نوفلو | Novloo: zIJjmGFJl8R1Dqxh6M6goSakBf82
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

أنتِ الأمان نور

"إلى صديقتي… لم أكن يومًا أبحث عن الأمان، ولم أتخيل أن أجده صدفة في طريق قلبي. كنت أظن أن الأمان شيء بعيد، شيء نبحث عنه طويلًا بين الناس والأيام، لكنني اكتشفت معكِ أن بعض النِعَم لا نبحث عنها… بل يرسلها الله إلينا في الوقت الذي تكون فيه قلوبنا في أمسّ الحاجة إليها. حين عرفتكِ، أدركت أن بعض اللقاءات ليست مجرد صدفة عابرة،

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

كوابيس ولكن.. الكاتبة شيماء رضا

كوابيس ولكن..
6.0

كوابيس ولكن..

مشاهدة

قصة الرواية

الفتاة التي تُرى الكوابيس... صوتٌ من بعيد... بكاءٌ خافت... كأنه آتٍ من عُمقٍ مظلم لا يُرى. ما هذا الصوت؟ ومن أين يأتي؟ الصوت يقترب... خطوات ثقيلة، يملؤها ألم لا يُوصف. الفتاة تقف قرب الباب، تتشبث بنبضها المتسارع، تحبس أنفاسها... كأن شيئًا في الظل يوشك على الظهور. صوتٌ مخيف... نحيب طفلة صغيرة... يرتجف، يتسلل كالسهم داخل القلب. براءة ممتزجة بالخوف، كأنها تستنجد... وفجأة... يتضح الصوت، وتخرج الكلمة من بين شهقات البكاء: "ماما..." --- صوت البكاء ما زال مستمرًا... روان تقف قرب الباب، قدماها متجمدتان، أنفاسها متقطعة، وعيناها تبحثان وسط العتمة عن مصدر الصوت. كل شيء من حولها صامت... إلا ذاك الصوت. صوت نحيب ضعيف... طفلة تبكي. ثم بوضوح... وبنبرة موجعة، يخرج الصوت من جديد: "ماما..."

تفاصيل العمل

التصنيف: رعب - غموض وتشويق - جريمة وتحقيق
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
روان
فتاه ترى كوابيس ولكن ليس كأى كابوس بل واقع أليم..

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

رواية كوابيس ولكن.. الكابوس الاول

جاري التحميل...

الكابوس الاول

الفتاة التي تُرى الكوابيس... صوتٌ من بعيد... بكاءٌ خافت... كأنه آتٍ من عُمقٍ مظلم لا يُرى. ما هذا الصوت؟ ومن أين يأتي؟ الصوت يقترب... خطوات ثقيلة، يملؤها ألم لا يُوصف. الفتاة تقف قرب الباب، تتشبث بنبضها المتسارع، تحبس أنفاسها... كأن شيئًا في الظل يوشك على الظهور. صوتٌ مخيف... نحيب طفلة صغيرة... يرتجف، يتسلل كالسهم داخل القلب. براءة ممتزجة بالخوف، كأنها تستنجد... وفجأة... يتضح الصوت، وتخرج الكلمة من بين شهقات البكاء: "ماما..." --- صوت البكاء ما زال مستمرًا... روان تقف قرب الباب، قدماها متجمدتان، أنفاسها متقطعة، وعيناها تبحثان وسط العتمة عن مصدر الصوت. كل شيء من حولها صامت... إلا ذاك الصوت. صوت نحيب ضعيف... طفلة تبكي. ثم بوضوح... وبنبرة موجعة، يخرج الصوت من جديد: "ماما..."

تحميل الفصول...
المؤلف

لم تكن تحب النوم...
فبينما يهرب الجميع إلى أحلامهم، كانت هي تهرب من أحلامها... أقصد كوابيسها.
كان الليل عندها بداية لصراع، والكابوس لا ينتهي عند اليقظة... بل يبدأ.


كانت جميلة، ملامحها هادئة، ولكن عينيها تحملان شيئًا أثقل من عمرها...
إنه الخوف...
الخوف الذي يطرق بابها كل ليلة بلا رحمة.
كلما أغلقت جفنيها، عادت نفس الأصوات، نفس الظلال، نفس النظرات التي تطعن الروح.


لكن في ليلة ما، تغيّر كل شيء.
الكوابيس بدأت تتكلم.
وجوه غريبة... تهمس بألم... تطلب منها أن تستمع...


من تلك الليلة، لم تعد الكوابيس مجرد خوف، بل صارت طريقًا...
طريقًا نحو الحقيقة... نحو أرواح ظُلمت ورفضت أن تُنسى.


هذه ليست حكاية فتاة تخاف النوم،
بل حكاية من اختارت أن تغوص في الظلام،
لتنير الطريق للذين رحلوا دون عدل.


....


إنها فتاة في العشرين... كانت تعيش حياة طبيعية، حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم، الذي لم تعد بعده كما كانت.
وكأنها سقطت في قاع الجحيم...


لو عادت إلى ذلك اليوم، لتغيّر الكثير...
لكن فات أوان الندم.
فالكوابيس لا ترحم.
والخوف لا يغادرها.
ليس خوف طفلة من عفريت الخزانة أو جني ينام تحت السرير...
بل خوف امرأة راشدة... تخاف الكوابيس.


نعم، كما قرأت... فتاة راشدة تخاف الكوابيس.
ولكن... ليست أي كوابيس.
إنها كوابيس تؤلم الجسد، تصفع القلب، وتقتحم الروح.
كوابيس تسمع فيها صراخًا، وترى عيونًا تبكي، وتشعر بلمسات باردة تخترق جلدها وكأنها واقع حقيقي....


في تلك الليلة، لم تكن تريد أن تنام كعادتها.
ظلت مستيقظة حتى طلوع الفجر، عيناها تلاحقان عقارب الساعة، قلبها يختنق مع كل دقيقة تمر...
لكن النوم غلبها في النهاية...


"أنا فين؟
اى الاوضه دى؟
واى الصوت دا؟"


نظرت حولها في رعب... وجدت نفسها في غرفة مظلمة، باردة، جدرانها بالكاد تُرى.
ثم سمعت صوتًا... كان خافتًا...صوت بكاء.
ازداد الصوت تدريجيًا... تحوّل من نحيب ضعيف إلى صراخ...
صراخ مرتجف، مؤلم، مزعج... وكأن أذنيها تنزفان من شدته.


وضعت يديها على أذنيها، تتألم من إثر الصوت...
وفجأة ظهر من بعيد "ظل"...
ظل أسود، يقترب... ببطء... وهي تتراجع إلى الوراء حتى اصطدمت بباب الغرفة المغلق.


اقترب الظل أكثر... والصوت يزداد...
ركعت على ركبتيها، تبكي وتتوسل بصوت مرتجف:
"بترجاك... ترحمني..."


اقترب الظل أكثر... ولمسها.


صرخت صرخة عالية! كأن تيارًا كهربائيًا صعقها!
تراجع الظل  للوراء، بينما هي تبكي وتهمس:
"انا خايفه 'متأذنيش..."


وفجأة...
اختفى الظل.
واختفى الصراخ.


ثم جاءها صوت خافت... صغير... حزين...ينادى


"ماما..."


فتحت عينيها بسرعة...
"إيه؟ ماما؟!!"
...
               

صائدة الرجال (بلا رحمة)

جاري التحميل...

بلا رحمة

فتاة تحمل جرحًا نفسيًا غائرًا من ماضٍ مظلم، يتحول ألمها إلى عطشٍ للانتقام من الرجال. تقتل بذكاءٍ لا يُخلّف أثرًا، تاركةً خلفها لغزًا يُحيّر الشرطة. يتولى الضابط عيسى التحقيق في القضية، لتبدأ بينهما لعبة خطيرة من المطاردة والغموض. وبينما يحاول كشف حقيقتها، يجد نفسه مأخوذًا بسحرها وغموضها أكثر مما ينبغي. أما فارس، صديقها الوحيد، فيتورط دون قصد في إحدى جرائمها، ليصبح هو الآخر عالقًا بين حبه لها وخوفه منها... لتتشابك الخيوط بين الحب، والجنون، والذنب، حتى تقترب النهاية من لحظةٍ لا عودة بعدها. رواية "صـائـدةُ الـرجـال (بِــلا رحــمــة) " بقلم شيماء رضا

تحميل الفصول...
المؤلف

في زمنٍ بعيد، في قلب العصر الفيكتوري، وُلدت أميرة لإحدى السلالات الملكية. عاشت طفولتها مدللة في قصرٍ تزينه الحدائق والشموع الكريستالية، وكان والدها يحقق لها كل ما تتمناه؛ فإذا طلبت وردةً، جاءها ببستانٍ كامل من الزهور. لكن دوام الحال من المحال، فما إن اشتد المرض بالملك حتى أطفأ حياته، تاركًا ابنته الصغيرة أسيرةَ أمٍ لا ترى في الدنيا سوى مرآتها وزينتها.


لم تمضِ سنوات حتى تزوجت الأم من رجلٍ آخر، وتناست ابنتها كأنها لم تُولد. بدا الملك الجديد في أول الأمر حنونًا، يفيض على الفتاة بعطفٍ زائف، حتى خُيّل إليها أنه قد يعوضها قسوة أمها. لكنها لم تكد تطمئن حتى غدر بها واعتدى عليها وهي بعدُ طفلة لم تتجاوز الخامسة عشرة. بكت، صرخت، استنجدت، لكن جدران القصر صمتت، والقلوب من حولها أغلقت أبوابها.


حين أسرّت إلى أمها بما جرى، لم تجد سوى إنكارٍ واتهام. دفعتها الأم بعيدًا، وطرحتها كسلعةٍ في سوق العبيد، تباع وتشترى بلا رحمة. وهناك اشتراها رجلٌ غريب، بدا رحيمًا، أطعمها وسقاها وربت على جراحها. لكنها ما لبثت أن أدركت أن يد القدر تعيد نفسها بوجهٍ آخر؛ إذ حاول الاعتداء عليها كما فعل زوج أمها من قبل. غير أنها هذه المرة لم تكن الطفلة الباكية، بل المرأة الناقمة؛ أمسكت بخنجرٍ صغير، وغرسته في صدره حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.


ومن تلك الليلة تغيّر كل شيء. أقسمت أن تنتقم من كل رجلٍ دنيء عديم الشرف، فصارت أسطورة تُروى على الألسنة: "صائدة الرجال". كانت تظهر مع حلول الليل، تطارد فرائسها بخطواتٍ خفية، تختار من ترى في عينيه الخيانة، ثم تنحره بدمٍ بارد.


حتى آخر أيامها لم يهدأ غضبها، ولم يبرد سخطها. وبعد وفاتها ظل الناس يحلفون أنهم رأوا طيفها يتجول في الأزقة المظلمة، يبحث عن رجلٍ قذر، ليقتنصه كما اعتادت أن تفعل في حياتها.


.....
تلذذ....


كان يزحف على ظهره بتثاقل، يتراجع خائفًا، وعيناه تائهتان ترتجفان من الهلع، والعرق يتصبب على جبينه، بينما الدموع تترقرق في مقلتيه كطفلٍ توسل النجاة.


كانت تقف في مواجهته، بكامل كبريائها، تتقدّم نحوه بخطوات واثقة، يصحبها صوت طقطقة كعب حذائها الأحمر، . ترتدي قفازًا أسودَ أنيقًا، وتُخفي خلف ظهرها سكينًا حادًّا، لامعًا كأنّه لا يعرف الرحمة.


انخفضت على ركبتيها أمامه، حتى صار وجهها قريبًا من وجهه المرتجف. مرّرت أصابعها برفقٍ مريب على بشرته المتعرّقة، ثم انتقلت إلى عنقه، وهمست وهي ترسم ابتسامة باردة مخيفة:


- "عاوزني أقتلك مذبوح ولا مطعون؟"


ارتجف جسده بعنف، وقال بتوسّلٍ مرتجف:


- "أرجوكي... ارحميني!"


قهقهت بصوتٍ عالٍ كأنّها تسخر من المعنى ذاته، ثم قالت:


- "اسمي رحمة... بس بلا الرحمة."


وفي لحظةٍ خاطفة، أخرجت السكين من خلف ظهرها، فارتسم الذعر على عينيه واتسعتا حتى كادتا تخرجان من محجريهما. لكنه لم يملك الوقت ليصرخ أو يحتج... فقد كانت يدها أسرع، مزّقت بها عنقه بجرّةٍ واحدةٍ خاطفة، فاندفعت الدماء كالسيل، وتهاوى جسده أرضًا بلا حراك.


وقفت هي، شامخة، تنظر إليه بتلذّذ، كأنها أمام لوحة فنية أنهت رسمها للتو. تمتمت لنفسها، بعينين تتأملان لونه:


- "لو ألاقي لون روج قريب من لون دمه... هيبقى تحفــــة."


ثم أخرجت من حقيبتها منديلًا حريرى ، ومسحت به نصل السكين بعناية، وقالت دون أن تغيّر نبرة صوتها:


- "مبحبش أسيب سِكّيني ملوّثة."


رمَت بالمنديل فوق جثته، وأدارت ظهرها بخُطى واثقة، وخرجت من الغرفة، تغلق الباب خلفها دون أن تنظر إلى الوراء.


