نوفلو | Novloo: ohohtzsGMkX7nulQnQlisRqK1xU2
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

أنتِ الأمان نور

"إلى صديقتي… لم أكن يومًا أبحث عن الأمان، ولم أتخيل أن أجده صدفة في طريق قلبي. كنت أظن أن الأمان شيء بعيد، شيء نبحث عنه طويلًا بين الناس والأيام، لكنني اكتشفت معكِ أن بعض النِعَم لا نبحث عنها… بل يرسلها الله إلينا في الوقت الذي تكون فيه قلوبنا في أمسّ الحاجة إليها. حين عرفتكِ، أدركت أن بعض اللقاءات ليست مجرد صدفة عابرة،

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

فصل طعم النجاة - خارج حدود الفترة

جاري التحميل...

طعم النجاة

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

​"يُقالُ إنَّ البيوتَ التي تُبنى على الصمتِ تنهارُ بصراخِ الحقيقةِ المتأخرة؛ فالموتى لا يرحلونَ تماماً، بل يتركونَ خلفهم ثقوباً في الجدرانِ ليتسللَ منها البردُ إلى قلوبِ الأحياء.. ومَن يظنُّ أنهُ نجا من الفخ، قد يكتشفُ أنهُ صارَ هو الطُّعمَ الجديد."

