوداء التي استوطنت تحت عينيّ كعلامة تجارية للفشل، تطمأنتُ.. لثانيتين فقط.
​
​كانت هناك مقاعد خلفي.. مقاعد مشغولة ببشر من لحم ودم، أسمع أنفاسهم وأرى حركتهم.. لكن في المرآة.. كانت تلك المقاعد فارغة تمامًا!
​التفتُّ خلفي بسرعة البرق.. العربة كانت نصف ممتلئة..
 رجال ونساء، وجوه شاحبة، عيون متوجسة تلاحق المجهول.. كلهم كانوا هناك، يملأون الحيز المادي للعربة.. عدتُ أنظر للمرآة.. لكنها أصرّت على رأيها ببرود مستفز.
​— هل ترى ما أرى؟
سألتُ الشاب الجالس إلى جواري بصوت خافت..
 نظر إليّ باستغراب كأنني أسأله عن نتيجة مباراة كرة قدم تُلعب في قاع المحيط بين فريق الحوت الأزرق ونادي الكراكن المفترس. 
— أرى ماذا؟
​أشرتُ بإصبع يرتجف نحو المرآة.. تقدم خطوة.. ثم توقف فجأة كمن صدمه تيار كهربائي
همس ببطء: 
— هذا.. هذا غريب.


​في المرآة لم يكن يرى أحد سوانا.. أو بالأحرى، لم يكن يرى الجميع.. بعض الركّاب يظهرون بوضوح والبعض الآخر.. مجرد هواء


امرأة مسنة اختفت تمامًا من الانعكاس كأنها لم تولد قط، رجل نحيل كان يظهر في المرآة لكنه بدا أطول، وأكثر انحناء. 
وطفل — أقسم أنني رأيت طفلًا معنا قبل قليل — لم يظهر لا في المرآة ولا في الواقع.. تبخر تماماً.


​— ربما المرآة معطوبة.. قال أحدهم بنبرة عقلانية يائسة، من تلك التي نستخدمها لنفسر بها الحرائق بينما النيران تلتهم ثيابنا.
— أو ربما نحن.. قلتُها وأنا واضع يدي عليها شاعرا ببرودة الزجاج تخترق عظامي.


​في تلك اللحظة مرّ المُحصّل
لم أفاجأ برؤيته هذه المرة فقد صار وجوده هو الثابت الوحيد في هذه المعادلة المجنونة؛ بل العكس، صار غيابه هو ما يثير الريبة.
​
— عذرًا.. قلتُ وأنا أشير للمرآة:
 هل هذه.. طبيعية؟
تأملها للحظة ببرود مهني، ثم قال:
— على حسب ما تعنيه بكلمة طبيعية يا سيد فيرّيتي.
— لماذا لا يظهر بعض الركّاب؟
​ابتسم وقال:
— لأنهم ببساطة لم يعودوا.. ركّابًا.


ساد الصمت قبل أن تسأل امرأة بصوت يرتجف:
— وماذا أصبحوا إذن؟
اقترب المُحصّل منها، وخفّض صوته:
— احتمالات غير مُعتمدة.
صرخ أحدهم: 
— هذا لا معنى له. 
— بل له كل المعنى هنا.. في هذا القطار.


​جلستُ مكاني، وشعرت بدوار مزعج يهاجم رأسي.. 
سألته وأنا أضغط بيدي على رأسي محاولا تخفيف حدة الصداع: 


— هل القطار هو من يقرر من نحن؟
هز رأسه نافياً:
 — لا.
— إذن؟
— القطار يكشف فقط عمن ستكونون.. لو قررتم الاستمرار.
​بدأتُ أفهم.. وكنت أكره نفسي لأني بدأت أفهم.
قُُلت: 
— الذين لا يظهرون في المرآة.. هم الذين لن يصلوا؟
— بل هم الذين وصلوا بالفعل.. قالها المُحصّل بلهجة قاطعة.


— لكنهم ما زالوا هنا.. أمامنا!
— أجسادهم فقط.. مجرد قشور لثمرة التهمها العدم.
​
التفتُّ إلى المرأة المسنّة..  كانت تنظر أمامها بهدوء مريب، كأن ثقلاً جبالياً قد أُزيح عن كاهلها.. 
 سألتها بفضول حذر:
— هل أنتِ بخير؟
نظرت إليّ، وابتسمت ابتسامة لطيفة لم أرَ مثلها منذ بدأت هذه الرحلة الملعونة:
— أنا بخير جدًا.. أفضل مما كنتُ عليه منذ سنوات طويلة.
وكما توقعت تماما... في المرآة.. لم يكن لها وجود.


​بدأت العربة تتغير.. لا أعني الديكور أو الإضاءة، بل الإحساس بالمكان.. كأن الحيز صار أضيق رغم أن الجدران لم تتحرك مليمترًا واحدًا.


 الأصوات خفتت وفقدت اتجاهها، وصار الكلام يأتي من كل مكان ومن لا مكان في آن واحد.
​ثم حدث الشيء الذي حطم آخر تروس المنطق في عقلي.. 


الرجل الأكاديمي رمز الصلابة والعلم وقف فجأة ونظر إلى يديه بذعر:
— هذه ليست يداي! قالها بهدوء مخيف يسبق العواصف عادة. 
​اقتربنا منه.. يداه كانت عاديتين تماماً، لكنه كان يرتجف بعنف.
— أنا أتذكر شكلاً آخر.. أتذكر ندبة قديمة هنا.. لقد اختفت. 


نظر إلى المرآة.. لم يكن له انعكاس.. جلس ببطء، ثم قال بلهجة من أدرك نهايته: 
— أظنني.. انتهيت.
​في اللحظة التالية، لم يختفِ الرجل، لم يمت، ولم يصرخ.. فقط صار غير مهم، 
وجوده فقد وزنه النوعي، الناس لم يعودوا ينظرون إليه، كلماته صارت بلا صدى كأنها تُقال في بئر سحيق. حتى أنا، وأنا أراقبه بكل حواسي، شعرتُ أن عقلي ينزلق عنه، كأنه صار فكرة جانبية لا تستحق العناء.


قال المحصل ببروده المعتاد: 
​— هذا يحدث عندما يتوقف الشخص عن المقاومة..أو عندما يقتنع بأن ما سيأتي أفضل مما كان.


— وهل هو كذلك فعلاً؟


نظر إليّ طويلاً قبل أن يجيب بكلمة واحدة: 
—أحياناً.
​
عدتُ للمرآة مرة أخرى. نظرتُ في عينيّ.. كنتُ هناك، لكن الصورة لم تكن مستقرة.. ظلي يتأخر عن حركتي بنصف ثانية، ملامحي تومض وتضطرب، كأن هناك نسخاً مختلفة مني تتصارع للاتفاق على شكل واحد نهائي.
​
— كم بقي لي؟ سألتُه وأنا أحدق في اللا شيء.
— سؤال جيد.. وقليلون هم من يملكون شجاعة سؤاله.
— أريد إجابة.
— ما دمت تظهر في المرآة، فهذا يعني أنك لم تختر بعد.
— وماذا لو لم أختر أبدًا؟
​ابتسم ابتسامة حزينة، تشبه تلك التي نراها على وجوه التماثيل القديمة:
— إذن.. القطار سيختار نيابة عنك.
​في تلك اللحظة، بدأ القطار يُبطئ.. صفير بعيد.. اهتزاز مختلف عن كل ما سبق.
محطة أخرى تقترب..
لكن هذه المرة، لم يكن الضباب هو ما يثير رعبى..
 كان الخوف الحقيقي يكمن في فكرة واحدة تنهش عقلي: ماذا لو اختفيتُ من المرآة.. قبل أن أعرف أي نسخة مني هي التي تستحق البقاء؟
               

رواية وعد الشيطان (غبار الأسلاف)

جاري التحميل...