.........
اتمنى من قرائي العزاز على قلبي يقرأو باقى الفصول ويقولو رايهم بجد .....بقبل النقد يحلوين
               

رواية صائدة الرجال - شبماء رضا

صائدة الرجال
5.0

صائدة الرجال

مشاهدة

قصة الرواية

فتاة تحمل جرحًا نفسيًا غائرًا من ماضٍ مظلم، يتحول ألمها إلى عطشٍ للانتقام من الرجال. تقتل بذكاءٍ لا يُخلّف أثرًا، تاركةً خلفها لغزًا يُحيّر الشرطة. يتولى الضابط عيسى التحقيق في القضية، لتبدأ بينهما لعبة خطيرة من المطاردة والغموض. وبينما يحاول كشف حقيقتها، يجد نفسه مأخوذًا بسحرها وغموضها أكثر مما ينبغي. أما فارس، صديقها الوحيد، فيتورط دون قصد في إحدى جرائمها، ليصبح هو الآخر عالقًا بين حبه لها وخوفه منها... لتتشابك الخيوط بين الحب، والجنون، والذنب، حتى تقترب النهاية من لحظةٍ لا عودة بعدها. رواية "صـائـدةُ الـرجـال (بِــلا رحــمــة) " بقلم شيماء رضا

تفاصيل العمل

التصنيف: اجتماعية - للبالغين - غموض وتشويق - جريمة وتحقيق
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
رحمة
سفاحة تقتل الرجال لسبب غامض

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

رحيق النرجس - فصل جديد

جاري التحميل...

.......

نيران الغيرة

تحميل الفصول...
المؤلف

كانت تظنّني ضعيفة لأنّي أصمت... غير أنّها تجهل أن للصمت ضريبةً لا يُطيقها كثيرون؛ فهو ثمنُ العِشرة الطويلة، والأخوّة التي حملتُها لها يومًا، والامتنان العميق لوالديها اللذين احتضناني صغيرَة، وربّياني دون أن يحرماني حاجةً أو رغبة.
أكان يُسعدها حقًّا أن تُهينني؟ أيمتلئ صدرها نشوةً حين تجرحني؟
لا بأس... فلتتشبّع نفسها بما تشاء أمّا أنا، فأكبر من أن أحمّل قلبي حزن لحظةٍ عابرة.


نعم... كنت أكنّ ليونس مشاعر دفينة، نعم خُدعتُ فيه حتى تكسّر قلبي صدمة، لكن من لا يُشترى بالمال قلّ في هذه الدنيا.


غير أنّ ما جرى اليوم علّمني درسًا حادًّا ألا أُسرف ثقةً في أحدٍ أبدًا، حتى لو تقاسمْنا الطبق ذاته.


كانت تلك العبارات تتردّد في ذهن نرجس ارتدادًا موجعًا، وهي تراقب ماريان تتلذّذ بإهانتها.
ثم انتقل بصرها إلى يونس، وقد بدا عليه الارتباك وإن حاول أن يخفيه بابتسامةٍ ساذجة وهو يقول لماريان:
"ها عملتلك اللي انتي عاوزاه أهو... أجي إمتى الانترفيو عشان الشغل عند والدِك؟"


عندها اكتملت الصورة المبعثرة في ذهنها... 


وقبل أن تنطق ماريان بكلماتها المتفاخرة، ضحكت نرجس ضحكةً عالية مباغتة، أربكت الجميع، وقالت بين ضحكاتها:
"انتوا عاملين فيّا مقلب... والله كنت حاسّة!"


تبادلت ماريان نظرةَ ريبةٍ مع الفتيات وأشارت إليهنّ بإيقاف التصوير، ثم اقتربت منها بخطوتين وقالت بصوتٍ مُطرِب :
"مقلب إيه؟... انتي غبيّة ولا ساذجة؟!
إنتي لِسّه حالاً متهانة ... وقايلّك إن الخاتم الفالصو دا قيمتك!"


فرتْ من نرجس ضحكةٌ أخرى وهي تقول:
"ماريااان حبيبتي... الخاتم من قيمة اللي جايبه.
وبصراحة... أنا عارفة إنك ناوية تعملي فيّا مقلب من أول ما جبتي سيرته في العربية...
أنا مش ساذجة للدرجة دي."


اشتدت ملامح ماريان، وقالت بنبرةٍ حادّة تكاد تلهث غضبًا:
"إنتي كدّابة!
كنتِ بتقولي موافقة والقلوب بتطير من عينيكي...
إنتي أصلًا بتحبيه!
وهو هزقك عشانّي... باعك عشان شغلانة في مصنع الجِزم عند بابا!
هي دي قيمتك!"


شعرت نرجس بغصّة عميقة، لكنها تماسكت، وظلّت ابتسامتها ثابتة كحدّ السكين:
"هه... ميري، أنا آسفة إني بوظت عليكي انتصارك.
بس أنا بصراحة... مش بحبه ولا حاجة.
أنا قبلت بس عشان خفت أحرجه... لكن إحساسي إنه مقلب كان مريحني.
فمعلش... تتعوض في حاجة تانية."


ازداد وجه ماريان اشتعالًا، بينما رفعت نرجس رأسها بثباتٍ لم تعهده منها من قبل.
كانت مجروحة، نعم... لكنها أقسمت ألّا تهدي ماريان نشوة انتصارٍ فوق جرحها.


أمّا يونس، فوقف ينظر إليها بإعجابٍ وحسرةٍ في آنٍ واحد؛ كان يظنّها واقعةً في هواه، وكان ذلك يداوي شيئًا من غروره.
لم يُنكر أنه كان يتقرّب منها لتعينه في الاختبارات لتفوّقها، حتى شعر ببعضِ الإعجاب لها، لكن عرضَ ماريان كان أشدَّ إغراءً.
والآن شعر بالندم؛ فقد خسر الاثنتين...
فماريان لم تنل انتصارها، ونرجس باتت تراه وغدًا لا أكثر.


احتدت ملامح ماريان، ثم ما لبثت أن تبدّلت؛ مسحت غضبها وارتدت قناع الهدوء كممثلةٍ محترفة، وقالت بضحكة مزيفة:
"ههه... شربتِ المقلب يا حياتي!
برافو عليكي...واوعى تزعلى .. كنّا بنهزر."


تعجبت نرجس لحظة، ثم تذكّرت أنّ تلك عادة ماريان حين تفشل في إيذائها؛ تمثّل المزاح والودّ خوفًا من أن تخبر نرجس والديها فيُعاقبانها أو يحرمَانها المصروف.
فبادلَتها نرجس الابتسامة:
"بس انا مشربتوش يا قلبي انتى الى شربتيه...وعموماً مش زعلانه ،احنا إخوات."


وما إن نطقت نرجس تلك الكلمه حتى ازداد غليان ماريان خلف ابتسامتها المصطنعة.
لاحظت نرجس ذلك، فضحكت قائلة بوداع:
"هروح أنا بقى قبل ما ينادوا على أوائل الدفعة.
زي ما أنتم عارفين... العبدة لله أوّل على الدفعة مع مرتبة الشرف."


كادت ماريان تفقد صوابها، وزاد جنونها حين أردفت نرجس وهي تمر بجانبها:
"متتأخريش انتي كمان... عشان تتكرمي.
ما انتي اللي بعدي على طول... التانية."


تصاعد غضبها وضغطت على قبضتها بقوة، بينما أحاطت بها صديقاتها ليهدّئنها.
أما نرجس فمرّت أمام يونس بنظرةٍ باردةٍ مستنكرة، ثم خلعت الخاتم الرديء وصفعته بوجهه وهي تقول:
"الرخيص للرخيص... وأنا مقبلتش أرخص منك."


تلعثم وهو يقول بارتباك:
"ن... ن نرجس، استني بس... أنا كنت مجبَر والله."


لم تلتفت إليه، ومضت مبتعدةً...
ومع كل خطوةٍ كانت الدموع تثقل جفونها حتى تسقط دون أن تشعر.


********
شهقت علياء بعدما استمعت إلى ما قصّته عليها نرجس، وقالت بحنق:
"الصفرا الحيزبونة... بس أنا اتصدمت في يونس... إنما هي كدا كدا معروفة إنها بغل."


تنهدت نرجس بألم وهي تشاهد الطلاب يمرحون ويرقصون، ومنهم من يصوّر مقاطع فيديو على مواقع التواصل، فحسدتهم على تلك السعادة، إذ اعتادت سعادتها أن تولد ناقصةً ،حتى نطقت قائلة:
"عادي، مش هنتعلم بالساهل... بس الموضوع محرج أوي، حتى لو أنا تداركت الموقف."


مدّت علياء شفتها السفلية بحزن، وقالت:
"عندك حق... بس إنتِ بجد أفحمتيها، عرفتي تطلعي من الموقف المحرج ده منتصرة... المفروض هما اللي يتحرجوا مش إنتِ... اعرفي يا نونه إن اللي بيأذي حد هييجي يوم ويلاقي اللي يأذيه هو كمان مهما طال الزمن."


أومأت نرجس، فتابعت علياء بابتسامة:
"فكّي بقى، دي الحفلة حفلتِك... ده منظر واحدة الأولى على الدفعة... ده امتياز يا هانم مع مرتبة الشرف."


ضحكت نرجس وقالت:
"الحمد لله، أنا تعبت طول السنين اللي فاتت عشان أوصل..."


وقبل أن تكمل، قالت علياء مقاطِعة:
"مامتك جت... هي وأنكل ادريان ومدام نفين داخلين من البوابة أهو."


التفتت نرجس بدهشة، وكل ما كانت تحتاجه بصدق هو حضن أمّها. وجدتها تسير بجانب نفين وهي تحمل باقة ورد كبيرة، مُعلَّق عليها كارت صغير كتب فيه : "مبروك النجاح يا وردتي."


اغرورقت عينا نرجس بالدموع، وركضت نحوها، وحين لمحتها ونيسه فتحت ذراعيها لاستقبالها. ارتمت نرجس داخل ذلك الحضن، وظلّت تتنهد بحزنٍ مكتوم، بينما قالت ونيسه بسعادة:
"مبروك يا نن عين أمك... عقبال ما أشوفك جنب عدلك يا رب."


شعرت نرجس بغصة أكبر، فزاد بكاؤها، مما جعل ونيسه تشعر بحزنها، فرفعت وجهها متسائلة:
"مالك يا نرجس؟ مين زعلك بس؟"


مسحت نرجس دموعها بأناملها، وقالت وهي تتصنّع الفرح:
"دي دموع الفرح يا ماما... وزادت لما شوفتك."


ابتسمت ونيسه بارتياح، وضمتها إليها من جديد، تقبّل خصلات شعرها، وتقول:
"ربنا يسعدك كمان وكمان يا نن عين أمك."


اقتربت نفين وزوجها ليهنئاها، فقالت نفين:
"مبروك يا نرجس... سمعت إنك الأولى على الدفعة."


رفعت نرجس وجهها وقالت شاكرة:
"الله يبارك فيكي يا مدام نفين... تسلمِيلي."


أما أدريان، فمدّ لها باقة من زهور النرجس، وقال:
"ملقتش أجمل من الزهور اللي اتسمّيتي على اسمها... واللي كان المرحوم علي بيعشقها... عشان تبقى ذكرى جميلة معاكي في اليوم ده، كأنه موجود بالظبط وسطنا... وألف مبروك يا حبيبتي."


دمعت عينا نرجس من جديد، وكذلك ونيسه التي هزّتها الذكرى، فقالت نرجس بامتنان وهي تأخذ الباقة منه:
"شكرًا أوي يا أنكل أدريان... تربيتكم ليا ورعايتكم ليا جنب والدتي طبعًا، وحبكم اللي أخلصتوا فيه ، هيفضل دين في رقبتي لآخر العمر."


هزّت نفين رأسها قائلة:
"عيب يا نرجس... إحنا أهل يا حبيبتي، مفيش بينا الكلام ده... إنتِ عندي زي ماريان بالظبط... فبلاش بقى دين وما دين."


وفي تلك اللحظة، كانت الحفلة قد بدأت أخيرًا، ووقف مقدّم الحفل يلقي كلمته الافتتاحية، بينما اقتربت ماريان من بعيد بعد أن لمحت والديها، وهي تنضح غيرة:
"طبعًا... التهنئة والورد لنرجس، إنما ماريان بنتكم لا... ده إنتوا حتى مفكرتوش تدوروا عليّا."


قال أدريان مهدئًا:
"يا ماريان يا حبيبتي، نرجس هي اللي استقبلتنا، ولسه كنا بنكلم... وأكيد يعني هندور عليكي، أو إنتِ هتلاقينا... إيه بس سبب الزعل ده كله؟"


أردفت نفين:
"لو بصيتي وراكي هتلاقي إن حازم السواق جايب البوكيه بتاعك وجاي ورانا... عشان إنتِ طلبتيه ضخم جدًا، وأهو اتنفّذ."


أومأت ماريان بحزنٍ مُصطنع:
"اممم... حللو تفرقتكم بينا... ده غير إن مينفعش نكون متساويين في المعاملة أصلًا... عشان أنا بنتكم."


شعرت ونيسه ببعض الحزن، أما نرجس فرمقتها بغيظ، لكن وئام اندفع قائلًا بحدّة:
"ماريان... قولنا ألف مرة إن نرجس في مقام أُختك، يعني لازم تحبّي لها اللي بتحبيه لنفسك."