​استقرَّ الحجرُ عند قدمِ إسماعيل بجمودٍ كأنهُ نذيرٌ خَرَس. لم يصرخ ولم يرتعب، بل انحنى بآليةٍ مُرعبةٍ والتقطهُ، بينما كانت أنفاسُ مريم تضيقُ وكأنَّ الصالةَ قد أُفرغت من هوائها فجأة.
​في تلك اللحظة، ظهرت مها عند زاويةِ الرواق؛ لم تكن تبدو كمن استيقظت لتوّها، بل كانت وقفتُها المائلةُ وتحديقُها الغائرُ يوحيانِ بأنها كانت تنتظرُ هذا الارتطامَ منذ دهر. نظرت إلى الحجرِ في يدِ والدها، ثم إلى شحوبِ مريم، وقالت بنبرةٍ باردةٍ خاليةٍ من أيِّ انفعال، كأنها تُلقي حُكماً بالإعدام:
​"هل بدأَ الثمنُ يرتفعُ يا أبي؟ أم أنَّ هذا الحجرَ ليس إلا (عربونِ) زواجِ مريم؟"
​تسمرت مريم في مكانها، لم تدافع ولم تبرر، بل صوّبت نحو مها نظرةً حادةً كالنصل؛ صمتاً يضجُّ بالوعيدِ ويُطالبُها بخنقِ الكلماتِ قبل أن تنتحرَ الأسرارُ علانيةً. أما مرام، فقد انكمشت على نفسها في الزاويةِ تراقبُ هذا التراشقَ الصامتَ بذعرٍ، وكأنها أدركت أنَّ الخديعةَ التي نالت من بيتها ليست إلا خيطاً صغيراً في شبكةِ عنكبوتٍ تلتفُّ الآن حول أعناقِ الجميع.
​أطبقَ إسماعيلُ قبضتهُ على الحجرِ حتى ابيضّت مفاصُله، ودونَ أن ينطقَ بكلمةٍ، استدارَ ودخلَ مكتبهُ وأغلقَ البابَ خلفهُ بقوةٍ هزت أركانَ الصالة، تاركاً بناته الثلاث في مواجهةِ هواءٍ مسمومٍ بالشك.. ومصيرٍ باتَ مُعلقاً على ورقةٍ لم يجرؤ أحدٌ على قراءتها بَعد.
في قلبِ المدينةِ الصاخب، داخلَ شقةٍ عاديةٍ لا توحي جدرانُها بأيِّ خطر، كانت امرأةٌ تجلسُ في سكونٍ تامّ. لم تكن تهتمُّ بضجيجِ الشوارعِ في الخارج، بل كان جُلُّ اهتمامِها منصباً على هاتفِها الذي تُقلّبُ صفحاتِهِ ببرودٍ يثيرُ الريبة، وكأنها ترقبُ فريسةً تقتربُ من فخّها.
​انفجرَ سكونُ الغرفةِ حين اقتحمها رجلٌ بخطواتٍ متعثرة، يسبقُهُ غضبٌ عارمٌ وصوتٌ متهدجٌ كأنهُ يحملُ صواعقَ السماء:
​"الليلة.. ابنةُ (إسماعيل) تَمَّ عقدُ قرانِها!"
​لم ترفَّ لها جفنة، ولم ترفع بصرَها عن الشاشة، وكأنَّ النبأَ الذي زلزلَ كيانَهُ ليس سوى خبرٍ تافهٍ لا يستحقُّ الالتفات. استشاطَ الرجلُ غيظاً من صمتِها الجليدي، فاندفعَ ونزعَ الهاتفَ من يدِها عُنوةً وصاحَ في وجهِها:
​"ألا تسمعين؟ لقد تمت الزيجةُ رغم أنفنا!"
​هنا، أسندت ظهرَها إلى الخلفِ بكلِّ هدوء، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ باهتةٌ يملؤها الاستخفاف، ثم أجابتهُ بصوتٍ رخيمٍ ومستفز:
​"أينَ المشكلة؟"
​جحظت عيناه، واقتربَ منها وهو يرتجفُ حنقاً من برودِها القاتل:
​"ألا تشعرينَ بالمرارة؟"
​رفعت بصرَها إليهِ أخيراً، وكانت عيناها حادتينِ كشفرةِ نصلٍ قديم، تسكنُهما ثقةٌ مطلقةٌ جعلت إبراهيم يتراجعُ خطوةً للوراء، ثم تخلت عن رصانتِها لترمي بكلماتها كوقعِ الرصاص:
​"أنا قُلت والله ما يحصل إلا الأنا عايزاه؛ عزيزة قالت يا إبراهيم.. وأنت عارف كلام عزيزة زي السيف، مش بتخلفه!"
خمدت ثورةُ غضبهِ فجأةً، وكأنَّ نارَهُ قد استهلكت حطبَها، ليحلَّ محلَّها انكسارٌ مريرٌ فاضت به عيناه. سادَ صمتٌ ثقيلٌ لثوانٍ، قبل أن يهمسَ بنبرةٍ متهدجةٍ يمزقُها الخذلان:
​"لكن لماذا؟ أنا أخوه.. شقيقهُ الذي لم يجد له مكاناً في فرحِ ابنته! لماذا بترَ حبلَ الوصلِ بيننا وهَمَّشَ وجودي في ليلةٍ كهذه؟"
​لم تهتزَّ شعرةٌ في وجهها، ولم تتغير ملامحُها الجليديةُ، بل أجابتهُ ببرودٍ يقطرُ قسوةً وهي لا تزالُ تُشيحُ بنظرها عن انكساره:
​"بلى.. لقد طرقَ بابَ هاتفك، ومدَّ حبلَ وصاله، ولكنني أنا مَن قطعتُ الطريقَ عليه.. وأنا مَن وأدتُ الخبرَ قبل أن يصلَ إلى مسامعك."
​شحبَ وجهُ إبراهيم حتى امتقع، وارتسمت عليهِ ملامحُ الذهولِ كمن تلقى طعنةً من حليف. حاولَ استردادَ أنفاسِهِ المنهكة، وتمتمَ بكلماتٍ لم يكتملْ مَخاضُها:
​"ولكن.. لماذا؟ أنا كنتُ أنتظرُ.."
​قاطعتهُ وهي تنهضُ من مقعدِها بخُيلاءٍ وجبروت، كأنها تضعُ نقطةً أخيرةً في سطرٍ من دم، وقالت بصوتٍ حاسمٍ ينهي الجدل:
​"لا تُهدر دمعكَ على أطلالِ الحزن.. فمعَ أولِ خيطٍ للفجر، سنكونُ أولَ الطارقينَ لبابه؛ لا لنعاتب، بل لنُباركَ لهم.."
سحبت عزيزة الهاتفَ من يدِ إبراهيم بآليةٍ باردة، ودون أن تمنحَهُ نظرةً واحدة، استدارت ومضت نحو غرفتها بخطواتٍ توحي بالثبات، لكنَّ عينيها كانت تخبئانِ خلفَ بريقِهما القاسي شيئاً يشبهُ الارتجاف.
​أغلقت البابَ خلفَها، واستسلمت لسكونِ الغرفةِ الذي لم يكسرهُ سوى اهتزازِ الهاتفِ في كفّها. كانت رسالةً من "الطرفِ الآخر"، كلماتُها وقعت عليها كوقعِ النصل:
"كان من المفترضِ أن أكونَ أنا العريس.. لولاكِ أنتِ!" تلك الكلماتُ لم تكن مجردَ عتاب، بل كانت صرخةً مكتومةً هزت أركانَ كبريائها. ارتجفت أصابعُها وهي تحاولُ صياغةَ ردٍّ يرممُ الصدع، فبدأت تكتبُ بقلبٍ يملؤهُ التردد:
"لكنني.. لم أرد سوى مصلحتـ.." وقبل أن تُكملَ الكلمة، قاطعها وميضُ رسالةٍ أخرى من الطرفِ ذاته، وكأنه يقرأُ أفكارها خلفَ الشاشات:
"أعرفُ تبريركِ جيداً قبل أن تفرغي منه، ولن أقبلهُ هذه المرة." غامت عيناها بطبقةٍ من الحزنِ والأسى، وهي مشاعرُ لم يعتد أحدٌ رؤيتها في وجهِ "عزيزة". في لحظةِ ضعفٍ نادرة، وضعت كبرياءَها جانباً وضغطت على زرِّ الاتصال؛ كانت تحتاجُ لسماعِ صوته، لعلَّ نبرةَ العتابِ تلين. رنَّ الهاتفُ مرةً واحدةً.. ثم انقطعَ الخطُّ فجأة.
​فصلَ المكالمةَ في وجهها، ليرسلَ بروداً آخرَ مغلفاً بتهذيبٍ قاتل، ينهي كلَّ طرقِ العودة:
"أريدُ أن أنام.. اعذريني." انتهى الجدالُ بكلمةٍ مهذبةٍ كانت أقسى من أيِّ توبيخ. وقفت عزيزةُ وسطَ غرفتها، تحدقُ في الشاشةِ المظلمة، وقد أدركت أنَّ "السيف" الذي تلوّحُ بهِ أمامَ الجميع، قد جرحَ قلبَها هي هذه المرة.
في صالةِ منزل عبد الرحمن، كان الصمتُ أثقلَ من أن تُفتتَهُ كلماتُ المباركة. اتكأ عبد الله على مقعده، وعيناهُ تلمعانِ بحدةٍ لم يفلح في مواراتِها خلفَ هدوئِه المصطنع، ثم نظرَ إلى ابنِ أخته "الوحيد" وقال بنبرةٍ قاطعة:
— "هذا ليس زواجاً يا عبد الرحمن.. إنها صفقةٌ أُبرمت تحتَ وطأةِ الحاجة."
​تجمدت نظراتُ صالح وسلوى، بينما تابع عبد الله بمرارة:
— "إسماعيل على أعتابِ السجن؛ ديونهُ تسبقُ خُطاه، وأنتَ الليلةَ لم تكن عريساً في نظره، بل كنتَ طوقَ نجاةٍ لغريق. لا أقبلُ أن يُرمى ابنُ أختي الوحيد في محرقةِ أزماتِهم ليُسددَ فواتيرَ لا شأنَ له بها."
​التمعت عينا سلوى بذعرٍ مكتوم، وهي تنظرُ لولدِها الذي اختصرَ لها الدنيا. أما عبد الرحمن، فظلَّ صامتاً، يواجهُ حقيقةً مرةً نغصت عليهِ صفوَ انتصاره؛ حقيقةَ أنَّ مريم التي أرادها سكَناً، قد جاءت مغلولةً بقيودِ أبيها المالية. أنهى عبد الله حديثهُ بجملةٍ وقعت كالفأس:
— "خوفي عليكَ ليس من الفقر، بل من عائلةٍ باعت ابنتَها لتشتريَ حريّةَ ربِّ دارِها."
​سادَ وجومٌ ثقيلٌ بعدَ حكمِ عبد الله القاسي، وكأنَّ الكلماتِ التي ألقاها جمدت الدماءَ في العروق. تطلّعت سلوى إلى ابنها الوحيد، ثمَّ التفتت إلى أخيها بثباتٍ أدهشَ الحاضرين، وقالت بنبرةٍ رخيمةٍ حسمت الجدال:
— "لا مانعَ عندي يا عبد الله.. طالما أنَّ العروسَ هي مريم، فليكن ما يكون."
​سادَ صمتٌ من نوعٍ آخر؛ صمتُ الذهول. كانت كلماتُها صكَّ غفرانٍ لكلِّ ما قد يترتبُ على هذا الزواجِ من تبعات. نظرَ إليها عبد الله بغيرِ تصديق، فكيفَ لأمٍّ تفني عمرَها في حمايةِ وحيدِها، أن تقبلَ بميثاقٍ مهددٍ بأسوارِ السجنِ وديونِ الأغراب؟ أما عبد الرحمن، فقد استمدَّ من يقينِ أمّهِ قوةً لم يجدها في منطقِ خاله، وكأنَّ اسم "مريم" بالنسبة لـ "سلوى" كان كافياً لترجيحِ كفّةِ المغامرةِ على كفّةِ السلامة.
​في تلك الغرفةِ التي شهدتْ نشأةَ عبد الرحمن، كان الحوارُ يشتعلُ بصمتٍ مهيب بين جدرانِ العائلة. التفتَ صالح نحو ابنِ أخته، وفي عينيه نظرةُ لومٍ لا تخفى، وقال بنبرةٍ مستنكرة:
— "أتلقي بزمامِ أمركَ لغريبٍ لا نعرفُ قعرَه؟ لو كانت (الزهراءُ) هي المبتغى، لكانت القربى أولى بالمعروفِ وأحفظَ للود."
​ابتسمَ عبد الله برضا، وكأنَّ كلماتِ صالح لمستْ هوىً في نفسه، لكنَّ عبد الرحمن قطعَ الصمتَ بصوتٍ هادئٍ كحدِّ السيف:
— "الزهراءُ أختٌ سكنتِ الروحَ يا خالي.. والروحُ لا تشتهي مَن ترعرعتْ معهم في مهدٍ واحد."
​تنهدَ صالح، وبنبرةٍ تفيضُ بالمحبةِ والأسفِ قال:
— "والله يا ابنَ أختي، لو رُزقتُ بابنةٍ، لما رضيتُ لها بعلاً سواك، ولجعلتُكَ ربَّ دارِها وسيدَ أمرِها بلا تردد."
​هنا، تدخلت سلوى، وصوتُها ينسابُ كقوةٍ ناعمةٍ تحسمُ الجدال:
— "لا أرتضي لقلبِ وحيدي إلا ما يُسكنُه، ولو كان في ذلك شقائي؛ فسكينةُ عبد الرحمن هي جنتي التي لا أساومُ عليها."
​تحركتْ مشاعرُ عبد الرحمن، فقامَ بامتنانٍ جَمّ، وطبعَ قبلةً رقيقةً على رأسِ أمّه، فاحتضنتهُ سلوى بقوةٍ وكأنها تخبئه من عواصفِ الدنيا داخلَ ضلوعِها. قطعَ عبد الله هذا المشهدَ العاطفيَّ ليعيدَ الحوارَ إلى منطقةِ الخطر، متمتماً بمرارة:
— "لكنهُ بيتٌ مخلخلُ الأركان! ألم ترَ (نوح) كيف يبثُّ الكراهيةَ ولا يرقبُ في عمهِ إسماعيل ذمةً ولا وقاراً؟"
​ثم التفتَ لصالح مذكراً بموقفٍ لم يبرحْ ذاكرتَهم:
— "أتذكرونَ ما فعلهُ (أحمد) زوج مرام؟ وكيف جرَّ عليهم اللومَ بفعله؟ إنهم عائلةٌ تتآكلُ من الداخل، مفككةٌ لا يجمعُها إلا الاسم."
​رفعَ عبد الرحمن رأسَهُ من حضنِ أمه، وقال بيقينٍ لا يلين:
— "ما شأني وما يفعلهُ القوم؟ مريمُ وأبوها هما عندي الدارُ والأمان، وحسبي أنني أحبُّهم وأثقُ فيهم.. وما وراءَ ذلك، فليذرهُ الريحُ حيثُ يشاء."
​ضيقَ صالحٌ عينيه، وأطلقَ ضحكةً فاترةً تحملُ في طياتِها الكثيرَ من التشكيك، ثم قال بنبرةٍ مسمومة:
— "المالُ يذهبُ ويعودُ يا عبد الرحمن، لكنَّ ما يريبني حقاً هو هذا الانقطاع. بيتٌ بلا أعمام، وبلا عُصبةٍ تشدُّ الأزر.. ألم تسأل نفسكَ لِمَ تبرأَ القومُ منهم؟ هل فتشتَ وراءَ هذا الصمت؟ نحنُ لا نشتري بضاعةً لنغضَّ الطرفَ عن عيوبِها، نحنُ نشتري (نسباً)، وأنتَ وضعتَ يدكَ في يدِ رجلٍ غامضٍ لا تلتفُّ حولَهُ شجرتُه."
​هزَّ عبد الله رأسه موافقاً، وأضاف بلؤمٍ هادئ:
— "صدقَ صالح.. الغريبُ يظلُّ غريباً حتى يكشفَ الغطاءُ عن وجهِه. أنتَ تدخلُ بيتاً بلا سقف، وتناسبُ قوماً لا يُعرفُ لهم أولٌ من آخِر.. فبأيِّ منطقٍ أهملتَ السؤالَ عن أصلِ هذا الشتات؟"
​هنا، انتفضَ عبد الرحمن، ورمقَهما بنظرةٍ حادةٍ جمدتِ الكلماتِ في أفواهِهما، وقال بصوتٍ يملؤه اليقين:
— "لم أسأل، ولن أسأل.. جئتُ لأقتنصَ مريم من لُجَّةِ أحزانِهم، ولا شأنَ لي بشجرةٍ لا أعرفُ جذورَها. يكفيني أنَّ يحيى غادرهم، وأنني سأكونُ لها الأخَ والزوج."
انقضى السمرُ المرُّ، وغادرَ الخالانِ الدارَ وفي صدورهما غصةٌ من عنادِ ابنِ أختهما، بينما آوت سلوى إلى فراشِها تلهجُ بالدعاء لصغيرِها بأن يكفيَهُ اللهُ شرَّ ما استتر. أما عبد الرحمن، فقد استسلمَ لساعاتٍ قلائل من نومٍ مضطرب، لم يقطعْ لُجَّتَهُ سوى خيوطِ الفجرِ الأولى التي تسللت ببرودٍ يبعثُ على الريبة.
​لم يكد الصباحُ يتنفس، حتى قُرعَ البابُ طلقاتٍ متلاحقة، حازمة، لا تشبهُ حياءَ المهنئين ولا وقارَ الزوار. انتفضَ عبد الرحمن من مضجعه، وخرجت سلوى من غرفتها تلفُّ شالَها حولَ كتفيها بتوجسٍ فِطريّ. فتحَ عبد الرحمن الباب، ليجدَ أمامَهُ مشهداً لم تألفهُ عيناه؛ رجلاً ستينياً يرتدي انكساراً جلياً خلفَ ثيابِه المهندمة، وبجانبهِ امرأةٌ يفيضُ وجهُها بجبروتٍ عاتٍ، وترمقُ جدرانَ المنزلِ بعينينِ فاحصتينِ كأنها تجردُ محتوياتِه في طرفةِ عين.
​كان هذا إبراهيم.. وتلك هي عزيزة.
​سادَ صمتٌ واجم، قطعهُ صوتُ عزيزة الذي جاءَ حاداً كنصلِ مِدية، وهي تقتحمُ رِحابَ الدارِ بلا استئذان:
— "مباركٌ يا عريس.. جئنا لنقومَ بالواجبِ الذي قصرَ فيهِ إسماعيل ليلةَ أمس. أنا عزيزة، وهذا زوجي إبراهيم، عمُّ العروس.. والسندُ الذي لا يميل."
​تسمرَ عبد الرحمن في مكانه، والتفتت سلوى ترمقُ المرأةَ بحذرٍ بليغ. لم يكن عبد الرحمن يعرفُ ملامحَ إبراهيم، لكنَّ نبرةَ "عزيزة" استحضرت في ذهنهِ على الفورِ نذيرَ خالهِ بالأمسِ عن "الشتاتِ والأصل". التفتت عزيزة نحو إبراهيم، وقالت ببرودٍ يجمّدُ الأوصال:
— "أرأيتَ يا إبراهيم؟ لولا أنني أدركتُ مصلحةَ هذا الشاب، لظلَّ يحسبُ أنَّ زوجتَهُ نبتةٌ مقطوعةٌ من شجرة. نحنُ الأصلُ يا عبد الرحمن، ونحنُ مَن جئنا لنضعَ النقاطَ فوقَ الحروفِ قبلَ أن تغرقَ في لُجَّةِ ديونِ صهرِك."
​هنا، تقدمَ إبراهيمُ خُطوةً متلعثمة، وعيناهُ تزيغانِ حياءً من عبد الرحمن، بينما لزمَ العريسُ صمتاً مهيباً، وهو يشعرُ بأنَّ "اللُّجَّة" التي أراد اقتناصَ مريم منها، قد بدأت أفواهها تبتلعهُ هو الآخر.
لم تترك سلوى لولدِها مجالاً للحيرة، بل شقَّت بياضَ الفجرِ بخطىً واثقة ووجهٍ يفيضُ سماحة، وكأنها تمتصُّ سُمَّ الكلماتِ قبل أن يسريَ في أركانِ الدار. رسمت على ثغرها ابتسامةً عريضة، وقالت بنبرةٍ ترحيبيةٍ دافئة لم تخلُ من دهاءٍ وحكمة:
— "أهلاً وسهلاً.. تفضلا، فكلُّ ما يأتي من ريحِ مريم هو طيِّبٌ وعزيزٌ على القلوب."
​تجاهلت سلوى "غمزَ" عزيزة المسموم و"انكسارَ" إبراهيم الواضح، واحتوتْهما كأضيافٍ حلّوا في دارِ كرمٍ لا دارِ صراع. وبإشارةٍ ملؤها الوقار، قادتهما إلى الصالةِ وهي تنثرُ كلماتِ الحفاوة، تاركةً خلفها عبد الرحمن مصلوباً عند الباب، يبتلعُ ذهولَهُ من رباطةِ جأشِ أمّه، ومن هذا "الطوفان" الذي اقتحمَ خلوتَه الصباحية ليُعيدَ ترتيبَ فصولِ حكايتِه.
استعاد عبد الرحمن شتاتَ نفسه، وخطا نحو الصالةِ بخطىً وئيدة، ثم ألقى السلامَ مرةً أخرى بصوتٍ رخيمٍ غلبت عليه ملامحُ الحفاوةِ القلقة. وضع كفّه في كفِّ عمه إبراهيم الذي صافحهُ بوهنٍ، بينما استقرَّت نظراتُه عند عزيزة التي كانت تتفحصُ زوايا الدارِ بعينين لا تشبعان من المقارنة.
​مالت عزيزة بجسدها، وألقت جملةً مسمومةً كأنها نصلٌ مغموسٌ في العسل:
— "دارٌ عامرةٌ يا ست سلوى.. لكنَّ البيوتَ التي تُبنى على أنقاضِ ديونِ الآخرين، تظلُّ جدرانُها مهددةً بالشرور، ومريمُ -يا حبة عيني- لم تأتِكم إلا بحملٍ ثقيلٍ تنوءُ به العصبةُ أولو القوة."
​توقفَ الزمنُ للحظة، وظنَّ عبد الرحمن أنَّ ميثاقَ مريم قد اهتزَّ تحت وطأةِ هذا اللؤم، لكنَّ سلوى ردَّت بهدوءٍ صاعق، وابتسامةٍ لم تبارح ثغرها:
— "البيوتُ تُبنى بالحبِّ والسترِ يا ست عزيزة، أما الديونُ فهي أرقامٌ تُمحى، بينما (الأصلُ الطيبُ) لا يُشترى بمالِ الدنيا. ومريمُ في دارنا ليست حِملاً، بل هي (الغنيمةُ) التي كنا ننتظرها، ونحنُ -بفضلِ الله- جبالٌ لا تُزلزلُها ريحٌ آتيةٌ من غرفِ الضيق."
​سادَ وجومٌ مطبق، وارتسمت على وجهِ عزيزة صدمةٌ جمدت لسانَها؛ فقد كانت تتوقعُ أمّاً مكسورةً بالخوفِ على وحيدِها، فإذ بها تصطدمُ بامرأةٍ تزنُ الكلماتِ بميزانِ الذهبِ والردع.
​قامت سلوى بوقارٍ، واستأذنت بكياسةٍ لإحضارِ واجبِ الضيافة، تاركةً خلفها صمتاً لا يقطعهُ إلا أنفاسُ إبراهيم المتلاحقة. وما هي إلا دقائقُ حتى عادت بالقهوة، لترى مشهداً مغايراً تماماً؛ فقد انطفأ وهجُ التحدي في عيني عزيزة، واستحالَ جبروتُها إلى ارتباكٍ واضح، وكأنَّ ردَّ سلوى قد نبشَ في صدرها مخاوفَ لم تحسب لها حساباً.
​لم يكد الفنجانُ يلامسُ المنضدة، حتى انتفضت عزيزة واقفةً، وقالت بنبرةٍ غابَ عنها صريرُ الشفرات:
— "واجبٌ وقمنا به.. نستأذنُ نحن، فالنهارُ أولُه مشاغل، وإبراهيمُ وراءهُ ما يشغله."
​جرَّت إبراهيمَ خلفها بسرعةٍ مريبة، وخرجت من الدارِ يسبقُها ضيقٌ مكتومٌ وخيبةٌ لم تدارِها مساحيقُ وجهِها، بينما وقفَ عبد الرحمن يراقبُ أثرَ خُطاها، مدركاً أنَّ أمّهُ "سلوى" لم تكن تحميهِ من ديونِ إسماعيل فحسب، بل كانت درعاً صلبةً أمامَ أفاعٍ لم يكن يحسنُ الرقصَ معها.
أُغلقَ البابُ خلفَ عزيزة وإبراهيم بصريرٍ خافت، لكنَّ دويَّ كلماتِ سلوى ظلَّ يترددُ في جنباتِ الردهة. التفتَ عبد الرحمن إلى والدتِه، وعيناهُ تبرقانِ بعزمٍ لم تعهدْه فيهِ من قبل، وقال بنبرةٍ كأنها نذرُ حرب:
— "يبدو يا أمي أنني سأنتزعُ مريمَ منهم انتزاعاً.. لن أكتفيَ بالاقتناص."
​رسمت سلوى على وجهِها ابتسامةً يمتزجُ فيها فخرُ الأمِّ بوقارِ الحكمة، وربتت على كتفهِ قائلة:
— "إذن فلتُسمِّ اللهَ يا ولدي.. فأنا وداري ننتظرُ طيفَها على أحرَّ من الجمر، وما كانَ للهِ فهو ينمو ويصل."
​خلفَ أبوابٍ موصدةٍ يملؤها عبقُ الماضي وثقلُ الحاضر، كان الهواءُ بين الرجلينِ مشحوناً بعجزِ الكبارِ وعنفوانِ المحبين. وقفَ "الشابُ" مجهولَ الملامحِ أمامَ "الرجلِ" الستينيّ، وقد خفضَ صوتهُ حتى استحالَ همساً يفيضُ صدقاً:
— "لكنني أحبُّ ابنتكَ هذهِ يا عم.. أحبُّها حباً استوطنَ الروحَ حتى غدتْ أحبَّ إليَّ من نفسي التي بينَ جنبيَّ."
​لم يرفعِ الرجلُ بصرَه، بل ظلَّ يحدقُ في تجاعيدِ كفيهِ وكأنما يقرأُ فيها خيباتِ العمر، وأجابَ بصوتٍ متهدجٍ يغلفُه الأسى:
— "والحبيبُ يا بنيَّ مأمورٌ بأن يكونَ لحبيبهِ وطناً وأماناً، لا أن يذرَهُ في مهبِّ الريحِ تقاذفُهُ الظنون، وتعبثُ بقلبهِ وحشةُ الخذلان."
​هنا، انتصبَ جسدُ الشابِّ كرمحٍ لا ينكسر، وأومأَ برأسهِ في إجلالٍ حازم، قائلاً بيقينٍ زلزلَ رتابةَ المكان:
— "خطأٌ جاءَ على هفوة، لكنَّ قلبي لها هي وحدَها، ولن أتزحزحَ عن عتبةِ منزلكَ هذا حتى تصبحَ لي ميثاقاً وداراً.. ولو كانَ الثمنُ روحي التي أبذلُها في سبيلِها رخيصة."
ارتجفت يدُ الرجلِ الستينيّ قليلاً، وكأنَّ صِدقَ الكلماتِ قد أصابَ مكمنَ الوجعِ في صدرِه، فرفعَ بصرَهُ أخيراً ليلتقيَ بعيني الشابِّ في مواجهةٍ صامتةٍ طالت لثوانٍ بدت كأنها دهور. تنهّدَ الرجلُ تنهيدةً خرجت من أعماقِ روحٍ أنهكها الصراع، وقال بصوتٍ أخفَّ حدة:
​— "الكلماتُ يا بنيَّ سماءٌ واسعة، لكنَّ الأفعالَ هي الأرضُ التي نقفُ عليها. مَن يرتكبُ الهفوةَ مَرّة، يظلُّ ظلُّها يلاحقُه في عيونِ مَن يحب. ابنتي ليست جائزةً تُنالُ بالإصرار، بل هي حياةٌ سُرقت من بينِ ضلوعي لتكونَ في ذمةِ رجلٍ.. فهل أنتَ ذاكَ الرجل؟"
​لم يطرف للشابِّ جفن، بل خطا خُطوةً واحدةً للأمام، متمسكاً بوقارِ مَن لا يخشى العواقب، وأجاب:
— "أنا الرجلُ الذي سيجعلُ من هفوتِهِ مدرسةً في الوفاء، ومن حُبِّهِ سوراً لا يطالهُ العابثون. جئتُكَ معتذراً عن الماضي، ومقاتلاً لأجلِ الآتي، ولن أبرحَ مكاني حتى تشهدَ هذهِ الجدرانُ أنني كنتُ لقلبِها نِعمَ الملاذ."
​سادَ صمتٌ مهيبٌ في الردهة، بينما كانت خيوطُ الشمسِ تشتدُّ قوةً وكأنها تباركُ هذا الميثاقَ الجديد. وفي تلك اللحظة، فُتحَ بابٌ داخليٌّ ببطءٍ شديد، لتظهرَ من خلفِه ملامحُ فتاةٍ كانت تسترقُ السمعَ بقلبٍ يرتجفُ بينَ الرجاءِ والخوف.
انتقل المشهدُ من وقارِ المواجهةِ بينَ الرجالِ إلى صخبِ مقهىً ضاجٍ بالحياة، حيثُ جلست نور، ومريم، وهاجر في زاويتهنَّ المعتادة. كانَ عبقُ القهوةِ يمتزجُ بتوترٍ خفيٍّ يطفو على السطح، بينما كانت مريم غارقةً في هاتفِها، تنهشُ أصابعُها الشاشةَ بلهفةٍ وقلق.
​امتعضت نور، وزفرت بضيقٍ لم تستطعْ مواراته، وقالت بنبرةٍ تفيضُ بالغيرةِ المرة:
— "ألسنا أحقَّ بتلكَ الدقائقِ القليلةِ منه؟ أم أنَّ طيفَهُ صارَ يزاحمُنا حتى في خلوتِنا هذه؟"
​سادَ صمتٌ محرج، فزجرتها هاجر بنظرةٍ حادةٍ وكأنها تلجمُ لسانَها عن التمادي، بينما رفعت مريم رأسَها بصدقٍ يلفُّه الوجعُ وأجابت:
— "ليست هي الهواجسُ التي تظنين، يا نور.. إنها (مرام)."
​ارتبكت نور، وحاولت تحاشيَ الحديثِ بالاعتذارِ والتمتمة، لكنَّ هاجر قررت أن تفتحَ الجرحَ الذي لم يندملْ بعد، فالتفتت نحو نور قائلةً بحدةٍ لا تخلو من عتاب:
— "ألا تشعرينَ بالخجل؟ ألم نحذركِ مراراً من (عمر)؟ ألم نقلْ لكِ إنَّ وراءَ الأقنعةِ وجوهاً لا تُرى؟"
​هنا، تدخلت مريمُ بنبلٍ معهود، مدافعةً عن رفيقتِها بقلبٍ لا يعرفُ الضغينة:
— "لا تُحمليها ما لا تطيقُ يا هاجر.. نور لم تكن تعرفُ أنَّ (عمر) هو ذاتُه (أحمد) زوج مرام. لم تكنْ تدركُ أنها تقتسمُ الهواءَ مع رجلٍ يسكنُ بيتاً آخِر.. فلا ذنبَ لها في خديعةٍ أُحكمت خيوطُها حولَها."
​نظرت نور إلى مريم بامتنانٍ مشوبٍ بالانكسار، وابتسمت بمرارةٍ وهي تهمس:
— "أشكركِ على نبلكِ يا مريم.. لكنني صرتُ أعتقدُ يقيناً أنني لا أستحقُّ هذهِ الصداقة، ولا هذا النقاءَ الذي تغمرينني به."
​أحكمت نور قبضتَها على حقيبتِها، وهمت بالقيامِ عن الطاولةِ لتفرَّ من وطأةِ نظراتِهن، لكنَّ مريمَ أمسكت يدَها بقوةٍ وأجلستها مكانَها، وقالت بصوتٍ حانٍ وحازمٍ في آن:
— "لا ذنبَ لكِ يا نور.. والذنبُ لا يُورثُ لمن سقطَ في فخِّ الصدق."انفجرت نور بالبكاء، شهقاتٌ متلاحقةٌ كأنها لا تبكي على (عمر) فحسب، بل تبكي حطاماً آخِر لا يراهُ سواها، وتمتمت من خلفِ دموعِها الحارقة بصوتٍ مخنوق:
— "أنا لا أستحقُّ صداقتكِ فعلاً.. صدقيني يا مريم، الأمرُ أبعدُ من مجردِ خديعة، وأثقلُ من أن يحملَهُ قلبُكِ الطاهر."
​وقبل أن تنطقَ مريم بكلمةِ طمأنةٍ أخرى، انتفضت نور من مقعدِها كمن أصابَها مسٌّ من ذعر، وسحبت يدَها بعنفٍ وهي تلملمُ شتاتَ حقيبتِها. ركضت متعثرةً بدموعِها، تخترقُ زحامَ المقهى وخيالاتِ المارةِ بسرعةٍ جنونية، تاركةً خلفَها صدى شهقاتِها يترددُ في المكان.
​حاولت مريمُ النهوضَ لملاحقتِها، لكنَّ هاجر أمسكت بساعدِها، وجذبتها لتجلسَ من جديد، وعيناها تلاحقانِ طيفَ نور الهاربِ بشكٍّ لم تستطعْ كتمانَه. سادَ صمتٌ ثقيلٌ قطعهُ صوتُ هاجر وهي تهمسُ بنبرةٍ قلقة:
— "اتركيها يا مريم.. فالبكاءُ الذي رأيتُه ليس بكاءَ ندمٍ فحسب، بل هو هروبُ مَن يخشى انفجارَ الحقيقة. لا شكَّ عندي في أنَّ نور تُخفي خلفَ هذا الانهيارِ شيئاً آخَر.. شيئاً أخطرَ مما نظن."
​سحبت مريم يدَها ببطء، وكأنَّ أصابعَها لُمست بنار، وظلت عيناها معلقتينِ بالبابِ الذي اختفت خلفَهُ صديقتُها، بينما كان التساؤلُ ينهشُ قلبَها: كيفَ يمكنُ للصدقِ أن يكونَ بهذا المذاقِ المرّ، وكيفَ للهروبِ أن يكونَ بهذا الوضوح؟
أطبقت مريم جفنيها بقوة، وكأنها تحاول سجنَ الدموعِ خلفهما، لكنَّ صمودَها انهارَ فجأةً أمام شاشةِ هاتفِها التي لم تنطفئ. عادت لتحدقَ في الرسائلِ المكتوبة، وانفجرت بدموعٍ صامتةٍ كانت أكثرَ وجعاً من عويلِ نور الصاخب.
​ارتبكت هاجر، وحاولت جاهدةً سبرَ أغوارِ هذا الانكسارِ المفاجئ، ومدت يدها لتنتزعَ الحقيقةَ من عيني مريم، لكنَّ مريمَ ابتلعت غصتَها وأشاحت بوجهِها بعيداً، دافنةً سرَّها في أعماقِ صدرِها. لم تجد هاجرُ سبيلاً سوى أن تفتحَ ذراعيها وتحتويَ رفيقتَها في عناقٍ طويل، وكأنها تحاولُ ترميمَ ما تهشمَ من روحِها.
​هدأت مريمُ قليلاً، ومسحت آثارَ الضعفِ عن وجهِها بوقارٍ مكسور، ثم نهضت تستأذنُ للرحيلِ نحو منزلِها. انتفضت هاجرُ معها، وأمسكت بطرفِ ردائِها برجاءٍ وتوجس:
— "لن أترككِ تذهبينَ بهذا الحالِ يا مريم.. دعيني أوصلكِ إلى عتبةِ الدار، فقلبي لا يطاوعني أن تقطعي هذا الطريقَ وحدكِ والهمومُ تُثقلُ كاهلكِ."
​نظرت إليها مريمُ بنظرةٍ تائهة، غلفَها حزنٌ عميقٌ ورفضٌ قاطع، وقالت بنبرةٍ حازمةٍ رغمَ وهنِها:
— "لا يا هاجر.. شكر اللهُ سعيكِ، لكنَّ عليَّ الذهابَ وحدي. هناكَ دروبٌ لا يقطعُها المرءُ إلا بمفرده، وهناك أحزانٌ لا تُقاسمُ أحداً خلوتَها."
​غادرت مريمُ المقهى بخطىً وئيدة، تاركةً هاجرَ تقفُ في مكانِها كتمثالٍ من حيرة، تراقبُ طيفَها الذي توارى خلفَ زحامِ المدينة، وهي تدركُ يقيناً أنَّ العاصفةَ التي بدأت في المقهى، لم تكن سوى أولى قطراتِ الغيثِ المرّ.
مشت مريم بخطىً تائهة، لم تكن تبحثُ عن طريقٍ بقدرِ ما كانت تحاولُ الهروبَ من صدى الكلماتِ التي نهشت روحَها في المقهى. قادتها قدماها إلى زاويةٍ قصية، حيثُ يهدأُ ضجيجُ المدينةِ وتنبسطُ ظلالُ الأشجارِ العتيقة، وهناك.. تجمدت الدماءُ في عروقِها حين لمحت طيفاً مألوفاً يستندُ إلى جذعِ نخلةٍ هرمة، وكأنه جزءٌ من حكاياتِ الانتظارِ القديمة.
​كان عبد الرحمن.
​اقتربت منه، وألقت سلاماً خافتاً غلفهُ الارتجاف، فاعتدلَ في وقفتِه ورمقها بنظرةٍ فاحصة، قبل أن ينقبضَ قلبهُ لرؤيةِ عينيها اللتينِ تورمتا من فرطِ البكاء. حاول أن يمتصَّ ثقلَ اللحظةِ بأسلوبِه المعتاد، فقال بنبرةٍ يمازحُها فيها، لكنها لا تخلو من مرارةٍ وسخريةٍ سوداء:
— "أهلاً بـ (سيدةِ الدموع).. هل جفَّ النبعُ أم ننتظرُ السيول؟"
​فرّت دمعةٌ صامتةٌ من عيني مريم، فصمتَ مأنباً نفسه. مسحت عبراتِها وقالت بامتنانٍ مكسور:
— "شكراً لأنكَ وأمي سلوى تحملتما (عزيزة) اليوم، أعلمُ أنها عكرت صفوَكم بما لا يُقال."
​انفجر عبد الرحمن بضحكةٍ لاذعة، وقال بتهكمٍ مباغت:
— "عزيزة؟ بل قولي (حجيزة)! فقد دخلت الدار وكأنها (قوةُ مداهمة) تحتجزُ عمَّكِ إبراهيم وتجرهُ خلفها كأنه ذيلٌ لا حيلةَ له. صدقيني يا مريم، لقد أصابني الرعبُ منها؛ فبعد تلك الجلسة التي (محصتني) فيها، وفتشت حتى في نوايا جدرانِ منزلي، ظننتُ يقيناً أنَّ أوراقَ قبولي لديهم ستُرفضُ لا محالة، وأنني سأُطردُ من (جنةِ نسبكم) بقرارٍ سياديٍّ منها!"
​رغم غصّةِ الحزن، غلبتها ضحكةٌ حقيقيةٌ من وصفهِ لـ "حجيزة" وهي تجرُّ ذيلَها، ومن خوفهِ "التمثيلي" من رفضِ أوراقِ قبوله. لم يخبرْها بما قالت "عزيزة" حقاً عن "الشتاتِ والأصلِ والديون"، بل اكتفى بجعلِ تلك الزيارةِ الثقيلةِ مادةً للتندر، وكأنه يلقي بتلك الأوجاعِ في سلةِ المهملات، مكتفياً برؤيةِ لمعةِ الفرحِ وهي تعودُ لمقلتيها.
​نظرت إليه مريم بعينين غائرتين، وقالت بنبرةٍ يائسةٍ جردتها من كل دفاعاتها:
— "ليسَ عليكَ أن تتحملَ كلَّ هذا الهوان.. سأعذرُكَ إن مَضيت؛ فطلّقني يا عبد الرحمن، فأنتَ ما زلتَ على (البرِّ)، ولم تغرق بعد."
​تجمدت الضحكةُ على شفتي عبد الرحمن، واستحالت ملامحهُ إلى وجومٍ صاعق، وكأنَّ الكلمةَ كانت نصلاً بارداً اخترقَ صخبَ سخريته، لكنه سرعان ما استعاد قناعه الساخر ليمتصَّ صدمةَ كلماتها. نظر إليها بنظرةٍ مباغتة، وقال بلهجةٍ عاميةٍ سريعة قطعت حبلَ يأسِها:
— "إيه ده؟ هي سلطة (عزيزة) اشتغلت ولا إيه؟"
​ثم تابع بنبرةٍ ضاحكة، وكأنه يستخفُّ بكل تلك العوائق التي تضعها "حجيزة" في طريقهما:
— "يعني كان لازم أعمل حسابي وأبوس الأيادي لـ (عزيزة اللذيذة) عشان ترضى عني وما تطلبيش الطلاق؟"
​ساد صمتٌ قصير، حرّك فيه رأسه بإيماءةٍ خفيفة بينما ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ واثقة، وهمس بكلمةٍ واحدة هزمت كل مخاوفها:
— "واللهِ؟"
​أطبقتِ السكينةُ على المكان، وخفتَ صخبُ العالمِ في عيني عبد الرحمن وهو يواجهُ انكسارَها بصمودٍ هادئ. اقتربَ خطوةً واحدة، لم تكن لكسرِ المسافةِ بقدرِ ما كانت لترسيخِ حضورٍ لا يتزعزع، وقال بنبرةٍ صلبةٍ جرّدها من كلِّ مزاح:
​— "مريم.. لستِ امرأةً تُغادرُ بوشاية، ولا أنا رجلٌ تُبدلُ يقينَه كلمةٌ قيلت في ساعةِ لؤم. لقد وضعتُ حيرتي في سجدة، وسألتُ اللهَ الخِيرةَ فيكِ، ولأولِ مرةٍ يفيضُ صدري بهذه الطمأنينة.. (الخِيرةُ فيما اختاره الله)، وقد استقرت خِيرتي عندكِ. لستِ خياراً قابلاً للتراجع، بل أنتِ اليقينُ الذي رُزقتُ به بعد طولِ حيرة."
​سكنت ملامحه، وأصبح لصوتِه رنينٌ يشبهُ رصانةَ الوعودِ القديمة، وتابع:
— "سأتمسكُ بكِ حتى تُستنفدَ كلُّ السبل، ولن يثنيني عنكِ ضجيجُ العابرين. فلا تتركي يدي مهما اشتدَّ الوجعُ خلف تلك الأبواب؛ عِديني ألا يكون لليأسِ فينا نصيب."
​استندت مريم في تلك اللحظة إلى كلماتِه وكأنها تستندُ إلى طودٍ عظيم، وبدا طلبُها للطلاقِ قبل دقائق وكأنه سحابةُ صيفٍ تلاشت أمام شمسِ يقينه. أومأت برأسِها صامتة، وقد استقرت كلماتُه في أعماقِ روحها كوشمٍ لا يُمحى. تراجع عبد الرحمن خطوةً إلى الوراء، مفسحاً لها طريقَ العودة، لكنَّ عينيه ظلتا تتبعُ أثرَ خطوتِها المترددة. وقبل أن يتوارى خلفَ زحامِ أفكاره، ألقى عليها نظرةً أخيرة، ونطق بجملةٍ كانت بمثابةِ ميثاقٍ أودعَهُ عند خالقِها:
​— "تركتكِ في أمانِ الله."
​قالها وانصرف، تاركاً خلفه ثقلاً من السكينةِ عجزت كلُّ مخاوفِها عن زحزحتِه. لم تكن مجردَ دعوةٍ عابرة، بل كانت إعلاناً صريحاً بأنها لم تعد وحيدةً في ساحةِ هذا الصراع، وأنَّ الأمانَ الذي سكن قلبَها بكلماته سيظلُّ حارساً لها حين تُغلقُ الأبواب.
،استدارت مريم نحو الدار، وما إن وضعت قدمَها على العتبةِ حتى استقبلتها برودةُ الجدران وصمتُ عمها إبراهيم المعتاد، بينما كانت "عزيزة" تجلسُ بكبرياءٍ زائفٍ تترقبُ لحظةَ الانهيار. توقفت مريمُ في منتصفِ الصالة، ونظرت إلى زوجة عمها بنظرةٍ باردةٍ اخترقت ذلك الجمود، ثم قالت بنبرةٍ غلفها هدوءٌ مستفز:
​— "أخبرني عبد الرحمن أنَّ الزيارةَ كانت لذيذةً جداً.. هل استمتعتِ بها يا زوجة عمي؟"
​سقطت الكلماتُ كالصاعقةِ في أرجاءِ الغرفة. انتفضَ العم إبراهيم في مكانه، ورفع رأسَه بذهولٍ شلَّ أطرافه؛ فلم يعهد من مريم هذا البرودَ القاتل في المواجهة. أما عزيزة، فقد تجمدت ملامحُها، واتسعت عيناها بارتباكٍ واضح؛ إذ ظنت للوهلة الأولى أنَّ "اللذة" التي تقصدها مريم هي سخريةٌ مبطنةٌ من كل ما تفوهت به، واعتقدت واهمةً أنَّ عبد الرحمن قد نقل إليها كلَّ تلك التفاصيل التي رجمته بها.
​لم تكن مريمُ تدركُ الثقلَ الحقيقيَّ للكلمةِ التي ألقتها، لكنَّ طبيعتَها الباردة جعلت من سؤالِها العابرِ نصلًا ينهشُ في ثباتِ زوجةِ عمها. سادَ صمتٌ خانق، مضت إثره مريمُ نحو غرفتها بخطىً وئيدةٍ وثابتة، تاركةً خلفها زوجةَ عمٍ يتآكلها الشك، وعماً لا يستوعبُ كيف استحالَ وقارُ مريم إلى سلاحٍ بهذا التحدي.
​لم يكد باب غرفة مريم يُوصد، حتى انقطع خيطُ الصبرِ عند إسماعيل. التفت إلى أخيه إبراهيم وزوجته عزيزة بنظرةٍ كانت أشدَّ وطأةً من كل عتاب، وصوتٍ هادئٍ لكنه يحملُ نذيرَ العاصفة.
​وقف إسماعيلُ حائلاً بينهما وبين مخرج الدار، وقد تجسدَ في وقفته وقارُ الأبِ الذي استُبيحت كرامةُ ابنته، وقال بنبرةٍ تقطرُ مرارة:
— "إلى متى يا إبراهيم؟ هل هانَ عليك دمي حتى تتركَ زوجتكَ تنهشُ في أصلِنا وأفرعِنا وكأننا أغرابٌ عنك؟ أظننتما أنَّ صمتَ مريم وهدوءَ عبد الرحمن كان ضعفاً؟"
​ارتبكت عزيزة، وحاولت أن تداريَ ذعرَها من نظراتِ إسماعيل، فتمتمت بصوتٍ خافتٍ لا يشبهُ جبروتها المعتاد:
— "يا أبا مريم.. نحنُ لم نفعل شيئاً سوى أننا وضعنا النقاطَ على الحروف.. كان يجب أن يعرفَ عبد الرحمن أين يضعُ قدمه."
​هنا، خطى إسماعيلُ خطوةً جعلت إبراهيم يتراجعُ للخلفِ لا شعورياً، وردَّ بحدةٍ دراميةٍ هزت أركان المكان:
— "بل وضعتما أنفسكما في مأزقٍ لا مخرجَ منه! مريم لم تكن تهذي حين سألتكِ عن (لذةِ) الزيارة.. تلك الكلمةُ كانت نصلًا بارداً وضعهُ عبد الرحمن في يدها ليخبركما ببروده المعهود أنَّ كلَّ سمومكما قد رُدَّت إليكما. لقد زنقتما أنفسكما في زاويةٍ ضيقةٍ مع رجلٍ لا ينسى، ومع ابنةِ أخٍ—رغم رقتها—لم تعد تكسرُها ظنونكما."
​سادَ وجومٌ ثقيل، وزادَ إسماعيلُ من حصارِهما بكلماتٍ كالرصاص:
— "الآن.. ليس أمامكما سوى طريقٍ واحدٍ لترميمِ ما انكسر. عليكما الذهابُ إلى عبد الرحمن؛ ليس كأصحابِ فضلٍ أو دائنين، بل كمعتذرين يطلبون الصفحَ عما اقترفتهُ ألسنتكما، قبل أن تتحول هذه (اللذة) إلى علقمٍ يتجرعهُ الجميع."
​نظرت عزيزةُ إلى زوجِها إبراهيم بذعرٍ مكتوم؛ فقد أدركت أنَّ استعلاءَها قد جرفها إلى هاويةٍ لم تحسب لها حساباً أمام غضبةِ "إسماعيل" الهادئة والمدمرة.
أطرقَ إبراهيمُ برأسِه خجلاً من صرامةِ أخيه، بينما ابتلعت عزيزةُ ريقَها بصعوبة، وقد شعرت بأنَّ الجدرانَ تضيقُ عليها. لم يكن أمامها سوى الانصياع، فغادرت الدارَ مع زوجِها بخطىً ثقيلة، يجرانِ أذيالَ الخيبةِ نحو بيتِ عبد الرحمن.
​طوالَ الطريق، كان الصمتُ بينهما أنطقَ من الكلام. وحين وصلا، طرقَ إبراهيمُ البابَ بيدٍ مرتعشة، ليفتحَ لهما عبد الرحمن بوقارِه المعهود، وهدوءٍ لم يبدُ فيه أثرٌ لغضبٍ أو عتاب، مما ضاعفَ من ارتباكِهما.
​أشارَ لهما بالدخول، فجلسا في صدرِ المجلسِ كمن يجلسُ على الجمر. بادرَ إبراهيمُ بالكلامِ بصوتٍ متهدج:
— "يا عبد الرحمن.. جئنا لنصلحَ ما أفسدتهُ العجلة. عزيزةُ لم تقصد ما قالت، والديونُ والأصلُ كلاهما لا يغيرُ من معزتِك وصهرِنا شيئاً."
​رفعَ عبد الرحمن بصرَه نحو عزيزة، التي كانت تشيحُ بوجهِها بعيداً، وقال بصوتٍ رخيمٍ يشبهُ سكونَ ما قبل العاصفة:
— "الزيارةُ كانت (لذيذةً) يا عمَّ إبراهيم، هكذا أخبرتُ مريم.. ولذتُها كانت في كشفِ المعادن. أما الديونُ فهي أرقامٌ تُمحى، لكنَّ الكلمات.. الكلماتُ أوشامٌ لا تزولُ إلا بصدقِ النوايا."
​تجمدت عزيزةُ في مكانِها؛ فكلمةُ "لذيذة" التي استُفزت بها من مريم قبل قليل، خرجت الآن من صاحبِ الشأنِ لتؤكدَ لها أنَّ كلَّ حرفٍ نطقتهُ في تلك الجلسةِ الخانقةِ قد سُجِّلَ عليهما. لم يزد عبد الرحمن حرفاً، بل قامَ ليصبَّ لهما القهوةَ ببرودٍ استفزَّ ما تبقى من كبريائها، فبدت في عيني نفسِها صغيرةً جداً، وهي التي جاءت لتُصغِرَه.
​زنقهما عبد الرحمن في زاويةِ (الكرمِ المبالغِ فيه)، فلم يمنحهما فرصةً للانفجار، بل أغرقهما بفيضِ صمتِه حتى تمنيا لو صرخَ في وجهيهما بدلاً من هذا النبلِ الذي قطعَ أنفاسَهما.
بينما كان الصمتُ ينسجُ خيوطَه الثقيلةَ فوق رؤوسِ الجالسين، ارتجَّ المكانُ على وقعِ طرقاتٍ واثقةٍ ورزينةٍ على بابِ عبد الرحمن.
​في تلك اللحظة، خرجت سلوى من غرفتها بوجهٍ يفيضُ بِشرًا، وما إن أبصرت إبراهيم وعزيزة حتى سارعت بالترحابِ وهي تبسطُ كفيها مودةً:
— "حيَّاكم الله.. أهلاً وسهلاً، زارتنا البركة، ليتنا علمنا بقدومكم لكان الاستقبالُ أبهى وأتمَّ."
​تجاهل عبد الرحمن بريقَ "اللذةِ" المريرَ الذي كان ينهشُ كبرياءَ عزيزة، واتجهَ صوبَ البابِ بوقارهِ الساكنِ ليفتحه. وقف أمامَ شابٍ في مقتبلِ العمر، فارعِ الطول، يملكُ ملامحَ هادئةً تفيضُ بوقارٍ غريب، وعينين صارمتين لم تنقصِ البشاشةُ من حدّةِ نفوذهما في النفوس.
​نطق الشابُ بنبرةٍ رخيمةٍ لا تتردد، وبنبرةٍ واثقةٍ اعتذرَ قائلاً:
— "أعتذرُ على المباغتة.. أعتقدُ أنكَ عبد الرحمن؟"
​لم يكد عبد الرحمن يهمُّ بالرد، حتى انقطعَ نَفَسُ المكان، وتيبّست عزيزة في مقعدِها كأنما مُسخت حجراً، وجحظت عيناها في ذهولٍ روعَها؛ فخرجَ الاسمُ من بين شفتيها المرتجفتين نداءً غريقاً غلفَهُ الرعب:
— "حمزة!!!!!"
​سقطَ الاسمُ في أرجاءِ الغرفةِ كحجرٍ ثقيلٍ في بئرٍ سحيقة، وارتسمت على وجهِ الشابِ ابتسامةٌ هادئةٌ لم تبلغ عينيه الصارمتين، بينما تبدلت ملامحُ عبد الرحمن من برودِ الاستقبالِ إلى تساؤلٍ صامتٍ يستقرئُ فيه ملامحَ الفزعِ التي شلّت زوجةَ عمِّ مريم.
أوصدت مريمُ بابَ غرفتها خلفها، وكأنها تُغلقُ الستارَ على فصلٍ من الصراع، لتجدَ نفسَها في مواجهةِ فوضى أفكارِها الساكنة. لم تكن تُدرك أنَّ اليقينَ الذي زرعهُ عبد الرحمن في صدرِها سيهتزُّ بعنفٍ أمامَ وميضِ هاتفِها، الذي أضاءَ عتمةَ الغرفةِ برسائلَ لم تكن مجردَ كلمات، بل كانت زلزالاً يضربُ أركانَ ثباتِها.
​نبضَ الهاتفُ في كفِّها، وحملت الشاشةُ اسمَ "هاجر"؛ كلماتٌ مقتضبة لكنها زلزلت كيانها:
— "مريم.. نور يُعقَدُ قِرانُها الليلة، بعد ساعاتٍ فقط من رحيلِها عن المقهى!"
​جمدت مريمُ في مكانِها، وكأنَّ الزمنَ توقَّفَ عند تلك النقطة. من هذا الذي يقتنصُ المواثيقَ تحتَ جنحِ الظلام بهذه العجلةِ المريبة؟ لم تستفق من دهشتِها الأولى حتى لمعَ سؤالُ هاجر الاستنكاري، وكأنه نصلٌ يتهيأُ للذبح:
— "توقعي مَن العريس؟"
​فتحت مريمُ فمَها لتستنشقَ الهواءَ الذي ضاقَ بها، وطافت في مخيلتِها وجوهٌ وأسماء، لكنَّ هاجر لم تمنحها ترفَ التخمينِ أو التقاطِ الأنفاس. وقبل أن يصيغَ خاطرُ مريم رداً، انهمرت الحقيقةُ فوق رأسِها كصخرةٍ هوت من علٍ:
— "عمر.. لا، بل أنا آسفةٌ يا مريم.. إنه أحمد؛ زوجُ أختِك مرام!"
​هوى الهاتفُ من يدِ مريم وكأنه جمرةٌ أحرقت كفَّها. غامت الرؤيةُ في عينيها، واستحالَ هواءُ الغرفةِ رماداً يخنقُ صدرَها. لم تكن الصدمةُ في عقدِ القِرانِ فحسب، بل في تلك الخيانةِ التي نُسِجت خيوطُها في الظل، لتُمزِّقَ شغافَ قلبِ "مرام" وتُلقي بالعائلةِ في أتونِ فاجعةٍ لا تُبقي ولا تذر. استقرت الكلماتُ البشعةُ أمام عينيها: (أحمد.. زوجُ أختِك)؛ فصارت تترددُ في عقلِها بصوتٍ مبحوح، كمسمارٍ يُدَقُّ في نعشِ استقرارِ هذه العائلةِ الذي لم يهنأ يوماً. 

