رحيق النرجس - البدايه
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

رحيق النرجس - البدايه

جاري التحميل...

البدايه

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

تبدأ حكايتُنا في قصرِ أدرْيان باشا المهيب، ذاك الصرح العريق الذي ظلّ شاهدًا على تقلبات الدهر وتغيّر العصور. فقد ورث أدرْيان باشا ثروتَه جيلاً بعد جيل، إذ كان جدّه الأكبر أحدَ أعيان القوم إبّان الحملة الفرنسيّة على مصر، وهو من شَيَّد هذا القصر ليكون موئلًا لأسرته وذريته من بعده.
ومع تبدّل الأزمنة، ظلّ للقصر مهابتُه ورونقُه بين البيوت المجاورة؛ فقد أولى أدرْيان باشا ذلك الإرث عنايةً خاصّة، وحرص على أن يبقى ممتدًّا في عقبه، إذ كان رجلَ صناعةٍ يملك مشاغل متنوّعة لصناعة الأحذية والغزل والنسيج والحقائب وسواها


وفي إحدى الليالي، تعالت بين جدرانه الشامخة صرخاتُ المخاض من مكانين مختلفين؛ أنينٌ فوق أنين، ووجعٌ يجاور وجعًا.
قد يتبادر إلى الذهن سؤال" أترى تزوّج أدرْيان باشا بامرأتين؟"
والجواب "فلا."
فزوجته نيفين هانم كانت تضع مولودتها في جناحها الفخم، بينما كانت وَنيسة الخادمة التي خدمت هذه الأسرة منذ كانت في السادسة عشرة تلد طفلتها الأولى في غرفة الخدم المتواضعة.
تلك المرأة البسيطة التي أرهقها الزمن، انتظرت هذا اليوم منذ سنواتٍ طويلة من الدعاء والرجاء. غير أنّ فرحتها كانت مشروخة؛ فقد فقدت زوجها منذ شهرٍ بمرضٍ خبيث، فأقبلت على الولادة بقلبٍ مثقلٍ بالوجع.


أما نيفين هانم، سيّدة القصر وقلبُ أدريان باشا، فكانت تستلقي على فراشها المصنوع من ريش النعام، يحيط بها طبيبٌ وممرضة، يساندانها لتخرج صغيرتها سالمة إلى الدنيا. وما إن مرّت دقائق قليلة، حتى دوّى بكاء المولودة الجديدة في أرجاء القصر.


اطمأن قلب أدرْيان حين سلّمه الطبيبُ مولودتَه، فرفعها بين ذراعيه وهمس باسمها:
"ماريان."


ابتسمت نيفين رغم الألم قائلة:
"اسم جميل يا حبيبي… وكمان متناغم ماريان أدرْيان مرقس."


ضحك أدرْيان بسعادة وقال:
"وكأنّ العدرا ألهمتني يا حبيبتي يحفظها الربّ لنا ويجعلها سبب فرحٍ في بيوتنا."


ابتسمت نيفين بحنان، لكن سرعان ما صاحت بقلق:
"ونيسة!.. اطمنت على ونيسة؟"


ارتبك أدرْيان وقال:
"جبتلها الحكيم يا حبيبتي… وزمانها ولدت.. وبكده… تكون بنتِنا ليها صديقة من أوّل لحظة طّلت فيها على الدنيا."


هدَّأت نيفين من روعها، قبل أن ترجوه بصوتٍ مُتعَب:
"طب روح اطمن عليها يِلّا… وبعدين تعال طمني."


أومأ أدرْيان وهو يغادر الغرفة على مضض؛ فهو يعلم أنّ قلب زوجته لن يهدأ قبل أن تطمئن على ونيسة، تلك التي لم تكن في نظرها مجرّد عاملة، بل صديقةً قريبة شاركتها أعوامًا من حياتها.


هبط أدرْيان باشا سُلَّم الخدم حتى وصل أمام غرفة ونيسة، حيث كان صوت بكاء الطفلة يتردّد بوضوح، فاطمأنّ أنّ الولادة قد مرّت بخير.
كانت بعض العاملات يتجمّعن أمام الغرفة، ينتظرن سماع خبر سلامة ونيسة وطفلتها، وهنّ يتبادلن نظراتٍ مرتابة من وجود الباشا نفسه بينهم في هذا الموضع.


وبعد لحظات خرجت الممرّضة تحمل الطفلة الصغيرة بين ذراعيها، دهشت  فجأة حين وجدت أدريان واقفًا هناك، وهمست لنفسها في خفوت: كيف يأتي الباشا بنفسه ليطمئن على خادمة؟


التفّت العاملات حول الممرّضة، يداعبن الصغيرة ويتبادلن التعليقات، إلى أن شقّ صوته الهادئ وقاره بينهم:


"وسّعوا يا بنات… خلّوني أشوف ضيفتنا الجديدة اللي زوّدت بهجتنا بهجة."


تراجعت الفتيات جانبًا لتظهر الصغيرة بوضوح. ناولتها الممرّضة للباشا، فأخذها بين ذراعيه، يتأمّل ملامحها الدقيقة، وعينيها المغمضتين كقِطّةٍ غافية. كانت هادئة على غير عادة الأطفال حديثي الولادة، وكأنها تُشارك أمَّها حدادها.


فتحت الطفلة عينيها ببطء، فالتقط أدرْيان جمال البؤبؤين اللذين خُضّبا بلون القهوة الداكنة، ورموشها المظلّلة بسواد الليل.، خفق قلبه وقال مبتسمًا:
"حفظها الرب."