غبار الأسلاف

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

في قرية عين كارم كان هواء الصباح معطّرًا بروائح الزعتر البريّ و أشجار الزيتون الراقصة مع الرياح،
وبوعد الخبز المتخمّر في أفران الطابون الطينية،


وقف إبراهيم الحسيني على طرف بستان العائلة وتمرّ إبهاماه الخشنتان على لحاء شجرة مغروسة ربما من قرن مضى،
لم تكن هذه الشجرة عنده أرضًا فحسب ولا خطًّا على خريطة أو سطرًا في دفتر دبلوماسي؛ كانت عرق جدّه، ومهر أمّه، والظلّ الذي تعلّم فيه أولاده الكتابة.
قال ابنه عمر وهو يتخطّى السور الجيري:
– الريح تتغيّر يا أبي، يقولون إن الأتراك تخلّوا عن المواقع الجنوبية، ورجال السوق يتحدّثون عن الإنجليز، يقولون إنهم يأتون بنظام جديد.
تنفّس إبراهيم بعمق فخرج الزفير من صدره كخشخشة قشّ يابس.
– الأنظمة تتبدّل يا عمر.. الرومان، البيزنطيون، المماليك، الأتراك… كلّهم يأتون بطبولهم وضرائبهم، يعبرون الوادي، يغيّرون أسماء الشوارع، ثم يبتلعهم الغبار.. أمّا الأشجار فتبقى ونحن نبقى.
هزّ عمر حجرًا بقدمه وقال بإصرار:
– هذه المرّة تبدو مختلفة يا أبي، الإنجليز لا يريدون الضرائب فقط.. يأتون بأوراق ويأتون بناسٍ من وراء البحر يحملون خرائط لم نرسمها ولا نعرف عنها شيئا.
نظر إبراهيم إلى عيني ابنه فرأى فيهما نار جيل يشمّ العاصفة قبل أن يدركها الشيوخ،
قرونٌ طويلة عاشوها أهل الشام كلّها مربوطة بقبضة السلطان المألوفة.. تلك القبضة انهارت الآن، و(من لا يملك) متمثلون في الإمبراطورية البريطانية البعيدة سيملأون الفراغ لا كضيف بل كمحتل غاشم.


قال إبراهيم وهو ينظر في عين ابنه بشموخ وثقة:
– فليأتوا.. لا أحد يهب ما لا يملك، ليس للإنجليز في هذه الأرض حقٌّ أكثر من حقي أنا في عرش لندن.


جلس إبراهيم في ساحة القرية حول طاولة خشبية منخفضة حيث اجتمع الناس،
قرأ المعلّم الذي درس في بيروت ويرتدي بدلة أفندي مهترئة، نصّ تصريح بلفور  رغم أن الترجمة كانت ركيكة جدا لكن المعنى طعن الهواء كسنّ حربة.
– (تنظر بعين الرضا إلى إقامة وطن لشعب آخر) … همس وأصبعه يرتجف فوق السطر
– وماذا عنّا نحن؟ لقد ذكرونا ب  (الطوائف غير اليهودية) ولم يقولوا الفلسطينيون حتى، ماذا يعني هذا!
سقط صمت ثقيل وهنا بدأت عبارة (من لا يستحق) تكتسب شكلًا محليًا جارحًا، لم تكن في بادئ الأمر كراهية دينية، بل صدمة بدائية: أن تُمحى وأنت واقف على أرضك.
– كيف يعدون بالبيت ونحن جلوس في الصالون؟
صرخ شيخ وهو يضرب عصاه بالأرض.
قال عمر من ظلّ الباب والذي كان يراقب المشهد:
– لأن عندهم البنادق ولأنهم لا يروننا،
نحن عندهم مجرد سكان مدنيون، مجرد متغيّر يُدار لا كيان ثابت له أرضه أو شعب يُسمع.
مرت الأيام و الأسابيع وأخذ وعد الإنجليز للصهاينة يتجسّد، ضباط بريطانيون تفوح منهم رائحة الشر والظلم، يركبون خيولًا أكبر من دروب الجبال الضيّقة، كانوا متغطرسين بفظاظة؛ تعاليًا يتحدّث عن انتداب واستعمار واغتصاب بقوة غاشمة،
راح المسّاحون يدقّون أوتادًا خشبية في أرض الوادي، يجزّئون ويقسّمون المراعي التي رعَت فيها الماعز قرون طويلة، وحين سأل إبراهيم ملازمًا شابًا بأيّ حقّ يفعلون ذلك، أشار الفتى إلى ملفّ جلدي:
– أوامر من لندن، إدارة جديدة، نحدّد حدود المستوطنات.
– مستوطنات لمن؟
– للواصلين… للاجئين… للذين عيّنهم التاج.
نظر إبراهيم إلى الأوتاد؛ التي بدت كشواهد قبور.
– التاج لا يملك هذا التراب، كلّ حفنة دُفعت بدم أجدادي، أنتم تنهبون خبز أفواه أولادنا.
لم يرفع الملازم عينيه:
– العالم يتغيّر وانتهت الحرب الكبرى و هذه خريطة جديدة، ابحث لك عن مكان فيها.
تلك الليلة لم يذق إبراهيم نومًا، سار في البستان تحت ضوء القمر وظلال شجر الزيتون التي كانت كهياكل طويلة، ولأول مرة في حياته شعر بأن الأرض تحت قدميه جوفاء،
ووجد عمر عند البئر ينظّف بندقية قديمة مخبّأة منذ ثورة الأتراك،
– اتركها يا عمر.. قالها بلا روح.
– ولماذا؟ ردّ عمر وعيناه تعكسان فضّة القمر.
– وعدوا غيرنا ببيت، ولم يسألونا حتى ولم يرونا.
إن لم نجعلهم يروننا سنذوب في أرضنا كما يذوب الملح في الماء.
– عندهم قوة الإمبراطوريات.
– وعندنا قوة الحق فهم (من لا يملك) والآتون (من لا يستحقون)، أما نحن فأصحاب الأرض والحق.
رفع إبراهيم بصره إلى النجوم، نجوم كانت على مر العصور شاهدة هُنا على الأنبياء والملوك والغزاة والفلاحين،
أدرك أن مأساة وعد الإنجليز للصهاينة ليست ضياع الأرض فقط، لقد زرع البريطانيون بذرة ضغينة ستنمو أسرع من أيّ زيتونة.
لمس حجر البئر البارد وتخيّل ذلك الدبلوماسي الوغد في لندن، آرثر بنهاليغون والذي لم يكن يعرف اسمه أبدًا، تخيّله جالس على مقعده في غرفة ثرية أمام مدفأته راضيًا عن كلماته المرنة.
وهمس للريح بنبرة حسرة:
–أي وعد هذا!... وعدٌ مبنيّ على سرقة هو لعنة باسم آخر.
ومع أوّل خيط للفجر، دوّى من جهة الساحل صفير باخرة بعيد.. فلم يعد الوعد شبحًا في لندن؛ بل أصبح لحمًا وعظمًا ويتّجه نحو بوّاباتهم.
               