​"لا شيءَ يكسرُ هيبةَ السورِ كالشرخِ الذي يبدأُ من الداخل؛ فكيفَ إذا كانت الطعنةُ بيدِ من ائتمنّاهُ على الروحِ قبلَ الدار؟"
فهل كانَ ثباتُ مريم أمامَ لؤمِ عزيزة مجردَ استراحةِ محاربٍ قبلَ العاصفةِ الكبرى؟ وهل سيصمدُ ميثاقُ اليقين الذي عقدهُ عبد الرحمن، أمامَ زلزالِ الخذلان الذي سيضربُ قلبَ مرام؟
               

خارج حدود الفترة | وأنفرط العقد

جاري التحميل...

وأنفرط العقد

"عن الترقب الذي يثقل الروح، والواقع الذي يطرق الأبواب، هل ستستسلم مريم أم تسير خلف حدسها لعلها تجد من تسكن إليه ويسكنها؟"

تحميل الفصول...
المؤلف

​"أصعبُ ما في انفرطِ العقد، ليس ضياعَ اللؤلؤ، بل اكتشافُنا أنَّ الخيطَ الذي كان يجمعُنا.. كان زيفاً."

​سقطَ القلمُ من يدِ العمِّ "رضا" ليصنعَ بقعةَ حبرٍ مشوهةً فوقَ الورقةِ البيضاء، كأنها "وشمٌ" من الخيبةِ يوثّقُ نهايةَ الحلمِ قبلَ ولادتِه. في تلك اللحظة، لم يكن صمتُ الصالةِ هدوءاً، بل كان "انفجاراً صامتاً" للأرواح؛ فالفجيعةُ حين تكتمل، تفقدُ الكلماتُ معناهَا.
​تجمّدَ "أحمد" –أو "عمر" كما نادته الصرخة– في مكانِه، وبدت ملامحُه الواثقة التي دخلَ بها قبلَ ثوانٍ وكأنها قناعٌ من الشمعِ بدأ يذوبُ تحتَ لهيبِ الحقيقة. التفتت إليهِ "مرام" ببطءٍ يحملُ ثقلَ الجبال، كانت نظراتُها إليهِ تتأرجحُ بينَ الإنكارِ والرعب، بينما كانت "نور" لا تزالُ شاخصةً ببصرِها، تتنفسُ بصعوبةٍ كغريقٍ أدركَ للتوِّ أنَّ المرفأ الذي كان يرجوهُ ليس سوى صخرةٍ حطمت قاربَه.
​وسط هذا الذهولِ الذي شلَّ الألسنة، تحرّكَ "نوح" من مكانِه ببطء، مصفقاً ببرودٍ لزج، وعيناه تلمعانِ ببريقٍ شيطانيٍّ وهو يراقبُ انهيارَ السقفِ فوقَ رؤوسِ الجميع. لوى شدقَهُ بابتسامةٍ تقطرُ تشفياً، وقال بصوتٍ مسموعٍ اخترقَ الصمتَ كالخنجر:
​"أهلاً بسيادةِ الرائد.. أو سيادةِ 'المُحب'! يبدو أنَّ مقامَكَ عندَنا لم يكفِ طموحَك، فأردتَ أن تفتحَ جبهةً أخرى خلفَ أسوارِنا. مبروكٌ يا خالي إسماعيل.. يبدو أنكَ كنتَ تبحثُ عن عريسٍ لمريم، فإذ بكَ تكتشفُ أنَّ عريسَ مرام يمتلكُ قلباً 'يسعُ من الحبايبِ ألفاً'!"
​كانت كلماتُ نوح هي الصاعقَ الذي فجرَ الاحتقان. ارتجفَ جسدُ إسماعيل، وقبضَ بيدِه على حافةِ الطاولةِ حتى ابيضّت مفاصلُه، وفي تلك اللحظةِ التي بلغت فيها المهانةُ ذروتها، نطقَ لسانُ "سوسن" بجملةٍ خرجت من أعماقِ يقينِها المكسور، رصينةً كالصخر، ثقيلةً كالفقد:
​"لقد ماتَ آخرُ الرجالِ في هذا البيتِ يومَ وُورِيَ 'يحيى' التراب، وما بَقِيَ بَعدَهُ إلا أشباهُ حكاياتٍ تخونُها الضمائر."
​سقطتِ الكلمةُ كالمقصلةِ على رؤوسِ الحاضرين؛ فلم تكن صرخةً، بل كانت حكماً نهائياً أعلنتهُ الأمُّ المكلومةُ على كلِّ الموجودين. خيّمَ صمتٌ أشدُّ قسوة، وتراجعَ "أحمد" خطوةً للخلفِ وكأنَّ وقعَ الجملةِ كان أقوى من رصاصة، بينما غرزت "مريم" أظفارَها في راحةِ يدِها وهي تشعرُ أنَّ أمَّها قد لخّصت كلَّ هذا الخرابِ في سطرٍ واحد.
​سقطَ القلمُ من يدِ العمِّ "رضا" ليصنعَ بقعةَ حبرٍ مشوهةً فوقَ الورقةِ البيضاء، كأنها "وشمٌ" من الخيبةِ يوثّقُ نهايةَ الحلمِ قبلَ ولادتِه. في تلك اللحظة، لم يكن صمتُ الصالةِ هدوءاً، بل كان "انفجاراً صامتاً" للأرواح؛ فالفجيعةُ حين تكتمل، تفقدُ الكلماتُ معناهَا.
​تجمّدَ "أحمد" –أو "عمر" كما نادته الصرخة– في مكانِه، وبدت ملامحُه الواثقة التي دخلَ بها قبلَ ثوانٍ وكأنها قناعٌ من الشمعِ بدأ يذوبُ تحتَ لهيبِ الحقيقة. التفتت إليهِ "مرام" ببطءٍ يحملُ ثقلَ الجبال، كانت نظراتُها إليهِ تتأرجحُ بينَ الإنكارِ والرعب، بينما كانت "نور" لا تزالُ شاخصةً ببصرِها، تتنفسُ بصعوبةٍ كغريقٍ أدركَ للتوِّ أنَّ المرفأ الذي كان يرجوهُ ليس سوى صخرةٍ حطمت قاربَه.
​وسط هذا الذهولِ الذي شلَّ الألسنة، تحرّكَ "نوح" من مكانِه ببطء، مصفقاً ببرودٍ لزج، وعيناه تلمعانِ ببريقٍ شيطانيٍّ وهو يراقبُ انهيارَ السقفِ فوقَ رؤوسِ الجميع. لوى شدقَهُ بابتسامةٍ تقطرُ تشفياً، وقال بصوتٍ مسموعٍ اخترقَ الصمتَ كالخنجر:
"أهلاً بسيادةِ الرائد.. أو سيادةِ 'المُحب'! يبدو أنَّ مقامَكَ عندَنا لم يكفِ طموحَك، فأردتَ أن تفتحَ جبهةً أخرى خلفَ أسوارِنا. مبروكٌ يا خالي إسماعيل.. فإذ بكَ تكتشفُ أنَّ عريسَ مرام يمتلكُ قلباً يسعُ من الحبايبِ ألفاً!"
​كانت كلماتُ نوح هي الصاعقَ الذي فجّرَ الاحتقان. ارتجفَ جسدُ إسماعيل، وقبضَ بيدِه على حافةِ الطاولةِ حتى ابيضّت مفاصلُه، وفي تلك اللحظةِ التي بلغت فيها المهانةُ ذروتها، نطقَ لسانُ "سوسن" بجملةٍ خرجت من أعماقِ يقينِها المكسور، رصينةً كالصخر، ثقيلةً كالفقد:
"لقد ماتَ آخرُ الرجالِ في هذا البيتِ يومَ وُورِيَ 'يحيى' التراب، وما بَقِيَ بَعدَهُ إلا أشباهُ حكاياتٍ تخونُها الضمائر."
​ليعقبها سعارٌ مفاجئ انطلق من صدر "نور" التي لم تَعُد قادرةً على ابتلاع مَهانتها. انسلخت من بين يدي "هاجر"، واندفعت نحو "أحمد" وهي تصرخُ بصوتٍ يملؤه الاحتقار:
"أسبوعان! ألم تَقُل لوالدي إنَّ خِطبتنا بعدَ أسبوعين؟ كيفَ كنتَ تَبني لي قصوراً في الهواءِ وأنتَ تسكنُ هنا خلفَ هذهِ الجدران؟"
ثم التفتت بجسدِها نحو "مرام" الملقاةِ على الأريكة، ورمقتْها بنظرةٍ طافحةٍ بالاشمئزاز، وعادت تصرخ في وجه أحمد:
"إذن.. حينَ كنتَ تغيبُ بالأيام، وتدعي أنكَ 'مسافر'، كنتَ تبقى هنا.. في حضنِ هذه؟ أأنتَ لستَ 'عمر'؟ هل كنتَ تلعبُ على حبلينِ بمهارةِ بهلوانٍ ملعون، بينما تنامُ أنتَ في العسلِ معها، وتتركُني أنا أحرسُ سرابَك؟"
​في تلك اللحظةِ الصاخبة، كانت "مريم" تعيشُ زلزالاً من نوعٍ آخر. عادت بذاكرتها إلى تلك "الصورة" المحروقة التي سحبتها خلسةً من بيت نور في زيارتها السابقة لمواساتها. كانت الملامحُ قد التهمها اللهب، فلم يبقَ منها إلا "وقفة" الرجل وهيئة كتفيه.. تلك الوقفة التي ألفتها عينا مريم وحسبتها محض تشابه. تجمدت الدماء في عروقها وهي تدرك الآن أن ما عجزت النار عن إخفائه، قد فضحته الحقيقةُ اليوم: عمر هو أحمد!
​لأول مرة، لم تجلد مريم نفسها بسبب "يحيى"، بل جلدت ذاتها لأنها كانت تملك مفاتيح النجاة ولم تستخدمها. رأت في "أحمد" وحشاً يسكن بيتها، ومخادعاً سرق طمأنينة أختها، وشعرت أن صمتها القديم لم يكن وقاراً، بل كان تواطؤاً مع القدر ضد أختها، ووقوداً لهذا الحريق الذي يأكل الآن تاريخ آل إسماعيل.
​وسط هذا الذهول، شعرت بظلال "الخراب" تتسع؛ فالفجيعة لم تعد في خيانة صهرها فحسب، بل في أن يدها –دون أن تدري– كانت قريبةً جداً من إيقاف هذا النزيف، لكنها فضلت أن تكون مجرد مراقبة من بعيد، ليقوم "أحمد" بسحب العائلة كلها إلى هاوية الفضيحة في الليلة التي كان من المفترض أن تكون مرفأ نجاتها.
​وسط العاصفة التي زلزلت أركان الصالة، تراجعَ إسماعيل بضعَ خطواتٍ وكأنه شاخَ فجأةً دهراً كاملاً، جلسَ فوق مقعدِه الخشبيّ بثقلٍ يُنذرُ بالانهيار، وعيناه لا تزالانِ معلقتينِ بسقفِ البيتِ الذي تداعى فوقَ رؤوسِ سكانِه. مدَّ يدهُ بضعفٍ يشوبه الكبرياء، وأشارَ إلى "أحمد" بالخروج، كأنَّ مجردَ وجوده في المكانِ يسحبُ ما تبقى من أكسجين.
​لكنَّ أحمد لم يرضخ؛ فالهزيمةُ حين تكونُ شنيعة، تدفعُ صاحبها أحياناً للتشبثِ بالقشةِ الأخيرة. لم ينظرْ لـ "نور"، ولم يهتزَّ لصيحاتِ الغضب، بل اتجهَ بخطواتٍ مضطربةٍ نحو الأريكةِ حيثُ ترقدُ "مرام" الغائبةُ عن الوعي، متجاوزاً نور وكأنها لم تكن يوماً حلمَه أو ضحيته.
​وقبلَ أن يخطو الخطوةَ الأخيرةَ نحو زوجته، اندفعت نور كالبرق، وأمسكت بيدِه بقوةٍ جعلت أظفارها تغرسُ في جلده، وصرخت بوجهه بمرارةٍ زلزلت كيانَه:
​"أنا أم مرام؟ أجبني.. مَن مِنا كانت المرفأ، ومَن كانت مجردَ محطةٍ في طريقِ كذبك؟"
​توقف أحمدُ فجأة، وتصلبت نظراته. سحبَ يدهُ من قبضتِها ببطءٍ مهين، ودون أن يرمقها بنظرةٍ واحدة، وكأنَّ "عمر" قد ماتَ فعلياً في تلك اللحظة، ولم يَبقَ إلا "أحمد" الذي يحاولُ إنقاذَ ما تبقى من صورتِه أمام زوجته.
​وفي تلك اللحظة، برزَ "نوح" من بين الزحام، ووقف حائطاً بشرياً حائلاً بين أحمد وبين الأريكة التي ترقدُ عليها مرام. مالَ نوح برأسِه نحو أذنِ أحمد، وهمسَ بصوتٍ خفيضٍ لا يصله إلا هو، بينما لمعت عيناه بلذةٍ سادية:
​"رغم أنني في غايةِ الانبساطِ بهذه الليلةِ الرائعة، إلا أنَّ الواجبَ يحتمُ عليَّ أن أُبعدكَ عن هنا.. وهذا لمصلحتي قبلَ مصلحتك، فأنا –يا سيادة الرائد– أحبُّ أحزانَ هذه العيلةِ جداً، وأريدُ الاستمتاعَ بها دونَ ضجيجك."
​ثم اعتدلَ نوح في وقفته، ووضع يديه في جيبيه ببرودٍ مستفز، ثم قال بصوتٍ مسموع وهو يشيرُ بطرف عينه نحو "نور":
​"سنيورتك واخرج يا عم."
​كانت الكلمة وقْعُها كالسوط على الجميع، لكن نوح لم يكتفِ بذلك، بل أكمل بنبرةٍ جادةٍ مصطنعة أمام الحضور:
​"قلتُ لكَ يا زوجَ الأخت.. الخالُ أمرَ بالانصراف، والبيوتُ لها حرمات، وأنتَ الليلةَ لم تتركْ حُرمةً إلا وانتهكتَها."كانت كلمةُ "سنيورتك" –وهو يشيرُ بطرفِ عينهِ نحو "نور" المنهارة– كالقشةِ التي قصمت ظهرَ ما تبقى من وقارِ أحمد. شعرَ أحمدُ بالدوارِ وكأنَّ الأرضَ تبتلعُه؛ فـ "نور" التي كان يَعِدُها بالزواجِ أصبحت في نظرِ نوح مجردَ "سنيورةٍ" تُطردُ معهُ من عتبةِ البيتِ في مشهدٍ هزليٍّ ومهين.
​سحبَ نوح يدهُ من جيبه ليدفعَ أحمد بخفةٍ مستفزةٍ نحو المخرج، مكملاً تمثيلَ دورِ الحريصِ على مصلحةِ العائلةِ وكرامةِ خاله، بينما كانت مريمُ تقفُ بعيداً، تراقبُ نوحاً وهو يستمتعُ بكلِّ ثانيةٍ من هذا الخراب. أدركت مريم في تلك اللحظة أنَّ "سنيورة" أحمد لم تكن الضحيةَ الوحيدةَ الليلة، بل إنَّ كلَّ مَن في هذه الصالةِ قد تلطخَ ثوبُه بدمِ الحكايةِ التي انفرطَ عقدُها، وتحولَ تاريخُ آل إسماعيلَ إلى حطامٍ يتقاذفُه الشامتون.
​أما أحمد، فقد خرجَ يجرُّ خلفَهُ أذيالَ الخيبة، وقد سقطت آخرُ حصونِه حين رأى مقتَ الجميعِ يلاحقُه، تاركاً خلفَه "مرام" بين الغيبوبةِ واليقظة، و"إسماعيل" الذي لم يَعُد يرى في بيتهِ سوى جدرانٍ باردةٍ شهدت على زيفِ الأمان.
وسط تلك الجلبة، تحرك عبد الرحمن بهدوءٍ نحو "مرام"؛ فبديهة الطبيب فيه تحركت قبل أي شيء آخر. جثا بجانبها، وأشار لـ "مها" بيده: "بسرعة.. أي عطر قوي أو نشادر!".
​قام برفع قدميها قليلاً فوق وسادة صغيرة لتنشيط دورتها الدموية، وما إن بلل طرف منديله بالرائحة النفاذة ومرره تحت أنفها، حتى استنشقت مرام الهواء بعمق واهتزت أجفانها، ثم فتحت عينيها ببطء لتجده أمامها. وبمجرد أن تأكد أنها استعادت وعيها، انسحب بصمتٍ وعاد ليجلس بجانب أمه، واضعاً يديه في جيبيه بوجوم، تاركاً إياها تستوعب ما جرى.
​استندت مرام بمساعدة مريم، وسألت بصوتٍ واهن وهي تتلفت حولها: "أين هو؟". لم يجبها أحد، فكان الصمت في الصالة أبلغ من أي شرح. نظرت مريم إلى عبد الرحمن الجالس بعيداً؛ لم يكن بطلاً خارقاً في نظرها، بل كان مجرد رجلٍ رزين لم تمنعه الصدمة من القيام بفعلٍ بسيطٍ وصحيح، في ليلةٍ خسر فيها الجميع اتزانهم.
​بعد أن عاد عبد الرحمن إلى مكانه، مالت أمه نحوه ببطء، وهمست في أذنه بكلماتٍ لم تصل إلى مسامع الحاضرين، لكن ملامح وجهها المتيبسة كانت تشي بالكثير؛ فقد كانت عيناها تجوبان أركان الصالة بضيق، وكأنها لم تَعُد تطيق البقاء في هذا المكان لدقيقةٍ واحدةٍ أخرى. لمحت مريم هذا المشهد، وشعرت بوخزة أسفٍ مريرة؛ فقد كانت تظن يوماً أن هذه المرأة ستكون "حماتها" الحنون، ومأمنها الذي سيعوضها عن جفاء الأيام، لكنها رأتها الآن وهي "تؤلب" ابنها بوضوح، وتحثه بنظراتها القاسية على النجاة بنفسه من هذا البيت الذي تلطخ بفضيلةٍ جُرحت وسمعةٍ اهتزت.
​أشاحت مريم بعينها مبتعدةً في انكسار، وكأنها تطوي صفحةً لم تُفتح بعد. أدركت أنَّ عبد الرحمن لن يكون المنقذ ولا الشريك، بل هو مجرد شاهد عيان آخر سيخرج ليحكي عن "خراب آل إسماعيل" كما سيفعل الجميع. التفتت نحو مرام، التي بدأت تستوعبُ أنَّ الصمت الذي يخيمُ على المكان ليس إلا مقدمةً لشتاتٍ طويل.
​لم تخرج نور كما توقع الجميع، بل تراجعت بخطواتٍ آلية وجلست بقرب مريم ومرام، واضعةً يدها فوق ركبتيها بنظرةٍ جامدة غير مفهومة؛ كأنها انفصلت عن الواقع أو قررت أن تشهد الفصل الأخير من المحرقة التي تسببت فيها.
​وسط هذا الصمت الذي كاد يطبق على الأنفاس، تنحنح عبد الرحمن بصوتٍ هادئ ورزين، محاولاً لفت الانتباه قبل أن يقطع خيط السكون. وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، استبقه إسماعيل الذي كان لا يزال جالساً على مقعده، محنياً كأنّ جبالاً استقرت فوق كاهله. رفع رأسه ببطء، ونظر إلى عبد الرحمن بعينين يملؤهما الانكسار، ثم قال بنبرةٍ تقطر مرارة:
​"أعرف.. لكَ الحقُّ كل الحق إن أخذتَ عائلتَكَ وذهبت الآن."
​وقعت كلماتُه كحجرٍ ثقيلٍ في بئرٍ عميقة؛ لم تكن مجرد إذنٍ بالانصراف، بل كانت اعترافاً صريحاً بأنَّ البيت الذي فُتح لاستقبالِ صهرٍ جديد، قد أصبح أطلالاً لا تصلح لإقامة فرح. راقبت مريم الموقف بقلبٍ يرتجف، موزعةً نظراتها بين كبرياء والدها الذي يتفتت، وبين ثبات عبد الرحمن الذي وقف كشاهدٍ غريب على احتراق خصوصيتهم.
​أومأ عبد الرحمن برأسه في رزانةٍ ووقار، وقال بنبرةٍ هادئة:
​"أشكركَ حقاً يا عمّ."
ساد الصمتُ قليلاً، صمتٌ ثقيلٌ بدا وكأنه دهرٌ من الترقب، بينما تعلقت به الأعين وهي تنتظرُ منه التحرك نحو الباب. لكنه لم يتحرك، بل أخذ نفساً عميقاً، ثم أكمل بصوتٍ واثقٍ جهر به أمام الجميع:
​"لكني أودُّ حقاً أن يكتملَ عقدُ القِران، ولن أرحلَ قبل أن أنالَ مُرادي!"
​سقطت الكلمات في أرجاء الصالة كصاعقةٍ غير متوقعة، فتبدلت ملامحُ الانكسار إلى حالةٍ من الذهول المطلق. تجمَّد الجميع في أماكنهم؛ ففي الوقت الذي كان فيه إسماعيل يتهيأ لغلقِ أبواب بيته على خيبته، جاء هذا الرجل ليشرعها من جديد. اتسعت عينا مريم وهي تحاول استيعاب ما سمعت، وشعرت برعشةٍ تسري في كيانها؛ أكان يرمم كرامتهم أم كان يتمسك بعهدٍ قطعه على نفسه؟ بينما ظلت نور ومرام شاجرتين ببصرهما نحو هذا الرجل الذي قرر، في ذروة الانهيار، أن يسير عكس اتجاه الريح.
​ارتجفت ملامح إسماعيل، وبدا وكأنَّ الكلمات قد ضلّت طريقها إلى لسانه؛ فقد كان يتوقع أي شيء إلا أن يُصرَّ هذا الرجل على البقاء في سفينةٍ توشك على الغرق. قال بصوتٍ خفيض يرتعشُ كبرياءً:
​"يا بني.. أنتَ لستَ مضطراً لكل هذا، لا أحد يُلزمكَ بشيءٍ بعد ما رأيت."
لم يتردد عبد الرحمن ولو لثانية واحدة، بل ظلت نظرته ثابتة كأنها مرساة وسط هذا الطوفان، وأجاب بنبرةٍ قاطعة:
​"ولكني مصمم."
​في تلك اللحظة، رُفعت الأبصارُ نحو مريم التي شعرت وكأنَّ جدران الصالة تتسعُ وتضيقُ حولها؛ كانت تنظر إليه بنظرةٍ تائهة، امتزج فيها الذهول بالامتنان، والخوفُ ببريقِ أملٍ لم تجرؤ على الحلم به. فجأة، انكسرَ هدوءُ المشهدِ بصوتِ تصفيقٍ بطيءٍ وبارد، كان المصدر هو "نوح" الذي انفجر بضحكةٍ ساخرةٍ تقطرُ استهزاءً، مالت رأسه قليلاً وهو يرمقُ عبد الرحمن بنظرةٍ خبيثة، ثم قال وهو يصفقُ بيديه:
​"لا.. 'جنتل مان' أوي بصراحة!"
ثم توقف عن التصفيق، وأكمل بنبرةٍ ساخرة وهو يرفع حاجبه باستخفاف:
​"شابوه.. والله برافو عليك، مكنتش أعرف إن الروايات الرومانسية لسه عايشة وسطنا."
​ظلَّ عبد الرحمن صامداً في وقفته، متجاهلاً وجود "نوح" تماماً، وكأنَّ المكان لا يضمُّ سواهُ وإسماعيل. وجَّه حديثه للأب بنبرةٍ هادئة ولكنها تحملُ ثقل الجبال:
​"يا عمّ.. العهودُ لا تُختبرُ في السَّعة، بل في هذه اللحظاتِ تحديداً. جئتُ طالباً مريم، وما حدثَ الليلة لا يغيرُ من قَدْرِها في عيني أنملة."
​كان إسماعيل يرمقه بنظرةٍ تائهة، وكأنه لا يصدقُ أنَّ هناك مَن يتمسكُ بالحطام، فسأله بصوتٍ مخنوق:
​"أهذا قرارُ مروءةٍ يا بني؟ أم هو اندفاعُ لحظةٍ قد تندمُ عليها غداً؟"
​ردَّ عبد الرحمن بيقينٍ أخرسَ الألسن:
​"بل هو قرارُ رجلٍ يعلمُ مَن يختار. أنا جاهزٌ يا عمي.. إن كنتَ أنتَ جاهزاً."
​هنا، شاطَ نوح غضباً من هذا التهميش المتعمد؛ فقد ألقى بسُمِّه ولم يلتفت إليه أحد، فبقي في مكانه يراقب المشهد بضيقٍ من خلف دخان سجائره. وفي تلك الأثناء، تحرك العم رضا بوقارٍ زائف، وعدّل نظارته وهو يقترب من عبد الرحمن بحجة مراجعة الهوية الشخصية. انحنى قليلاً، وفي لحظةٍ خاطفة انشغل فيها الجميع بمراقبة انكسار إسماعيل، ألقى بكلماته المسمومة في أذن الطبيب بصوتٍ خافتٍ وحاد:
​"يا بني.. نصيحةُ رجلٍ خبيرٍ بهذه الدماء؛ بناتُ إسماعيل خُلِقن للزينة لا للعشرة، كبرياؤهنَّ يسبقُ مروءتهن، والواحدةُ منهنَّ ترى نفسها فوق الجميع. مَن يتزوجُ من هذا البيت يدخلُ في صراعٍ لا ينتهي مع "أنا" لا تنكسر، وفي النهاية ستجدُ نفسك خاسراً تبحثُ عن امرأةٍ حقيقية تحتضنك، لا تمثالاً من غرورٍ يرهقك. فكّر.. قبل أن توثّق ندمك في دفتري."
​كان وقع الكلمات غادراً، فهي لم تطعن في الشرف، بل طعنت في "أصل" مريم وصلاحيتها لتكون زوجة، والمفارقة أنها خرجت من رجلٍ هو من "لحمها ودمها". تجمّد العالم للحظة في عيني عبد الرحمن، وشعر بمرارة الكلمات، لكنه بثباته المعهود لم يمنح العم رضا حتى إيماءةً بالارتباك.
​ظلَّ ينظر إلى نقطةٍ بعيدة في الفراغ ببرودِ طبيبٍ يدركُ مكان الورم الخبيث ويقرر استئصاله بصمته، ثم التفت بكامل وقاره نحو إسماعيل، وقال بصوتٍ جهوريٍّ قطعت نبرتُه كلَّ شك:
​"يا عمي إسماعيل.. أنا لم آتِ لأطلبَ امرأةً تُقاد، بل جئتُ لأختارَ مريم لأنها هي، بكل كبريائها الذي أعرفه وأقدره. المأذون جاهز.. فهل نباركُ هذا الميثاق؟"
​ساد الصمتُ أرجاء الصالة، وشحب وجه العم رضا خلف أوراقه؛ فقد أدرك أنَّ سُمَّه ارتدَّ عليه. أما مريم، فقد شعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها؛ لم تسمع الهمس، لكنها رأت في عيني عبد الرحمن "حمايةً" لم تعهدها من قبل، وكأنه يصدُّ عنها رصاصاً غيبياً أطلقه أقرب الناس إليها.
​في اللحظة التي تزلزلت فيها الأرضُ تحت قدمي مريم وهي ترقبُ رسالة التهديد، احتوتها لمسةٌ دافئةٌ وقوية أحاطت بكفها المرتجف. كانت يد عبد الرحمن هي التي حسمت المعركة؛ إذ ضغط على يدها برفقٍ حمل كل معاني الأمان، ومال برأسه نحوها يهمس بصوتٍ رخيمٍ لم يسمعه غيرها، لكنَّ هيبته بلغت مسامع الجميع:
​"أعتذرُ لهذا الفعل.. ولكن لن أرخيَ قبضتي هذه، لا الآن، ولا حين تعصفُ بنا الدنيا لاحقاً. ثقي بي، وتقبليني زوجاً، وسنداً، وكتفاً لا يميل."
​سرت كلماته في جسد مريم كالدواء في عروقٍ أضناها التعب؛ فرفعت بصرها إليه، ولأول مرة منذ بداية العاصفة، شعرت بأن هناك مرافئ لا تطالها الأنواء.
​وفي تلك الأثناء، تحركت والدة عبد الرحمن بوقارٍ يفيضُ رحمةً نحو "مرام" القابعة في ركن الانكسار، وانحنت تضع يدها على كتفها، ونظرت في عينيها المجهدتين بصدقٍ تام وقالت بنبرةٍ خفيضة تملؤها المواساة:
​"اعتذاري لكِ يا ابنتي.. فما كان لنا أن نُكمل عقد هذا القِران وأنتِ مكلومةٌ بهذا الجرح، لولا أننا أردنا أن نشدَّ عضد هذا البيت في محنته."
​ثم التفتت بوجهها نحو "سوسن" التي كانت تراقب المشهد بذهولٍ شتت أفكارها، فربتت على يدها قائلة:
​"اصبري يا أم يحيى.. فوالله لن يكون ابني لكِ إلا كما كان "يحيى" أو يزيد، وهذا عهدٌ أمام الله."
​كانت هذه الكلمات هي المِعول الذي هدم كل ما بناه "نوح" و"العم رضا" من فتنة؛ فقد تحول المشهد من انقسامٍ إلى لُحمةٍ واحدة، وأدركت مرام في تلك اللحظة أنَّ خسارتها لـ "أحمد" لم تكن نهاية العالم، بل كانت بدايةً لظهور معادنٍ أصيلة لم تكن تدرك وجودها.
هدأ الضجيجُ النفسيُّ في الصالة، وأصبح الجميعُ في ارتقابٍ للحظة التي ستنقلهم من ركام المأساة إلى رباط الميثاق. تنحنح العم رضا محاولاً استعادة وقاره الذي تضاءل أمام ثبات عبد الرحمن، ففتح دفتره الكبير بآليةٍ جامدة، ومدَّ يده ببطء نحو إسماعيل، قائلاً بصوتٍ جاف:
​"على بركة الله.. ضع يدك في يد عبد الرحمن يا أخي."
​مدَّ إسماعيل يده المرتجفة، وفي تلك اللحظة، كان نوح يراقب المشهد وعيناه تشتعلانِ خيبة؛ فقد رأى كيف تحطم صرحُ سُخريته أمام رصانة هذا الطبيب. أما مريم، فكانت ترقب يد والدها وهي تقترب من يد عبد الرحمن، وشعرت بأن تلك "القبضة" هي الجدار الأخير الذي يحمي عائلتها من الانهيار التام.
​وضع المأذون المنديل الأبيض، وبدأت الكلماتُ التي تُشرعنُ هذا الرباط وسط العاصفة. وفي الوقت الذي كان فيه إسماعيل يُردد بصوتٍ متهدج: "زوجتكَ ابنتي.."، اهتز هاتف مريم مرةً أخرى في جيبها، لكنها لم تلتفت إليه هذه المرة؛ بل أغمضت عينيها وهي تسمع صوت عبد الرحمن الواثق وهو يردد القسم، وكأنه يغلقُ بكلماته كل ثغرةٍ حاول المتربصون النفاذ منها.
​انتهى العقد، ووقع الجميع، ليعلن الصمتُ الذي تلاه أنَّ مريم أصبحت "حرم الطبيب عبد الرحمن"، رغماً عن أنف الرسائل المجهولة، ولؤم القرابة، وكيد الحاقدين.
تعالت أصواتُ المباركاتِ الخافتة التي لم تستطع كسر حدة الصمت الجاثم على المكان. اقتربت هاجر من صديقتها مريم، وضمتها بحفاوةٍ حاولت من خلالها ترميم ما أفسدته الليلة، وهي تهمسُ لها بكلماتٍ دافئة لم تصل إلى قلب مريم المشتت.
​في تلك الأثناء، كانت نور تقفُ بعيداً، وبدت في حالةٍ غير طبيعية بالمرة؛ ملامحها متصلبة ونظراتها تائهة وحادة في آنٍ واحد. التقت عيناها بعيني مرام المكلومة، فتبادلتا نظرةً طويلة غامضة، وكأنَّ هناك حديثاً سرياً يدورُ بين الأعين لا يجرؤ اللسانُ على نطقه، نظرة جعلت مرام ترتابُ من صمت "نور" المريب. أما سوسن، فكانت تقفُ في المنتصف عاجزةً عن تصنيف مشاعرها؛ فلا تدري أيهما أولى بالحضور الآن: سعادتُها بستر مريم، أم نُواحُها على جرح مرام؟ كانت كمن يسيرُ على حدِّ السكين، تائهةً بين النقيضين.
​قطعت هذا التيه سلوى (والدة عبد الرحمن)، التي تحركت بوقارٍ يفيضُ حزماً، وأمسكت بيد مريم بقوةٍ حانية، ثم سحبتها برفقٍ متجهةً بها نحو أقرب غرفةٍ خالية.
​بمجرد أن أُغلق الباب، ساد صمتٌ كثيف لم يقطعه سوى أنفاس مريم المتلاحقة. التفتت سلوى إليها، ولم تترك يدها، بل أحاطت وجهها بكفيها ونظرت في عينيها بنظرةٍ اخترقت كل الحصون التي حاولت مريم بناءها طوال الليلة، وقالت بصوتٍ هادئ ورزين:
​"يا ابنتي.. عبد الرحمن لم يختر مريم التي يراها الناس الآن، المنكسرة خلف جدران هذا البيت؛ بل اختار مريم التي يعلمُ يقيناً أنها ستكون شريكته في طريقٍ لن يكون سهلاً."
​صمتت قليلاً لتتأكد أن مريم تنصت، ثم تابعت بنبرةٍ أكثر صرامة:
​"أعلمُ أنَّ الرسالة التي وصلت إليكِ ليست مجرد كلمات، وأعلمُ أنَّ "نور" ليست على طبيعتها، وأنَّ عائلتكِ تمرُّ بإعصار. لكن اسمعيني جيداً.. مَن يضع يده في يد عبد الرحمن لا يلتفتُ خلفه. نحن لا نشتري "ستراً" يا مريم، نحن نبني "حصناً". أريدكِ أن تخرجي من هذه الغرفة وأنتِ تدركين أنَّ أيَّ جولةٍ قادمة لن تخوضيها بمفردكِ."
​مسحت سلوى دمعةً تمردت من عين مريم، وأردفت بسؤالٍ مباشر:
​"أخبريني يا مريم.. مِمَّ تخافين تحديداً؟ هل هو الماضي الذي يحاولون نبشه، أم هو المستقبل الذي تخشين ألا يكون عبد الرحمن طرفاً فيه؟"
​قطع حبلَ الصمتِ طرقةٌ هادئةٌ على الباب، قبل أن يخطو عبد الرحمن إلى الداخل يعقبه إسماعيل. وبمجرد أن وقعت عينا إسماعيل على عبد الرحمن، لم يجد في صدره متسعاً للكلمات؛ فتقدم نحوه واحتضنه بقوةٍ ارتجف لها جسده المنهك، وكأنما عثر أخيراً على مأمنه. بادله عبد الرحمن الاحتضان بوقارٍ يطمئنُ القلب، ونظر في عيني إسماعيل بصدقٍ جارف قائلاً:
​"يا عمي.. أنت من اليوم والدي، ولقد شعرتُ الليلة أنَّ لي أباً يسقطُ في جُبٍّ عميق، وكان لزاماً عليَّ أن أكون أنا مَن يلتقطُه ويمدُّ له يد النجاة.. لستَ وحدك، وأنا هنا لأحمل عنك ما أثقلك."
​ثم أخرج عبد الرحمن من معطفه مظروفاً، واستخرج منه أوراقاً وضعها بهدوء على الطاولة؛ كانت عقوداً وقضايا مرفوعةً بالفعل ضد إسماعيل، تتهمه بالنصب والاحتيال وتعثر الديون، وأوراقاً رسمية تُثبت أنه بات على شفا حفرة من دخول السجن. تجمّد نَفَسُ مريم، وانكسر بصر إسماعيل نحو الأرض خجلاً، بينما أكمل عبد الرحمن بصوتٍ رخيم:
​"وصلتني هذه الأوراق الليلة مع رسالةٍ تخبرني بأنني (الضحية القادمة)، وأن مريم ليست إلا فخاً نُصب لي لسداد هذه الديون وإنقاذك من السجن. أرادوا لي أن أقرأ كلمة (نصب) بجانب اسمك، فأنسحبُ ذعراً على مالي وسمعتي، وأترككم تنهارون وحدكم في هذه الظلمة."
​ساد وجومٌ قاتل، لكن عبد الرحمن أمسك بيد إسماعيل المرتجفة وتابع بنبلٍ أذهل الجميع:
​"لكن غباءهم خانهم؛ فلو كان مالي سيحمي والدي من السجن فليذهب المال كله، ولو كانت مريم تداري جرح عائلتها بصبرها فهذا يرفعُ قدرها عندي ولا ينقصه. لذا قررتُ العقد فوراً؛ لأثبت لهم أنني اشتريتُ (أصلاً) لا صفقة، وأنني دخلتُ هذا البيت لأبني حصناً لا لأبحث عن مكاسب. مريم الآن زوجتي، وقضيتُك يا عمي أصبحت قضيتي، ولن تمسكك يدُ القانون وأنا حيّ."
​ثم ختم حديثه بوقارٍ وهو يستعد للمغادرة:
​"غداً سآتي مع والدتي لنتمَّ مراسمَ الاتفاق، وضعْ يا عمي في عقدنا كل ما يرضي ضميرك ويحفظ قدرَ ابنتك، فما جئتُ هنا لأُناقش شروطاً، بل جئتُ لأشتري نسباً لا يُقدّر بثمن، وسيكونُ كلُّ ما تأمرُ به ديناً في رقبتي أؤديهِ سمعاً وطاعة."
​بَعْدَ أَنْ أَلْقَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ كَلِمَاتِهِ الَّتِي كَانَتْ بِمَثَابَةِ مِيثَاقِ شَرَفٍ جَدِيدٍ، سَادَ الغُرْفَةَ صَمْتٌ مَهِيبٌ، لَمْ يَقْطَعْهُ سِوَى شَهَقَاتِ مَرْيَمَ الَّتِي امْتَزَجَ فِيهَا الفَرَحُ بِالذُّهُولِ. اسْتَدَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ نَحْوَ البَابِ بِوَقَارٍ، وَتَبِعَهُ إِسْمَاعِيلُ بِخُطَوَاتٍ بَدَتْ أَخَفَّ وَطْأَةً مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ دَقَائِقَ؛ وَكَأَنَّ الجَبَلَ الَّذِي كَانَ جَاثِماً عَلَى صَدْرِهِ قَدِ اسْتَقَرَّ الآنَ عَلَى أَكْتَافِ رَجُلٍ يَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ.
​عِنْدَ خُرُوجِهِمْ إِلَى الصَّالَةِ، كَانَتِ الأَعْيُنُ تَتَرَقَّبُ، بَيْنَمَا وَقَفَتْ مَرْيَمُ عِنْدَ عَتَبَةِ الغُرْفَةِ تُرَاقِبُ ظَهْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ يَنْسَحِبُ بِهُدُوءٍ، وَشَعَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّ لَقَبَ "حَرَمِ الطَّبِيبِ" لَيْسَ مُجَرَّدَ رُتْبَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، بَلْ هُوَ دِرْعٌ مِنْ فُولَاذٍ.
​بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنَ الغُرْفَةِ، اسْتَقْبَلَهُ نُوحٌ بِوَقْفَةٍ مَائِلَةٍ وَابْتِسَامَةٍ بَارِدَةٍ تَقْطُرُ سُمّاً، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ سَاخِرَةٍ وَمُسْتَفِزَّةٍ:
​"يا حلاوة.. قال لك كان غريب شوية وبقالنا حبيب! مبروك يا دكتور، العقد اتكتب في رمشة عين."
​ثُمَّ التَفَتَ نَحْوَ خَالِهِ إِسْمَاعِيلَ بِنَظْرَةٍ وَقِحَةٍ، وَأَكْمَلَ بِلَهْجَةٍ غَرَضُهَا كَسْرُ هَيْبَةِ الرَّجُلِ:
​"لحقت تثق فيه يا خال؟ ده الحبر لسه مجفش في الورق، ولا الغريق بيتعلق بقشة وخلاص؟"
​سَادَ صَمْتٌ مُخِيفٌ، وَلَمْ يَتَحَدَّثْ إِسْمَاعِيلُ، بَلْ صَوَّبَ نَحْوَ نُوحٍ نَظْرَةً نَارِيَّةً حَادَّةً، كَانَتْ كَفِيلَةً بِأَنْ تَحْرِقَ الكَلِمَاتِ فِي جَوْفِهِ؛ نَظْرَةٌ جَمَعَتْ بَيْنَ قَهْرِ الأَبِ وَصَرَامَةِ الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَمُتْ كِبْرِيَاؤُهُ بَعْدُ. تَرَاجَعَ نُوحٌ خُطْوَةً لِلْخَلْفِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَصْمُتْ، بَلْ بَرْطَمَ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ وَهُوَ يَهْرَبُ بِعَيْنَيْهِ:
​"الثقة في النفس حلوة يا خال.. بس مش من شوية كنت بتعيط على خيبتك؟"
​هُنَا، لَمْ يَسْتَطِعْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ التَّجَاوُزَ أَكْثَرَ. تَحَرَّكَ خُطْوَةً وَاحِدَةً وَاثِقَةً، وَقَفَتْ فِيهَا الدُّنْيَا وَلَمْ تَقْعُدْ، وَاقْتَرَبَ مِنْ نُوحٍ حَتَّى أَصْبَحَ بِمُوَاجَهَتِهِ تَمَاماً، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَرَزِينٍ وَلَهُ وَقْعُ الرَّصَاصِ:
​"اللي بيعيط على خيبته يا نوح، هو اللي بيقف يتفرج على بيته وهو بيتحرق عشان يدفي إيديه.. وأنا عيني طويلة ويدي أطول!"
​ابْتَلَعَ نُوحٌ رِيقَهُ بِصُعُوبَةٍ، وَشَحَبَ وَجْهُهُ وَتَجَمَّدَتِ السَّخْرِيَةُ عَلَى شَفَتَيْهِ، وَلَمْ يَجْرُؤْ عَلَى رَدِّ الكَلِمَةِ بِمِثْلِهَا. 
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، الْتَفَتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ نَحْوَ سُوسَن، وَانْحَنَى بِوَقَارٍ لِيُقَبِّلَ يَدَهَا، ثُمَّ احْتَضَنَهَا بِحُنُوٍّ بَالِغٍ قَائِلًا:
​"أَنَا ابْنُكِ الثَّانِي يَا أُمِّي، وَأَخٌ لِبَنَاتِكِ.. عَهْدٌ عَلَيَّ، لَنْ يَنَالَ شَخْصٌ مِنْكُمْ بِسُوءٍ وَأَنَا عَلَى وَجْهِ الْحَيَاةِ مَا بَقِيتُ."
​وَدَّعَ الْجَمِيعَ بِاحْتِرَامٍ جَمٍّ، ثُمَّ اصْطَحَبَ وَالِدَتَهُ وَأَخْوَالَهُ الَّذِينَ لَمْ يَرُقْ لَهُمُ الْوَضْعُ الْمُهْتَزُّ لِهَذَا الْبَيْتِ بَتَاتًا. وَمَا إِنْ أُغْلِقَ الْبَابُ خَلْفَهُمْ، حَتَّى ثَقُلَ الْهَوَاءُ، وَتَكَهْرَبَتِ الْأَجْوَاءُ بِشُحْنَةٍ مِنَ الْغِلِّ الْمَكْتُومِ.
​تَقَدَّمَتْ نُور بِخُطَوَاتٍ مُرْتَعِشَةٍ تُحَاوِلُ مُبَارَكَةَ مَرْيَمَ، لَكِنَّ مَرَام قَطَعَتِ الطَّرِيقَ بَيْنَهُمَا كَالسَّدِّ الْمَنِيعِ، وَصَاحَتْ بِوَجْهِهَا بِنَبْرَةٍ تَقْطُرُ مَرَارَةً:
​"إِيَّاكِ أَنْ تَلْمَسِيهَا! أَنْتِ الَّتِي خَرَّبْتِ بَيْتِي.. أَنْتِ الْغَدَّارَةُ الَّتِي كَانَتْ تَتَسَلَّلُ لِحَيَاتِي لِتَهْدِمَهَا!"
​اشْتَعَلَتِ الِاتِّهَامَاتُ سَاخِنَةً، وَنُورُ لَا تَمْلِكُ سِوَى الدُّمُوعِ، لِتَنْدَفِعَ مَرْيَمُ صَارِخَةً لِتَفْصِلَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ هَزَّ أَرْكَانَ الصَّالَةِ:
​"تَوَقَّفُوا! كَفَاكُمْ ظُلْمًا لَهَا.. نُور لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ شَيْئًا! لَقَدْ خَدَعَهَا بِاسْمٍ مُسْتَعَارٍ، كَانَ يُوهِمُهَا بِالْحُبِّ تَحْتَ اسْمِ (عُمَر)، وَهِيَ الْمِسْكِينَةُ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا (الْعُمَرَ) لَيْسَ سِوَى (أَحْمَد).. زَوْجِكِ يَا مَرَام! لَقَدْ اسْتَغَلَّ صَدَاقَتَهَا لِي لِيَدْخُلَ بَيْنَنَا كَالسُّمِّ، هِيَ ضَحِيَّةٌ مِثْلُكِ تَمَامًا!"
​سَادَ وُجُومٌ قَاتِلٌ بَعْدَ هَذَا الِاعْتِرَافِ الصَّاعِقِ، قَطَعَهُ نُوحٌ بِتَهَكُّمِهِ الْمَعْهُودِ وَخَسَاسَتِهِ، وَهُوَ يُلَوِّحُ بِيَدِهِ سَاخِرًا:
​"إيه يا جماعة؟ هو أنتم مابتتشتطروش غير على الولايا؟ بتتكتروا على ولية مظلومة وغلبانة، طب كنتم ورونا فلاحتكم مع أحمد اللي لَبّسكم في الحيط!"
​لَمْ يَكَدْ نُوحٌ يُنْهِي جُمْلَتَهُ حَتَّى دَوَى صَوْتُ ارْتِطَامٍ عَنِيفٍ.. حَجَرٌ أُلْقِيَ مِنَ الشُّرْفَةِ بِقُوَّةٍ لِيَسْقُطَ تَحْتَ قَدَمِ إِسْمَاعِيل تَمَامًا. انْحَنَى بِظَهْرٍ مُنْهَكٍ وَالْتَقَطَهُ، لِيَجِدَ وَرَقَةً مَلْفُوفَةً حَوْلَهُ، فَتَحَهَا بِيَدٍ تَرْتَجِفُ، لِيُصْعَقَ بِالْكَلِمَاتِ:
​"يَحْيَى وَمَاتَ.. تُحِبُّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَحْصَلَهُ؟"
​تَجَمَّدَتِ الدِّمَاءُ فِي الْعُرُوقِ، وَسَقَطَتِ الْوَرَقَةُ مِنْ يَدِ إِسْمَاعِيلَ، بَيْنَمَا كَانَتِ الرِّيحُ تَعْصِفُ بِسَتَائِرِ الشُّرْفَةِ، مُعْلِنَةً أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَزَالُ يَقِفُ فِي الظِّلِّ، يَنْتَظِرُ ضَحِيَّتَهُ الْقَادِمَةَ.
​يقولون: "إنَّ الحقيقةَ مِثلُ النور، لا يُمكنُ حجبُها بغربالِ الصمت؛ لكنها حين تظهرُ فجأة، قد تحرقُ العيونَ التي اشتاقت لرؤيتها."
​رحل عبد الرحمن مخلفاً وراءه وعوداً بالنجاة، لكنَّ الظلَّ الذي يتربصُ بالشرفة كان له رأيٌ آخر. فهل كان "يحيى" هو القربان الأول لهذا البيت؟ وهل سيتحول "درع الفولاذ" الذي تفاخرت به مريم إلى كفنٍ جديد يرتديه الطبيبُ الذي جاء ليداوي جروحاً، فصار هو الجرح القادم؟
​تُرى.. مَن هو الذي يملكُ جرأةَ القتلِ وجرأةَ التهديدِ في آنٍ واحد؟ وما هو السرُّ المدفونُ مع "يحيى" والذي يُراد لـ "عبد الرحمن" أن يلحقَ به قبل أن يكشفَه؟
​غداً في الفصل السادس: "خيوطُ العنكبوت.. مَن الذي ينسجُ الموتَ في الظلام؟"
               