تنفست ماريان بعمق وكتمت غيظها، لكنها توعّدت في داخلها بكيدٍ مكتوم.


ــــــــــــــــــــــــــــــ


ازدانت ساحةُ الكليّةِ بأضوائها المتلألئة ولافتاتها الشامخة التي خُطّت عليها عباراتُ التفوّق والامتياز، فيما ارتفعت أنغامُ الموسيقى تتهادى في الهواء، ممزوجةً بضحكاتِ الطلّاب وصخبِ البهجة التي غمرت المكان. وتصدّرت المنصّةُ قلبَ الساحة، متزيّنةً بعناقيدٍ من الورود البيضاء والحمراء، بينما كان عَلمُ الكليّة يرفرف بخفوتٍ مع نسماتِ المساءِ العليل، كأنّه يشارك المحتفلين فرحتهم.


اصطفّ الطلّابُ وأولياءُ الأمور أمام المنصّة، والعيون كلّها مشدودةٌ إليها بترقّبٍ وحماسة، فيما كانت الكاميرات تومض يمينًا وشمالًا، لتُوثّق كلّ لحظة.


وقفت نرجس بين علياء ووالدتها، تقبض على كفّيها بتوتّرٍ مُكتوم، وقلبُها يخفق بعنفٍ يكاد يُسمع. لم تستوعب بعد أنّ اللحظة التي طالما راودت أحلامها قد تجسّدت أمام عينيها على هذا النحو.


اقتربت علياء من أذنها وهمست بابتسامةٍ واسعة:
"الحماس مليووون، صح؟"


زفرت نرجس زفرةً مرتجفة، ثم أومأت بخفوت:
"صح... بس خايفة أوي."


ربّتت علياء على ذراعها مطمئنةً:
"متخافيش... إنتي قدّها."


فلمعت عينا نرجس ببريقٍ متداخلٍ بين فخرٍ يعلو صدرها وغصّةٍ صغيرة لا تفهم لها سببًا.


وعلى بُعد خطواتٍ قليلة، كانت ماريان تقف في صمتٍ ثقيل، تحدّق في نرجس بنظرةً يختلط فيها الترقّب بالسخط، والغيرةُ بالاحتراق. لمحَتها نرجس بطرف عينها، نظرةً خاطفة لم تحمل كلامًا، لكنها كانت كافية لتكشف كل ما يشتعل خلف حدقتي ماريان.


اقتربت ماريان خطوةً ثم همست بنبرةٍ خافتة:
"Good luck يا نرجوستي."


رفعت نرجس عينيها إليها، وقالت بهدوءٍ ثابت رغم اضطراب قلبها:
"شكرًا... وليكي إنتي كمان."


ثم أدارت وجهها، ترفع رأسها بعزمٍ صامت، كأنها تعلن أنّها لم تعد تلك الفتاة التي تُكسَر أو تُهزم بسهولة. لكن صوت ماريان أوقفها:
"عندي ليكي مفاجأة... أتمنى تعجبك."


تسلّل القلق إلى صدرها، لكنها تجاهلته واتكأت على ذراع أمّها، تتابع وقائع الحفل في صمتٍ يقاوم الاضطراب.


اعتلى عميد الكليّة المنصّة، فألقى كلمته وسط تصفيقٍ متواصل، ثم شرع في إعلان أسماء المتفوّقين واحدًا تلو الآخر. ومع كل اسمٍ يُنادى، ترتفع الأصوات بالهتاف، وتعلو الكاميرات لتلتقط اللحظة.


حتى قال بصوتٍ واضحٍ جهير:


"الأولى على الدفعة، مع الامتياز ومرتبة الشرف... الطالبة نرجس علي البَكْرى..."


في اللحظة التالية، انفجرت الساحة في موجة تصفيقٍ صاخبة. شهقت ونيسة وقد امتلأت عيناها بدموعٍ مرتجفة، ورغم علمها بنجاح ابنتها مسبقًا، فإنّ فرحة الناس بها وهتاف زملائها جعل جسدها يقشعر. وضعت يدها على صدرها وهي تقول بذهولٍ فخور:


"وردتي الأولى... وامتياز كمان! يا حلاوة يا ولاد!"


ولم تملك نفسها حتى أطلقت زغرودةً طويلة ملأت المكان حماسًا. التفت الجميع نحوها مبتسمين، بينما ضمّتها نفين بقلبٍ مُفعم، وربّت أدريان على كتفها بفخرٍ هادئ، وكانت علياء تقفز بجوارها تهتف:
"نرجس! نرجس!"


أمّا ماريان، فقد صفّقت بخفوتٍ بارد، تنظر إلى والديها نظرةً جانبية تُخفي خلفها سخريةً مكتومة من احتفائهم الشديد بنجاح نرجس.


بدأت نرجس تتقدّم نحو المنصّة بخطواتٍ متردّدة في البدء، ثم ما لبثت أن تحوّلت إلى خطواتٍ ثابتة، واثقة، تتلقّفها الأنظار من كل الجهات.


تسلّمت شهادتها ودرع التفوّق، وحين التفتت نحو الجمهور، وقعت عيناها مباشرةً على أمّها، فبادلَتها ابتسامةً تفيض بكل ما لا تُحسن الكلمات التعبير عنه.


طلب العميد الهدوء، ثم أعلن:


"كما نُهنّئ الطالبة صاحبة المركز الثاني... الطالبة ماريان أدريان مرقس."


ارتفعت موجةٌ أخرى من التصفيق. رفعت ماريان رأسها في تباهٍ ظاهر، واعتلت المنصّة بخطواتٍ محسوبة، تحاول انتزاع نظرات الإعجاب من الحشود. لكنها لم تجد ما تمنّته؛ فالأعين ظلّت معلّقة بنرجس، تُصوّرها وتبتسم لها.


وقفت بجانبها، وعندما ناولت درعها، همست من بين أسنانها:
"مستعدة للمفاجأة؟"


أجابتها نرجس دون أن تلتفت، بصوتٍ هادئٍ راسخ:
"متحاوليش تكسّري فرحتي يا ماريان... لأن في اللحظة دي مش متخيلة حاجة ممكن تضايقني."


توتّر فك ماريان، لكنها رسمت ابتسامةً جديدة أمام الحضور، تصافح العميد وتلتقط صورها بابتسامةٍ مصطنعة خبيرة.


وفي الأسفل، اختلست نفين نظرةً نحوها وهمست لأدريان:
"أنا مبسوطة بيهم أوي... بس حاسة إن ماريان مش سعيدة."


أجابها أدريان بصوتٍ منخفض:
"هي عمرها ما حبت تكون التانية... وبالأخص بعد نرجس. ربنا يهديها."


وبعد انتهاء فقرة التكريم، بدأ الدي جي يعلن انطلاق الحفل. امتلأت شاشة العرض الكبيرة بخيالاتٍ راقصة، وارتفعت أصوات الموسيقى تدريجيًا، فيما تجمع الطلاب في الخلف يهتفون ويرقصون ويرددون الكلمات بحماسة منفلتة.


كانت نرجس تقف على إحدى الطاولات مع والدتها وعلياء، وأمامهنّ بعض أكواب العصائر والمقبّلات. كانت ونيسة ترمق الفتيات والفتيان الذين يرقصون متلاصقين باشمئزازٍ بالغ، قبل أن تلتفت إليهما قائلة بنفور:


"شوفتوا قلّة الأدب يا بنات؟ تعالوا أودّيكوا نتغدّى في مكان تاني أحسن... أصل أنا حاسّة إني قاعدة في كباريه!"


ضحكت علياء وقالت:
"والله عندك حق يا طنط ونيسة، بس دي جامعة متفتّحة... ولولا المنحة اللي كسبتها ماكنتش هبقى هنا."


ردّت ونيسة بضيق:
"أيوه أيوه... ونرجس كمان، لولا نفين هانم ماكنتش جات هنا. بس كتر خيرها، قالت لازم نرجس تتعلّم تعليم عالي زي بنتها ماريان."


وبينما هما يتبادلان الحديث، كانت نرجس شاردة، تبحث بنظرها عنه... رغم خيبة قلبها مما حدث، إلا أنها كانت قد تعلّقت به دون إرادة. لكن سرعان ما جذب انتباهها ما تفعله ماريان مع صديقاتها؛ كنّ يتهامسن ويتغامزن بطريقة مريبة. ضاقت عينا نرجس حين رأتهن يصعدن درجات المسرح ويتوجّهن نحو الدي جي.


هتفت علياء بضيق:
"هي الحيزبونة دي طالعة ليه على الاستدچ؟"


فأسرعت ونيسة بمعاتبتها:
"عيب يا لولو، تقولي عليها كده... دي-"


لكنها لم تُكمل، فقد توقّفت الكلمات في حلقها حين التفتت إلى شاشة العرض، لترى صورة نرجس تملأها. انقبض قلبها، بينما ساد صمت ثقيل وهي تتابع ما يظهر في الفيديو.


علياء شدّت على شفتيها قهرًا وغيظًا مما فعله يونس بصديقتها في المقطع. أمّا نرجس فشعرت برجفةٍ تهزّ جسدها، وأنفاسها تضيق شيئًا فشيئًا... نظرت حولها فوجدت عيون الجميع عليها؛ بعضها يشفق، وبعضها يتهامس، وبعضها يسخر.


صرخت ونيسة مذهولة:
"إيه اللي بيحصل يا نرجس؟! ومين اللي صوّر الفيديو دا؟!"


وفي المقابل دوّى صوت أدريان أجشّ وهو يهتف في وجه صاحب الدي جي:
"اقفل الزفت دا فورًا!... وكل اللي شارك في المهزلة دي هيتحاسَب قانونيًا!"


أُغلقت الشاشة في الحال، وهرع عميد الكلية محاولًا تهدئة أدريان ونَفين.


اقتربت ونيسة من ابنتها لتعاتبها وتستجوبها، لكنها تجمّدت حين رأت وجه نرجس يشحب، وصدرها يعلو ويهبط بتسارع، مدّت يدها تبحث عن شيء تتشبّث به، حتى اصطدمت أطراف أصابعها بحافة الطاولة أمسكت بها بقوة وزعر، أصابعها تنزلق من العرق البارد الذي بدأ يغمر كفّيها رفعت يدها الأخرى إلى رأسها فجأة، تضغط عليه كأن الألم يخترق جمجمتها.


تلجلج صوت نرجس وهي تهمس:
"م-ماما... أنا..."


لكن كلماتها تقطّعت فجأة، قبل أن تهوي على الأرض.


صرخت ونيسة فزعة وهي تحتضنها:
"حد يلحقنا! اطلبوا الإسعاف حالًا!"


حاولت علياء أن تستعيد توازنها وسط الصدمة، فأخرجت هاتفها بيدٍ مرتجفة لتتصل بالإسعاف. أما الطلاب فالتفّوا حول نرجس مذهولين، تتداخل على وجوههم ملامح الخوف والذهول.


أما ماريان، فوقفت من بعيد تراقب الحدث، وقد ارتعش جسدها رعبًا حين سقطت نرجس. تسلّل إليها شعورٌ ثقيل بالندم، فيما تتابعت أمام عينيها المشهد كخيالاتٍ سريعة متلاحقة؛ رأت والدها يندفع نحو نرجس، يحملها على ذراعيه، ويركض بها إلى الخارج، تتبعه أمّها ونيسة وهي تصرخ بفزع: "بنتي... بنتي!"


ولحقت بهم علياء، تتحدث في الهاتف بارتباك.


ابتلعت ماريان ريقها بصعوبة، وأدركت في تلك اللحظة أنها بالغت في ردّة فعلها، وأن الغيرة والحقد قد أعمتا بصيرتها. اقتربت منها صديقاتها يسألن عمّا ينبغي فعله، غير أن أصواتهن كانت تصل إليها متداخلة، مشوشة، كأنها آتية من بعيد. بقيت معلّقة في مكانها، مسمّرة، تفكّر في المصير الذي ينتظرها حين يعلم والدها أنها كانت السبب وراء كل ما حدث...


ــــــفرنسا ...11:12 مــــــــــ


أضاءت شاشة الهاتف في إحدى الغرف المظلمة معلنةً عن مكالمةٍ واردة دام الرنين لبضع ثوانٍ، فبعث ضوؤه الشاحب ما حوله من ظلمة، ثم انطفأ... وما هي إلا لحظات حتى اشتعلت الشاشة مجددًا برنينٍ مُلحّ، ينبه ذاك النائم على بطنه بعشوائية فوق سريره، عاري الصدر، لا يستر جسده سوى بنطالٍ ورديٍّ مطبوعٍ بقلوبٍ صغيرة، لا يليق بجسده الذكوري الممشوق والعضلي.


رفع رأسه بضيق، وقد انقبضت ملامحه انزعاجًا من ذلك الإلحاح المتواصل. مدّ يده على مضض، تناول الهاتف، وقرّبه من وجهه، يحدّق في اسم المتصل بعينين نصف مغمضتين أتعبهما بريق الضوء زفر بضيق، ثم حاول أن يُسند جسده للنهوض، وفتح الخط واضعًا الهاتف على أذنه، وقال بلكنته الفرنسية:


«ماذا هناك؟ لماذا تتصل في هذا الوقت يا إدوارد؟ ألا تعلم أنّني لا أُفضّل الاستيقاظ قبل ما بعد الظهيرة؟»


جاءه صوت إدوارد ساخرًا: «بلى أعلم، أيها الكائن الشتوي الخامل... افتح لي الباب أولًا، ثم تذمّر كما شئت.»