وعد الشيطان - 1917

جاري التحميل...

1917

من لندن عام 1917، حيث تُرسم الخرائط على طاولات خشبية داكنة، إلى قرى فلسطين.. تتتبع هذه القصة بشكل خيالي خيطًا واحدًا ممتدًا عبر قرن كامل: كيف يمكن لوعدٍ مكتوب أن يتحوّل إلى جريمة تاريخية، وكيف تدفع الشعوب ثمن كلمات لم تُوجَّه لها يومًا. هذه القصة بها أشخاص وأحداث من وحيّ الخيال، ولكنها كُتبت عن الحقيقة التي تظل حيّة… مهما طال الغبار.

تحميل الفصول...
المؤلف

إهداء: 


إلى الذين غادروا بيوتهم ولم تغادرهم..
إلى الذين ورثوا المفتاح قبل أن يرثوا الدار، 
إلى تراب عين كارم، وزيتون الجليل، 
وكل حبة رمل وتراب سُلبت من أصحابها في مكاتب الضباب..


إلى إبراهيم الذي غرس، وعمر الذي قاوم..
إلى كل من مرّ به وعد الشيطان فظلّ متمسكاً بالحق ولم يرضخ.. 
أهدي إليكم هذه القصة.. لكي لا ننسى.


الفصل الأول: 
وعد ممن لا يملك لمن لا يستحق... 




 1917


عدّل (آرثر بنهاليغون) نظارته وثقل الأوراق التي أمامه حاضرًا في رأسه أكثر مما هو على مكتبه، كل واحدة منها أخطر من سابقتها..                                     
أمامه ورقة واحدة من نوعها من أوراق الرقّ التي تبدو أنها صُنعت من جلد البقر فوق سطح مكتبه المصنوع من خشب الماهوغني الداكن


لم تكن سوى رسالة نوايا من بضع عشرات من الكلمات الدبلوماسية المهذبة، ومع ذلك أحس بثقلها يفوق قذائف المدفعية التي تُجرّ في وحل باشنديل


رفع آرثر بصره إلى الخريطة المعلقة على الجدار البعيد، تحفة من خرائط العصر الفيكتوري تتوهج باللون الوردي حيث تمتد سيطرة التاج
وانسابت عيناه جنوبًا شرقًا، إلى شريط ضئيل من الأرض بين الأردن والبحر لم يزرها يومًا


لا يعرف حرّ حجارتها، ولا رائحة أشجار زيتونها، ولا حب وتمسك أهلها بهويتهم، بالنسبة له لم تكن وطنًا بل مجرد إحداثية استراتيجية.. عازلًا يحمي القناة، وحجر شطرنج في لعبة تُدار ضد دولة عثمانية تتداعى 




قطع هدوءه صوت قادم من الباب: 
– وزير الخارجية ينتظر يا آرثر هل استقرّت الصياغة؟ 


كان المتكلّم  هو (كافندش) رجل استُبدلت روحه منذ زمن طويل بقانون الخدمة المدنية


غمس آرثر سنّ قلمه في المحبرة وتمتم بصوت مبحوح: 


– أمر غريب يا كافندش، أن تهب أحدهم حديقة لا تقع ضمن بيتك بل لا تمتلكها من الأساس، أن تَعد بثمار شجرة لم تزرعها ولا تملك حقّ قطافها


أجابه كافندش ببرودة نهر التايمز: 
– نحن لا نُعطي، نحن نُيَتِّم إقليمًا ليجد وصيًا جديدا أكثر ملاءمة، الحرب العظمى تفرض قدرًا من المرونة الأخلاقية يا سيدي


ارتعشت يد آرثر قليلًا حين لامس القلم الورق وتذكّر العبارة التي كانت تُهمَس في نوادي ماي فير وهم يدخنون سجائرهم الفخمة على طاولات القمار


(وعدٌ ممن لا يملك لمن لا يستحق..) 
عبارة ساخرة لكنها كانت تنخره




 فالإمبراطورية البريطانية المنهكة بنزيف حروب فرنسا باتت تساوم على مستقبل أرض لا تحكمها إلا بسيف مؤقت.. كانوا كمن يهندسوا بيتا لن يسكنوه ويرسمون مخططات لأناس لن يلتقوهم قط


وكتب: 
(تنظر حكومة جلالة الملك بعين الرضا إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين…) 


وما إن انتشر الحبر على الصفحة حتى شعر بقشعريرة غريبة.. لم يكن يكتب رسالة والسلام، بل يحفر صدعًا في وجه الأرض..  فكل نقطة بمثابة سور فاصل، وكل فاصلة ليست إلا حدٌّ قادم. 


كان هو من لا يملك يسلّم مفاتيح أرض فوق رؤوس
سُكّانها ل من لا يستحق. 


قال:
– تم الأمر. 
وكان الحبر لا يزال يلمع كجرح طري


مال كافندش فوق الورقة وهز رأسه بإعجاب بارد وقال: 
_ تحفة من الغموض يا سيد بنهاليغون أنت
تقول كلّ شيء ولا تقول شيئًا في آن. 


وحين غادر الرجل بالوثيقة نظر آرثر إلى أصابعه   
كانت ملوّثة بالسواد، مسحها بمنديل لكن الحبر استقر عميقًا في خطوط الجلد، علامة خشي ألا يمحوها ماء أبدا.  


نهض إلى النافذة وكانت أضواء الغاز في لندن تظهر خلف الضباب خافتة ومضطربة، بالكاد تُرى


رأى رسولًا يركل دراجته لتدبّ فيها الحياة
ذاك الرسول يحمل مسودته التي كتبها للتو ذاهبًا إلى مكتب رئيس الوزراء ليتأكد من مرونة صياغتها ومن ثم إلى المطابع والبرقيات التي ستحوّلها إلى مرسوم رسمي


أيّ كيمياء غريبة هذه، أن يغيّر رجل جالس في غرفة دافئة بلندن ثِقل أرض تبعد آلاف الأميال بحركة من معصمه


بالنسبة له ولحكام بريطانيا فالصهاينة سيكونون مدفوعون بجوع قديم إلى تربة لم يملكوها إلا في الدعاء ألفي عام، ففي نظرهم كانوا مثقفين ومثابرين وأوروبييّ الروح  كرجالًا مثل وايزمن من يتقنون لغة النخبة البريطانية، ثم هناك الآخرون… أصحاب الأرض، أو بالأحرى (الطوائف غير اليهودية)  كما وصفتهم المسودّة باستخفاف..