بين الركام والذكرى: خارج حدود الفترة

جاري التحميل...

بين الركام والذكرى

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

بين الركامِ والذكرى

     ​"الحياةُ التي نعيشُها كـ 'فديةٍ' عن موتِ من نحب، ليست حياةً؛ بل هي مراسمُ عزاءٍ طويلة، يتخللُها ضجيجُ القادمين الذين يظنون أننا على قيدِ الفرح."

تحت وطأة هذا القلق الذي لا يرحم، ومع زحف خيوط الفجر الأولى التي لم تحمل لمريم سوى مزيدٍ من الوحشة، ضاقت الجدران من حولها حتى كأنها أضلاعُ صدرٍ يوشك على الانفجار. لم يكن الخوف وحده ما ينهشها، بل ذلك الشعور الموحش بالضياع؛ فكل من حولها يرى "عروسًا" تتهيأ، بينما لا ترى هي إلا "ضحيةً" تُساق نحو قدرٍ مجهول المعالم.
انسلّت من غرفتها بخطواتٍ متعثرة، تقودها غريزة البحث عن مأمنٍ قديم، فدفعتها قدماها نحو غرفة "يحيى"، أخيها وتوأم روحها الغائب. هناك، حيث تفوح رائحة ذكرياتهما المشتركة، وحيث يسكن السكون الذي لا يجرح، جلست على مقعده الخشبي المهمل، وفتحت دفتره الذي طالما كان مستودعًا لأسرارهما. تناولت القلم، وبدأت تخطّ بمداد الوجع رسالةً إليه، وكأنها تستحضره من غيابه:
"إلى يحيى... يا شطر نفسي الذي رحل وتركني في مواجهة العواصف وحدي. أكتب إليك والضباب يلفّ عيني، والضجيج في رأسي يصمّ الآذان. أنا ضائعة يا يحيى... ضائعة في تيه صمتي الذي لم يجد قلبًا يفكّ شفراته، وخائفة من غدٍ يتربص بي خلف الأبواب. الكل ينظر إلى ملامحي، ولا أحد يرى الارتجاف الذي يسكن عروقي. لقد غبت، وغاب معك المرفأ الذي كان يفهم خوفي قبل أن أنطق، فمن لي اليوم بسندٍ لا يميل؟"
توقفت هنيهة، وقد بلّلت دمعةٌ حارقة طرف الصفحة، ثم قلبت الورقة بعنفٍ كمن يحاول الهروب من ماضيه، ليرتطم بحاضره، وخطّت بيمينٍ مهتزة تلك الرسالة التي وُلدت من رحم ليلتها الطويلة:
"إلى الرجل السابع..."
"لقد ألقيتَ بكلمة 'آنستِني' في محراب روحي المتعبة، فظننت أن الفجر قد أشرق. لكن يبدو أن الأشباح التي تطاردني لا تنام، وأن الطريق إليك مفروش بظلالٍ تأبى أن تغادرني. اللعبة بدأت فعلًا، وأنا الآن أقف بين صوتك الدافئ ويدٍ مجهولةٍ ألقت بحجر وعيدها في شرفتي. هل ستصمد بوصلتك حين تعلم أن مغامرتنا قد تحولت إلى ساحة معركة؟ غدًا سأعرف إن كنتَ منجًى، أم أنك ستكون الضحية الأرقى في قائمة خيباتي."
أغلقت الدفتر بقوة، وكأنها تودع فيه بقايا صمودها. استندت برأسها إلى المنضدة، والبرودة القاسية التي تسكن غرفة "يحيى" بدأت تتسلل إلى أعماقها، محوّلة القلق إلى يقينٍ مرير: أن معركة "المغرب" لن تكون لطلب يدها فحسب، بل ستكون فصلًا داميًا من فصول "الخراب" الذي يلاحقها، وأن اليد التي ظنتها سندًا قد تكون هي ذاتها التي تمسك بطرف الخيط في هذه اللعبة الملعونة.
وسط هذا الدخان الخانق من الذكريات، ارتمت مريم على كرسي يحيى الهزّاز، ذلك الكرسي الذي كان شاهدًا على أحلامهما الموءودة. بدأت تتأرجح به في حركةٍ رتيبةٍ مضطربة، وأغمضت عينيها بشدة، كأنها تحاول سحق الصور التي تهاجم مخيلتها. ومع كل "صرير" يصدره الكرسي على الأرض، كان صوت تأنيب الضمير يرتفع في صدرها كإيقاع مقصلة. راحت تئنّ بصوتٍ مكتوم، وتجلد ذاتها بسياط الذاكرة التي لا تشيخ؛ ففي عتمة الغرفة لم تعد ترى "المغرب" ولا "عبد الرحمن"، بل رأت ذلك اليوم المشؤوم الذي انفرط فيه عقد حياتها.
همست لنفسها بنبرةٍ تقطر مرارة:
"أنا التي قتلته... أنا من استعجلت الخطى نحو حتفي، فكان هو الفداء."
كانت مريم تؤمن بيقينٍ يحرق روحها أن تسرعها في ذلك الحين، ورعونتها التي لم تحسب للموت حسابًا، هما ما دفعا بـ"يحيى" ليكون الدرع الذي تلقّى الطعنة بدلًا عنها. كان موته "فديةً" لم تطلبها، وثمنًا باهظًا لحياةٍ باتت تراها اليوم عبئًا لا يُطاق. تأرجحت بقوةٍ أكبر، والكرسي يئنّ تحت ثقل وجعها، وهي تناجي طيفه الغائب:
"لو لم أكن بتلك الأنانية يا يحيى... لو أنني لم أندفع خلف سرابي، لكان مقعدك الآن عامرًا بوجودك، ولكان هذا 'المغرب' يمرّ بردًا وسلامًا تحت ظلك. قتلتك بيدي التي تظنها سندًا، وها هو الخراب الذي بدأ بموتك يعود ليحصد ما تبقى مني تحت مسمى 'الرجل السابع'."
غابت مريم في دوامة "الجلد الذاتي"، مسقطةً كل خيباتها الحالية على تلك اللحظة القديمة؛ فكل رجلٍ عبر حياتها وفشل، وكل تهديدٍ يصلها الآن، تراه عقابًا سماويًا مستحقًا لأنها لا تزال تتنفس، بينما يحيى يلحفه التراب بسببها. فتحت عينيها فجأة، وكانت النظرة فيهما خاويةً منكسرة، كأنها قررت أن "المواجهة" القادمة ليست لإيجاد شريك، بل مجرد جولة جديدة من جولات التكفير عن ذنبٍ لا يغفره قلبها أبدًا.
قطع صريرَ الكرسيّ وسلسلةَ أفكارها الجنائزية نقرةٌ خفيفةٌ على الباب؛ نقرةٌ لم تكن من النوع الذي يطلب الإذن، بل كانت أشبه بتذكيرٍ قسريٍّ بأن الزمن خارج هذه الغرفة لا يتوقف لمواساة أحد.
جمُدت مريم مكانها، وسكن الكرسيّ الهزّاز عن أنينه، بينما كانت أصابعها لا تزال تضغط على دفتر يحيى كأنها تتشبث بآخر خيطٍ يربطها بالسكينة. انفتح الباب ببطء، ولم تكن سوسن هي الطارقة، بل كان إسماعيل.
دخل والدُها بخطىً وئيدةٍ مثقلة، ووقارٍ يرتجف خلفه قلبٌ لا يقل لوعةً عن قلبها. اقترب منها ببطء، وكأن كل خطوةٍ يخطوها فوق سجاد غرفة ابنه الراحل تنكأ جرحًا قديمًا. وقف أمامها، ونظر إلى عينيها الغائرتين، وبصوتٍ محشرجٍ غلبه الشجن قال:
"مريم... أظن أن هناك فراغًا في روحك، كما هو ينخر في قلبي تمامًا... ولكن لا تحزني يا ابنتي."
صمت ليردّ غصّةً كادت أن تغلبه، ثم أكمل وهو يضع يده على كتفها بحنوّ:
"أنا هنا... كتفٌ لا يميل، وصديقٌ لا يخذل، وأبٌ لا يتمنى سوءًا لثمرة فؤاده أبدًا."
بمجرد أن نطق كلماته، انهارت كل حصون مريم، فاندسّت في أحضانه كطفلةٍ أضاعها الزحام فوجدت مأمنها. احتضنها إسماعيل بقوة، محاولًا أن يتماسك أمامها ليكون سياجها، لكن عينيه خذلتا وقاره؛ فتقطّرتا دمعًا حارًا لم تره هي، وهي غارقة في دفء صدره، بل شعرت به كأنه وسمٌ من الوجع المشترك يبارك حزنهما.
في تلك اللحظة، لم يكن إسماعيل مجرد أبٍ يزفّ ابنته إلى "مغربٍ" جديد، بل كان رفيق اليُتم الذي يدرك تمامًا أن الداخلين إلى الصالة الآن يطرقون بابًا خلفه أطلال رجلٍ غائب، وأن الموافقة على "السابع" ليست إلا محاولةً لترميم ما هدمه رحيل يحيى.
بكلماتٍ وُلدت من رحم الوجع، استمدّت مريم من دفء صدره شجاعةً مباغتة، فابتعدت عن أحضانه قليلًا، وهي لا تزال تتشبث بطرف كفّه، ونظرت إلى وجهه الذي خطّ فيه الزمان حكاية صبرهما، وقالت بنبرةٍ يملؤها الامتنان والتبتّل:
"أبي... لولا وجودك الذي يسيّج روحي، لالتحفت كفني منذ أمد. فما عزائي في وحشة هذه الدنيا إلا كنفك، وما صبري على عثرات الطريق إلا لأن فيها صوتك الذي يرمّم انكساري. فالحمد لله على راحلٍ نضرع إلى السماء أن يكون في فردوسها غارسًا، والحمد لله على حبيبٍ باقٍ يستر عورة حزني كلما انكشف رداؤها أمام الريح."
ثم انحنت بجلالٍ ومحبة، وطبعت قبلةً حارة على يده؛ قبلةً لم تكن لمجرد التقدير، بل كانت ميثاقًا جديدًا بأنها ستخطو نحو "المغرب" وهي تحمل في كفها بركة رضاه، وفي قلبها يقينًا بأنها مهما تعثرت، ستجد في ظله المرفأ الذي لا يغدر.
كانت كلماتها استعارةً كبرى للحياة؛ فقد جعلت من أبيها "الرداء" الذي يواري ندوب روحها، ومن توأمها الراحل "البذرة" التي ترجو ثمارها في الآخرة،
اقترب إسماعيل منها حتى انحنى قليلاً، كأنما يخشى أن تلتقط الجدران رجفته. مال نحو أذنها، وهمس بكلماتٍ حرص ألّا تتلقّاها حتى آذانُ الحائط:
"الأمر كلّه بين يدي الله... ولكن ثقي بقرارِ والدٍ لا يريد من الدنيا سوى راحتكِ."
ارتعش شيءٌ في ملامحها، وامتعض وجهها كمن ابتلع اعتراضه صامتًا. تحرّك هو نحو الباب بخطًى مثقلة، ثم توقف، والتفت خلفه؛ كانت ملامحها قد تبدّلت إلى ذلك الجمود الذي يسبق الانكسار.
قبض على يده كأنه يمسك بحقيقةٍ تنفلت، وقال بصوتٍ أخفض، كاعترافٍ ينتزع نفسه انتزاعًا:
"ليس لي من الأمر شيء... ولكن هذا ما أضمن به نجاتكِ."
وساد بينهما صمتٌ أثقل من الكلام؛ صمتُ أبٍ يدفع باب القدر بيدٍ مرتجفة، وابنةٍ لا تدري أهي تُسلَّم إلى النجاة أم إلى امتحانٍ آخر باسمها.«بمجردِ أن خرجَ وتركها أمام مواجهتها الموعودة، أمسكت بهاتفها كمن يُؤدي طقساً سرياً أخيراً. أجرتِ الاتصالَ الأول.. ثم الثاني.. ثم الثالث؛ اتصالاتٌ خاطفةٌ مريبة، لا تحملُ نجدةً ولا استغاثة، بل كانت تنبضُ بغموضٍ لا يُفهم كُنهُه. كانت مريمُ فيها غائبةً عن الحاضر، شاخصةً نحو مجهولٍ لا يراهُ غيرُها.
​ما إن انقطعَ الخطُّ الأخير، حتى رمتِ الهاتفَ بجانبها وكأنها تُلقي بجمرةٍ أحرقت بقايا صمودها، وانفجرت بنحيبٍ ممرورٍ زلزلَ أركانَ الغرفة، وهي تئنُّ بصوتٍ مزّقَ نياطَ الفؤاد:
​"واسفاه.. وا أسفاهُ على يحيى!"»

