بين الركام والذكرى: خارج حدود الفترة
بين الركام والذكرى
.........
بين الركامِ والذكرى
"الحياةُ التي نعيشُها كـ 'فديةٍ' عن موتِ من نحب، ليست حياةً؛ بل هي مراسمُ عزاءٍ طويلة، يتخللُها ضجيجُ القادمين الذين يظنون أننا على قيدِ الفرح."
تحت وطأة هذا القلق الذي لا يرحم، ومع زحف خيوط الفجر الأولى التي لم تحمل لمريم سوى مزيدٍ من الوحشة، ضاقت الجدران من حولها حتى كأنها أضلاعُ صدرٍ يوشك على الانفجار. لم يكن الخوف وحده ما ينهشها، بل ذلك الشعور الموحش بالضياع؛ فكل من حولها يرى "عروسًا" تتهيأ، بينما لا ترى هي إلا "ضحيةً" تُساق نحو قدرٍ مجهول المعالم.
انسلّت من غرفتها بخطواتٍ متعثرة، تقودها غريزة البحث عن مأمنٍ قديم، فدفعتها قدماها نحو غرفة "يحيى"، أخيها وتوأم روحها الغائب. هناك، حيث تفوح رائحة ذكرياتهما المشتركة، وحيث يسكن السكون الذي لا يجرح، جلست على مقعده الخشبي المهمل، وفتحت دفتره الذي طالما كان مستودعًا لأسرارهما. تناولت القلم، وبدأت تخطّ بمداد الوجع رسالةً إليه، وكأنها تستحضره من غيابه:
"إلى يحيى... يا شطر نفسي الذي رحل وتركني في مواجهة العواصف وحدي. أكتب إليك والضباب يلفّ عيني، والضجيج في رأسي يصمّ الآذان. أنا ضائعة يا يحيى... ضائعة في تيه صمتي الذي لم يجد قلبًا يفكّ شفراته، وخائفة من غدٍ يتربص بي خلف الأبواب. الكل ينظر إلى ملامحي، ولا أحد يرى الارتجاف الذي يسكن عروقي. لقد غبت، وغاب معك المرفأ الذي كان يفهم خوفي قبل أن أنطق، فمن لي اليوم بسندٍ لا يميل؟"
توقفت هنيهة، وقد بلّلت دمعةٌ حارقة طرف الصفحة، ثم قلبت الورقة بعنفٍ كمن يحاول الهروب من ماضيه، ليرتطم بحاضره، وخطّت بيمينٍ مهتزة تلك الرسالة التي وُلدت من رحم ليلتها الطويلة:
"إلى الرجل السابع..."
"لقد ألقيتَ بكلمة 'آنستِني' في محراب روحي المتعبة، فظننت أن الفجر قد أشرق. لكن يبدو أن الأشباح التي تطاردني لا تنام، وأن الطريق إليك مفروش بظلالٍ تأبى أن تغادرني. اللعبة بدأت فعلًا، وأنا الآن أقف بين صوتك الدافئ ويدٍ مجهولةٍ ألقت بحجر وعيدها في شرفتي. هل ستصمد بوصلتك حين تعلم أن مغامرتنا قد تحولت إلى ساحة معركة؟ غدًا سأعرف إن كنتَ منجًى، أم أنك ستكون الضحية الأرقى في قائمة خيباتي."
أغلقت الدفتر بقوة، وكأنها تودع فيه بقايا صمودها. استندت برأسها إلى المنضدة، والبرودة القاسية التي تسكن غرفة "يحيى" بدأت تتسلل إلى أعماقها، محوّلة القلق إلى يقينٍ مرير: أن معركة "المغرب" لن تكون لطلب يدها فحسب، بل ستكون فصلًا داميًا من فصول "الخراب" الذي يلاحقها، وأن اليد التي ظنتها سندًا قد تكون هي ذاتها التي تمسك بطرف الخيط في هذه اللعبة الملعونة.
وسط هذا الدخان الخانق من الذكريات، ارتمت مريم على كرسي يحيى الهزّاز، ذلك الكرسي الذي كان شاهدًا على أحلامهما الموءودة. بدأت تتأرجح به في حركةٍ رتيبةٍ مضطربة، وأغمضت عينيها بشدة، كأنها تحاول سحق الصور التي تهاجم مخيلتها. ومع كل "صرير" يصدره الكرسي على الأرض، كان صوت تأنيب الضمير يرتفع في صدرها كإيقاع مقصلة. راحت تئنّ بصوتٍ مكتوم، وتجلد ذاتها بسياط الذاكرة التي لا تشيخ؛ ففي عتمة الغرفة لم تعد ترى "المغرب" ولا "عبد الرحمن"، بل رأت ذلك اليوم المشؤوم الذي انفرط فيه عقد حياتها.
همست لنفسها بنبرةٍ تقطر مرارة:
"أنا التي قتلته... أنا من استعجلت الخطى نحو حتفي، فكان هو الفداء."
كانت مريم تؤمن بيقينٍ يحرق روحها أن تسرعها في ذلك الحين، ورعونتها التي لم تحسب للموت حسابًا، هما ما دفعا بـ"يحيى" ليكون الدرع الذي تلقّى الطعنة بدلًا عنها. كان موته "فديةً" لم تطلبها، وثمنًا باهظًا لحياةٍ باتت تراها اليوم عبئًا لا يُطاق. تأرجحت بقوةٍ أكبر، والكرسي يئنّ تحت ثقل وجعها، وهي تناجي طيفه الغائب:
"لو لم أكن بتلك الأنانية يا يحيى... لو أنني لم أندفع خلف سرابي، لكان مقعدك الآن عامرًا بوجودك، ولكان هذا 'المغرب' يمرّ بردًا وسلامًا تحت ظلك. قتلتك بيدي التي تظنها سندًا، وها هو الخراب الذي بدأ بموتك يعود ليحصد ما تبقى مني تحت مسمى 'الرجل السابع'."
