رواية وعد الشيطان (غبار الأسلاف)
غبار الأسلاف
.........
في قرية عين كارم كان هواء الصباح معطّرًا بروائح الزعتر البريّ و أشجار الزيتون الراقصة مع الرياح،
وبوعد الخبز المتخمّر في أفران الطابون الطينية،
وقف إبراهيم الحسيني على طرف بستان العائلة وتمرّ إبهاماه الخشنتان على لحاء شجرة مغروسة ربما من قرن مضى،
لم تكن هذه الشجرة عنده أرضًا فحسب ولا خطًّا على خريطة أو سطرًا في دفتر دبلوماسي؛ كانت عرق جدّه، ومهر أمّه، والظلّ الذي تعلّم فيه أولاده الكتابة.
قال ابنه عمر وهو يتخطّى السور الجيري:
– الريح تتغيّر يا أبي، يقولون إن الأتراك تخلّوا عن المواقع الجنوبية، ورجال السوق يتحدّثون عن الإنجليز، يقولون إنهم يأتون بنظام جديد.
تنفّس إبراهيم بعمق فخرج الزفير من صدره كخشخشة قشّ يابس.
– الأنظمة تتبدّل يا عمر.. الرومان، البيزنطيون، المماليك، الأتراك… كلّهم يأتون بطبولهم وضرائبهم، يعبرون الوادي، يغيّرون أسماء الشوارع، ثم يبتلعهم الغبار.. أمّا الأشجار فتبقى ونحن نبقى.
هزّ عمر حجرًا بقدمه وقال بإصرار:
– هذه المرّة تبدو مختلفة يا أبي، الإنجليز لا يريدون الضرائب فقط.. يأتون بأوراق ويأتون بناسٍ من وراء البحر يحملون خرائط لم نرسمها ولا نعرف عنها شيئا.
نظر إبراهيم إلى عيني ابنه فرأى فيهما نار جيل يشمّ العاصفة قبل أن يدركها الشيوخ،
قرونٌ طويلة عاشوها أهل الشام كلّها مربوطة بقبضة السلطان المألوفة.. تلك القبضة انهارت الآن، و(من لا يملك) متمثلون في الإمبراطورية البريطانية البعيدة سيملأون الفراغ لا كضيف بل كمحتل غاشم.
قال إبراهيم وهو ينظر في عين ابنه بشموخ وثقة:
– فليأتوا.. لا أحد يهب ما لا يملك، ليس للإنجليز في هذه الأرض حقٌّ أكثر من حقي أنا في عرش لندن.
جلس إبراهيم في ساحة القرية حول طاولة خشبية منخفضة حيث اجتمع الناس،
قرأ المعلّم الذي درس في بيروت ويرتدي بدلة أفندي مهترئة، نصّ تصريح بلفور رغم أن الترجمة كانت ركيكة جدا لكن المعنى طعن الهواء كسنّ حربة.
– (تنظر بعين الرضا إلى إقامة وطن لشعب آخر) … همس وأصبعه يرتجف فوق السطر
– وماذا عنّا نحن؟ لقد ذكرونا ب (الطوائف غير اليهودية) ولم يقولوا الفلسطينيون حتى، ماذا يعني هذا!
سقط صمت ثقيل وهنا بدأت عبارة (من لا يستحق) تكتسب شكلًا محليًا جارحًا، لم تكن في بادئ الأمر كراهية دينية، بل صدمة بدائية: أن تُمحى وأنت واقف على أرضك.
– كيف يعدون بالبيت ونحن جلوس في الصالون؟
صرخ شيخ وهو يضرب عصاه بالأرض.
قال عمر من ظلّ الباب والذي كان يراقب المشهد:
– لأن عندهم البنادق ولأنهم لا يروننا،
نحن عندهم مجرد سكان مدنيون، مجرد متغيّر يُدار لا كيان ثابت له أرضه أو شعب يُسمع.
مرت الأيام و الأسابيع وأخذ وعد الإنجليز للصهاينة يتجسّد، ضباط بريطانيون تفوح منهم رائحة الشر والظلم، يركبون خيولًا أكبر من دروب الجبال الضيّقة، كانوا متغطرسين بفظاظة؛ تعاليًا يتحدّث عن انتداب واستعمار واغتصاب بقوة غاشمة،
راح المسّاحون يدقّون أوتادًا خشبية في أرض الوادي، يجزّئون ويقسّمون المراعي التي رعَت فيها الماعز قرون طويلة، وحين سأل إبراهيم ملازمًا شابًا بأيّ حقّ يفعلون ذلك، أشار الفتى إلى ملفّ جلدي:
– أوامر من لندن، إدارة جديدة، نحدّد حدود المستوطنات.
– مستوطنات لمن؟
– للواصلين… للاجئين… للذين عيّنهم التاج.
نظر إبراهيم إلى الأوتاد؛ التي بدت كشواهد قبور.
– التاج لا يملك هذا التراب، كلّ حفنة دُفعت بدم أجدادي، أنتم تنهبون خبز أفواه أولادنا.
لم يرفع الملازم عينيه:
– العالم يتغيّر وانتهت الحرب الكبرى و هذه خريطة جديدة، ابحث لك عن مكان فيها.
تلك الليلة لم يذق إبراهيم نومًا، سار في البستان تحت ضوء القمر وظلال شجر الزيتون التي كانت كهياكل طويلة، ولأول مرة في حياته شعر بأن الأرض تحت قدميه جوفاء،
ووجد عمر عند البئر ينظّف بندقية قديمة مخبّأة منذ ثورة الأتراك،
– اتركها يا عمر.. قالها بلا روح.
– ولماذا؟ ردّ عمر وعيناه تعكسان فضّة القمر.
– وعدوا غيرنا ببيت، ولم يسألونا حتى ولم يرونا.
إن لم نجعلهم يروننا سنذوب في أرضنا كما يذوب الملح في الماء.
– عندهم قوة الإمبراطوريات.
– وعندنا قوة الحق فهم (من لا يملك) والآتون (من لا يستحقون)، أما نحن فأصحاب الأرض والحق.
رفع إبراهيم بصره إلى النجوم، نجوم كانت على مر العصور شاهدة هُنا على الأنبياء والملوك والغزاة والفلاحين،
أدرك أن مأساة وعد الإنجليز للصهاينة ليست ضياع الأرض فقط، لقد زرع البريطانيون بذرة ضغينة ستنمو أسرع من أيّ زيتونة.
لمس حجر البئر البارد وتخيّل ذلك الدبلوماسي الوغد في لندن، آرثر بنهاليغون والذي لم يكن يعرف اسمه أبدًا، تخيّله جالس على مقعده في غرفة ثرية أمام مدفأته راضيًا عن كلماته المرنة.
وهمس للريح بنبرة حسرة:
–أي وعد هذا!... وعدٌ مبنيّ على سرقة هو لعنة باسم آخر.
ومع أوّل خيط للفجر، دوّى من جهة الساحل صفير باخرة بعيد.. فلم يعد الوعد شبحًا في لندن؛ بل أصبح لحمًا وعظمًا ويتّجه نحو بوّاباتهم.