 أدرك آرثر فجأة أن الناس الذين يفلحون تلك الأرض، ويخبزون في أفرانها، ويدفنون موتاهم في ترابها، لم يُدعَوا يومًا إلى الطاولة..
 كانوا في نظر الجميع أصحاب حق، أما في نظر وايتهول فمجرد خلفية لمخطط أعظم، 
الإمبراطورية لا تراهم إلا حين يصيرون عقبة.


همس آرثر للفراغ: 
– هذا منطق الخريطة. 


عاد إلى مكتبه ورفع ثقّالة أوراق برونزية، هدية من قنصل خدم في دمشق مليئة بتقارير عن تلال الخليل، ورهبة الصحراء ومنطقة الجليل،


 ثم تخيّل فلاحًا هناك يستيقظ على نسمات الريح بين أشجار الزيتون، يؤمن أنّ الأرض له.. فعظام جدّه صارت من غبارها المتطاير، ولأن لديه سندات من الباب العالي العثماني تثبت أحقيته وملكيته.


لكن آرثر كان يعلم أنّ تلك السندات باتت أقل قيمة من قصاصات سلّته، فالبريطانيون جاؤوا بملكية جديدة وُلدت من الفولاذ والبارود والغطرسة. 


سحب ورقة جديدة أراد هذه المرة أن يخط فيها رسالة خاصّة، لا للأرشيف بل لروحه البعيدة:


عزيزتي مارغريت،
اليوم شاركتُ في سرقة كبرى، ساومنا على بيت لا نسكنه لأجل ضيوف لم يصلوا بعد، لنسدّد دينًا لأنفسنا، نُسمّي هذا دبلوماسية لكنّي أخشى أن يسمّيه التاريخ اسمًا آخر.. نحن نلعب دور الإله في جغرافيا لا نحسن حتى نطق أسماء مناطقها.


توقّف.. لا يمكنه إرسالها؛ ربما لأنها تعد خيانة فالمرسوم لم يُصدر بعد.. أو أسوأ، ربما عاطفة، وفي 1917 في بريطانيا كانت العاطفة ترف لا تحتمله الإمبراطورية.


 فالحرب تلتهم شباب إنجلترا وبالنسبة لملكها وحكومتها إذا كان هناك أي فرصة لوجود ولو شبرًا واحدًا من المشرق سيؤمّن لهم المتوسّط، فما قيمة حقوق بضعة مئات آلاف من العرب؟






كرمش الرسالة وألقاها في المدفأة..
راقب النار تلتهم الحواف حتى صارت رمادًا رماديًا.


ثم طرقة أخرى على الباب أفزعته، كان شابًا بذراع صناعية.. ربما فقد يده في محاولة بطش ما أخرى في مكان آخر، 


– مكتب رئيس الوزراء أكّد الاستلام سيدي، وتم التأكيد بأن الصياغة مرنة بما يكفي 
قال آرثر
– مرنة.. هي كلمة مطاطية جداً تعني شدّ الحقيقة حتى تنقطع، ما بين وعد القمر لهذا والشمس لذاك، ثم التعجّب حين يعمّ الظلام.


– هل من شيء آخر؟
– لا يا جيفري، اذهب ونم.. تغيّرت خريطة الشرق الأوسط الليلة؛ نم قبل أن يلحق بك الخبر.


وحين خرج الصبي بقي آرثر في عتمة مكتبه منهكًا، أمضى عمره يؤمن برسالة الإمبراطورية التمدينية، 
لكنه الآن لا يرى سوى الفوضى التي يصنعونها.


كان هو من لا يملك سلّم وعدًا لمن يطلب ملجأ،
لكنّه سرق ملجأ من كانوا فيه.


همس بسخرية: 
– وعدٌ ممن لا يملك… لمن لا يستحق. 


وهو في قرارة نفسه لم يقصد أن من لا يستحق لا يستحقون بيتًا، بل أنّ أحدًا لا يستحق هبة مسروقة من جار غافل.


أطفأ المصباح وغرق المكتب في الظلام وفي الخارج دقّت أجراس ساعة وستمنستر  رنينًا بدا له كعدٍّ تنازلي لقنبلة موقوتة زُرعت في أرض الشام. 


كانت الرسالة قد غادرت والكلمات صارت في الهواء، وقرن النار على وشك أن يبدأ.
               

رواية وعد الشيطان

وعد الشيطان
5.7

وعد الشيطان

مشاهدة

قصة الرواية

من لندن عام 1917، حيث تُرسم الخرائط على طاولات خشبية داكنة، إلى قرى فلسطين.. تتتبع هذه القصة بشكل خيالي خيطًا واحدًا ممتدًا عبر قرن كامل: كيف يمكن لوعدٍ مكتوب أن يتحوّل إلى جريمة تاريخية، وكيف تدفع الشعوب ثمن كلمات لم تُوجَّه لها يومًا. هذه القصة بها أشخاص وأحداث من وحيّ الخيال، ولكنها كُتبت عن الحقيقة التي تظل حيّة… مهما طال الغبار.

تفاصيل العمل

التصنيف: تاريخية
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
.....
.....

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

قطار زانيتي: تذكرة إلى العدم - الضباب الذي ينادي

جاري التحميل...

الضباب الذي ينادي

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

الفصل الثاني: الضباب الذي ينادي




​الظلام في النفق لم يكن كظلام الليل المعهود.. 
كان شيئًا ماديًا، حضورًا كثيفًا لشيء آخر لم تألفه الحواس البشرية من قبل.. 


 توقعتُ أن تتأقلم عيناي كما يحدث في ظروف الفيزياء الطبيعية..
حاولت أن أطمئن نفسي بأن ثوان وسيظهر الخط الفاصل بين الجدران، أو انعكاس أضواء المصابيح، أو أي دليل يطمئنني أنني ما زلت في عالم يحترم العقل..


 لكن شيئًا من هذا لم يحدث..


الظلام كان مطلقًا، ناعمًا بلا حواف.. كما لو أن القطار لم يدخل نفقًا هندسيًا فحسب، بل دخل في فكرة سوداء.. 


​ثم جاء الضباب..
لم يتسلّل من شقوق النوافذ كما يفعل الضباب المحترم، بل ظهر ببساطة.. بيننا، هكذا.. وُلد من العدم في قلب العربة،
في البداية حسبته أثرًا لتغيّر الضغط أو بخارًا طائشًا، لكن رائحته كانت تخبرك بشيء آخر.. تلك الرائحة التي تشمها عندما تفتح غرفة مغلقة منذ قرون، رائحة ذكريات قديمة لا تخصك، لكنها تصرّ على الالتصاق بأنفك كأنها قدرك المحتوم.. 


​— هل يشعر أحدكم بهذا؟
قالها رجل من مؤخرة العربة بصوت يرتجف، لم يردّ أحد.. ليس لأنهم يتجاهلونه، بل لأنهم كانوا مشغولين بمحاولة يائسة لإقناع أنفسهم أن السؤال لم يُطرح أصلًا.. وأنهم لم يسمعوا شيئًا، وأن كُل شيء على ما يرام. 