غابت مريم في دوامة "الجلد الذاتي"، مسقطةً كل خيباتها الحالية على تلك اللحظة القديمة؛ فكل رجلٍ عبر حياتها وفشل، وكل تهديدٍ يصلها الآن، تراه عقابًا سماويًا مستحقًا لأنها لا تزال تتنفس، بينما يحيى يلحفه التراب بسببها. فتحت عينيها فجأة، وكانت النظرة فيهما خاويةً منكسرة، كأنها قررت أن "المواجهة" القادمة ليست لإيجاد شريك، بل مجرد جولة جديدة من جولات التكفير عن ذنبٍ لا يغفره قلبها أبدًا.
قطع صريرَ الكرسيّ وسلسلةَ أفكارها الجنائزية نقرةٌ خفيفةٌ على الباب؛ نقرةٌ لم تكن من النوع الذي يطلب الإذن، بل كانت أشبه بتذكيرٍ قسريٍّ بأن الزمن خارج هذه الغرفة لا يتوقف لمواساة أحد.
جمُدت مريم مكانها، وسكن الكرسيّ الهزّاز عن أنينه، بينما كانت أصابعها لا تزال تضغط على دفتر يحيى كأنها تتشبث بآخر خيطٍ يربطها بالسكينة. انفتح الباب ببطء، ولم تكن سوسن هي الطارقة، بل كان إسماعيل.
دخل والدُها بخطىً وئيدةٍ مثقلة، ووقارٍ يرتجف خلفه قلبٌ لا يقل لوعةً عن قلبها. اقترب منها ببطء، وكأن كل خطوةٍ يخطوها فوق سجاد غرفة ابنه الراحل تنكأ جرحًا قديمًا. وقف أمامها، ونظر إلى عينيها الغائرتين، وبصوتٍ محشرجٍ غلبه الشجن قال:
"مريم... أظن أن هناك فراغًا في روحك، كما هو ينخر في قلبي تمامًا... ولكن لا تحزني يا ابنتي."
صمت ليردّ غصّةً كادت أن تغلبه، ثم أكمل وهو يضع يده على كتفها بحنوّ:
"أنا هنا... كتفٌ لا يميل، وصديقٌ لا يخذل، وأبٌ لا يتمنى سوءًا لثمرة فؤاده أبدًا."
بمجرد أن نطق كلماته، انهارت كل حصون مريم، فاندسّت في أحضانه كطفلةٍ أضاعها الزحام فوجدت مأمنها. احتضنها إسماعيل بقوة، محاولًا أن يتماسك أمامها ليكون سياجها، لكن عينيه خذلتا وقاره؛ فتقطّرتا دمعًا حارًا لم تره هي، وهي غارقة في دفء صدره، بل شعرت به كأنه وسمٌ من الوجع المشترك يبارك حزنهما.
في تلك اللحظة، لم يكن إسماعيل مجرد أبٍ يزفّ ابنته إلى "مغربٍ" جديد، بل كان رفيق اليُتم الذي يدرك تمامًا أن الداخلين إلى الصالة الآن يطرقون بابًا خلفه أطلال رجلٍ غائب، وأن الموافقة على "السابع" ليست إلا محاولةً لترميم ما هدمه رحيل يحيى.
بكلماتٍ وُلدت من رحم الوجع، استمدّت مريم من دفء صدره شجاعةً مباغتة، فابتعدت عن أحضانه قليلًا، وهي لا تزال تتشبث بطرف كفّه، ونظرت إلى وجهه الذي خطّ فيه الزمان حكاية صبرهما، وقالت بنبرةٍ يملؤها الامتنان والتبتّل:
"أبي... لولا وجودك الذي يسيّج روحي، لالتحفت كفني منذ أمد. فما عزائي في وحشة هذه الدنيا إلا كنفك، وما صبري على عثرات الطريق إلا لأن فيها صوتك الذي يرمّم انكساري. فالحمد لله على راحلٍ نضرع إلى السماء أن يكون في فردوسها غارسًا، والحمد لله على حبيبٍ باقٍ يستر عورة حزني كلما انكشف رداؤها أمام الريح."
ثم انحنت بجلالٍ ومحبة، وطبعت قبلةً حارة على يده؛ قبلةً لم تكن لمجرد التقدير، بل كانت ميثاقًا جديدًا بأنها ستخطو نحو "المغرب" وهي تحمل في كفها بركة رضاه، وفي قلبها يقينًا بأنها مهما تعثرت، ستجد في ظله المرفأ الذي لا يغدر.
كانت كلماتها استعارةً كبرى للحياة؛ فقد جعلت من أبيها "الرداء" الذي يواري ندوب روحها، ومن توأمها الراحل "البذرة" التي ترجو ثمارها في الآخرة،
اقترب إسماعيل منها حتى انحنى قليلاً، كأنما يخشى أن تلتقط الجدران رجفته. مال نحو أذنها، وهمس بكلماتٍ حرص ألّا تتلقّاها حتى آذانُ الحائط:
"الأمر كلّه بين يدي الله... ولكن ثقي بقرارِ والدٍ لا يريد من الدنيا سوى راحتكِ."
ارتعش شيءٌ في ملامحها، وامتعض وجهها كمن ابتلع اعتراضه صامتًا. تحرّك هو نحو الباب بخطًى مثقلة، ثم توقف، والتفت خلفه؛ كانت ملامحها قد تبدّلت إلى ذلك الجمود الذي يسبق الانكسار.
قبض على يده كأنه يمسك بحقيقةٍ تنفلت، وقال بصوتٍ أخفض، كاعترافٍ ينتزع نفسه انتزاعًا:
"ليس لي من الأمر شيء... ولكن هذا ما أضمن به نجاتكِ."
وساد بينهما صمتٌ أثقل من الكلام؛ صمتُ أبٍ يدفع باب القدر بيدٍ مرتجفة، وابنةٍ لا تدري أهي تُسلَّم إلى النجاة أم إلى امتحانٍ آخر باسمها.«بمجردِ أن خرجَ وتركها أمام مواجهتها الموعودة، أمسكت بهاتفها كمن يُؤدي طقساً سرياً أخيراً. أجرتِ الاتصالَ الأول.. ثم الثاني.. ثم الثالث؛ اتصالاتٌ خاطفةٌ مريبة، لا تحملُ نجدةً ولا استغاثة، بل كانت تنبضُ بغموضٍ لا يُفهم كُنهُه. كانت مريمُ فيها غائبةً عن الحاضر، شاخصةً نحو مجهولٍ لا يراهُ غيرُها.