اعتدل جابرييل في جلسته وقال بحدّة: «ماذا؟ ما الذي جاء بك إلى منزلي؟ لستُ مستعدًا لاستقبال أحد. لا تمزح معي يا إدوارد... مزاجي لا يحتمل المزاح.»


ضحك إدوارد وهو يضغط زر الجرس عمدًا ليبرهن وجوده: «ولمَ أمزح؟ جئت لأقف إلى جانب صديقي في محنته منذ أن عدنا معًا من الجنازة ولم أرك ولم أتحدث معك... أعلم أنّ هناك ما-»


قاطعه جابرييل غاضبًا: «إدوارد، لا أريد مقابلة أحد، ولا شيء لدي لأتحدث عنه أريد فقط أن تتركوني وشأني... وأخبر مارسيل بذلك أيضًا.»


بادله إدوارد الغضب ذاته: «مارسيل تقف إلى جانبي، ولو علمتَ سبب مجيئنا لما تحدثت بهذه الطريقة.»


قال جابرييل بلهفةٍ مكبوتة: «اختصر يا إدوارد... لقد أيقظتني من أجمل جزءٍ في نومي. ما الذي جئتم من أجله إن لم يكن الحديث؟»


وفجأة صرخ صوت مارسيل من جانبه: «شيء يخصّ ديانا، يا جابرييل... هل سيجبرك هذا على فتح ذلك الباب اللعين؟»


لم يُجب. غير أنّ قلبه خفق بعنف حين سمع اسمها. ظنّ أنه تجاوز الألم، وأنه صار أفضل حالًا، إلا أن الاسم وحده كان كافيًا ليفتح أبواب الذاكرة على مصاريعها؛ صورٌ متقطعة، مشاهد يوم رحيلها، رجفة مؤلمة تُطبق على صدره.


قطع سيل ذكرياته صوت مارسيل مرةً أخرى: «هل ستفتح أيها الأوغد، أم آخذ ما معي وأرحل إلى الأبد؟»


أسرع يردّ بصوتٍ مضطرب: «لا... لا، ابقيا! سأفتح حالًا.»


انتفض من فوق السرير، اندفع نحو باب غرفته، ثم التفت حوله في ارتباك. الفوضى ملأت المكان، علب بيتزا متراكمة، وعبوات عصائر فارغة متناثرة على الأرض، ملابس وجوارب متناثرة فوق الأريكة. أسرع يفتح النافذة ليدخل الضوء، ثم هرول إلى المطبخ، تناول كيسًا كبيرًا، وجمع ما استطاع من القمامة على عجل، بينما لم يتوقف الصديقان عن طرق الباب والضغط على الجرس.


صرخ محاولًا تهدئتهما: «كفى، كفى! سأفتح... تحلّيا قليلًا بالصبر.»


وبعد أن رتّب جزءًا يسيرًا من تلك الفوضى، اتجه إلى الباب وفتحه بسرعة وهو يقول: «لِمَ لا تهدآن؟ لقد قلتُ سأ-»


توقف حين لمح كليهما يكتمان ضحكاتهما بصعوبة، وهما يحدّقان فيه من أعلى إلى أسفل. عقد حاجبيه متسائلًا: «عمّ تضحكان أيها الأحمقان؟ هل ترَيان مهرّجًا أمامكما؟»


قال إدوارد بصعوبةٍ من شدة الضحك: «لا... بل رجلٌ عاري الصدر يرتدي بنطالًا ورديًّا عليه قلوبٌ حمراء!»


اتسعت عينا جابرييل، وتمنى لو انشقت الأرض فابتلعته. أنزل بصره إلى ما يرتديه، فإذا بالعار يلوّن وجهه قِرمزيًا، وازداد خجله حين هتفت مارسيل ساخرةً: «لا تشعر بالحرج... في الواقع، تبدو وسيمًا به.»


ضغط على شفتيه غيظًا، وتراجع مسرعًا نحو غرفته وهو يقول: «ادخلا... سأعود حالًا، أيها الوغدان.»


انفجرا بالضحك حتى كادت مارسيل تمسك بطنها من شدة الألم، وهما يلجان إلى الداخل ويغلقان الباب خلفهما. غير أن ضحكاتهما تلاشت دفعةً واحدة حين وقعت أعينهما على الفوضى التي تعجّ بها الشقة.


نظرت مارسيل إلى إدوارد بحزنٍ صامت وقالت: «حالته يرثى لها حقًا... ظننتُ أن الأمر أقلّ سوءًا من ذلك.»


هزّ إدوارد رأسه بأسى وأجاب: «نعم... حين تبلغ فوضى شقة جابرييل وهو المعروف بوسواسه في النظافة والترتيب هذا الحد، فاعلمِي أن الأمر بات بالغ التعقيد... ويحتاج إلى وقفةٍ حقيقية.»


دخل جابرييل غرفته مسرعًا، وجذب ذلك البنطال عنه بارتباكٍ واضح، كان الخجل يلتهمه من الداخل، ثم ارتدى بنطالًا آخر وسترةً على عجل، وقف أمام المرآة لحظات، يسوّي خصلات شعره الأشقر بأصابع مرتعشة قليلًا، وتوقفت نظراته عند انعكاس عينيه المتعبتين، قبل أن يتنهّد بعمق ويتجه نحو الباب، يشغله ما يتعلّق بديانا وما تحمله مارسيل من أجله.


لكن ما إن خرج إلى الصالة، حتى وجد صديقيه منهمكين في ترتيب المنزل؛ كان إدوارد ينفض الأريكة، فتصاعد منها غبارٌ دقيق جعلَه يعطس، بينما أمسكت مارسيل بالمكنسة الكهربائية تكنس بها الأرض في صمتٍ منهك.


لم يحتمل ما يفعلانه. اندفع نحو مقبس الكهرباء، وسحب القابس فجأة، فتوقفت المكنسة، والتفتا إليه في آنٍ واحد.


قالت مارسيل بحدة واضحة: «لماذا فعلت ذلك؟ كنت على وشك الانتهاء.»


اقترب جابرييل وهو يجذب السلك داخل المكنسة ويقول ببرودٍ مُر: «لم أطلب منكما المساعدة... أخبراني فقط لماذا أتيتما، ثم اذهبا إلى الجحيم... هل هذا مفهوم؟»


زفر إدوارد بغيظ وقال: «أيها اللئيم... هل هذا ما كنت ستفعله لو كان أحدنا في موقفك؟ أخبرني؟»


وأضافت مارسيل، وهي تثبّت نظراتها عليه: «أتتذكر حين ماتت قطتي، ريتا؟ بقيتَ أسبوعًا كاملًا تشتري لي الهدايا، وتجبرني على الخروج معكم، وعلى الضحك والحديث... لم تتركني أغرق في حزني ولو لحظة.»


قال إدوارد بتأثرٍ مماثل: «وأنا... أنت من اشترى لي حوضَ سمكٍ جديدًا حين ماتت سلحفاتي، فريدا.»


هزّ جابرييل رأسه بيأس، وشعر بدفء الدموع يغزو عينيه رغم محاولته إخفاءها، ثم صرخ بألمٍ مكتوم يتحطم بين ضلوعه:


«لماذا لا تفهمان؟ أنا لم أفقد حيوانًا أليفًا حتى تعوضاني عنه بهدايا أو نزهات... أنا فقدتُ ديانا... قطعةً من روحي.
أنا الآن فقيدُ القلب والحياة... لم يعد هناك ما يستحق العناء... كنت أعيش من أجلها فقط...
كُفّا عن محاولتكما منعي من ممارسة حزني بسلام!»


كانا يدركان عمق حزنه، غير أن ما آل إليه حاله كان يمزّق قلبيهما.


قالت مارسيل بصوتٍ منخفض ممتلئ بالألم: «جابرييل... احزن كما تشاء، ولكن لا تجعلنا نفتقدك أنت أيضًا. واعلم أنها ترى ما وصلت إليه، وما تفعله بنفسك الآن يؤلمها أكثر.»


وأردف إدوارد بهدوءٍ حزين: «مارسيل محقّة... لقد هجرتَ عائلتك كذلك... السيدة كلارا تموت قلقًا عليك، وقد حدثَتنا كثيرًا، وتوسّلت إلينا أن نجعلك تحدثها، ولو عبر الهاتف فقط.»


أطرق جابرييل برأسه وقال بصوتٍ خافتٍ متهدّج: «صديقاى... أخبراني فقط لماذا جئتما، ثم اذهبا، أرجوكما. ما تفعلانه يزيدني ألمًا لا أقل.»


وقبل أن يجيب إدوارد، أشارت إليه مارسيل بعينيها وقالت بحزمٍ رقيق: «كفى يا إدوارد... دعه على راحته... لن نجبره بعد الآن.»


ثم أخرجت من حقيبتها ظرفًا أصفر، وتقدّمت نحو جابرييل بخطواتٍ بطيئة، ومدّته إليه قائلة:


«تفضّل... وجدتُ هذا الظرف بين أغراضها حين طلب مني صاحب السكن تفريغ شقتها. أظن أنها أرادتك أن تعثر عليه منذ اليوم الأول لرحيلها، لكن... لا بأس. أتمنى أن تتأمّل جيدًا كل كلمة تركتها لك فيه.»


اغرورقت عيناه من جديد، ومدّ أنامله المرتجفة ليلتقط الظرف ضمّه بين كفيه للحظة، ففاحت منه رائحة عطرها المميّزة، فتمتم بصوتٍ مكسور:


«نعم... هذا لها...»


قالت مارسيل بابتسامةٍ حزينة: «وهل كان لديك شك؟ على كل حال، سنغادر الآن... ونتمنى أن يكون لقاؤنا القادم في الخارج، ونحن نتناول طعامنا في مطعمنا المفضل.»


أومأ بصمت، ولم تعد عيناه ترى شيئًا سوى ذلك الظرف بين يديه.


ودّعاه بهدوء، ثم غادرا الشقة وأغلقا الباب خلفهم.


بينما بقي جابرييل واقفًا في مكانه، يحتضن بقاياها بين أنامله...


اقترب جابريل من طرف الأريكة وجلس في تردّدٍ يتنازعه؛ أيفتح الظرف أم يتركه حبيس الصمت؟ حتى أتته الجرأة ففتحه. مدّ أصابعه يُخرج ما بداخله ببطء؛ فإذا بها ورقة صغيرة تحمل سطورًا قليلة.


تنهد بألم، ثم قرأ بصوتٍ خافت:


«جابريل، حبيبي...
طالما أنك تقرأ هذا الجواب، فهذا يعني أنني قد رحلت عن الدنيا، كنتُ دومًا أشعر أنّ مكاني ليس هنا، وأنني أنتمي إلى العالم الآخر... فأنت تعلم جيدًا ما كنت أعانيه.
أنا آسفة لأنني ذهبت وتركتك خلفي، ولكنك تستحق الحياة أكثر مني، مع شخصٍ آخر أكثر إشراقًا. كنتُ لا أفعل سوى أن أملأ أيامك بالحزن، وأحمّلك همومي واكتئابي وكرهي للحياة.
أرجوك، لا تحزن ولا تصبح مثلي، ولا تترك الاكتئاب يلتهمك... بل تجاوزني بقلبٍ رحب.
واعلم أنّني سأراك، وسأكون إلى جانبك، ولكن بروحٍ أخف وقلبٍ أنقى.
أرجوك، جابريل...عزيزى .. اصبح بخير من أجلي.
أحبك... حتى بعد الموت.»


تساقطت دموعه فوق الكلمات، تبلّل الحبر بصمته، وحاول أن يتماسك، لكن جسده انهار باكيًا. ظلّ وقتًا طويلًا غارقًا في نحيبه، حتى سقط الظرف من يده المرتعشة، فانزلق منه شيءٌ فجأةً واستقرّ على الأرض. انتبه له، ونظر نحوه، فوجده سوارًا صغيرًا بلونٍ أحمر.


تذكّره جيدًا... ذلك السوار الذي لم تكن ديانا تخلعه أبدًا، ظنًّا منها أنّه يجلب الحب. وحين خلعته في أيامها الأخيرة... رحلت.


مدّ أصابعه يلتقطه وهو يمسح دموعه بيده الأخرى، ثم همس بصوتٍ مرتجف:


«حقًّا... اشتقتُ إليكِ حدَّ الجنون... فكيف لي أن أتخطّاكِ؟»


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في طرقات المشفى البيضاء، وقفت ونيسة خلف الطبيب داخل غرفة الفحص، تراقب جسده المنحني فوق سرير ابنتها التي أُتي بها فاقدةً للوعي. كان يتفحّصها بدقة وهدوء، قبل أن يلتفت إليها قائلاً: "متقلقيش... هي جالها انهيار عصبي إثر صدمة.. فإحنا عطنلها مهدئ ومسكن، وبإذن الله هتبقى كويسة."