​الضباب ازداد كثافة، صار يلامس الركب ثم الصدور كقاتل متسلسل يتفقد ضحاياه.. 


رأيتُ سيدة ترفع يدها أمام وجهها ثم تخفضها في ذعر بدائي.. 
أصابعها كانت هناك لكنها بدت أبعد مما ينبغي، كأن المسافة بين وعيها وجسدها تمدّدت فجأة في ذلك الفراغ.. 




​أخرجتُ دفتري مرة أخرى.. الكتابة هي وسيلتي الوحيدة لأثبت لنفسي أنني ما زلت موجودًا.. 
وحين لامس القلم الورق سمعتُ ذلك الهمس..
 لم يكن صوت شخص واحد بل خليطًا من الأصوات المتداخلة غير الواضحة بدت لي كما لو أن القطار بذاته يتحدّث في نوبة فزع أثناء نومه.. 
توقّف القلم.. وتوقفت نبضات قلبي للحظة
— لوتشيانو فيرّيتي..
تجمّدت..
لم يكن أحد ينظر إليّ ولم ينادني أحد من الأحياء الموجودين، لكن اسمي قيل بوضوح، بلهجة محايدة باردة، لا تهديد فيها ولا ودّ.. نداء موظف روتيني في مصلحة حكومية لا ترحم.. 
— لوتشيانو فيرّيتي..
قالها الصوت ثانية، وأقسم أنها كانت أقرب هذه المرة.. عند أذني تمامًا


​وقفتُ فجأة فالتفتت الرؤوس نحوي كأنني المذنب الوحي، قلت بابتسامة مصطنعة فاشلة:
— هل ناداني أحد؟


هزّ الجميع رؤوسهم في صمت مفتعل بإشارة تفيد ب لا. 


امرأة شحب وجهها حتى صارت كورقة قديمة وهمست برعب:
— أنا.. أنا سمعت اسمي أيضًا.
​
سقط الصمت علينا كقذيقة حرب.. ثم بدأ الجحيم الصغير.. الأسماء بدأت تتردد من كل زاوية، 
أسماء كاملة بألقابها بذكريات مخفية داخل حروفها: 


— جيوفاني روسّي..
— إلينا كونتي..
— ماركو.. لا تختبئ..
​بعضهم كاد أن يبكي ذُعرا وبعضهم صرخ في وجه الضاب الكثيف وبعضهم حاول الضحك بهستيريا وانتهى به الأمر بنوبة سعال حادة، ثم نهض رجل بدين من مقعده ملامحه تنطق بالرفض التام لما يحدث واتجه نحو باب العربة صائحًا:
— هذا هراء.. أكيد هذا خلل تقني سخيف.. سأذهب للسائق وأضع حدًا لهذا!


فتح الباب.. ثم اختفى الرجل.. بلا تلاشى... 


​هكذا ببساطة.. لا صرخات مدوية ولا صوت ارتطام بالارض خارج العربة و لا أي شيء..


 والباب أغلق نفسه بهدوء مهين من خلفه، كما لو لم يفتح أبدًا، تقدمتُ نحوه بخطوات واهنة، وضعت يدي على المقبض.. كان باردًا لكن ليس ببرودة المعدن التي نعرفها؛ كان باردًا كجثة هامدة غادرها النبض منذ دقائق.


— لا تفتح
صرخت امرأة خلفي، 


فترددتُ.. ثم تراجعتُ.


 الجبن أحيانًا هو أذكى وسيلة للبقاء.


​الضباب الآن ابتلع سقف العربة، تلاشت الإضاءة تمامًا أو ربما لم تكن موجودة أصلًا في هذا المكان،


 وفجأة تحرّك القطار.. لكن ليس إلى الأمام. 


شعرتُ بذلك الإحساس الغريب الذي يصيب المعدة حين تتحرك دون اتجاه مفهوم؛ كأن القطار انزلق جانبيًا.. أو انكمش إلى الداخل. 


​ أشكال غريبة في الضباب بدأت تتشكل.. 
في البداية حسبتها هلاوس ثم أدركتُ أنها ممرات.. ممرات طويلة بأبواب خشبية تشبه ممرات المستشفيات القديمة أو الفنادق المهجورة التي لا يزورها أحد، 


رأيتُ من خلالها مشاهد.. لحظات هاربة من حيواتنا، 


رجل يجلس على مكتب يوقّع عقدًا نادمًا..


 امرأة أمام مرآة تمسح دمعة قبل أن ترتدي قناع الابتسامة الاجتماعية..


 طفل يختبئ تحت سرير ويرتجف.. 
همست لنفسي: 
— هذا مستحيل.. 


​اقترب مني شاب لم ألاحظه من قبل..
هل أتى من العدم؟  لا أعرف 


عيناه كانتا واسعتين بشكل غير طبيعي مشاورا على أحد الممرات التي ظهرت من العدم هي الأخرى وقال بصوت مبحوح:
—هذه ليست ذكرياتي.. لكنها تشبهها.


نظرت أنا الآخر إلى أحد الممرات أمامي و رأيتُ نفسي.. لوتشيانو الأصغر سنًا، يكتب مقالًا ثم يمزّقه بيأس.. 
 ثم يغلق ظرفًا ولا يرسله أبدًا.. يقول (لاحقًا) بينما كان يجب أن يقول (الآن) 
​
ارتدّ الضباب فجأة كأن شيئًا ضخمًا غير مرئي مرّ من خلاله ثم سمعنا الخطوات.. خطوات منتظمة هادئة لا تتعجل المصير.. ظهر مُحصّل التذاكر.. لكنه لم يعد هو، بدلته الآن رمادية بلا شارات، ووجهه بدا كنسخة تقريبية باهتة من الوجه الذي رأيناه منذ قليل.




— أرجو الهدوء.. ما يحدث طبيعي جدًا.
 قالها بنبرة موظف يؤدي واجبه الروتيني.


ضحك أحدهم بهستيريا: طبيعي؟! نحن نختفي!
نظر إليه المُحصّل بهدوء يثير القشعريرة:
— أنتم لا تختفون.. أنتم تُعاد صياغتكم


​اقتربتُ منه والفضول الصحفي يصارع رعبي: 
_ إلى أين نذهب؟
نظر إليّ مباشرة وللمرة الأولى كانت ابتسامته حقيقية.. وحقيقية هنا تعني مخيفة. 
— سؤال خاطئ يا سيد فيرّيتي
— إذن ما السؤال الصحيح؟
— السؤال الصحيح هو متى


​قبل أن أستوعب المعنى صرخة حادة مزقت ما تبقى من أعصابنا، 


 رجلان ركضا نحو أحد الأبواب الظاهرة في الضباب فتحوه.. وكان خلفه اللاشيء.. فراغ مطلق.. هواء بلا أرض.. قفزا.. واختفيا.




بدأ الضباب ينكمش، القطار تباطأ كمن يلفظ أنفاسه بصعوبة بعد مدة زمنية لا بأس بها من الركض، 
ثم رأينا الضوء.. نقطة صغيرة في نهاية السواد في آخر النفق، ثم خرج القطار منها.. 