ما إن انقطعَ الخطُّ الأخير، حتى رمتِ الهاتفَ بجانبها وكأنها تُلقي بجمرةٍ أحرقت بقايا صمودها، وانفجرت بنحيبٍ ممرورٍ زلزلَ أركانَ الغرفة، وهي تئنُّ بصوتٍ مزّقَ نياطَ الفؤاد:
"واسفاه.. وا أسفاهُ على يحيى!"»
دَخلَ إسماعيلُ غرفتَه بخطىً متثاقلة، باحثاً عن ركنٍ يأوي إليه قبل أن تندلعَ العاصفةُ في الصالة، ليجدَ سوسن هناك؛ كانت تقفُ بصلابةٍ هشّة، تبتلعُ ريقَها بصعوبةٍ وكأنَّ غصّةً في حلقها تأبى الانحدار، وعيناها اللامعتانِ بالدَّمعِ تكتمانِ صرخةً مجهضة.
تجاهلَ إسماعيلُ توتُّرَها الجليّ، وأشارَ بيدهِ إلى المنضدةِ المجاورةِ لها قائلاً بصوتٍ خافت:
"ناوليني الهاتفَ الذي بجانبكِ يا سوسن."
تصلَّبت في مكانها، وتردَّدت أصابعُها في الامتثال، وكأنها ترومُ تجاهلَ طلبِه لتدفعَ قدراً لا تريدُه أن يقع، لكنها سرعانَ ما رضخَت؛ فهي في ذروةِ انكسارها لا تحتملُ رؤيةَ وجههِ واجماً أو غاضباً، فإسماعيلُ كان دائماً مَدارَ كونِها الذي تخشى اختلالَه.
مدَّت يدَها بالهاتف، وقالت بنبرةٍ يملؤها الوجعُ والاعتراض:
"لستُ راضيةً.. وأعلنُ لكَ اعتراضي التام على ما يحدث."
أخذَ إسماعيلُ الهاتفَ منها، ودونَ أن يرفعَ نظرَه ليلتقي بعينيها، سألَ ببرودٍ لا يعكسُ الغليانَ في داخله:
"على أيِّ الأمرينِ تعترضين يا سوسن؟"
أجابت بسرعة، والدمعةُ كادَت أن تفرَّ من محبسها:
"على كليْهما.. على هذا الموعد، وعلى ما تنوي فعلَه الآن."
تنهَّدَ إسماعيلُ تنهيدةً طويلة، كأنما يطردُ بها بقايا الأكسجينِ من صدره، ثم وضعَ الهاتفَ على أذنِه وقال بلهجةٍ قاطعة:
"ليس على المضطرِ إلا الهربُ أو الصبر.. وبما أنَّ الهربَ غيرُ متاح، فلم يبقَ لنا إلا الصبر."
اشتعلَ القلقُ في عيني سوسن، واقتربت منه خطوةً وهي تهمسُ بجزع:
"سيتحولُ الأمرُ إلى كارثةٍ محققةٍ بمجردِ وجودِ.."
وقبل أن يخرجَ الاسمُ من بين شفتيها، رفعَ إسماعيلُ سبّابته ووضعَها على فمهِ في إشارةٍ آمرةٍ بالسكوت. خيَّمَ صمتٌ ثقيلٌ ومفاجئ، فابتلعت سوسنُ كلماتِها، وبقيت تطالعُه بنظرةٍ مزيجُها العتابُ المرّ، والقلقُ القاتل، والاعتراضُ الذي لا يجدُ له مخرجاً، بينما كان هو قد غابَ في الاتصال، منتظراً صوتاً قد يقلبُ موازينَ هذا "المغرب" تماماً.
وصلت نور إلى منزل هاجر والبشرُ يطفحُ على وجهها، فقد كانت مريم قد وجهت لهما دعوةً لحدثٍ عائليٍّ دافئ، بدا في ظاهرهِ غايةً في الألفة. وعلى الرغم من رواسب الغضب التي سكنت قلب هاجر تجاه نور، إلا أنها ابتلعتها بمرارةٍ إكراماً لمريم، وآثرت الصمتَ ريثما تنتهي مراسمُ الاستعداد.
وبينما كانتا تتجهزان، انطلقت نور في حديثٍ محمومٍ عن "عمر"، واصفةً غيرته المشتعلة التي تمنعها من الخروج، وكيف أنها في هذه المرة اختارت التمردَ وخرجت دون علمه لئلا يفسد عليها بهجتها.
رمقتها هاجر بنظرةٍ طافحةٍ بالاشمئزاز، ولم تستطع لجامَ لسانها أكثر، فقالت بنبرةٍ حادة:
"وهل لرجلٍ أن يحكمَ امرأةً لم تُكتب بعدُ زوجةً له؟ وهل لامرأةٍ أن تصدّقَ وعودَ رجلٍ لا يفي حتى برسالة؟"
استشاطت نور غضباً من كلمات هاجر، وقررت إلقاء ورقتها الرابحة لتُخرسَ شكوكها، فقالت والزهوُ يملأ صوتها:
"لقد حددَ موعدَ الخطبةِ بعد أسبوعين من الآن! بل إن الذهبَ قد اشتراهُ بالفعل، وكان يخبئه لي كمفاجأة."
خيم الصمتُ على الغرفة، وشعرت هاجر بريبةٍ تنهشُ صدرها؛ فالأمرُ يبدو مثالياً أكثر مما ينبغي، لكنها آثرت الصمتَ وهي ترى نور عمياءَ لا تُبصرُ إلا "عمر"، ولا تسمعُ إلا صدى صوته.
انتهت مراسمُ الزينةِ بقلوبٍ متباينة، واستقلتا سيارةَ أجرةٍ تشقُّ الزحامَ نحوَ منزلِ مريم، حيثُ كان "المغربُ" ينتظرهما بما لا تشتهيهِ الأنفس.