تنفّست ونيسة الصعداء، وقد انفرج صدرها بشيء من الطمأنينة، ثم قالت: "تسلم يا ابني.. ربنا يبارك في صحتك وعافيتك.. متأكد إنها هتبقى كويسة؟"


أجاب الطبيب بمهنية وابتسامة مطمئنة: "آه يا أمي متقلقيش.. ياريت بس ما تتعرضش لتوتر، وهي هتكون كويسة بإذن الله."


أومأت ونيسة برأسها وتمسح دموعها المتجمعة في عينيها، قبل أن يودّعها الطبيب ويغادر الغرفة. اقتربت من السرير ببطء، وجلست على طرفه قرب ابنتها، تمد يدها المرتعشة تتحسّس خصلات شعرها برفق، وتنهمس بنبرة متوسلة: "فوقي يا نِنّ عيني... ومش مهم أي حاجة تانية... مش هعاتبك ولا ألومك على أي حاجة... بس تبقي بخير."


في الخارج، عند أول الممر، وقف أدريان باشا وقد علا الغضب وجهه، وبجانبه نفين، وأمامهما عميد الكلية الذي حاول الدفاع عن موقفه قائلاً: "أقسملك يا سيد أدريان إني ما كنتش أعرف حاجة عن اللي حصل... أنا ما يرضنيش أي ضرر لأي طالب عندي."


رد أدريان بعصبية حادة: "إزاي يعني ما تعرفش؟ حضرتك مسؤول عن أي كبيرة أو صغيرة... وأنا هقفلكم الجامعة دي بالضبة والمفتاح. وثانياً، الشخص القذر اللي ظهر في الفيديو، أنا عاوز عنوانه وأي معلومة تخصه. مستحيل أعدّي عملته الوقحة دي كده!"


تقدّمت نفين بانفعال: "ده شخص حيوان معدوم الإحساس... نرجس تستاهل تتاقِل بالألماس مش بخاتم فالصو رخيص! ده أنا هاطربق الجامعة دي على دماغك ودماغه."


ابتلع العميد ريقه وقال بحرج: "أنا مقدّر غضبكم من اللي حصل، وخاصة من الشاب ده، واللي والله ما كان يبان عليه كده لأنه إنسان متدين وصاحب خلق... لكن حصلت لعيلته ضائقة مالية يمكن أثّرت على نفسيته وتصرفاته."


اندفع أدريان أكثر: "إنت كمان بتدافع عن الوقح ده؟! وهو كل واحد أبوه وأمه يفلسوا يروح يرازي في ولاد الناس؟"


وبينما كان الحديث محتدمًا، ظهرت ماريان من بعيد، تخطو بتردد، وقد غطّى الذعر ملامحها حين لمحت العميد واقفًا مع والديها. ظنّت أنه علم بما فعلته ويخبرهم الآن. اقتربت بخطى مرتعشة، فلاحظها أدريان وهتف بحدة: "ماريان!"


ارتجف جسدها، وابتلعت ريقها بصعوبة: "ب.. بابا، هفهمك... أنا بس كنت بهزر معاها!"


اعتلت الصدمة وجه أدريان، بينما اندفعت نفين صارخة: "هزار إيه؟! هو إنتِ اللي ورا اللي حصل؟!"


تجمّدت الكلمات في حلق ماريان، فاقتربت منها نفين تكرر بحدة: "انطقي... إنتِ اللي عملتى كدا؟!"


هزّت ماريان رأسها في رعب: "لأ، لأ... مش أنا... أنا ما عملتش حاجة... أنا كان قصدي على حاجة تانية!"


وقبل أن يستمر الجدال، رنّ هاتف العميد، فابتعد خطوتين ليجيب. أتاه صوت مساعده: "حضرة العميد، إحنا استجوبنا شاب الدي جي وقال إن البنت اللي كلمته هي ماريان مرقس... سلمته كارت ميموري وقالت له يعرض الفيديو كـ(مفاجأة) لصاحبتها. وكمان الكاميرات جايباها وقت اللي حصل في الفيديو أصلاً."


أومأ العميد بجدية: "تمام، فهمت. ابعت لي الكلام ده حالاً."


أنهى المكالمة وعاد بخطوات ثقيلة إلى الحديث المشتعل، بينما كان أدريان يحاول تهدئة نفين وهو يقول: "خلاص يا نفين، ما تزعّقيش عليها... يمكن فعلاً قصدها حاجة تانية... ماريان عمرها ما توصل للدرجة دي."


لكن العميد قاطعه بصوت أجش حاسم: "لا يا أدريان باشا... جالي تأكيد من مساعدي بعد التحقيق، وماريان وصاحبتها هما اللي ورا اللي حصل."


التفت إليه أدريان في صدمة، بينما صرخت ماريان وهي تكذّبه: "مش عيب تبقى راجل كبير وكداب؟! أنا أعمل كده في نرجس؟! اختي؟! مستحيل!"


نظرت نفين إليه بغضب: "إنت متأكد من الكلام اللي بتتهم بيه بنتي ده؟ إنت عارف لو طلع كدب هيحصل فيك إيه؟"


أومأ العميد بوجه متصلّب: "عارف يا هانم... بس أنا عندي دليل متصوّر. اتفضّلوا."


مدّ هاتفه وفتح مقطعًا من كاميرات المراقبة، لتظهر اللقطات التي توثّق وجود ماريان وسخريتها من نرجس وقت الواقعة.


وضعت نفين كفّها على شفتيها في صدمةٍ مكتومة، بينما شحب وجه أدريان، متأرجحًا بين الخجل والغضب... والخذلان.


ـــــــــــنهاية البارتـــــــــــــــــــــ
               

رواية رحيق النرجس - حفلة التخرج

جاري التحميل...

حفلة التخرج

حفلة التخرج

تحميل الفصول...
المؤلف

انبثق ضوءٌ خافت يتسلّل نحو تلك النائمة في ثباتٍ عميق، متخلّلًا الستائر البيضاء ذات اللون اللؤلؤي، فيكسو الضوءُ انعكاسًا لامعًا على ملامحها القمحية المائلة إلى البياض، وعلى شفتيها المورَّدتين بلونٍ يشبه الدم، ووجنتيها اللتين انحسر إليهما احمرارٌ خفيف من دفء الشمس. كان السكون يعمّ الغرفة، حتى شقّه صوتُ الباب يُفتح على عجل، أعقبه صوت أنيسة تقول:


"نرجس… قومى يا بنتى هتتأخرى."


تمدّدت نرجس فوق فراشها، تفتح عينيها البنيّتين ببطءٍ متثاقل، تتابع أمّها التي خطت نحو الشرفة لتزيح الستائر، فانفجر الضوء دفعةً واحدة داخل الغرفة. أغمضت نرجس عينيها بقوة حين ضرب الوميض مقلتيها، ورفعت يدها تظلّل بهما عن الضوء قائلة بامتعاض:


"يا ماما لازم يعني تفتحى الستاير؟ عيني وجعتني."


التفتت إليها ونيسة معاتبةً، وقد علت نبرتها لمسة دفءٍ أمومي:


"طب قولى صباح الخير الأول قبل متتأفأفي… وقومي يلا اغسلي وشّك وصلي، عما أحضّر الفطار.عشان متتأخريش على حفل تخرجك."


تمطّعت نرجس، وفركت عينيها بتثاقل، ثم نهضت واقفة واقتربت من أمّها، تمدّ يديها وتحتضن وجهها رغم مقاومتها، وتقول ممازحة:


"صباح الخير يا ونيسة قلبي انتي… "


ضحكت ونيسة وهي تجهد في إبعادها:


"أخ منك… بت ملزجة! بطّلي تضيع وقت، ومدي يلا اعملي اللي قلتلك عليه"


قالت نرجس بفتورٍ ظاهر:


"متقلقيش، وجودي أو عدمه مش هيفرق يعني."


فعبست ونيسة وربّتت على كتفها بخفّة وهي تقول:


"بلا وجودك مش مهم… دا ماريان لو انتي مروحتيش هتقلب الدنيا!"


سخرت نرجس وهي تتجه إلى الدولاب وتخرج ملابسها:


"انتي طيبة أوي يا ماما… ماريان مش هتزعل ولا حاجه"


تبدّل وجه ونيسة إلى عبوس وهي تقترب تراقب ما تُخرجه ابنتها من فستان بسيط خالٍ من أي تكلّف، وقالت مستنكرة:


"بتهزّري صح؟! ايه خلاكى تقولى كدا؟ وبعدين إيه الفستان اللي مطلعاه دا؟ فين اللي جابتهولِك نفين هانم؟!"


تنفّست نرجس بتنهيدة طويلة، وأسندت ظهرها إلى باب الدولاب قبل أن تلتفت متجنّبة النظر إليها:


"مش عاجبني… وانتي عارفة إني مش بحب الحاجات الملفتة."


حدّقت ونيسة فيها بريبة، ثم بادرتها فجأة تزاحمها لتفتح الدولاب وتقلب في ثيابه، لكنها توقفت حين لم تجد الفستان، التفتت إليها بعينين تقدحان غضبًا:


"الفستان مش هنا! ودّتيه فين يا نرجس؟! أوعي تكوني بوظّتيه!"


ارتبكت نرجس، وراحت تعضّ شفتها بتوتر، ازدادت حدّة ونيسة وصاحت:


"متنطقي يا نرجس… ودّتيه فين؟!"


تنفّست نرجس بعمق، ثم قالت بتلعثم


"أنا… أنا غسلته عشان كان فيه بقعة… وباظ في الغسيل."


لم يهدأ شكّ ونيسة وقالت بنبرةٍ ضيقة:


"مممم… متأكدة...يعنى نفين هانم هتجبلك فستان فيه بقعه؟"


ردّت سريعًا:


"لا…بس ايدى كانت مش نضيفه وبقعته وانا بقيسه  وسبيني بقى عشان انا ماليش مزاج اروح "


تعالى الغضب في وجه ونيسة، واقتربت من ابنتها بعصبية:


"بقى الست تجبلك فستان غالي زي دا… وتروحي تبوظّيه بكل إهمال؟! وكمان ليكي عين تقولي عاوزة تروحي ولا لأ؟ يبجاحتِك!"


انكمشت نرجس وقالت بصوتٍ خافت يحمل شيئًا من الأسى:


"أنا آسفة يا ماما… مش هتصرف بإهمال تاني."


خفق قلب ونيسة بندمٍ موجع، لكنها قاومت رغبتها في احتضانها، واستدارت بعصبية نحو الباب، ثم التفتت مرة أخيرة وقالت بحدّة:


"عشر دقايق… ألاقيكي تحت. إياكي تتأخّري."


أومأت نرجس صامتة، تحمل ملابسها وتتجه إلى الحمّام لتستعدّ…




نزلت ونيسه بخُطى سريعة على الدَّرَج، يعلو الغضبُ وجهها، وتتمتم بعصبيّة، حتى لمحتها رفيقتُها وفاء وهي تخرج من غرفة ماريان، فلحقتْ بها سريعًا تقول:
"ونيسة… يا بت استني."


التفتت ونيسة وهي تزفر:
"إيييه يا وفاء، عاوزة إيه؟ هتأخّر على تحضير الفطار."


ابتسمت وفاء بحنان وقالت:
"نرجس مزعلاكي ولا إيه؟ مهو محدِّش يوصلك للحالة دي غيرها."


تنهدت ونيسة وقالت:
"بنت عنيدة… قال مش عاوزة تروح حفلة التخرج! إزاي يعني متروحش؟ دا أنا مستنيا اليوم دا بفارغ الصبر ،بتخيل دايماً وأنا شايفاها بروبّ التخرج والطقيّة السودة وهي بترميها في السما والفرحة مرسومه على وشها، وأشوفها كمان وهي بتتكرم ضمن المتفوقين… ليه عاوزة تحرّمني من الفرحة دي يا وفاء؟"


ربّتت وفاء على كتفها بحنان وقالت:
"معلش ..كلميها براحه ومتضغطيش عليها يا ونيسة… البنت مبقتش صغيرة للمعاملة دي."


زفرت ونيسة بضيق:
"بس يا وفاء… والله طيبتي هي اللي بوّظتها، دا حتى بوّظت الفستان اللي جبته…"


قُطع سيلُ حديثها حين فتحت غرفة ماريان وخرجت بهيئتها تلك؛ كاملةَ الزينة والتأنّق، ترتدي فستانًا ورديًّا ضيّقَ الخصر، منفوشًا من الأسفل، يليق بها، ولكنه كان ليليق بصاحبته أكثر؛ فقد كان ذاك الفستان نفسه الذي اشترته نَفين لنرجس.


ابتلعت ونيسة ريقها، واعتلى صدرَها غصّة؛ فقد علمت الأمر أخيرًا… لم يُفسد الفستان كما ادّعت نرجس، بل أجبرتها ماريان على أن تعطيه لها ، رغم أن الأخيرة تملك عشرات الفساتين التي اشترتها استعدادًا لهذا اليوم.


انتبهت وفاء إلى النظرة المتفحِّصة في عيني ونيسة، فقالت مستغربة:
"مالك يا بت… بَلْمتي كده ليه؟"


التقطت ماريان كلماتها، فاقتربت بخطوات واثقة وهي تقول:
"منبهرة من جمالي طبعًا… صح يا ننوسة؟"


كتمت ونيسة اضطراب أنفاسها وقالت بابتسامة هادئة:
"طبعًا يا حبيبتي… زي القمر. بس الفستان د…"


تبادلت وفاءُ نظرةً سريعةً مع ونيسةَ وقد أدركت ما يجري، بينما قالت ونيسةُ بابتسامةٍ مصطنعة:
"تتهني بيه يا حبيبتي… فعلًا نرجس مايلقش بيها الفستان البهتان دا، أنا قولتلها مش حلو أصلًا. تصدّقي؟ إنتي اللي محلياه."