ريف إيطالي.. 
سماء زرقاء وشمس دافئة.. كل شيء كان طبيعيًا.. أكثر مما ينبغي، وهذا هو مكمن الخطر.




التفتُّ إلى مقعد الرجل البدين.. كان فارغًا، بل لم يكن هناك مقعد أصلًا! التفتُّ إلى المرأة التي سَمعت اسمها قبل قليل.. تلاشت تماما هي الأخرى.. 


عدَدتُ الوجوه.. لقد نقصنا.




​مرّ المُحصّل مرة أخرى وتوقّف عندي ببرود:


_ التذكرة من فضلك


ناولته إياها بيد ترتجف نظر إليها طويلاً ثم قال بصوت أثار الرهبة في نفسي:
— رحلتك لم تبدأ بعد، يا سيد فيرّيتي.




الفصل الثالث: محطة  لا تملك اسمًا.


 




​لم تتوقف العجلات..
ومع ذلك.. توقف القطار
​لا أعرف كيف أشرح هذا التناقض الصارخ دون أن يبدو كلامي مراوغة لغوية سمجة، لكن هذا هو ما حدث حرفيًا.


 الإحساس بالحركة اختفى فجأة، الزمن قرر أن يأخذ استراحة محارب بينما بقينا نحن معلّقين في منتصف خطوة، بين الآن و اللاحقاً. 


​الضوء خارج النوافذ لم يعد ضوء شمس يوليو، ولا هو ظلام النفق الذي ابتلعنا؛ كان شيئًا بينهما.. لون رمادي كئيب بلا مصدر، يشبه إضاءة غرفة عمليات باردة قبل أن يشرع الجراح في تمزيق جسدك.


 حاولتُ أن ألمح أي شيء بالخارج — شجرة، حجراً، بقايا حضارة — لكن العالم خارج القطار بدا مؤجلاً كصورة سينمائية لم يكتمل تحميضها بعد.
​
— هل.. وصلنا؟
سألت امرأة بصوت مبحوح يقطر خوفاً، لم يجبها أحد، فالسؤال في حد ذاته كان يحمل عبثيته بداخله.
​ثم سمعنا الصوت..
ذلك الصوت الذي لا تخطئه أذن، حتى لو لم تسمعه من قبل إلا في كوابيسك..


صوت محطة..


 صفير بعيد، ارتطام معدني، أصداء خطوات خفية.. كل العناصر موجودة، لكن بلا ترتيب منطقي، كما لو أن شخصًا ما أعاد تركيب ذاكرة محطة بناءً على وصف شفهي غير دقيق من شخص معتوه.
​
الأبواب انفتحت..


ليس كلها بالطبع، ففي هذا المكان لا توجد عدالة كاملة، انفتح باب واحد فقط.. باب العربة الثانية.
​
وقفنا نتبادل النظرات في صمت ثقيل.. لم يتحرك أحد في البداية، فالتجربة علّمتنا في النفق أن الحركة قرار مكلف جداً في هذا المكان. 


لكن بعد ثوان قليلة نهض رجل طويل القامة، أصلع بملامح أكاديمية توحي بأنه يملك إجابة لكل شيء.. قال بهدوء مصطنع:
— البقاء هنا لن يغيّر من القدر شيئاً.
​ومشى..


لم يختف ولم يُبتلع بل نزل إلى الرصيف ببساطة.. 
تبعناه واحدًا تلو الآخر كقطيع من الأغنام يتبع أول من يجرؤ على الخروج من الحظيرة نحو المجهول.


​المحطة كانت.. اللاشيء حرفيا.


رصيف طويل يمتد إلى ما لا نهاية بلا لافتات تخبرك بمكانك و بلا ساعات تنظم وقتك وبلا جدران تحميك، لا سقف ولا سماء واضحة، فقط امتداد رمادي ينتهي عند ضباب أكثر سمكاً من عقولنا، الهواء كان ساكناً على نحو يثير الغثيان، لا برد ولا دفء، هواء ضعيف الشخصية يرفض اتخاذ أي موقف.


​التفتُّ خلفي.. القطار كان هناك، لكن ضبابًا خفيفًا بدأ ينهش أطرافه ببطء ربما قرر أن يمحوه من الوجود.. 




قلتُ محذراً: —لا نبتعد عنه..
لم يجبني أحد، فقد كانوا منشغلين بما هو أخطر.. 
الأصوات! 


​همسات، خطوات، نداءات بعيدة.. هذه المرة لم تكن مجرد أسماء، كانت أحداثاً قد حدثت في ماضينا و ندمنا عليها: 


— (لم يكن يجب أن تتركها..) 
— (لو قلت الحقيقة وقتها..) 
— (هذا ليس القرار الذي اتخذته..) 


​رأيتُ الرجل الأكاديمي يضغط على صدغيه بعنف وقال كأنه يخاطب مجموعة من الطلاب البلهاء:
— هذا هراء عصبي.. هلوسة جماعية ناتجة عن التوتر وضيق الأكسجين.


اقتربتُ منه وقلت بسخرية لا تخلو من مرارة: 
— هل تصدّق هذا التفسير العلمي فعلاً؟
تردد كثيراً.. ثم همس: 
— لا
​
قبل أن أعلق انقبضت معدتي لمرأى شيء لا يصدقه عقل كان هناك مقاعد انتظار خشبية قديمة منثورة على الرصيف.. بعضها بدا مألوفاً بشكل مرعب بالنسبة لي، 


اقتربتُ من أحدها، لمست الخشب الخشن، فشعرتُ بصعقة كهربائية من الذكريات.


كان هذا المقعد.. هو ذاته مقعد محطة قريتي الصغيرة.. نفس الشق الطولي في الخشب.. نفس بقعة الحبر التي تسببتُ فيها وأنا في العاشرة!
​— هذا غير ممكن.. همستُ برعب.
قال صوت مألوف خلفي: 
— بل ممكن جدًا.. 
​استدرتُ..
 إنه.. 
المُحصّل. 
كان يقف هناك كأنه لم يغادرنا قط، لا ضباب يحيط به ولا غموض؛ وجوده بدا صحيحاً أكثر من وجودنا نحن.


سألته بحدة: — أين نحن؟
— في محطة.
— أي محطة لعينة هذه؟
— المحطة التي تصلح لكم.
​ضحك أحدهم ضحة هستيرية أخرى اعتدت عليها اليوم: 
— تصلح لنا؟ كأننا حقائب شحن!
نظر إليه المُحصّل ببرود مخيف:
— أنتم بالفعل حقائب.. مليئون بأشياء ثقيلة لم تُفرغوها بعد.
​أشار بيده إلى الضباب وقال: 
— هذه المحطة ليست للجميع.. هي فقط لمن.. 
توقّف لحظة يبحث عن لفظ مناسب ثم أضاف: 
لمن تأخروا... 