بينما كانت سيارةُ الأجرةِ تنهبُ الطريقَ نهباً، غَرقت هاجر في صمتٍ ثقيلٍ لا يقطعُه سِوى رنينُ كلماتِ نور المتكررةِ عن "عمر". نظرت إلى صديقتها التي كانت تُعيدُ طلاءَ شفتيها بزهو، وشعرت برغبةٍ عارمةٍ في هزِّ كتفيها لعلَّها تستفيقُ من هذا السحرِ الزائف.
الريبةُ التي كانت تأكلُ صدرَ هاجر لم تكن مجردَ حدسٍ عابر، بل كانت مبنيةً على حقيقةٍ صارخةٍ ومخيفة: لا أحد، لا هي ولا مريم، قد وقعت عيناهما على وجه "عمر" يوماً. كان بالنسبةِ لهما مجردَ "صوتٍ" في الهاتف، و"حكايةً" ترويها نور، و"طيفاً" يتبخرُ كلما اقتربت منه الحقيقة. تذكرت هاجر كيف كانت مريمُ تحاولُ مراراً أن يكتملَ نصابُ جلستهم، أن تراهُ لتعرفَ مَن هذا الذي ملكَ قلبَ صديقتها، لكنَّ الأعذارَ كانت دائماً جاهزةً ومفصلةً على مقاسِ الهروب. كان يختفي كالدخانِ في اللحظةِ التي يُذكرُ فيها لقاءٌ يجمعه بمريم وهاجر، وكأنَّ ملامحَه سرٌّ عسكريٌّ يخشى أن يُفضح، أو كأنَّ رؤيتهما له هي الصاعقُ الذي سيفجرُ كيانَه الهشّ.
والأدهى من ذلك كله، تلك القصةُ التي روتها نور بساذجةٍ مفرطة، حين أخبرت هاجر أنَّ عمر اضطرَّ للاختباء في "مكانٍ سريّ" لأيام، مدعياً أنه مُطاردٌ من قِبَلِ جهاتٍ مجهولةٍ بسبب "أهميته"، وكان يمنعُها بصرامةٍ من الاتصالِ به ليلاً. استرجعت هاجر تلك التفاصيل بمرارة، وقارنتها بكذبته الأخرى حين زعم السفر إلى السعودية، ليتصلَ في اليوم التالي من رقمٍ محليّ بحججٍ واهية.
تنهدت هاجر وهي تراقبُ اقترابَ منزل مريم، وشعرت بقشعريرةٍ غريبةٍ تسري في جسدها؛ فبينما يذهبون اليوم للاحتفاء بخطبة مريم، كان شبحُ "عمر" الذي يخشى الضوءَ يحومُ فوق رأسها. تساءلت في سرها بنبرةٍ يملؤها الوجل: "لماذا يهربُ منا إلى هذا الحد؟ هل يخشى أن نكشفَ ملامحَه، أم يخشى أن نكشفَ حقيقتَه التي لا يعلمُها إلا هو؟"
و هنالك بينما كان التوترُ في غرفِ المنزلِ قد بلغَ ذروته، قُطعت خيوطُ الصمتِ بطرقاتٍ عنيفةٍ وجامدة على البابِ الخارجي. فتحت سوسن البابَ لتجدَ أمامها "مريم"، عمة مريم التي سُميت على اسمها، تقفُ بوجهٍ صخريٍّ خالٍ من أيِّ تعاطف، ويتبعها شابٌ في مقتبلِ العمر يُدعى "نوح".
كانت ملامحُ نوح تنطقُ بالفجور؛ نظراتُه الزائدةُ عن حدِّ الوقاحة، وشعرُه المصففُ بعنايةٍ مريبة، وحتى طريقةُ وقفتِه المستفزة كانت توحي بشخصٍ لا يقيمُ وزناً للمقدسات. حين حاولت سوسن ممانعته، لوى شدقه باحتقارٍ وقال بنبرةٍ صائعة:
"ما بالكِ يا زوجة الخال؟ هل تظنين أن هذا المسحوق الذي وضعتموه على وجه ابنتكِ سيسترُ ما نعرفه؟ تنحي عن طريقي.."
وقبل أن تكمل سوسن اعتراضها، رفع نوح يده في الهواء بحركةٍ عدائية، ملوحاً باستعدادٍ صريحٍ للتهجم، وكأنه يهمُّ بكسر أي حاجزٍ يقف بينه وبين الداخل.
اندفع إسماعيل كالسهمِ ليزرعَ جسدَه الحازمَ بين سوسن ووقاحةِ نوح، واضعاً يداً صلبةً على صدرِ الفتى ليردَّه إلى الوراء. وقفَ الخالُ وابنُ الأختِ وجهاً لوجه؛ صمودٌ وقورٌ أمامَ فجورٍ مستعر. ذمَّ نوحُ شفتيهِ بحقارة، وأطلقَ سبّةً نابيةً هزت سكونَ الرواق، وكأنه يبصقُ على حرمةِ المكانِ ومَن فيه.
في تلك اللحظة، جاء صوتُ "محمد" —والد نوح— من خلفِ عتبةِ الباب، بارداً، فجاً، وخالياً من أيِّ نخوة، وهو يقول:
"تأدب يا نوح.. كفَّ عن صبيانيتك، فلا نريدُ لهذه الليلةِ أن تفسدَ قبل أن تكتملَ الشكلياتُ التي جئنا لأجلِها؛ فالمظاهرُ اليوم أغلى من الحقيقة."
تراجعَ نوحُ بتمردٍ واهن، وهو يبرطمُ بكلماتٍ بذيئة، وعيناهُ تجولانِ في الصالةِ كذئبٍ يتحينُ الفرصةَ لقلبِ الموائدِ وتحويلِ هذه الخطبة إلى كارثةٍ تروي غليلَ حقده.
وفي الغرفةِ المجاورة، كانت مها تنكبُّ على وجهِ مريم، تحاولُ رسمَ ملامحِ الفرحِ فوق ملامحِ الموت، لكنَّ أصابعَها كانت ترتعشُ بذهولٍ من صدى صوتِ نوح الذي اخترقَ الجدران، والذعرُ يأكلُ قلبَها من "كارثةٍ" باتت تشمُّ رائحتَها في الأفق.