تغيّر وجه ماريان وانقبضت ملامحها بضيق، ثم استدارت راكضة إلى داخل غرفتها. 
كتمت وفاء ضحكتها وقالت:
"ينهار أزرق عليكِ… هتروح تغيّره! دا إنتِ ناصحة نصاحة."


لكن ونيسة لم تضحك، بل قالت بحزن:
"أنا قسيت على نرجس قوي… وظلمتها كالعادة، رغم إن ماريان برده السبب."


قالت وفاء:
"متزعليش نفسك وروّحي رضيها… وأنا هسبقِك ع المطبخ."


أومأت ونيسة، ثم عادت تصعد الدَّرَج من جديد، متوجهة إلى غرفة ابنتها… علّها تُصلح ما أفسده غضب اللحظة.


طرقت ونيسة الباب بخفوت، فجاءها صوت ابنتها المائل للحزن يقول:
"اتفضل."


فتحت ونيسة الباب برفق، مائلةً برأسها قليلًا لتلمح نرجس جالسة أمام المرآة تمشط شعرها اللّبني المطعَّم بخيوطٍ ذهبية. التفتت إليها نرجس وقد ارتسم التساؤل على ملامحها، فقالت ونيسة بلطف:
"وردتي… خلصتي؟"


عقدت نرجس حاجبيها وهي تضع الممشطه جانبًا:
"وردتي؟!… آه خلصت. نسيتي حاجة ولا إيه؟"


دخلت ونيسة وأغلقت الباب خلفها بحرص، ثم اقتربت من ابنتها، تمرّر أصابعها بين خصلات شعرها برفق، ترفع طرفًا منها إلى أنفها، تشمه بعمق وتقول بابتسامة خفيفة:
"وردتي… اللي أخدت من النرجس اسمه وعبيره."


رمقتها نرجس باستغراب:
"مش مطمّنة للكلام المعسول ده… هو أنا صعبت عليكي وجاية تصالحيني ولا إيه؟"


ضحكت ونيسة بخفة:
"يا بنت الإيه… أيوه أنا جاية أصالحك، بس مش عشان صعبتي عليّا."


أمالت نرجس رأسها بنبرة طفولية:
"أمّم… يبقى شفتي ماريان صح؟"


ابتسمت ونيسة ابتسامة مشوبة بمرارة:
"آه… طالعة تتمختر بالفستان ياختي، تقولش بتاعها. بس الغلط منك … بتدهولها ليه؟ ده جايلِك إنتي."


تنهدت نرجس قائلة:
"ماما… هو صحيح مش عجاى عشنها، بس مامتها هى الي جايباه. يعني عادي لو خدته."


أومأت ونيسة بحزن خفيف:
"أمّم… عندِك حق. الغلط مني أنا. المفروض كنت أنا اللي جبتلك الفستان… حقك عليّا."


هزّت نرجس رأسها بسرعة:
"لأ لأ… مش قصدي كده ،قصدى انه مش زوقى دا زوق طنط نفين وزوقها بيعجب ماريان بس انا لا ، وبعدين إنتي مش واخدة بالك من الفستان اللي أنا لابساه؟"


تأملت ونيسة ابنتها مليًّا، ثم قالت:
"آه صحيح… ده الفستان اللي فصلتهولِك. بس ده قديم يا حبيبتي… ومش من قيمتك."


ابتسمت نرجس بحنان صافٍ:
"ماما… إنتي متعرفيش إن قيمة الفستان ده عندي أغلى ميت مرة من كل الفساتين الجديدة اللي في الدنيا؟…عشان انتى عملتيه ليا انا لوحدى بس ؟"


لم تتمالك ونيسة نفسها، فاحتضنت ابنتها وربتت على ظهرها برفق:
"إنتي علّمتيني درس مش هنساه يا وردتي… إن الحاجة مش بقيمتها المادية، لكن بقيمة اللي جايبها وغلاوته عندنا. وانتي غالية عندي أوي… من ريحة أبوكي، حتى في طيبته وسعة صدره."


ذابت نرجس بين ذراعي أمها، وقد هدأت روحها تمامًا.
فكلمات ونيسة الحنونة كانت عندها أغلى من أي متاع في الدنيا.
لم تهتم يومًا بمظهرٍ أو ثيابٍ أو زينة… كان كل ما يهمها أن تظل أمها إلى جوارها، تشاركها الفرح والحزن، وتكون لها الوطن الذي لا يخيب.


بعد أن أنهت الأم وابنتها حديثهما الدافئ، اتجهتا معًا إلى المطبخ لترَيَا ما وصلت إليه فريدة وخَدَمُ المطبخ في إعداد الفطور. وما إن بلغتا المكان حتى وجدتا الطعام قد أصبح جاهزًا، والخَدَمُ يتناوبون على ترتيب الأصناف فوق المائدة، وإعدادها لاستقبال أفراد الأسرة.


وفي تلك الأثناء، كانت نَفين تخطو خارج غرفتها وتنزل الدرج بخطوات رصينة إلى جوار زوجها وئام، يتبادلان حديث الصباح الهادئ حتى بلغا المائدة بادر وئام بسحب الكرسي لها لتجلس، وما إن استقرت حتى جلس هو الآخر، فيما انتظر كلاهما اكتمال الأسرة.


لم يلبثا طويلًا حتى لمحا ماريان تهبط السلم ببطء، تحمل بطرف أصابعها ذيل فستانها، بينما يطرق كعبها العالي خشب الدرج إعلانًا عن قُدومها. قابلتها نفين بابتسامتها المشرقة، قائلة:


"صباح الخير قلب ماما."


وأردف ادريان بمحبة ظاهرة:
"صباح الورد والياسمين على حبيبة قلبي."


لكن ماريان لم تُبادل ذلك الحنان، واكتفت بوجه جامد وصوت مقتضب:
"صباح النور."


رفعت نفين حاجبها بدهشة خفيفة:
"الله! ليه الوش الزعلان ده؟ مش لايق خالص على الحلاوة اللي إنتي فيها."


ردّت ماريان بضيق مكتوم:
"حلاوة إيه بس يا ماما… الـ dress مش عاجبني خالص، حاساه traditional "تقليدي"… ومش مبهر."


وقبل أن ترد نفين بالنفي، سارع وئام قائلاً بنبرة دفاعية لطيفة:
"هو إيه اللي مش حلو يا بنتي؟ ده إنتي طالعة شبه الـ Princesses… مين اللي قالك الكلام الـ negative ده؟"


في تلك اللحظة كانت ونيسة تقترب وهي تحمل كوب الحليب الذي اعتادت نفين شربه كل صباح، وقد لمحت تبدّل فستان ماريان، فضحكت بخفوت وقالت:
"أنا بصراحة قولتلها على فستان الى فات إنه مش حلو… بس قولت برده إنها اللي محلياه… وبصراحة ده احلى وطالع قمر عليها الله أكبر."


نظرت لها ماريان بغضب طفولي:
"لا ..أممم… إنتي عملتي كده بس عشان الفستان كان لنرجس."


اتسعت عينا نفين بدهشة :
"إيه ؟ إنتي أخدتي فستان نرجس؟ ليه كده يا ميري؟ مش إنتي روحتي عملتي shopping واخترتي اللي إنتي عاوزاه؟"


نظرت ماريان لوَنيسة بحنق، ثم ردت بنفاد صبر:
"ماما… أنا ما أخدتوش… نرجس هي اللي ادتهولي! حتى اسأليها."


لم تنتظر  بل نادت بصوت عالٍ لتثبت صحة أدعاءها:
"نرجس!… نرجسس!"


أتت نرجس على الفور من الداخل، تقول بلهفة:
"أيوه… بتندهّي ليه كده يا ميري؟"


ركضت ماريان نحوها، فاحتضنتها بقوة، وهمست بين أسنانها بكلمات تحمل تهديدًا خفيًّا:


"مش إنتي اللي ادتيني الفستان بإرادتك… هدية."


راقبتها نفين وادريان بإنصات، فيما ضيّقت ونيسة عينيها، كأنها تحاول تشجيعها على قول الحقيقة. لكن ماريان زادت ضغط أظافرها على ذراع نرجس، ثم كررت السؤال بنبرة لزجة:
"ها يا نرجس… ردي يا قلبي."


تنفّست نرجس بعمق، وأبعدت ذراع ماريان عنها برفق، فاشتعل غضب الأخيرة.
ثم قالت، على نحوٍ لم تتوقعه ماريان:


"مدام نفين… أنا ادتّلها الفستان عشان حبيت في يوم زي ده ألبس حاجة ماما عملتها عشاني بإيديها… يعني مفيش أي مشكلة من ناحية ميري، اطمّني."


ارتسمت ابتسامة على وجه ادريان إعجابًا بتهذيبها ولطفها، بينما قالت نفين بنبرة راضية:


"بحب فيكي تواضعك وكلامك المرتّب ده… إنتي بنوتة كاملة ومؤدبة."


اشتعلت غيرة ماريان، لكنها تخفت خلف ابتسامة مصطنعة وهي تضم نرجس من جديد قائلة:


"مش اتربينا سوا؟ يبقى لازم تبقى لطيفة زيي."


بادلتها نرجس العناق، وقد أدركت تمامًا ما تشعر به ماريان، لكنها تداركت الموقف وقالت بخفة ظل:
"عندِك حق… اللي يقعد معاكي لازم غصب عنه يبقى لطيف."


ضحكت ماريان، وقد نالت اعترافًا يُرضي غرورها:
"أيوه كده… اعترفي."


هزّت ونيسة رأسها بيأس خافت؛ فهي تعلم أن ابنتها لن تأخذ حقها يومًا من ماريان، فضعف نرجس أمامها متأصّل منذ طفولتهما، إذ تعتبرها أختًا وصديقة بصدق، على عكس ماريان التي تحمل روحًا مختلفة تمامًا.


أما نفين، فكانت تراقب المشهد بسعادة مطمئنة، تظنّ أن الفتاتين حقًّا كالأختين…
لكن كلتاهما وُلِدَت من رَحِمَين مختلفين تمامًا.


التفّ الجميع حول المائدة، ومن بينهم نرجس التي اعتادت منذ طفولتها أن تجلس بينهم بوصفها فردًا من الأسرة، لا مجرد ابنةٍ لخادمة المنزل.
كان هذا الأمر يُثير ضيق ماريان في أحيان كثيرة؛ إذ لم تستطع يومًا تقبّل أن تُعامَل نرجس معاملة الندّ، وبالرغم من محاولاتها إظهار الاعتياد، فإن كل ما يتعلق بالثياب والمال والمتاع كان كفيلًا بأن يُحوّلها إلى شخصية أخرى تمامًا… شخصيةٍ تكره، وتحقد، وتنسج المكائد في صمت.


بعد الفطور، وقفت ماريان تودّع والديها على عجل، بينما اتجهت نرجس نحو أمها ونيسة لتودّعها بقبلتين دافئتين، قائلة:
"هستناكي في الحفلة… ما تتأخريش عشان ناخد صورة سوا… وتشوفيني وأنا برمي الطاقية السودة في السما زي ما كنتي بتقولي لطنط وفاء."


قهقهت ونيسة بحرارة، وردّت:
"هو إنتي كنتي بتتصنتي علينا؟ لاوعاملة نفسك مش عارفة؟ آه منك يا لئيمة."


انفجرت نرجس ضاحكة، ثم قبّلت جبين أمها بحنان، قائلة:
"كل الحكاية إني كنت نازلة وراكي زي ما قلتيلي… وبعدين سمعت كلامكم صدفة… فرجعت الأوضة تاني علشان أستناكي تصالحيني."


احتضنتها ونيسة بحنوّ الأم:
"عمري ما هزعّلك تاني يا حبيبة قلبي… وهحاول على قد ما أقدر إني أسمعك قبل ما أحكم عليكي."


ابتسمت نرجس وقد امتلأ قلبها دفئًا، ثم ودّعتها من جديد قبل أن تغادر.


أما ماريان فقد اتجهت نحو سيارتها، تصحب نرجس معها على مضض، كما أرغمها والداها. أدارت المحرك بقليل من الضيق، وانطلقت خارج بوابة الفيلا نحو الطريق المؤدي إلى الجامعة.




وفي أثناء الطريق، تفجّر غضب ماريان فجأة، وقالت بنبرة مُرّة:
"هو إنتي روحتي قلتي لمامتك إيه؟ خليتيها جت تتخانق معايا علشان الفستان؟"


كانت نرجس تحدّق عبر النافذة، تراقب المارّة الذين بدوا كخيوط تتحرك بسرعة مع انطلاق السيارة، فأجابت بفتور:
"مريان… أنا ما قلتش لماما حاجة. وبعدين هي ما اتخنقتش معاكي… أنا سمعت كلامكم. كل اللي قالته إن الفستان مش لايق عليكي، وإن في أحسن منه ،وانا مع رأيها بصراحة وشايفة إن اللي إنتي لابساه perfect… ما تزعليش نفسك بقى."