رفع بصره، فإذا بالسيد فتحي ، صديق المرحوم "علي "
زوج ونيسة يقف قريبًا، تتلألأ الدموع في عينيه كلما نظر للصغيرة.
قدّم له أدرْيان الطفلة بلطف قائلاً:
"اذّن في ودانها يا فتحي… زي ما أبوها وصّاك."


مسح فتحي دموعه الهاربة، ومدّ ذراعيه يأخذ الصغيرة وهو يقول بامتنان خافت:
"مش عارف أشكرك إزاي يا بيه… على وقفتك مع الست ونيسة… وعلى اهتمامك بيها... ربنا يكرمك… ريّحت علي في تربته."


ابتسم أدرْيان وربّت على كتفه:
"متشكرنيش يا فتحي… ده واجب عليّا... إحنا أهل… وبينّا عشرة."


أومأ فتحي متأثرًا وقال بصوت متهدّج:
"الله يرحمه علي… ما كانش بيقول عليك غير كل خير. ونِعِم والله يا بيه... وألف حمد لله على سلامة الست نيفين… وتتربّى المولودة في عزّكم."


ابتسم أدرْيان بعفوية، وقد اتّسع صدرُه لتلك الكلمات. وسرعان ما بدأتِ العاملاتُ يتوافدن عليه بالتهنئة، فامتلأ المكانُ فرحًا وصخبًا… وكان ذلك اليومُ يفيض بالسرور كأنما خُطّ له أن يكون عيدًا صغيرًا


***
وبعد أن أفاقت السيدة ونيسة من وهنها، دخلت عليها رفيقتها وفاء تحمل طفلتها، تهدهدها برفق وهي تقول بصوتٍ مفعم بالفرح:


"حمد الله على سلامتك يا ونيسة… بنوتِك بسم الله ما شاء الله بدر منوّر."


ارتسم الفرح على ملامح ونيسة، ومدّت يديها تلتقط الطفلة من بين يدي رفيقتها، تداعب كفَّها الصغيرة بحنان قبل أن تتمتم بصوتٍ خافت يملؤه الشوق:


"شبه أبوها قوي…"


لاحظت وفاء تغيّر ملامحها، فربّتت على كتفها بحنوّ وقالت مطمئنة:


"شدّي حيلك يا ونيسة… ربنا يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت راسه ويجعل قبره روضة من رياض الجنة. ...اهدي كده عشان ترضّعي بنتِك لبن طيب يا حبيبتي… أصل لبن الزعل يعملها مغص."


مدّت ونيسة يدها تمسح دموعها، محاولةً أن تستمتع بهذه اللحظة التي انتظرتها سنوات طويلة. بقيت تتأمل وجه طفلتها كأنها ترى فيه الحياة من جديد.


اردفت وفاء بعدها بلهفة ممزوجة بالمرح:


"ها… هتسمّي حتّة الشوكولاتة دي إيه؟"


.ابتسمت وَنيسة، وتذكّرت حبَّ زوجها الراحل لزهور النرجس التي كان يملأ بها حديقة القصر. سرى في صدرها دفءٌ ممزوجٌ بوخز الحنين، فتنهدت وهمست بصوت مسموع يحمل دفئًا وألمًا في آنٍ واحد:
"نرجس… هسميها نرجس.


مرّت السنوات منذ ذلك اليوم، وكبرت نرجس وماريان وهما تتشاركان كلّ شيءٍ تقريبًا؛ فـأدريان باشا ونفين هانم أقسما ألّا تشعر نرجس يومًا بفقد والدها الراحل، فأغدقا عليها من الحبّ والحنان ما جعلها كابنةٍ توأم لماريان لا تفترقان.
أما ونيسة، وبرغم عزة نفسها وامتناعها طويلًا عن قبول أيّ مساعدة، فقد رضخت أخيرًا حين وضعت نرجس، إذ لم ترد لابنتها إلا حياةً رغيدة مرفّهة. وهكذا خُصِّصت لنرجس غرفةٌ في القصر كابنة الدار، وكلما اشترى الزوجان ثيابًا أو ألعابًا أو أيًّا من سُبل الرفاه، قسّماها بين الطفلتين بالتساوي، حتى إنّ ماريان في صغرها ظنّت حقًا أنّ نرجس أختٌ لها من ذات الأب والأم، لا ابنة عاملة المنزل.


كبرت الفتاتان، والتحقتا معًا بتلك المدارس المخصّصة لأبناء الطبقة الراقية، وتلقّتا تعليمًا راقيًا على أيدي معلّمين جاؤوا من شتّى البلدان؛ فدرستا الإنجليزية والفرنسية والصينية وغيرها من اللغات.
غير أنّ نرجس كانت دائمة التفوّق، تتقدّم بخطًى ثابتة، بينما كانت ماريان لا تهتم إلا بالملابس الأنيقة واللعب والنزهات، فلا تميل إلى الجدّ كما تميل صديقتها.


ومع الوقت، صار الجميع يتهاتف على نرجس بالتشجيع والمديح، الأمر الذي أورث قلب ماريان غيرةً دفينة أخذت تنمو مع السنين. فكانت  كلما تأجّج الغلّ في صدرها  تدبّر لنرجس المكائد الصغيرة، ولا يهدأ لها بالٌ إلا إذا رأتها تنال توبيخًا أو عقابًا، وكأنّ سقوط نرجس لحظةٌ تستعيد بها بعض ما تفقده من شعورٍ بالتفوّق.
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.