وسط هذا الغليانِ المكتوم، كانت مرام بعيدةً عن هذا الصراع، تمسكُ هاتفَها بفرحةٍ طفوليةٍ تتناقضُ تماماً مع قتامةِ الموقف، صرخت بسعادةٍ وهي تنظرُ للشاشة:
"أخيراً! ردَّ أحمد على هاتفه.. إنه قادم! أخبرني أنه عانى الأمرين ليحصلَ على إجازةٍ من القسمِ الذي يعملُ به، لكنه في الطريقِ إلينا الآن."
بينما كانت الصالةُ تغلي بصمتِها، دخلت هاجر ونور، فكان حضورهما كسكبِ الزيتِ فوق جمرٍ متقد. توقفت نور في منتصفِ الردهةِ تلملمُ شتاتَ فستانِها بزهوٍ وهي توزعُ ابتساماتِها المشرقة، غيرَ مدركةٍ أنها دخلت عرينَ ذئاب.
في تلك اللحظة، تسمرت عينا هذا الشاب الغريب —الذي لم تره هاجر أو نور من قبل— على نور. انطفأت لغةُ التهديدِ في جسدِه وحلَّت محلَّها نظرةٌ مفترسةٌ نضحَتْ بإعجابٍ شديدٍ وفجّ. تفحّصها من أخمصِ قدميها إلى خصلاتِ شعرِها بوقاحةٍ لم تُعهد، ولوى شِدقَهُ بابتسامةٍ لزجةٍ تنمُّ عن رغبةٍ تملّكتْه في ثوانٍ. بدت نور في عينيه صيداً أثمنَ بكثيرٍ من مجردِ تعكيرِ صفوِ خِطبةِ ابنةِ خالِه.
لم يكتفِ نوحُ بالنظر، بل عدلَ من وقفتِه المستفزة، وأرخى يدَهُ التي كانت مرفوعةً للتهديد، وهمسَ بصوتٍ مسموعٍ وهو يرمقُها:
"يا لمحاسنِ الصُّدف.. يبدو أنَّ ليلتَنا بدأت تحلو الآن."
انقبضَ قلبُ هاجر وهي تراقبُ تلك النظراتِ التي تنهشُ صديقتَها، ورأت ارتباك نور الذي يكاد ينقلب لخجلٍ زائف أمام غريبٍ لا تعرف حتى اسمه، فجذبتها من معصمها بقوةٍ كادت تقلعها من مكانها، وقالت بنبرةٍ خافتة يملؤها السخط:
"أفيقي يا نور وكُفّي عن هذا التباهي الأبله؛ فأنتِ الآن في مرمى بصرِ شيطانٍ مجهول!"
كانت شرارةُ الفضولِ المسمومِ قد قُدحت في عينيّ نوح، وكأنه وجدَ في نور ضالتَه التي سيفرغُ فيها كلَّ فجورِه. تلاقت نظراتُه مع نظراتِ إسماعيل المحذرة، فما كان من نوح إلا أن غمزَ بعينِه بوقاحةٍ مستفزة، وكأنه يتحدى الجميعَ في مُلكِهم.
في هذه اللحظة، قطعت مرام الصمتَ وهي تلوحُ بهاتفها تجاه القادمين، صائحةً ببهجةٍ بدت وكأنها تأتي من كوكبٍ آخر:
"لقد وصلتِ يا هاجر! ونور أيضاً! اكتملت الليلة، وأحمدُ على وصول.. القسمُ وافقَ أخيراً على إجازته!"
عند ذكر "القسم"، لاحظت هاجرُ ارتعاشةً طفيفةً في طرفِ عينِ نوح، وانقباضةً في فكِّه، وكأنَّ اسمَ القانونِ يلسعُ جِلدَه. زادَ ذلك من يقينِ هاجر بأنَّ خلفَ هذه الخطبةِ جبالاً من الأسرارِ التي لم تُكشف بعد، وأنَّ مريمَ العروسَ القابعةَ في الداخل ليست الوحيدةَ التي تواجهُ مصيراً مجهولاً.
اتجهت الأنظارُ جميعاً نحو الرواقِ المؤدي لغرفةِ مريم، حيثُ كانت مها قد انتهت للتو، وخرجت بملامح يكسوها الوجوم.
بينما كان التوترُ سيدَ الموقفِ، فُتح البابُ من جديدٍ ليدخلَ عمُّها الأصغر "رضا"، ترافقه زوجته "أمل" وابنتهما "خديجة".
كان دخولُ خديجة تحديداً هو الشعرةَ التي قصمت ظهرَ الثباتِ في ذلك المساء؛ فبمجردِ أن وقعت عينا سوسن عليها، انهارَ كلُّ ما تبقى من تماسكِها. انفطرَ قلبُ سوسن في مشهدٍ مهيبٍ، وانطلقت منها صرخةُ لوعةٍ متبوعةٍ ببكاءٍ مرٍّ وحرقةٍ هزت أركانَ المكانِ، حتى تحولَ جوُّ المنزلِ في لحظاتٍ من صخبِ الخطبةِ إلى ما يشبهُ مأتمَ عزاءٍ حقيقيّ.
ارتجفتِ الجدرانُ لشهقاتِها التي كانت تخرجُ من أعماقِ روحٍ مكلومةٍ، وبينما وقفَ الجميعُ في صدمةٍ شلت أطرافَهم، تقدمَ إسماعيل بخطىً حازمةٍ وقلبٍ يقطرُ وجعاً على حالِها. أمسك بيديها بقوةٍ ورفقٍ، وسحبَها من وسطِ الذهولِ؛ ليدخلَ بها إلى غرفتِهِ ويغلقَ البابَ وراءَهما، تاركاً الجميعَ في صمتٍ مطبقٍ وصدمةٍ لم يقطعْها سوى نظراتِ "نوح" المريبةِ التي كانت تراقبُ الحطامَ ببرودٍ.