​بدأ الضباب يتشكّل في صور واضحة مرة أخرى، 
لم يعد عشوائياً، صار كشاشات عرض لسيناريوهات حياتنا.. امرأة من الركاب رأت نفسها في سرير مستشفى يحيط بها الأطباء.. صرخت وانهارت وهي تردد:
— لا لم يحدث هذا بعد


قال المُحصّل بهدوء قاتل: 
— بالنسبة لكِ.. قد حدث.
​ثم رأى الرجل الأكاديمي نفسه يقف أمام لجنة يتلعثم، يُرفض، ويسقط في هاوية الفشل.


ثم شاب بيننا رأى نفسه خلف زنزانة باردة.


ثم امرأة رأت خاتم زواج يُرمى في سلة المهملات.
​
ثم جاء دوري..


لم أرد أن أنظر لكن الفضول — لعنة الصحفيين — دفعني.


 رأيتُ نفسي.. وحيداً في غرفة ضيقة أمامي كومة أوراق وكتاب، على غلافه كتب بخط عريض:
 (قطار زانيتي). 


​قلت بصوت متهدج:
 — هذا.. هذا لم يحدث بعد، أنا لازلت هنا ولم أوثق الرحلة بعد.. فكيف ذلك.. 


ابتسم المُحصّل: 
 _ لم يحدث.. بعد.
​


قلتُ ببطء: 
— هل القطار.. يسافر عبر الزمن..؟ 


هز رأسه ولكنها هزة غريبة ككل شيء هنا لا تفيد بالإيجاب أو النفي


اقترب مني خطوة:
 — القطار يختار نهايات لمن لم يحسموا أمرهم في الحياة.


— ولماذا نحن؟
رد بثقة من يعرف ماذا يقول: 
— لأن من حسم أمره.. لا يصعد هذا القطار أصلاً.
​
التفتُّ حولي فلاحظتُ الشيء المرعب حقاً.. عددنا قلّ مجددا.. 


_ أين ذهب الباقون؟ لم أسمع صراخاً ولا ضجيجاً.


قال المُحصّل: 
— الذين رأوا ما يكفي.. قد اختاروا
— اختاروا ماذا؟
— اختاروا النزول.. الذهاب إلى النسخة التي تناسبهم من الواقع.
​
بدأ الضباب يزداد كثافة و المقاعد بدأت في الاختفاء والمشاهد تتلاشى في السديم الرمادي.. 


ثم.. وللمرة الأولى.. صفّر القطار..
صرخة معدنية أيقظتنا من ذهولنا. 
​
— عودوا جميعا..
 قالها المُحصّل بنبرة آمرة
 _الرحلة لم تنتهِ بعد


تحركنا ببطء كمن يعود إلى حفرة يدرك أنها قبره.. 


قبل أن أصعد سألته بسؤال لم أتوقع أن أنطقه:
— وأنت؟ لماذا لا تختار وتغادر؟
​نظر إليّ طويلاً وفي عينيه رأيتُ قروناً من التعب:
— لأنني اخترت منذ زمن بعيد.. ودفعت الثمن.. 


​أُغلقت الأبواب بعنف.. وعاد القطار للحركة لكنني كنت أعلم الآن حقيقة مرة: النهاية ليست محطة واحدة نصل إليها جميعاً.. والقطار لن يقبل الجميع عند رصيف الوصول.
               

قطار زانيتي: تذكرة إلى العدم - الرجل الذي صعد ولم يكن يجب أن يصعد

جاري التحميل...

الرجل الذي صعد ولم يكن يجب أن يصعد

رواية نفسية سوداوية تمزج بين الغموض والفلسفة والرعب الوجودي، حيث يتحول القطار إلى محكمة للقرارات المؤجلة، ويصبح الكاتب نفسه جزءًا من اللعبة. السؤال ليس هل ستصل… السؤال: أي نسخة منك ستصل؟ إن كنت تظن أنك مجرد قارئ… فربما لم يحن دورك بعد.

تحميل الفصول...
المؤلف

الفصل الأول: 
الرجل الذي صعد ولم يكن يجب أن يصعد. 




​لم أكن أنوي ركوب هذا القطار..
هذه حقيقة بسيطة، لكنها الحقيقة الوحيدة التي صمدت في وجه ما حدث بعد ذلك وكل ما عداها من أسماء، وتواريخ، ووجوه، صار قابلاً للشك.. للمراجعة.. وللإنكار التام لو لزم الأمر. 
​كنت هناك بصفتي مراقبًا أو شاهدًا محايدًا؛ وهي تسمية منمقة لا تعني في عالمنا أي شيء سوى أنك ستتلقى الصدمة أولاً دون أن تملك حق الاعتراض.. 
​اسمي(لوتشيانو فيرّيتي).. صحفي مغمور أكتب مقالات لا يقرأها أحد عن أشياء لا تهم أحدًا، وحين وصلتني دعوة شركة (زانيتي) للسكك الحديدية لتغطية الرحلة الافتتاحية للقطار الأكثر فخامة في تاريخ إيطاليا، 
لم أشعر بالفرح كما يفعل البشر الطبيعيون، بل بشيء أقرب إلى انقباض الصدر.. ذلك القلق غير المبرر الذي يأتيك بلا سبب واضح، ثم يثبت لك لاحقًا أنه كان التحذير الوحيد الذي كان يجب أن تصغي إليه قبل أن تغرق في الوحل.


​المحطة كانت مزدحمة على نحو غير معتاد..
لكنه لم يكن زحام العامة الذي يفوح برائحة العرق والكدح، بل كان ازدحامًا أرستقراطيًا بامتياز، رجال ببدلات داكنة منفرة، نساء بقبعات واسعة تخفي خلف ريشها عيونًا باردة، ضباط جيش برتب تلمع على أكتافهم، ووجوه رجال أعمال تعرفها من الصحف حتى لو لم تقابلها قط.. كان الجميع يتصرّف كما لو أنه مدعوّ إلى حدث تاريخي.. والحق أنهم كانوا محقين، لكن لأسباب مُختلفة تمامًا عما دار في خلد أحدهم!


​القطار نفسه بدا مختلفًا جدا عن ما رأيته في حياتي السابقة من قطارات، 
لا أملك وصفًا أدق.. ثلاث عربات فقط، لكنها أطول مما ينبغي، أهدأ مما ينبغي، ونظيفة على نحو يثير الريبة.. كانت مطلية بطلاء أسود مطفأ، ذلك النوع من السواد الذي لا يعكس الضوء بل يمتصه في جوفه..


 اقتربتُ من العربة الأولى التي اتسمت بمدخنة غريبة على رأسها، لمست معدنها فأحسست ببرودة قارسة لا تتناسب أبدًا مع قيظ يوليو اللافح.. فلربما أن هذا المعدن قادم من عالم آخر لا يعترف بقوانين درجات الحرارة. 


​قال لي رجل متأنق يقف بجواري بصوت عميق ونبرة مرتبة تقطر ثراءً:
— تحفة.. أليس كذلك؟
أومأتُ برأسي دون حماس.. هؤلاء الأثرياء يظنون أن كل شيء في الوجود معروض للبيع، بما في ذلك إعجابي.. 