استعادت ماريان ابتسامتها المترفعة، وقالت بزهوّ ظاهر:
"عندِك حق… فعلاً اللي أنا لابساه ولا غلطة. كل البنات اللي في الحفلة هيتهبلّوا عليه."


اكتفت نرجس بابتسامة صغيرة دون أن تلتفت:
"آه… فعلاً هيتجنِّنوا."


ثم هتفت ماريان بحماس طفولي:
"ها… هتخرجي تروحي فين بعد الحفلة؟ أنا عن نفسي… أنا والبنات هنسهر في البار. مش عايزة أقولك مين اللي هيجي معانا… لو عرفتي مش هتصدقي!"


التفتت نرجس بنظرة فضول:
"يا ترى مين؟ صاحبِك مايكل؟"


ضحكت ماريان بسخرية:
"لا مش مايكل….علشان أنا وهو off من زمان.. اللي هيجي معاناهو  يونس مش عارفاه؟ كنتي بشوفكم سوا كتير."


تجمّدت نرجس في مكانها، وردّت بذهول لم تستطع كتمه:
"يونس؟!"


خفتت الأصوات من حولها فجأة، وتجمدت نظرتها على الفراغ.
راحت تحدّث نفسها في صمتٍ مضطرب:
«يونس؟! ذاك الذي كان يشاركني حصص المكتبة، ونتبادل الكتب والحديث في أوقات الفراغ… ويحدثني دائمًا عن الدين والالتزام والحجاب، ويحثّني على طاعة الله…
كيف صار الآن من روّاد السهرات والبارات؟
لعلّ ماريان كانت قد تنبّهت لاهتمامه بي فسلّطت الضوء عليه… أم لعلّه مجردُ صدفه عابره؟


ثم التفتت إلى ماريان، وقد غلّف صوتَها قلقٌ خافت، وسألتها:
"بس… يونس هيروح معاكوا البار؟ ويشرب وكده؟"


أجابت ماريان بلا مبالاة:
"آه عادي… هو مش عشان مسلم يبقى ما يشربش أنا أعرف مسلمين كتير بيشربوا عادي."


قالتها وكأن الأمر من أبسط تفاصيل الحياة، بينما غاص قلب نرجس في شعور ثقيل لم تستطع دفعه.
لم تُحب يومًا أولئك الذين يتساهلون في المحرّمات…
وكانت تظن أن يونس مختلفًا، مميزًا، صادقًا في حديثه عن الدين…
فهل خدعتها نظرتها إليه؟
أم أنه شخص آخر تمامًا حينما يغيب عنها؟


امتزج في قلبها الاستغرابُ بالحزن والخذلان؛
فكيف لمن كان يحثّها على الحجاب…
أن يسهر ليله واحدةً بين الفتيات، ويحتسي الخمر؟


عادت نرجس بوجهها إلى النافذة، وقد آثرت الصمت عن يونس وعن كلّ ما يرهقها؛ شعرَت حقا باليأس؛ فقد كانت تخطط لدعوته إلى تناول الآيس كريم مع صديقتها المقرّبة علياء، لكن كل الحماسة التي حملتها منذ الصباح تلاشت فجأة.


لاحظت ماريان تضايقها، فارتسمت على شفتيها ابتسامة جانبيّة تحمل خبثًا واضحًا؛ كأنما حقّقت ما كانت تريده منذ البداية فهى تتلذذ بإفساد فرحتها ،فحقد الطفولة ما زال يلازمها كالظلّ .


توقّفت السيارة أمام الجامعة التي كانت تعلو منها أصوات الاحتفال. تجمع الطلاب في الخارج، فيما تعالت الأغاني من الداخل وارتسمت السعادة على الوجوه.
ترجّلت ماريان بخفة، بينما نزلت نرجس ببطء وقد تلاشت حماستها للحفل.


ركضت ماريان نحو صديقاتها، تُقبِّل هذه وتحتضن تلك، بينما وقفت نرجس تبحث بعينيها عن علياء. وما إن لمحَتها من بعيد حتى نادت :
"علياء! يا علياء!"


التفتت إليها علياء واقتربت بابتسامة واسعة، لكنها ما لبثت أن تلاشت تدريجيًا حين رأت الحزن المرتسم على ملامح صديقتها. سألت بفضول ممزوج بالقلق:
"إممم… إيه للوش العكّر ده؟ عملِت لك إيه الحيزبونه الصفرا دي من الصبح؟"


ضحكت نرجس رغمًا عنها وقالت:
"ما عملتش حاجة… ما تقلقيش... حاجة تانية اللي مضايقاني."


نظرت إليها علياء بشكّ:
"إممم… حاجة تانية؟ بطّلي كدب بقى. قولي على طول… أنا بفهمك من النظرة."


تنهدت نرجس بصوت خافت وقالت بحزن:
"يونس."


اتسعت عينا علياء فضولًا:
" يونس؟ آه ..أنا لسه شايفاه من شوية تعالي نروحله."


أمسكت بيد نرجس لتسحبها معها، لكن الأخيرة أوقفتها بسرعة:
"لا… مش عايزة أروحله."


سألت علياء باستغراب:
"ليه؟ مش كنتي هتعزّميه يخرج معانا؟ هو إنتوا اتخانقتوا ولا إيه؟"


هزّت نرجس رأسها:
"لأ… ما اتخنقناش... بس بصراحة… أنا خلاص اتقفلت منه. ومش عايزة أخرج معاه تاني… ولا حتى أعرفه. كده كده معدش غي جامعه وكل واحد هيروح فى حاله."


ضيّقت علياء عينيها:
"اممم لا انتى تقوليلي بقى… إيه اللي حصل؟ عشان زهقت."


تنفست نرجس بعمق وقالت:
"طلع مش كويس… وهيخرج مع ماريان وأصحابها يسهروا في البار... كنت مفكراه حد محترم ومهتم بدينه… بس الظاهر لأ... هوائي… وبس ..ده اللي حصل."


اتسعت عينا علياء دهشة:
"اييييه! يونس؟ مع ماريان وأصحابها المنحلّين دول؟! لأ… دي جديدة."


وأثناء حديثهما، اقترب يونس منهما وألقى التحية، غير أنّهما ردّتا بفتورٍ بيّن. أحسّ بتغيّرهما، فسأل بقلق:
"مالكوا؟ في إيه؟ في حاجة مزعلاكم؟"


أشاحت نرجس بوجهها، بينما قالت علياء بحدّة:
"وكمان بتسأل؟! يا بجاحتك يا أخي!"


تجهم يونس وقال:
"بجاحتى؟ الله ..هو أنا عملت إيه بس؟ وبعدين مالها صاحبتك مديّاني قفاها ليه؟ هو أنا شكلي وحش النهارده؟"


التفتت إليه نرجس بغضب:
"اتفرجى… عامل نفسه مش عارف هو مضايقنا في إيه!"


قال بسرعة وبحيرة :
"يا بنتي بجد… مش عارف... متقولي فى إيه؟"


قالت علياء:
"مش عارف؟! يعنى هي ماريان هتاخدك بالعافية تسهر معاها في البار بالليل؟!"


اتسعت عينا يونس دهشة:
"باااار..إنتي مصدّقة الهبل ده؟! أنا؟ أسهر في بار؟ ومع ماريان؟! إنتوا إيه؟! اتهبلتوا ولا جرى ايه لمخكم"


ثم نظر إلى نرجس :
"إنتي… مصدقة الكلام ده يا نرجس؟ مصدّقاه عنّي؟"


نظرت إليه طويلًا، رأت في عينيه صدقًا لم تستطع تجاهله، فقالت بتردد:
"آه… صدّقت للاسف ..بس ماريان هتكذِب ليه؟"


ردّ بصوت مكسور يحمل خذلانًا واضحًا:
"بجد؟! مش عارفة هي هتكذب ليه؟… عمومًا، أنا ماليش لازمة هنا..عن إذنكم."


استدار ليرحل بخطواتٍ مثقلة.
فلمحت علياء لها لتستوقفه، فنادت نرجس بصوت خافت:
"يونس… استنى."


توقف يونس والتفت إليها:
"خير؟ عايزة إيه؟"


قالت وهي تخفض عينيها:
"حقّك عليّا. متزعلش."


قال بنبره حزينه:
"لأ… زعلان. عشان إنتي ظنّيتي فيّا الظن ده… وإنتي عارفة أنا على ايه."


ابتسمت نرجس بخفة محاولة تهدئته:
"خلاص بقى… أنا آسفة...خليك فرفوش."


ضحك يونس، وتسلّل إلى نبرته حماسٌ خفيّ، ثم قال:
"طيب هسامِحك… بس بشرط."


رفعت حاجبيها مستفهمة، وأجابت سريعًا:
"أمّم؟"


اقترب خطوة، وخفَت صوته وقد ازدادت جديّته دفئًا:
"ممكن تيجي معايا لحظة؟ أنا كنت محضّرلِك مفاجأة."


اتسعت عينا نرجس، وتبادلت نظرة سريعة مع علياء التي هتفت وهي تلوّح بيدها:
"يلا روّحي شوفي المفاجأة، وبعدين ابقوا نادوا عليا"


أومأت نرجس بابتسامة خفيفة وقالت ليونس:
"تمام… ورّيني."


مسك يونس بيدها، وجذبها خلفه بخطوات سريعة جعلت أنفاسها تتلاحق. وفي تلك اللحظة، لمحتهم ماريان من بعيد، فانبسطت على شفتيها ابتسامة ماكرة،ثم لحقت بهما بخفّةٍ مقصودة، تتبع خطواتهما بترصّد.


قادها يونس إلى مكانٍ منعزل عن باقي الطلبة، ثم استدار نحوها وأمسك بكلتا يديها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة وهو يقول:
"ممكن تُغمّضي عنيكي؟"


بادلت جديّته شيئًا من المزاح، وقالت بخفّة :
"هتعمل إيه؟ أوعى يكون مقلب… ولا ناوي تخضّني!"


ضحك وانفرجت ملامحه في ود ثم قال وهو يومئ لها مطمئنًا:
"متقلقيش… ثقي فيا."


أغمضت نرجس عينيها. مرّت ثوانٍ قليلة قبل أن يأتيها صوته هادئًا:
"افتحي."


فتحت عينيها ببطء… فإذا به جاثٍ على إحدى ركبتيه، يحمل في يده علبةً قطيفة صغيرة، وفي الأخرى باقة ورد، وعلى وجهه ابتسامة عريضة يكسوها الارتباك. ارتجفت أنفاسها بخجلٍ باغتها، وهمست في دهشةٍ لم تستوعبها بعد:
"إيـه… دا؟"


فتح يونس العلبة ببطء، ليظهر فيها خاتمٌ لامع، بدا لمعانه غريباً، لكنه خطف بصرها للحظة توهّجت وجنتاها، وازداد احمرار وجهها حين قال بصوتٍ خافتٍ متردّد:
"تتجوزيني يا نرجس؟"


تعثّرت الكلمات على شفتيها، فرفعت كفيها تغطي بهما وجهها وقالت بخجل يخالطه ارتباك:
"أنا… مش مستوعبة اللي بيحصل."


قال بلهفة :
"طب ردّي… تتجوزيني ولا لا؟"


تنفست بعمق ثم تمتمت بخفوت:
"ممم… موافقة."


هتف بحرارة انتصار:
"هيييي!"


ضحكت من ردّة فعله الطفولية، بينما وقف هو بسرعة وأخرج الخاتم ليضعه في إصبعها… لكن ابتسامتها تلاشت فجأة. كان الخاتم رديء المعدن، لا يكاد يبدو حتى من الفِضّة، حدّقت فيه بدهشة، وقالت بارتباك:
"الخاتم… ده؟"


ابتسم يونس ببرودٍ غريب، وقال بنبرة خالية من أي شعور:
"ماله؟ مش عاجبِك؟… ما هو على قدّ قيمتك."


عقدت حاجبيها، وتردّد في صوتها استنكارٌ واضح وهي تكرر:
"قيمتي؟! مش فاهمة؟"


وقبل أن يجيب، خرجت ماريان من خلف المبنى بابتسامة واسعة كمن انتصر للتو، تتقدّمها زميلاتها اللواتي يمشين دائمًا خلفها كظل، يحملن هواتفهنّ ويوجّهن عدساتها نحو المشهد، وهنّ يضحكن بسخرية مرتفعة.


اتّسعت حدقتا نرجس، وارتجفت أصابعها وهي تنظر إلى يونس بتوتّرٍ ممتزج بالاستفهام… تنتظر منه تفسيرًا واحدًا فقط، فيما كان هو يشيح بوجهه كمن انكشف قناعه أخيرًا.
               

رحيق النرجس - البدايه

جاري التحميل...