بينما كانتِ الأنفاسُ تُحبسُ خلفَ بابِ غرفةِ إسماعيل، سادَ في الصالةِ هدوءٌ حذرٌ ومريب. جلست نور بعد أن سلّمت على الجميع، في حين انسحبت مها عائدةً إلى مريم، ودلفت مرام إلى المطبخِ لتضيفَ المعازيم وتحاولَ كسرَ حدةِ الصمتِ الثقيل.
اقتربت نور من هاجر، ومالت عليها هامسةً بضجرٍ تام:
"دى خطوبة ولا عزاء؟ ايه الدراما الزايدة دي؟"
بينما كانت نور غارقةً في تذمرها الساخر، لم تلحظ أن نوحاً قد تحرك بخفة الأفاعي ليقف خلفها تماماً، متحيناً الفرصة ليخترق مساحتها الخاصة. التقطت أذناه جملتها المتهكمة، فمال برأسه قليلاً حتى كادت أنفاسه تلامس أذنها، وقال بنبرةٍ لعوبة ونظرةٍ لا تخلو من مكر:
"إحنا عيلة نموت في الدراما، ولينا في سهام الحب..!"
انتفضت نور من مفاجأتها، لكن بريق نظراته المفترسة ومجاملته المبطنة جعلاها تبتسم رغماً عنها. لم ينتظر نوح رد فعلها، بل مد يده بثقةٍ ووقاحة وهو يصافحها قائلاً:
"سلمي عليا عشان أكون أول حد سلّم على قمر."
اتسعت ابتسامة نور، وبدت وكأنها نسيت تماماً جو العزاء الذي كانت تنقده منذ لحظات. في تلك الثانية، وكزتها هاجر في ذراعها وكزةً قوية ومحذرة، وهي تنظر لنوح بنفورٍ واضح. انتبه نوح لحركة هاجر، فلوى شدقه بامتطاضٍ وسخرية، وأشار إليها بيده وهو يوجه كلامه لنور:
"صاحبتك مالهاش في الفرفشة ولا إيه؟ سيبي البت تفك يمكن..!"
ثم سكت برهة، وغمز لنور غزةً جريئة أتبعها بجملةٍ ذات مغزى:
"يمكن السنارة تغمز!"
بعد لحظاتٍ، انطلقت من الأسفل صرخاتُ زغاريد مدوية، كانت "سلوى" —والدة عبد الرحمن— تقودُها بحماسٍ مفرطٍ وهي تدلفُ من بابِ المنزل، ويتبعها العريسُ "عبد الرحمن"، وخلفهما يخطو أخوالُه الاثنان بوقارٍ يفرضُ حضوراً ثقيلاً في الصالة.
في تلك اللحظة، فُتح بابُ الغرفةِ وخرجَ إسماعيل بملامح جامدة، تتبعه سوسن التي خرجت منكسرة الأعين، باهتةً وكأنَّ الزغاريد التي تملأ الأجواء تسحقُ عظامَ صدرِها سحقاً. حاولت هاجر جاهدةً تداركَ الموقف، فشدت نور من يدِها بقوةٍ لتدخلَ بها إلى الداخل بعيداً عن نظراتِ نوح، هامسةً بحدة: "تعالي معي يا نور، يكفي إلى هنا!"
لكنَّ نور لم تتجاوب؛ بقيت متصلبةً في مكانها، وعيناها معلقتان بـ "عبد الرحمن" وعائلته، ففلتت يدُها من قبضةِ هاجر التي لم تجد بداً من الانسحابِ وحدها أو الوقوفِ عاجزة. استغلَّ نوح هذه الفجوةَ على الفور، وتحرك ببرودٍ ليجلسَ في المقعدِ الشاغرِ بجانبِ نور تماماً، ومالَ نحوها بابتسامةٍ واثقة وعيناه تلمعانِ ببريقٍ شيطانيٍّ وهو يشيرُ إلى سوسن المنكسرة وعبد الرحمن القادم، وقال هامساً:
"أهو الدراما اللى بجد أبتدأت!"
أطبقت "سلوى" على "سوسن" في احتضانٍ حار، بدت فيه سلوى وكأنها تفرضُ انتصارَها، بينما كانت سوسن في يديها كالجسدِ الهامد، مستسلمةً لزغاريدِ أختِ زوجِها التي كانت تخترقُ أذنيها بحدة. في تلك الأثناء، وقف عبد الرحمن في منتصفِ الصالة، وبدأ يبحثُ بعينيه في أرجاء المكانِ بتلهفٍ مشوبٍ بالغرور؛ لم تكن عيناهُ تبحثانِ عن مريم فقط، بل كان يستكشفُ ملامحَ الحاضرين وكأنه يتفقدُ ممتلكاتِهِ الجديدة.
راقب نوح هذا المشهد، واشتعلت في عينيه نظراتٌ حاقدة، ولوى شِدقهُ بسخريةٍ وهو يميلُ نحو نور ليواصلَ نفثَ سمومِهِ في أذنها، قائلاً بنبرةٍ متهكمة:
"أهو عريس الغفلة طلع مش بطال وحلو.. خسارة فيه الهليلة دي!"
بدأت الصالةُ تمتلئُ بضجيجِ المظاهر؛ حيثُ اقتربَ أعمامُ مريم وأخوالُ عبد الرحمن من بعضهم البعض، وتبادلوا التحايا الحارة والقبلاتِ البروتوكولية، ليتشابك نسيجُ العائلتين في مشهدٍ احتفاليٍّ صاخب. وسرعان ما سادَ الجوَّ زغاريدُ متواصلة، وبدأ بعضُ الشبابِ من طرفِ العريسِ في الرقص على إيقاعِ الفرحِ المصطنع، مما جعلَ الصالةَ تهتزُّ بهذا التناقضِ الصارخ؛ رقصٌ وصخبٌ في الخارج، وانكسارٌ صامتٌ يمزقُ قلبَ سوسن ومريم في الداخل.
هدأ الجوُّ قليلاً، وانخرط كلُّ طرفٍ في حديثٍ جانبيٍّ مع مَن يجلسُ بجواره، إلا أنَّ عبد الرحمن كان في عالمٍ آخر؛ بدا عليه التوترُ وجلياً فيه قلةُ الصبر، وكانت عيناهُ تطوفانِ على أبوابِ الغرفِ بقلقٍ، محاولاً تخمينَ البابِ الذي ستخرجُ منه عروسُه المنتظرة.