​بدأ الركاب الصعود بنظام آلي مريب، كما لو كان كلٌ منهم يعرف مكانه في مسرحية معدة مسبقًا، ضحكات ومجاملات وتبادل بطاقات.. كل شيء طبيعي إلى حد الملل، 


وأنا؟ كنت آخر من صعد
تأخرتُ متعمدًا كعادتي في تجنب الزحام، كنت أقول لنفسي إنني أراقب فحسب، لكن الحقيقة أن وجودي وسط علية القوم كان يربكني.. ليس لأني أرهبهم، بل لأني لا أرتاح أبدًا لمثاليتهم الزائدة، والتي هي بالمناسبة تبدو كأمر مصطنع تمامًا.. قناع جميل يخفي خلفه قبحًا لا يطاق.. ظللت أتردد، أؤجل القرار، أترك لنفسي مخرجًا أخيرًا، لكن حين وضعت قدمي على درجة القطار الأولى، شعرتُ بغصة.. كأن أحدهم أغلق خلفي بابًا لم أراه أبدًا، ولن أراه ثانية.. 


​العربة الأولى كانت صالونًا فخمًا يصرخ بالثراء، 
مقاعد وثيرة، خشب مصقول يلمع تحت الضوء الخافت، ورائحة تبغ فاخر وعطر ثقيل من ذلك النوع الذي يسبق صاحبه بعشرة أمتار.. 


جلستُ قرب النافذة وأخرجت دفتري.. وهذه عادتي دائماً عندما أشعر بعدم الارتياح.. 
أكتب لا يهم ماذا أو لماذا.. لكن الكتابة بالنسبة لي تخلق وهم السيطرة على الأمور. 
​
أخيرًا تحرك القطار..
​في الدقائق الأولى لم يحدث شيء يستحق التدوين، ريف إيطالي جميل ومحادثات سخيفة كعادة أغلب محادثات أبناء الطبقة الراقية، ثم نخب يُرفع لمستقبل مشرق.. كنت على وشك الاطمئنان، قبل أن ألاحظ أول تفصيلة شاذة في هذا القطار الفخم.. 
​
لم يكن هناك صوت صفّارة!


أي قطار في هذا العالم اللعين يُطلق صفّارته عند الانطلاق.. هذا قانون كوني لا يقبل النقاش.. 


لكن قطار (زانيتي) تحرّك في صمت مهذّب ومريب كضيف لا يريد إزعاج المنزل الذي يغادره، 


و​بعد نحو خمس دقائق من مناظر الريف الإيطالي الخلابة مرّ المُحصّل
رجل ملامحه عادية إلى حد كبير جداً من ذلك النوع الذي تنسى وجهه فورا بمجرد أن يلتف، 
فحص التذاكر بهدوء مبالغ فيه على عكس عادة المحصلين وكأنه يوقن أنه لن يجد متسللاً واحدًا وسط هؤلاء الأغنى أغنياء، 
وحين وصل إليّ توقّف أطول من اللازم، 
وأردف وهو يقرأ بطاقتي:
— صحافة؟
— نعم..


نظر إليّ ثم ابتسم ابتسامة واسعة بشكل غير مريح، كادت خديه تلامسان عينيه، ثم قال بنبرة أقرب للاستنكار:
— أتمنى أن تكتب الحقيقة..
كدتُ أضحك بمرارة.. هذا الرجل يعرف بوضوح أن الحقيقة هي آخر ما يبحث عنه الناس في الصحف، لكني تهذبت وقلت له:
— دائمًا ما أكتب الحقيقة


​أكمل طريقه لكن كلماته بقيت عالقة في رأسي كذبابة مزعجة.. أي حقيقة؟


بدأ القطار يقترب من منطقة جبلية وتغيّر الضوء المنبعث من النوافذ؛ لم يخفت بل صار مسطّحًا، كصورة قديمة فقدت ألوانها..


لاحظتُ أن الحديث في العربة بدأ يهمد فجأة،
كما لو كان الركاب استنزفوا فجأة جميعا في اللحظة ذاتها.. 
​
ثم اهتزت العربات هزة عنيفة أربكت الجميع، حتى إن امرأة أسقطت كأسها من يدها.. سارع المحصل ليهدئ الركاب، مؤكدًا أنها هزة طبيعية بسبب تعرج بسيط في القضبان،


ثم بدا الوقت بعدها يمر ببطء شديد جدا كسلحفاة تطارد أرنبا وهي تعلم جيدا في قرارة نفسها أنها لن تلحق به أبدا،


أحد الركاب أمامي نظر لساعته وجدها الثانية والنصف، ثم أقسم أنها كانت الثانية وخمس وعشرون منذ أكثر من نصف ساعة! فكيف مرت خمس دقائق فقط؟! 


نظر إليّ كأنني أملك تفسيرًا لما وراء الطبيعة، 


​ثم فجأة.. رأيناه جميعًا.. 
النفق..




فتحة سوداء في قلب الجبل أوسع مما تسمح به أي حسابات هندسية، أنا أعرف جغرافيا هذه المنطقة جيدًا، وقد طالعت أغلب الخرائط الموثوقة لها وللدهشة لم أجد لهذا النفق اسمًا أبداً، ولا ذكره أحد في الكُتيّبات الدعائية للرحلة، 
​ومع ذلك.. بدا وكأنه كان هناك منذ الأزل.. ينتظرنا. 




شعرتُ برغبة مفاجئة وعارمة في النزول.. الآن.. وفورًا.. قبل أن يبتلعنا الجبل، لكن القطار لم يُبطئ، ولن يفعل، لأنه وببساطة قطارا. 


​اقتربنا من مدخل النفق وقبل الدخول بثوانٍ حدثت هزة أخرى أخف حدة، لكنها كانت كافية لتهز أركان نفسي.. 


وهنا حدث شيء أخير.. شيء صغير جدًا لم ينتبه له أحد على الإطلاق سواي.. لكنه أثار الرعب في أعماقي، 
​
انعكاسي على زجاج النافذة..!  


حين اهتززتُ مع هزة القطار ظل ثابتاً تماماً ولم يتحرّك معي! كان يحدق فيّ ببرود، أقسم أنه كان يسخر من هلعي..! 


​ثم.. دخلنا الظلام.
               

قطار زانيتي: تذكرة إلى العدم

قطار زانيتي: تذكرة إلى العدم
8.2

قطار زانيتي: تذكرة إلى العدم

مشاهدة

قصة الرواية

رواية نفسية سوداوية تمزج بين الغموض والفلسفة والرعب الوجودي، حيث يتحول القطار إلى محكمة للقرارات المؤجلة، ويصبح الكاتب نفسه جزءًا من اللعبة. السؤال ليس هل ستصل… السؤال: أي نسخة منك ستصل؟ إن كنت تظن أنك مجرد قارئ… فربما لم يحن دورك بعد.

تفاصيل العمل

التصنيف: فانتازيا - غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مكتملة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
لوتشيانو فيرّيتي
حين صعد الصحفي لوتشيانو فيرّيتي إلى القطار الفاخر، ظن أنه يطارد قصة صحفية.. لكنه اكتشف أن القصة كانت تطارده هو.

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.