البدايه

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

تبدأ حكايتُنا في قصرِ أدرْيان باشا المهيب، ذاك الصرح العريق الذي ظلّ شاهدًا على تقلبات الدهر وتغيّر العصور. فقد ورث أدرْيان باشا ثروتَه جيلاً بعد جيل، إذ كان جدّه الأكبر أحدَ أعيان القوم إبّان الحملة الفرنسيّة على مصر، وهو من شَيَّد هذا القصر ليكون موئلًا لأسرته وذريته من بعده.
ومع تبدّل الأزمنة، ظلّ للقصر مهابتُه ورونقُه بين البيوت المجاورة؛ فقد أولى أدرْيان باشا ذلك الإرث عنايةً خاصّة، وحرص على أن يبقى ممتدًّا في عقبه، إذ كان رجلَ صناعةٍ يملك مشاغل متنوّعة لصناعة الأحذية والغزل والنسيج والحقائب وسواها


وفي إحدى الليالي، تعالت بين جدرانه الشامخة صرخاتُ المخاض من مكانين مختلفين؛ أنينٌ فوق أنين، ووجعٌ يجاور وجعًا.
قد يتبادر إلى الذهن سؤال" أترى تزوّج أدرْيان باشا بامرأتين؟"
والجواب "فلا."
فزوجته نيفين هانم كانت تضع مولودتها في جناحها الفخم، بينما كانت وَنيسة الخادمة التي خدمت هذه الأسرة منذ كانت في السادسة عشرة تلد طفلتها الأولى في غرفة الخدم المتواضعة.
تلك المرأة البسيطة التي أرهقها الزمن، انتظرت هذا اليوم منذ سنواتٍ طويلة من الدعاء والرجاء. غير أنّ فرحتها كانت مشروخة؛ فقد فقدت زوجها منذ شهرٍ بمرضٍ خبيث، فأقبلت على الولادة بقلبٍ مثقلٍ بالوجع.


أما نيفين هانم، سيّدة القصر وقلبُ أدريان باشا، فكانت تستلقي على فراشها المصنوع من ريش النعام، يحيط بها طبيبٌ وممرضة، يساندانها لتخرج صغيرتها سالمة إلى الدنيا. وما إن مرّت دقائق قليلة، حتى دوّى بكاء المولودة الجديدة في أرجاء القصر.


اطمأن قلب أدرْيان حين سلّمه الطبيبُ مولودتَه، فرفعها بين ذراعيه وهمس باسمها:
"ماريان."


ابتسمت نيفين رغم الألم قائلة:
"اسم جميل يا حبيبي… وكمان متناغم ماريان أدرْيان مرقس."


ضحك أدرْيان بسعادة وقال:
"وكأنّ العدرا ألهمتني يا حبيبتي يحفظها الربّ لنا ويجعلها سبب فرحٍ في بيوتنا."


ابتسمت نيفين بحنان، لكن سرعان ما صاحت بقلق:
"ونيسة!.. اطمنت على ونيسة؟"


ارتبك أدرْيان وقال:
"جبتلها الحكيم يا حبيبتي… وزمانها ولدت.. وبكده… تكون بنتِنا ليها صديقة من أوّل لحظة طّلت فيها على الدنيا."


هدَّأت نيفين من روعها، قبل أن ترجوه بصوتٍ مُتعَب:
"طب روح اطمن عليها يِلّا… وبعدين تعال طمني."


أومأ أدرْيان وهو يغادر الغرفة على مضض؛ فهو يعلم أنّ قلب زوجته لن يهدأ قبل أن تطمئن على ونيسة، تلك التي لم تكن في نظرها مجرّد عاملة، بل صديقةً قريبة شاركتها أعوامًا من حياتها.


هبط أدرْيان باشا سُلَّم الخدم حتى وصل أمام غرفة ونيسة، حيث كان صوت بكاء الطفلة يتردّد بوضوح، فاطمأنّ أنّ الولادة قد مرّت بخير.
كانت بعض العاملات يتجمّعن أمام الغرفة، ينتظرن سماع خبر سلامة ونيسة وطفلتها، وهنّ يتبادلن نظراتٍ مرتابة من وجود الباشا نفسه بينهم في هذا الموضع.


وبعد لحظات خرجت الممرّضة تحمل الطفلة الصغيرة بين ذراعيها، دهشت  فجأة حين وجدت أدريان واقفًا هناك، وهمست لنفسها في خفوت: كيف يأتي الباشا بنفسه ليطمئن على خادمة؟


التفّت العاملات حول الممرّضة، يداعبن الصغيرة ويتبادلن التعليقات، إلى أن شقّ صوته الهادئ وقاره بينهم:


"وسّعوا يا بنات… خلّوني أشوف ضيفتنا الجديدة اللي زوّدت بهجتنا بهجة."


تراجعت الفتيات جانبًا لتظهر الصغيرة بوضوح. ناولتها الممرّضة للباشا، فأخذها بين ذراعيه، يتأمّل ملامحها الدقيقة، وعينيها المغمضتين كقِطّةٍ غافية. كانت هادئة على غير عادة الأطفال حديثي الولادة، وكأنها تُشارك أمَّها حدادها.


فتحت الطفلة عينيها ببطء، فالتقط أدرْيان جمال البؤبؤين اللذين خُضّبا بلون القهوة الداكنة، ورموشها المظلّلة بسواد الليل.، خفق قلبه وقال مبتسمًا:
"حفظها الرب."


رفع بصره، فإذا بالسيد فتحي ، صديق المرحوم "علي "
زوج ونيسة يقف قريبًا، تتلألأ الدموع في عينيه كلما نظر للصغيرة.
قدّم له أدرْيان الطفلة بلطف قائلاً:
"اذّن في ودانها يا فتحي… زي ما أبوها وصّاك."


مسح فتحي دموعه الهاربة، ومدّ ذراعيه يأخذ الصغيرة وهو يقول بامتنان خافت:
"مش عارف أشكرك إزاي يا بيه… على وقفتك مع الست ونيسة… وعلى اهتمامك بيها... ربنا يكرمك… ريّحت علي في تربته."


ابتسم أدرْيان وربّت على كتفه:
"متشكرنيش يا فتحي… ده واجب عليّا... إحنا أهل… وبينّا عشرة."


أومأ فتحي متأثرًا وقال بصوت متهدّج:
"الله يرحمه علي… ما كانش بيقول عليك غير كل خير. ونِعِم والله يا بيه... وألف حمد لله على سلامة الست نيفين… وتتربّى المولودة في عزّكم."


ابتسم أدرْيان بعفوية، وقد اتّسع صدرُه لتلك الكلمات. وسرعان ما بدأتِ العاملاتُ يتوافدن عليه بالتهنئة، فامتلأ المكانُ فرحًا وصخبًا… وكان ذلك اليومُ يفيض بالسرور كأنما خُطّ له أن يكون عيدًا صغيرًا


***
وبعد أن أفاقت السيدة ونيسة من وهنها، دخلت عليها رفيقتها وفاء تحمل طفلتها، تهدهدها برفق وهي تقول بصوتٍ مفعم بالفرح:


"حمد الله على سلامتك يا ونيسة… بنوتِك بسم الله ما شاء الله بدر منوّر."


ارتسم الفرح على ملامح ونيسة، ومدّت يديها تلتقط الطفلة من بين يدي رفيقتها، تداعب كفَّها الصغيرة بحنان قبل أن تتمتم بصوتٍ خافت يملؤه الشوق:


"شبه أبوها قوي…"


لاحظت وفاء تغيّر ملامحها، فربّتت على كتفها بحنوّ وقالت مطمئنة:


"شدّي حيلك يا ونيسة… ربنا يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت راسه ويجعل قبره روضة من رياض الجنة. ...اهدي كده عشان ترضّعي بنتِك لبن طيب يا حبيبتي… أصل لبن الزعل يعملها مغص."


مدّت ونيسة يدها تمسح دموعها، محاولةً أن تستمتع بهذه اللحظة التي انتظرتها سنوات طويلة. بقيت تتأمل وجه طفلتها كأنها ترى فيه الحياة من جديد.


اردفت وفاء بعدها بلهفة ممزوجة بالمرح:


"ها… هتسمّي حتّة الشوكولاتة دي إيه؟"


.ابتسمت وَنيسة، وتذكّرت حبَّ زوجها الراحل لزهور النرجس التي كان يملأ بها حديقة القصر. سرى في صدرها دفءٌ ممزوجٌ بوخز الحنين، فتنهدت وهمست بصوت مسموع يحمل دفئًا وألمًا في آنٍ واحد:
"نرجس… هسميها نرجس.


مرّت السنوات منذ ذلك اليوم، وكبرت نرجس وماريان وهما تتشاركان كلّ شيءٍ تقريبًا؛ فـأدريان باشا ونفين هانم أقسما ألّا تشعر نرجس يومًا بفقد والدها الراحل، فأغدقا عليها من الحبّ والحنان ما جعلها كابنةٍ توأم لماريان لا تفترقان.
أما ونيسة، وبرغم عزة نفسها وامتناعها طويلًا عن قبول أيّ مساعدة، فقد رضخت أخيرًا حين وضعت نرجس، إذ لم ترد لابنتها إلا حياةً رغيدة مرفّهة. وهكذا خُصِّصت لنرجس غرفةٌ في القصر كابنة الدار، وكلما اشترى الزوجان ثيابًا أو ألعابًا أو أيًّا من سُبل الرفاه، قسّماها بين الطفلتين بالتساوي، حتى إنّ ماريان في صغرها ظنّت حقًا أنّ نرجس أختٌ لها من ذات الأب والأم، لا ابنة عاملة المنزل.


كبرت الفتاتان، والتحقتا معًا بتلك المدارس المخصّصة لأبناء الطبقة الراقية، وتلقّتا تعليمًا راقيًا على أيدي معلّمين جاؤوا من شتّى البلدان؛ فدرستا الإنجليزية والفرنسية والصينية وغيرها من اللغات.
غير أنّ نرجس كانت دائمة التفوّق، تتقدّم بخطًى ثابتة، بينما كانت ماريان لا تهتم إلا بالملابس الأنيقة واللعب والنزهات، فلا تميل إلى الجدّ كما تميل صديقتها.


ومع الوقت، صار الجميع يتهاتف على نرجس بالتشجيع والمديح، الأمر الذي أورث قلب ماريان غيرةً دفينة أخذت تنمو مع السنين. فكانت  كلما تأجّج الغلّ في صدرها  تدبّر لنرجس المكائد الصغيرة، ولا يهدأ لها بالٌ إلا إذا رأتها تنال توبيخًا أو عقابًا، وكأنّ سقوط نرجس لحظةٌ تستعيد بها بعض ما تفقده من شعورٍ بالتفوّق.
               

رحيق النرجس | المقدمة

جاري التحميل...

المقدمة

🌸 نبذة الرواية في باريس، مدينة العشق والجمال، شاء القدر أن يجمع قلبين من عالمين مختلفين... هي نرجس، فتاة مصرية بسيطة، جاءت تبحث عن حلمها بقلبٍ يحمل عبير الورد، ينشر رائحته أينما حلّت. وهو جابرييل، شاب فرنسي فقد بريق الحياة بعدما سرق الحزن منه قدرته على الحب. لقاؤهما لم يكن صدفة.. بل بداية لحكايةٍ تُزهر فيها القلوب من جديد💖

تحميل الفصول...
المؤلف

مرحبًا بكم قرّائي الأعزاء على متن مخيلتي.
اسمحوا لي أن أعرّفكم بنفسي… 
أنا مضيفتكم شيماء رضا.


سأصطحبكم في رحلة بين سُحب أفكاري، لنحطّ معًا في عالمي الخاص؛ عالم نُسج من الخيال وتوابلُه من الواقع.
إن راقت لكم الفكرة، فأهلاً بكم… اربطوا أحزمتكم واقرأوا دعاء السفر، فنحن على وشك الإقلاع! ✈️


مرحبًا بكم من جديد!
لقد حطّت بكم مخيلتي اليوم في مكان بعيد، يحمل اسمًا من الواقع…
لكن قبل أن أعرّفكم عليه وعلى سكّانه، عليكم الالتزام ببعض القواعد البسيطة:


الاولى :أبدوا آراءكم الراقية فيما أكتب، فهي ما يُسعد قلبي وينعش قلمي للمزيد.


والثانيه: افتحوا معي أبواب مخيلتكم لتعيشوا تفاصيل عالمي وكأنكم جزء منه.


الثالثه :لكم كل الحق في انتقادي، ولكن ليكن نقدًا بنّاءً يدفعني للأفضل.


الرابعه:كونوا ضيوفًا أعزاء، لا تتركوا خلفكم إلا كل جميل يذكّرنا بما عشنا معًا من خيال ومرح.


وأخيرًا… نصيحة من القلب ❤️
لا تدعوا القراءة تلهيكم عن ذكر الله، فاجعلوا لكل شيء وقتًا، ولا تنسوا فروضكم.


نبدأ قصتنا في البارت القادم... فهل أنتم مستعدّون؟
               

رواية رحيق النرجس

رحيق النرجس
6.0

رحيق النرجس

مشاهدة

قصة الرواية

🌸 نبذة الرواية في باريس، مدينة العشق والجمال، شاء القدر أن يجمع قلبين من عالمين مختلفين... هي نرجس، فتاة مصرية بسيطة، جاءت تبحث عن حلمها بقلبٍ يحمل عبير الورد، ينشر رائحته أينما حلّت. وهو جابرييل، شاب فرنسي فقد بريق الحياة بعدما سرق الحزن منه قدرته على الحب. لقاؤهما لم يكن صدفة.. بل بداية لحكايةٍ تُزهر فيها القلوب من جديد💖

تفاصيل العمل

التصنيف: رومانسية
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
نرجس
فتاه مصريه تسافر للعمل فى الخارج وهناك تلتقى بجابرييل وتبدأ قصتهم الغريبة والمستحيلة

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.