التقطت "مريم العمة" نظراتِه المتلهفة، فقررت أن تمازحَه مزاحاً ثقيلاً أمام الحاضرين قائلة:
"مدلوق يا عريس! هي مريم هتطير؟ كدا كدا هتجيلك." رسم عبد الرحمن على وجهه ابتسامةً صفراء باهتة، محاولاً مداراةَ إحراجِه وتوترِه الذي فضحته نظراتُه.
في زاويةٍ أخرى، كان نوح يغزلُ خيوطَه حول نور، مستغلاً خفتَها واندفاعَها. مال نحوها برأسِه، وبنبرةٍ هادئةٍ فيها "بحة" واثقة ونظرةٍ مائلة، ألقى سؤاله بأسلوبٍ جعلها تشعر أنها تحت مجهرِ اهتمامِه:
"إلا قوليلي يا غزال.. مش هتقوليلي اسمك ولا هتخليني محتار؟" ردت عليه بابتسامةٍ واسعة وإعجابٍ لم تستطع إخفاءه بنبرته الجريئة:
"نور." أجابها بلمحةٍ ذكية وهو يحركُ شفتيه بمكرٍ سرق انتباهها:
"أوعى.. ده إحنا فينا حروف من بعض!" ثم مدَّ يده إليها ببطءٍ وثقةٍ مفرطة، وكأنَّ العالمَ قد توقفَ عند هذه المصافحة، وقال:
"نوح." وقبل أن تسحبَ يدها، غمز لها غزةً خاطفة وألقى جملته التي أتمت الحصار:
"مش قولتلك السنارة غمزت يعنى غمزت؟"
مالت نور نحو نوح أكثر، وقد تملكها الفضول لمعرفة أي "سقطة" تخص هذا العريس الذي قلب الدنيا، فأرادت سحبه في الكلام بذكاء الأنثى، وسألته بنبرة خافتة تحمل تساؤلاً مبطناً عن قيمة عبد الرحمن.
التمع الحقد في عيني نوح، وأجابها بنبرة غيرة لم يستطع مداراتها، وهو يلوِي فمه بسخرية:
"قالك دكتور؟ شكله دكتور معيز! أصل مريم هتتجوز حد عدل " اكمل بحنق " بعيد عن شنب أبوها؟"
ثم نظر الى نور بنظرة تأكيد : " اه والله زي ما بقولك "
شعرت نور بسعادة داخلية غامرة لهذا الاستهزاء؛ فداخلها يرفض تماماً أن يكون "عبد الرحمن" أفضل من "عمر" أو أن تحظى مريم بما هو أحسن. لمعت عيناها بتشجيع جعل نوح يكمل بمرارة وهو يقلد نبرة المثالية:
"وقالِك إيه.. قالِك بخاف ربنا وطيب! دا إحنا كلنا بنخاف ربنا وطيبين، بس يلا.. اختلاف طبقات، ناس عنصرية بجد !"
ابتسمت نور بخبثٍ وهي تتأمل ملامحه الحانقة، وردت عليه بنبرةٍ ناعمة تقطر مكراً:
"لا.. شكلك طيب فعلاً أوي أوي!"
بينما كان نوح يغرق في نفث سمومه ونور تنهل منها بتلذذ، قطعت هاجر هذا الحصار الصامت بعودة حازمة. لم تمنح نور فرصة للاسترسال في نظرات الخبث المتبادلة، بل هجمت عليها وسحبتها من يدها بقوة لا تقبل الجدل، متجاهلة نظرات نوح المستفزة.
سحبتها بعيداً عن "منطقة الخطر" باتجاه المطبخ، وهي تهمس بصرامة مكتومة:
"كفاية كلام لحد كدا.. تعالي ساعدي مرام في واجب الضيافة، المعازيم ماليين البيت!"
دخلت نور إلى المطبخ وهي تجر أذيال التذمر، بينما كانت مرام هناك تحاول السيطرة على حركة الأطباق والأكواب وسط ضجيج الزغاريد الذي لا يهدأ في الخارج. وقفت نور بملل تقلب في أكواب العصير، لكن عقلها كان لا يزال هناك.. مع "دكتور المعيز" كما وصفه نوح، ومع تلك "السنارة" التي غمزت وأيقظت في داخلها رغبة عارمة في إفساد هذا المشهد المثالي.
التدقيق اللغوي للمشهد:
عادت هاجر فجأة، وبحركة حازمة سحبت نور من يدها لتقطع ذلك الحديث المريب، متجهة بها صوب المطبخ لمساعدة مرام في إكمال واجب الضيافة، وهي تهمس بحدة:
"تعالي ساعدي مرام، ليس وقت الجلوس الآن!"
لم تتجاوب نور بسهولة، بل دخلت المطبخ بملل واضح، بينما كانت مرام غارقة بين الأطباق والأكواب، تحاول لملمة شتات الموقف وتلبية طلبات المعازيم الذين ملأوا ردهات المنزل، والزغاريد لا تزال تصمُّ الآذان في الخارج.
خرجت مريم أخيراً، تتقدمُ بخطواتٍ وئيدة وهي تحملُ صينيةَ الضيافة. كانت ملامحُها عاديةً جداً؛ لم تضع من "المكياج" إلا القليل الذي لم يفلح في مواراةِ شحوبِها، ولم تبذل أدنى مجهودٍ للفتِ الانتباه، كأنها ضيفٌ غريب في احتفالٍ يخصُّ شخصاً آخر.
توقفت الزغاريدُ تدريجياً، وسادَ صمتٌ ترقبيٌّ قطعَه إسماعيل حين وقفَ في منتصفِ الصالة بوقارٍ حازم، وقال بصوتٍ جهوريٍّ لغتُه فصيحة وقاطعة:
"أيها الحضور.. لقد قررنا أن نبارك هذا الجمع ونُتمَّ النعمة؛ لذا أعلمكم أن ليلتنا هذه ليست لمجرد الخطبة، بل هي ليلة عقدِ القِران، وسيكونُ كتبُ الكتابِ الآن أمامكم جميعاً."
