منزل هاوثورن (حجر الأساس)
حجر الأساس
على رف أعلاه غبار كثيف يوحي بأن أحدًا لم يجرؤ على لمسه منذ عقود. غلافه من جلد داكن متشقق، تتخلله نقوش باهتة لا تنتمي تمامًا إلى أي لغة مألوفة، وكأنها حروف نصف منسية. لم يحمل عنوانًا، بل مجرد رمز غامض محفور بعمق في منتصف الغلاف، أشبه بعين تحدق من زمن سحيق. عند فتحه، تفوح رائحة قديمة، خليط بين رطوبة الحجر وبرودة الحديد، وتتكشف صفحات صفراء باهتة، كتب عليها بحبر يميل إلى السواد الغامق، وكأن الحروف رُسمت بدم جاف. النصوص بدت في البداية مبعثرة وغير مترابطة، لكنها كانت تلمع أحيانًا بضوء خافت حين تُقرأ بعين متفحصة، كما لو كانت تكشف عن طبقات خفية من المعنى لا تُدرك إلا لمن يعرف كيف ينظر
إنجلترا، صيف عام 1580
حين وصل اللورد إدموند هاوثورن إلى مقاطعة ويسترفيلد، لم يكن في استقباله سوى صمت الأرض الممتدة أمامه. اختار التلّ المرتفع بنفسه، بعد أن جال في المقاطعات شهورًا، كأنه يبحث عن شيء لا يعرفه غيره.
لم يكن شابًا، لكنه كان يحمل في عينيه حدة القرار. أرمل منذ سنوات، بلا وريث، وقليل الكلام. أحاط نفسه بعدد محدود من الخدم والعمال، وبدأ بإصدار التعليمات فورًا. لم يكن المنزل الذي خطط لبنائه عاديًا في هندسته؛ لم يكن حصنًا ولا قلعة، بل شيئًا بينهما. الهيكل الأساسي مربع، تعلوه أبراج قصيرة وزوايا ملتفّة، والواجهة تحمل طابعًا غريبًا بين الطراز الإليزابيثي وأشكال لا مألوفة.
في السجلات الرسمية، سُجِّل المشروع على أنه "بيت استراحة للورد هاوثورن"، لكن أهل القرى المجاورة أطلقوا عليه اسمًا آخر: البيت الصامت. لم يكن أحد يعرف الكثير عن اللورد الجديد، فقط أنه اشترى الأرض بسعر مضاعف، وجلب البنائين من خارج المقاطعة.
خلال الأشهر الأولى من البناء، سارت الأمور كما هو متوقع، لكن بعد اكتمال الطابق الأرضي، بدأت الأمور تتغير. أحد العمال، شاب يُدعى ماثيو، لم يعد إلى موقع العمل بعد يوم العطلة. تبعه آخر بعد أسبوع، ثم ثالث بعد شهر. لم يُعثر على أي منهم. لم تكن هناك إشارات على عنف، ولا جثث، فقط اختفاء.
العمال الباقون بدأوا يتهامسون، ثم بدأ بعضهم يطلب الرحيل، لكن اللورد لم يُبدِ انزعاجًا. كان هادئًا، متابعًا لكل شيء بدقة، كأن الغياب لم يُفاجئه.
ومع حلول شتاء 1581، اكتمل البناء. منزل من الحجر الرمادي الداكن، نوافذه طويلة وضيقة، وبابه الأمامي ثقيل، مصنوع من خشب البلوط المطعّم بالنحاس. لم يدعُ أحدًا لحفل افتتاح، ولم يُقم أي مأدبة. دخل منزله الجديد بصمت، وأغلق الباب خلفه.
بعدها، لم يره السكان إلا نادرًا… يمشي في الحديقة الخلفية أو يركب عربته متجهًا نحو البلدة ثم يعود عند المغيب.
وكان كل من يقترب من البيت يلاحظ شيئًا واحدًا:
رغم اكتماله، كان المنزل يبدو دائمًا كأنه لم يُسكن.