سقطت الكلماتُ كالصاعقة على الحضور، وارتسم الذهولُ على وجوهِ أقاربِ إسماعيل الذين تبادلوا نظراتٍ مستنكرة. أما نوح، فقد انتفضَ من مكانِه، والشررُ يتطايرُ من عينيه، ورمى بجملتين كادتا أن تحرقا هدوءَ الجلسة وهو ينظرُ لإسماعيل برفضٍ قاطع:
"عقد قرآن مرة واحدة؟! ده إحنا كدا بنسلق بيض مش بنجوز بنتنا يا حاج إسماعيل.. والقرار ده ميتوافقش عليه بالساهل كدا!"
لم يكد نوح ينهي جملته المتهكمة حتى اندفع والده محمد نحوه، وأطبق على يده بقوةٍ كادت تهرس عظام كفه، وجذبه نحوه في حزمٍ أرعب الحاضرين. اقترب محمد من أذن ابنه، وهسيسُ أنفاسه يخرجُ كأنه فحيحُ أفعى، قائلاً بنبرةٍ غليظةٍ تحملُ وعيداً لا يقبل النقاش:
"لو سمعت صوتك تاني يا نوح، هنسى إننا قدام ناس وهتكون ليلتك سودة على دماغك.. كلمة زيادة وهطلعك من هنا على نقالة، فاهم ولا لأ؟"
ابتلع نوح ريقه بصعوبة، وتراجعت كلماتُه المسمومة خلف جدارِ خوفِه من والده، بينما ظلَّت نظراتُه تشتعلُ حقداً. سادَ الوجومُ أرجاءَ الصالة، وكأنَّ تهديدَ محمد لنوح كان بمثابةِ المسمارِ الأخير الذي دُقَّ في نعشِ أيِّ اعتراضٍ محتمل.
وقف إسماعيل بصلابته المصطنعة، متجاهلاً هذه المشاحنة، وكأنه لم يسمع سوى صوتِ قدرِ مريم الذي يُكتبُ الآن. أما سوسن، فقد أغمضت عينيها وهي تشعرُ أنَّ جدرانَ المنزلِ تضيقُ عليها، والزغاريدُ التي انطلقت مجدداً من طرف "سلوى" كانت كأنها صرخاتٌ في جنازةٍ مهيبة.
تراجع نوح وهو يزفر حنقاً تحت قبضة والده، بينما كان عمه رضا (والد خديجة) يجلس بوقار المأذون وهيبته، فاتحاً دفتره الكبير أمام الجميع ومستعداً لتوثيق العقد. أما إسماعيل، فقد ظلَّ واقفاً كالجبل، لم يلتفت لمهاترات ابن أخيه، بل وجه نظره مباشرةً إلى شقيقه رضا وهو يقول بصوته الرخيم بالفصحى:
"باشِر عملك يا أبا خديجة.. فخيرُ البرِّ عاجله."
بدأ رضا في تحضير الأوراق وسحب القلم، وخيم على الصالة صمتٌ جنائزيٌّ لم تكسره إلا همسات النسوة المذعورة، بينما وضعت مريم الصينية على الطاولة بآليةٍ خاوية، وهي تنظر لعمها
"المأذون" الذي سيخط بيده صك ملكية عبد الرحمن لها.
في اللحظة التي أخرج فيها رضا قلمَه ليدونَ البيانات، خرجت مرام ومها ونور من المطبخ. وفي تلك الثانيةِ تحديداً، فُتح بابُ الشقةِ ليدخلَ رجلٌ تسبقُه ملامحُه الواثقة، فتجمدت الدماءُ في عروقِ نور واتسعت حدقتاها بفزعٍ شلَّ حركتها.
سقطت منها الكلماتُ بذهولٍ وصرخت بصوتٍ مهزوز:
"عمر! أنتَ إيه اللي جابك هنا؟!"
التفتت مريم وهاجر وجميعُ الحاضرين ناحيةَ البابِ بوجوهٍ شاحبة، والعيونُ تتنقلُ بحيرةٍ بين نور والرجل الواقف. قطعت مرام الصمتَ وهي تنظرُ لنور باستنكارٍ شديد، وقالت بنبرةٍ حادة:
"عمر مين يا ماما؟ دا جوزي أحمد!"
هبط الصمتُ كالجبلِ على الوجوه، وتلجمت الألسنُ وانعقدت الصدمةُ فوق الرؤوس؛ فنظراتُ "أحمد" المترددة وذهولُ "نور" الصارخ وضعا الجميع في قلب عاصفةٍ لم يحسبوا لها حساباً. وسط هذا الذهول، كان نوح هو الوحيد الذي انتعشت روحه؛ رسم ابتسامةً عريضةً تنمُّ عن رضا وغبطة، وهزَّ رأسَه ببطءٍ وهو يراقبُ اشتعالَ الفتيل.
قلب نوح لسانَه في فمه بتلذذ، ثم قال بنبرةٍ متهكمةٍ وصوتٍ مسموع:
"أوعى.. دي الليلة ولعة! حلوة لما تيجي من غير مجهود ومش متخططلها.. شابوه على المفاجأة!"
"حين انفتحَ الباب، لم يدخل 'أحمد' كما ظنت مرام، ولم يَعُد 'عمر' كما اشتهت نور، بل دخل القدرُ ليُبعثرَ فوق الصينيةِ المُرتبةِ قطعَ اللغزِ المفقودة. في تلك اللحظة، سقطت الأقنعةُ قبل أن يسقطَ مِدادُ المأذونِ على الورق، وتجمدت الزغاريدُ في الحناجرِ لتتحولَ إلى أنينٍ صامت؛ بينما كان 'نوح' يرقبُ الحريقَ بعينين يملؤهما التشفي، ممتناً للصُّدفةِ التي أهدتهُ دمارَهم على طبقٍ من ذهب.. ليلةٌ لم تُكتبْ فيها العقود، بل كُشفت فيها العهود؛ فمن منهم سيخرجُ من هذا الحريقِ بوجهه الحقيقي، ومن سيظلُّ رماداً تحت أقدامِ الحقيقة؟"