دَخلَ إسماعيلُ غرفتَه بخطىً متثاقلة، باحثاً عن ركنٍ يأوي إليه قبل أن تندلعَ العاصفةُ في الصالة، ليجدَ سوسن هناك؛ كانت تقفُ بصلابةٍ هشّة، تبتلعُ ريقَها بصعوبةٍ وكأنَّ غصّةً في حلقها تأبى الانحدار، وعيناها اللامعتانِ بالدَّمعِ تكتمانِ صرخةً مجهضة.
​تجاهلَ إسماعيلُ توتُّرَها الجليّ، وأشارَ بيدهِ إلى المنضدةِ المجاورةِ لها قائلاً بصوتٍ خافت:
"ناوليني الهاتفَ الذي بجانبكِ يا سوسن."
​تصلَّبت في مكانها، وتردَّدت أصابعُها في الامتثال، وكأنها ترومُ تجاهلَ طلبِه لتدفعَ قدراً لا تريدُه أن يقع، لكنها سرعانَ ما رضخَت؛ فهي في ذروةِ انكسارها لا تحتملُ رؤيةَ وجههِ واجماً أو غاضباً، فإسماعيلُ كان دائماً مَدارَ كونِها الذي تخشى اختلالَه.
​مدَّت يدَها بالهاتف، وقالت بنبرةٍ يملؤها الوجعُ والاعتراض:
"لستُ راضيةً.. وأعلنُ لكَ اعتراضي التام على ما يحدث."
​أخذَ إسماعيلُ الهاتفَ منها، ودونَ أن يرفعَ نظرَه ليلتقي بعينيها، سألَ ببرودٍ لا يعكسُ الغليانَ في داخله:
"على أيِّ الأمرينِ تعترضين يا سوسن؟"
​أجابت بسرعة، والدمعةُ كادَت أن تفرَّ من محبسها:
"على كليْهما.. على هذا الموعد، وعلى ما تنوي فعلَه الآن."
​تنهَّدَ إسماعيلُ تنهيدةً طويلة، كأنما يطردُ بها بقايا الأكسجينِ من صدره، ثم وضعَ الهاتفَ على أذنِه وقال بلهجةٍ قاطعة:
"ليس على المضطرِ إلا الهربُ أو الصبر.. وبما أنَّ الهربَ غيرُ متاح، فلم يبقَ لنا إلا الصبر."
​اشتعلَ القلقُ في عيني سوسن، واقتربت منه خطوةً وهي تهمسُ بجزع:
"سيتحولُ الأمرُ إلى كارثةٍ محققةٍ بمجردِ وجودِ.."
​وقبل أن يخرجَ الاسمُ من بين شفتيها، رفعَ إسماعيلُ سبّابته ووضعَها على فمهِ في إشارةٍ آمرةٍ بالسكوت. خيَّمَ صمتٌ ثقيلٌ ومفاجئ، فابتلعت سوسنُ كلماتِها، وبقيت تطالعُه بنظرةٍ مزيجُها العتابُ المرّ، والقلقُ القاتل، والاعتراضُ الذي لا يجدُ له مخرجاً، بينما كان هو قد غابَ في الاتصال، منتظراً صوتاً قد يقلبُ موازينَ هذا "المغرب" تماماً.
وصلت نور إلى منزل هاجر والبشرُ يطفحُ على وجهها، فقد كانت مريم قد وجهت لهما دعوةً لحدثٍ عائليٍّ دافئ، بدا في ظاهرهِ غايةً في الألفة. وعلى الرغم من رواسب الغضب التي سكنت قلب هاجر تجاه نور، إلا أنها ابتلعتها بمرارةٍ إكراماً لمريم، وآثرت الصمتَ ريثما تنتهي مراسمُ الاستعداد.
​وبينما كانتا تتجهزان، انطلقت نور في حديثٍ محمومٍ عن "عمر"، واصفةً غيرته المشتعلة التي تمنعها من الخروج، وكيف أنها في هذه المرة اختارت التمردَ وخرجت دون علمه لئلا يفسد عليها بهجتها.
​رمقتها هاجر بنظرةٍ طافحةٍ بالاشمئزاز، ولم تستطع لجامَ لسانها أكثر، فقالت بنبرةٍ حادة:
"وهل لرجلٍ أن يحكمَ امرأةً لم تُكتب بعدُ زوجةً له؟ وهل لامرأةٍ أن تصدّقَ وعودَ رجلٍ لا يفي حتى برسالة؟"
​استشاطت نور غضباً من كلمات هاجر، وقررت إلقاء ورقتها الرابحة لتُخرسَ شكوكها، فقالت والزهوُ يملأ صوتها:
"لقد حددَ موعدَ الخطبةِ بعد أسبوعين من الآن! بل إن الذهبَ قد اشتراهُ بالفعل، وكان يخبئه لي كمفاجأة."
​خيم الصمتُ على الغرفة، وشعرت هاجر بريبةٍ تنهشُ صدرها؛ فالأمرُ يبدو مثالياً أكثر مما ينبغي، لكنها آثرت الصمتَ وهي ترى نور عمياءَ لا تُبصرُ إلا "عمر"، ولا تسمعُ إلا صدى صوته.
​انتهت مراسمُ الزينةِ بقلوبٍ متباينة، واستقلتا سيارةَ أجرةٍ تشقُّ الزحامَ نحوَ منزلِ مريم، حيثُ كان "المغربُ" ينتظرهما بما لا تشتهيهِ الأنفس.
​بينما كانت سيارةُ الأجرةِ تنهبُ الطريقَ نهباً، غَرقت هاجر في صمتٍ ثقيلٍ لا يقطعُه سِوى رنينُ كلماتِ نور المتكررةِ عن "عمر". نظرت إلى صديقتها التي كانت تُعيدُ طلاءَ شفتيها بزهو، وشعرت برغبةٍ عارمةٍ في هزِّ كتفيها لعلَّها تستفيقُ من هذا السحرِ الزائف.
​الريبةُ التي كانت تأكلُ صدرَ هاجر لم تكن مجردَ حدسٍ عابر، بل كانت مبنيةً على حقيقةٍ صارخةٍ ومخيفة: لا أحد، لا هي ولا مريم، قد وقعت عيناهما على وجه "عمر" يوماً. كان بالنسبةِ لهما مجردَ "صوتٍ" في الهاتف، و"حكايةً" ترويها نور، و"طيفاً" يتبخرُ كلما اقتربت منه الحقيقة. تذكرت هاجر كيف كانت مريمُ تحاولُ مراراً أن يكتملَ نصابُ جلستهم، أن تراهُ لتعرفَ مَن هذا الذي ملكَ قلبَ صديقتها، لكنَّ الأعذارَ كانت دائماً جاهزةً ومفصلةً على مقاسِ الهروب. كان يختفي كالدخانِ في اللحظةِ التي يُذكرُ فيها لقاءٌ يجمعه بمريم وهاجر، وكأنَّ ملامحَه سرٌّ عسكريٌّ يخشى أن يُفضح، أو كأنَّ رؤيتهما له هي الصاعقُ الذي سيفجرُ كيانَه الهشّ.
​والأدهى من ذلك كله، تلك القصةُ التي روتها نور بساذجةٍ مفرطة، حين أخبرت هاجر أنَّ عمر اضطرَّ للاختباء في "مكانٍ سريّ" لأيام، مدعياً أنه مُطاردٌ من قِبَلِ جهاتٍ مجهولةٍ بسبب "أهميته"، وكان يمنعُها بصرامةٍ من الاتصالِ به ليلاً. استرجعت هاجر تلك التفاصيل بمرارة، وقارنتها بكذبته الأخرى حين زعم السفر إلى السعودية، ليتصلَ في اليوم التالي من رقمٍ محليّ بحججٍ واهية.
​تنهدت هاجر وهي تراقبُ اقترابَ منزل مريم، وشعرت بقشعريرةٍ غريبةٍ تسري في جسدها؛ فبينما يذهبون اليوم للاحتفاء بخطبة مريم، كان شبحُ "عمر" الذي يخشى الضوءَ يحومُ فوق رأسها. تساءلت في سرها بنبرةٍ يملؤها الوجل: "لماذا يهربُ منا إلى هذا الحد؟ هل يخشى أن نكشفَ ملامحَه، أم يخشى أن نكشفَ حقيقتَه التي لا يعلمُها إلا هو؟"
و هنالك بينما كان التوترُ في غرفِ المنزلِ قد بلغَ ذروته، قُطعت خيوطُ الصمتِ بطرقاتٍ عنيفةٍ وجامدة على البابِ الخارجي. فتحت سوسن البابَ لتجدَ أمامها "مريم"، عمة مريم التي سُميت على اسمها، تقفُ بوجهٍ صخريٍّ خالٍ من أيِّ تعاطف، ويتبعها شابٌ في مقتبلِ العمر يُدعى "نوح".
​كانت ملامحُ نوح تنطقُ بالفجور؛ نظراتُه الزائدةُ عن حدِّ الوقاحة، وشعرُه المصففُ بعنايةٍ مريبة، وحتى طريقةُ وقفتِه المستفزة كانت توحي بشخصٍ لا يقيمُ وزناً للمقدسات. حين حاولت سوسن ممانعته، لوى شدقه باحتقارٍ وقال بنبرةٍ صائعة:
"ما بالكِ يا زوجة الخال؟ هل تظنين أن هذا المسحوق الذي وضعتموه على وجه ابنتكِ سيسترُ ما نعرفه؟ تنحي عن طريقي.."
​وقبل أن تكمل سوسن اعتراضها، رفع نوح يده في الهواء بحركةٍ عدائية، ملوحاً باستعدادٍ صريحٍ للتهجم، وكأنه يهمُّ بكسر أي حاجزٍ يقف بينه وبين الداخل.
​اندفع إسماعيل كالسهمِ ليزرعَ جسدَه الحازمَ بين سوسن ووقاحةِ نوح، واضعاً يداً صلبةً على صدرِ الفتى ليردَّه إلى الوراء. وقفَ الخالُ وابنُ الأختِ وجهاً لوجه؛ صمودٌ وقورٌ أمامَ فجورٍ مستعر. ذمَّ نوحُ شفتيهِ بحقارة، وأطلقَ سبّةً نابيةً هزت سكونَ الرواق، وكأنه يبصقُ على حرمةِ المكانِ ومَن فيه.
​في تلك اللحظة، جاء صوتُ "محمد" —والد نوح— من خلفِ عتبةِ الباب، بارداً، فجاً، وخالياً من أيِّ نخوة، وهو يقول:
"تأدب يا نوح.. كفَّ عن صبيانيتك، فلا نريدُ لهذه الليلةِ أن تفسدَ قبل أن تكتملَ الشكلياتُ التي جئنا لأجلِها؛ فالمظاهرُ اليوم أغلى من الحقيقة."
​تراجعَ نوحُ بتمردٍ واهن، وهو يبرطمُ بكلماتٍ بذيئة، وعيناهُ تجولانِ في الصالةِ كذئبٍ يتحينُ الفرصةَ لقلبِ الموائدِ وتحويلِ هذه الخطبة إلى كارثةٍ تروي غليلَ حقده.
​وفي الغرفةِ المجاورة، كانت مها تنكبُّ على وجهِ مريم، تحاولُ رسمَ ملامحِ الفرحِ فوق ملامحِ الموت، لكنَّ أصابعَها كانت ترتعشُ بذهولٍ من صدى صوتِ نوح الذي اخترقَ الجدران، والذعرُ يأكلُ قلبَها من "كارثةٍ" باتت تشمُّ رائحتَها في الأفق.
​وسط هذا الغليانِ المكتوم، كانت مرام بعيدةً عن هذا الصراع، تمسكُ هاتفَها بفرحةٍ طفوليةٍ تتناقضُ تماماً مع قتامةِ الموقف، صرخت بسعادةٍ وهي تنظرُ للشاشة:
"أخيراً! ردَّ أحمد على هاتفه.. إنه قادم! أخبرني أنه عانى الأمرين ليحصلَ على إجازةٍ من القسمِ الذي يعملُ به، لكنه في الطريقِ إلينا الآن."
​بينما كانت الصالةُ تغلي بصمتِها، دخلت هاجر ونور، فكان حضورهما كسكبِ الزيتِ فوق جمرٍ متقد. توقفت نور في منتصفِ الردهةِ تلملمُ شتاتَ فستانِها بزهوٍ وهي توزعُ ابتساماتِها المشرقة، غيرَ مدركةٍ أنها دخلت عرينَ ذئاب.
​في تلك اللحظة، تسمرت عينا هذا الشاب الغريب —الذي لم تره هاجر أو نور من قبل— على نور. انطفأت لغةُ التهديدِ في جسدِه وحلَّت محلَّها نظرةٌ مفترسةٌ نضحَتْ بإعجابٍ شديدٍ وفجّ. تفحّصها من أخمصِ قدميها إلى خصلاتِ شعرِها بوقاحةٍ لم تُعهد، ولوى شِدقَهُ بابتسامةٍ لزجةٍ تنمُّ عن رغبةٍ تملّكتْه في ثوانٍ. بدت نور في عينيه صيداً أثمنَ بكثيرٍ من مجردِ تعكيرِ صفوِ خِطبةِ ابنةِ خالِه.
​لم يكتفِ نوحُ بالنظر، بل عدلَ من وقفتِه المستفزة، وأرخى يدَهُ التي كانت مرفوعةً للتهديد، وهمسَ بصوتٍ مسموعٍ وهو يرمقُها:
"يا لمحاسنِ الصُّدف.. يبدو أنَّ ليلتَنا بدأت تحلو الآن."
​انقبضَ قلبُ هاجر وهي تراقبُ تلك النظراتِ التي تنهشُ صديقتَها، ورأت ارتباك نور الذي يكاد ينقلب لخجلٍ زائف أمام غريبٍ لا تعرف حتى اسمه، فجذبتها من معصمها بقوةٍ كادت تقلعها من مكانها، وقالت بنبرةٍ خافتة يملؤها السخط:
"أفيقي يا نور وكُفّي عن هذا التباهي الأبله؛ فأنتِ الآن في مرمى بصرِ شيطانٍ مجهول!"
​كانت شرارةُ الفضولِ المسمومِ قد قُدحت في عينيّ نوح، وكأنه وجدَ في نور ضالتَه التي سيفرغُ فيها كلَّ فجورِه. تلاقت نظراتُه مع نظراتِ إسماعيل المحذرة، فما كان من نوح إلا أن غمزَ بعينِه بوقاحةٍ مستفزة، وكأنه يتحدى الجميعَ في مُلكِهم.
​في هذه اللحظة، قطعت مرام الصمتَ وهي تلوحُ بهاتفها تجاه القادمين، صائحةً ببهجةٍ بدت وكأنها تأتي من كوكبٍ آخر:
"لقد وصلتِ يا هاجر! ونور أيضاً! اكتملت الليلة، وأحمدُ على وصول.. القسمُ وافقَ أخيراً على إجازته!"
​عند ذكر "القسم"، لاحظت هاجرُ ارتعاشةً طفيفةً في طرفِ عينِ نوح، وانقباضةً في فكِّه، وكأنَّ اسمَ القانونِ يلسعُ جِلدَه. زادَ ذلك من يقينِ هاجر بأنَّ خلفَ هذه الخطبةِ جبالاً من الأسرارِ التي لم تُكشف بعد، وأنَّ مريمَ العروسَ القابعةَ في الداخل ليست الوحيدةَ التي تواجهُ مصيراً مجهولاً.
​اتجهت الأنظارُ جميعاً نحو الرواقِ المؤدي لغرفةِ مريم، حيثُ كانت مها قد انتهت للتو، وخرجت بملامح يكسوها الوجوم.
بينما كان التوترُ سيدَ الموقفِ، فُتح البابُ من جديدٍ ليدخلَ عمُّها الأصغر "رضا"، ترافقه زوجته "أمل" وابنتهما "خديجة".
​كان دخولُ خديجة تحديداً هو الشعرةَ التي قصمت ظهرَ الثباتِ في ذلك المساء؛ فبمجردِ أن وقعت عينا سوسن عليها، انهارَ كلُّ ما تبقى من تماسكِها. انفطرَ قلبُ سوسن في مشهدٍ مهيبٍ، وانطلقت منها صرخةُ لوعةٍ متبوعةٍ ببكاءٍ مرٍّ وحرقةٍ هزت أركانَ المكانِ، حتى تحولَ جوُّ المنزلِ في لحظاتٍ من صخبِ الخطبةِ إلى ما يشبهُ مأتمَ عزاءٍ حقيقيّ.
​ارتجفتِ الجدرانُ لشهقاتِها التي كانت تخرجُ من أعماقِ روحٍ مكلومةٍ، وبينما وقفَ الجميعُ في صدمةٍ شلت أطرافَهم، تقدمَ إسماعيل بخطىً حازمةٍ وقلبٍ يقطرُ وجعاً على حالِها. أمسك بيديها بقوةٍ ورفقٍ، وسحبَها من وسطِ الذهولِ؛ ليدخلَ بها إلى غرفتِهِ ويغلقَ البابَ وراءَهما، تاركاً الجميعَ في صمتٍ مطبقٍ وصدمةٍ لم يقطعْها سوى نظراتِ "نوح" المريبةِ التي كانت تراقبُ الحطامَ ببرودٍ.
بينما كانتِ الأنفاسُ تُحبسُ خلفَ بابِ غرفةِ إسماعيل، سادَ في الصالةِ هدوءٌ حذرٌ ومريب. جلست نور بعد أن سلّمت على الجميع، في حين انسحبت مها عائدةً إلى مريم، ودلفت مرام إلى المطبخِ لتضيفَ المعازيم وتحاولَ كسرَ حدةِ الصمتِ الثقيل.
​اقتربت نور من هاجر، ومالت عليها هامسةً بضجرٍ تام:
"دى خطوبة ولا عزاء؟ ايه الدراما الزايدة دي؟"
​بينما كانت نور غارقةً في تذمرها الساخر، لم تلحظ أن نوحاً قد تحرك بخفة الأفاعي ليقف خلفها تماماً، متحيناً الفرصة ليخترق مساحتها الخاصة. التقطت أذناه جملتها المتهكمة، فمال برأسه قليلاً حتى كادت أنفاسه تلامس أذنها، وقال بنبرةٍ لعوبة ونظرةٍ لا تخلو من مكر:
"إحنا عيلة نموت في الدراما، ولينا في سهام الحب..!"
​انتفضت نور من مفاجأتها، لكن بريق نظراته المفترسة ومجاملته المبطنة جعلاها تبتسم رغماً عنها. لم ينتظر نوح رد فعلها، بل مد يده بثقةٍ ووقاحة وهو يصافحها قائلاً:
"سلمي عليا عشان أكون أول حد سلّم على قمر."
​اتسعت ابتسامة نور، وبدت وكأنها نسيت تماماً جو العزاء الذي كانت تنقده منذ لحظات. في تلك الثانية، وكزتها هاجر في ذراعها وكزةً قوية ومحذرة، وهي تنظر لنوح بنفورٍ واضح. انتبه نوح لحركة هاجر، فلوى شدقه بامتطاضٍ وسخرية، وأشار إليها بيده وهو يوجه كلامه لنور:
"صاحبتك مالهاش في الفرفشة ولا إيه؟ سيبي البت تفك يمكن..!"
​ثم سكت برهة، وغمز لنور غزةً جريئة أتبعها بجملةٍ ذات مغزى:
"يمكن السنارة تغمز!"
​بعد لحظاتٍ، انطلقت من الأسفل صرخاتُ زغاريد مدوية، كانت "سلوى" —والدة عبد الرحمن— تقودُها بحماسٍ مفرطٍ وهي تدلفُ من بابِ المنزل، ويتبعها العريسُ "عبد الرحمن"، وخلفهما يخطو أخوالُه الاثنان بوقارٍ يفرضُ حضوراً ثقيلاً في الصالة.
​في تلك اللحظة، فُتح بابُ الغرفةِ وخرجَ إسماعيل بملامح جامدة، تتبعه سوسن التي خرجت منكسرة الأعين، باهتةً وكأنَّ الزغاريد التي تملأ الأجواء تسحقُ عظامَ صدرِها سحقاً. حاولت هاجر جاهدةً تداركَ الموقف، فشدت نور من يدِها بقوةٍ لتدخلَ بها إلى الداخل بعيداً عن نظراتِ نوح، هامسةً بحدة: "تعالي معي يا نور، يكفي إلى هنا!"
​لكنَّ نور لم تتجاوب؛ بقيت متصلبةً في مكانها، وعيناها معلقتان بـ "عبد الرحمن" وعائلته، ففلتت يدُها من قبضةِ هاجر التي لم تجد بداً من الانسحابِ وحدها أو الوقوفِ عاجزة. استغلَّ نوح هذه الفجوةَ على الفور، وتحرك ببرودٍ ليجلسَ في المقعدِ الشاغرِ بجانبِ نور تماماً، ومالَ نحوها بابتسامةٍ واثقة وعيناه تلمعانِ ببريقٍ شيطانيٍّ وهو يشيرُ إلى سوسن المنكسرة وعبد الرحمن القادم، وقال هامساً:
"أهو الدراما اللى بجد أبتدأت!"
​أطبقت "سلوى" على "سوسن" في احتضانٍ حار، بدت فيه سلوى وكأنها تفرضُ انتصارَها، بينما كانت سوسن في يديها كالجسدِ الهامد، مستسلمةً لزغاريدِ أختِ زوجِها التي كانت تخترقُ أذنيها بحدة. في تلك الأثناء، وقف عبد الرحمن في منتصفِ الصالة، وبدأ يبحثُ بعينيه في أرجاء المكانِ بتلهفٍ مشوبٍ بالغرور؛ لم تكن عيناهُ تبحثانِ عن مريم فقط، بل كان يستكشفُ ملامحَ الحاضرين وكأنه يتفقدُ ممتلكاتِهِ الجديدة.
​راقب نوح هذا المشهد، واشتعلت في عينيه نظراتٌ حاقدة، ولوى شِدقهُ بسخريةٍ وهو يميلُ نحو نور ليواصلَ نفثَ سمومِهِ في أذنها، قائلاً بنبرةٍ متهكمة:
"أهو عريس الغفلة طلع مش بطال وحلو.. خسارة فيه الهليلة دي!"
​بدأت الصالةُ تمتلئُ بضجيجِ المظاهر؛ حيثُ اقتربَ أعمامُ مريم وأخوالُ عبد الرحمن من بعضهم البعض، وتبادلوا التحايا الحارة والقبلاتِ البروتوكولية، ليتشابك نسيجُ العائلتين في مشهدٍ احتفاليٍّ صاخب. وسرعان ما سادَ الجوَّ زغاريدُ متواصلة، وبدأ بعضُ الشبابِ من طرفِ العريسِ في الرقص على إيقاعِ الفرحِ المصطنع، مما جعلَ الصالةَ تهتزُّ بهذا التناقضِ الصارخ؛ رقصٌ وصخبٌ في الخارج، وانكسارٌ صامتٌ يمزقُ قلبَ سوسن ومريم في الداخل.
هدأ الجوُّ قليلاً، وانخرط كلُّ طرفٍ في حديثٍ جانبيٍّ مع مَن يجلسُ بجواره، إلا أنَّ عبد الرحمن كان في عالمٍ آخر؛ بدا عليه التوترُ وجلياً فيه قلةُ الصبر، وكانت عيناهُ تطوفانِ على أبوابِ الغرفِ بقلقٍ، محاولاً تخمينَ البابِ الذي ستخرجُ منه عروسُه المنتظرة.
​التقطت "مريم العمة" نظراتِه المتلهفة، فقررت أن تمازحَه مزاحاً ثقيلاً أمام الحاضرين قائلة:
"مدلوق يا عريس! هي مريم هتطير؟ كدا كدا هتجيلك." رسم عبد الرحمن على وجهه ابتسامةً صفراء باهتة، محاولاً مداراةَ إحراجِه وتوترِه الذي فضحته نظراتُه.
​في زاويةٍ أخرى، كان نوح يغزلُ خيوطَه حول نور، مستغلاً خفتَها واندفاعَها. مال نحوها برأسِه، وبنبرةٍ هادئةٍ فيها "بحة" واثقة ونظرةٍ مائلة، ألقى سؤاله بأسلوبٍ جعلها تشعر أنها تحت مجهرِ اهتمامِه:
"إلا قوليلي يا غزال.. مش هتقوليلي اسمك ولا هتخليني محتار؟" ردت عليه بابتسامةٍ واسعة وإعجابٍ لم تستطع إخفاءه بنبرته الجريئة:
"نور." أجابها بلمحةٍ ذكية وهو يحركُ شفتيه بمكرٍ سرق انتباهها:
"أوعى.. ده إحنا فينا حروف من بعض!" ثم مدَّ يده إليها ببطءٍ وثقةٍ مفرطة، وكأنَّ العالمَ قد توقفَ عند هذه المصافحة، وقال:
"نوح." وقبل أن تسحبَ يدها، غمز لها غزةً خاطفة وألقى جملته التي أتمت الحصار:
"مش قولتلك السنارة غمزت يعنى غمزت؟"
مالت نور نحو نوح أكثر، وقد تملكها الفضول لمعرفة أي "سقطة" تخص هذا العريس الذي قلب الدنيا، فأرادت سحبه في الكلام بذكاء الأنثى، وسألته بنبرة خافتة تحمل تساؤلاً مبطناً عن قيمة عبد الرحمن.
​التمع الحقد في عيني نوح، وأجابها بنبرة غيرة لم يستطع مداراتها، وهو يلوِي فمه بسخرية:
"قالك دكتور؟ شكله دكتور معيز! أصل مريم هتتجوز حد عدل " اكمل بحنق " بعيد عن شنب أبوها؟"
ثم نظر الى نور بنظرة تأكيد : " اه والله زي ما بقولك " 
​شعرت نور بسعادة داخلية غامرة لهذا الاستهزاء؛ فداخلها يرفض تماماً أن يكون "عبد الرحمن" أفضل من "عمر" أو أن تحظى مريم بما هو أحسن. لمعت عيناها بتشجيع جعل نوح يكمل بمرارة وهو يقلد نبرة المثالية:
"وقالِك إيه.. قالِك بخاف ربنا وطيب! دا إحنا كلنا بنخاف ربنا وطيبين، بس يلا.. اختلاف طبقات، ناس عنصرية بجد !"
​ابتسمت نور بخبثٍ وهي تتأمل ملامحه الحانقة، وردت عليه بنبرةٍ ناعمة تقطر مكراً:
"لا.. شكلك طيب فعلاً أوي أوي!"
بينما كان نوح يغرق في نفث سمومه ونور تنهل منها بتلذذ، قطعت هاجر هذا الحصار الصامت بعودة حازمة. لم تمنح نور فرصة للاسترسال في نظرات الخبث المتبادلة، بل هجمت عليها وسحبتها من يدها بقوة لا تقبل الجدل، متجاهلة نظرات نوح المستفزة.
​سحبتها بعيداً عن "منطقة الخطر" باتجاه المطبخ، وهي تهمس بصرامة مكتومة:
"كفاية كلام لحد كدا.. تعالي ساعدي مرام في واجب الضيافة، المعازيم ماليين البيت!"
​دخلت نور إلى المطبخ وهي تجر أذيال التذمر، بينما كانت مرام هناك تحاول السيطرة على حركة الأطباق والأكواب وسط ضجيج الزغاريد الذي لا يهدأ في الخارج. وقفت نور بملل تقلب في أكواب العصير، لكن عقلها كان لا يزال هناك.. مع "دكتور المعيز" كما وصفه نوح، ومع تلك "السنارة" التي غمزت وأيقظت في داخلها رغبة عارمة في إفساد هذا المشهد المثالي.
​التدقيق اللغوي للمشهد:
​عادت هاجر فجأة، وبحركة حازمة سحبت نور من يدها لتقطع ذلك الحديث المريب، متجهة بها صوب المطبخ لمساعدة مرام في إكمال واجب الضيافة، وهي تهمس بحدة:
"تعالي ساعدي مرام، ليس وقت الجلوس الآن!"
​لم تتجاوب نور بسهولة، بل دخلت المطبخ بملل واضح، بينما كانت مرام غارقة بين الأطباق والأكواب، تحاول لملمة شتات الموقف وتلبية طلبات المعازيم الذين ملأوا ردهات المنزل، والزغاريد لا تزال تصمُّ الآذان في الخارج.
خرجت مريم أخيراً، تتقدمُ بخطواتٍ وئيدة وهي تحملُ صينيةَ الضيافة. كانت ملامحُها عاديةً جداً؛ لم تضع من "المكياج" إلا القليل الذي لم يفلح في مواراةِ شحوبِها، ولم تبذل أدنى مجهودٍ للفتِ الانتباه، كأنها ضيفٌ غريب في احتفالٍ يخصُّ شخصاً آخر.
​توقفت الزغاريدُ تدريجياً، وسادَ صمتٌ ترقبيٌّ قطعَه إسماعيل حين وقفَ في منتصفِ الصالة بوقارٍ حازم، وقال بصوتٍ جهوريٍّ لغتُه فصيحة وقاطعة:
"أيها الحضور.. لقد قررنا أن نبارك هذا الجمع ونُتمَّ النعمة؛ لذا أعلمكم أن ليلتنا هذه ليست لمجرد الخطبة، بل هي ليلة عقدِ القِران، وسيكونُ كتبُ الكتابِ الآن أمامكم جميعاً."
​سقطت الكلماتُ كالصاعقة على الحضور، وارتسم الذهولُ على وجوهِ أقاربِ إسماعيل الذين تبادلوا نظراتٍ مستنكرة. أما نوح، فقد انتفضَ من مكانِه، والشررُ يتطايرُ من عينيه، ورمى بجملتين كادتا أن تحرقا هدوءَ الجلسة وهو ينظرُ لإسماعيل برفضٍ قاطع:
"عقد قرآن مرة واحدة؟! ده إحنا كدا بنسلق بيض مش بنجوز بنتنا يا حاج إسماعيل.. والقرار ده ميتوافقش عليه بالساهل كدا!"
​لم يكد نوح ينهي جملته المتهكمة حتى اندفع والده محمد نحوه، وأطبق على يده بقوةٍ كادت تهرس عظام كفه، وجذبه نحوه في حزمٍ أرعب الحاضرين. اقترب محمد من أذن ابنه، وهسيسُ أنفاسه يخرجُ كأنه فحيحُ أفعى، قائلاً بنبرةٍ غليظةٍ تحملُ وعيداً لا يقبل النقاش:
"لو سمعت صوتك تاني يا نوح، هنسى إننا قدام ناس وهتكون ليلتك سودة على دماغك.. كلمة زيادة وهطلعك من هنا على نقالة، فاهم ولا لأ؟"
​ابتلع نوح ريقه بصعوبة، وتراجعت كلماتُه المسمومة خلف جدارِ خوفِه من والده، بينما ظلَّت نظراتُه تشتعلُ حقداً. سادَ الوجومُ أرجاءَ الصالة، وكأنَّ تهديدَ محمد لنوح كان بمثابةِ المسمارِ الأخير الذي دُقَّ في نعشِ أيِّ اعتراضٍ محتمل.
​وقف إسماعيل بصلابته المصطنعة، متجاهلاً هذه المشاحنة، وكأنه لم يسمع سوى صوتِ قدرِ مريم الذي يُكتبُ الآن. أما سوسن، فقد أغمضت عينيها وهي تشعرُ أنَّ جدرانَ المنزلِ تضيقُ عليها، والزغاريدُ التي انطلقت مجدداً من طرف "سلوى" كانت كأنها صرخاتٌ في جنازةٍ مهيبة.
تراجع نوح وهو يزفر حنقاً تحت قبضة والده، بينما كان عمه رضا (والد خديجة) يجلس بوقار المأذون وهيبته، فاتحاً دفتره الكبير أمام الجميع ومستعداً لتوثيق العقد. أما إسماعيل، فقد ظلَّ واقفاً كالجبل، لم يلتفت لمهاترات ابن أخيه، بل وجه نظره مباشرةً إلى شقيقه رضا وهو يقول بصوته الرخيم بالفصحى:
​"باشِر عملك يا أبا خديجة.. فخيرُ البرِّ عاجله."
​بدأ رضا في تحضير الأوراق وسحب القلم، وخيم على الصالة صمتٌ جنائزيٌّ لم تكسره إلا همسات النسوة المذعورة، بينما وضعت مريم الصينية على الطاولة بآليةٍ خاوية، وهي تنظر لعمها
 "المأذون" الذي سيخط بيده صك ملكية عبد الرحمن لها.
في اللحظة التي أخرج فيها رضا قلمَه ليدونَ البيانات، خرجت مرام ومها ونور من المطبخ. وفي تلك الثانيةِ تحديداً، فُتح بابُ الشقةِ ليدخلَ رجلٌ تسبقُه ملامحُه الواثقة، فتجمدت الدماءُ في عروقِ نور واتسعت حدقتاها بفزعٍ شلَّ حركتها.
​سقطت منها الكلماتُ بذهولٍ وصرخت بصوتٍ مهزوز:
"عمر! أنتَ إيه اللي جابك هنا؟!"
​التفتت مريم وهاجر وجميعُ الحاضرين ناحيةَ البابِ بوجوهٍ شاحبة، والعيونُ تتنقلُ بحيرةٍ بين نور والرجل الواقف. قطعت مرام الصمتَ وهي تنظرُ لنور باستنكارٍ شديد، وقالت بنبرةٍ حادة:
"عمر مين يا ماما؟ دا جوزي أحمد!"
​هبط الصمتُ كالجبلِ على الوجوه، وتلجمت الألسنُ وانعقدت الصدمةُ فوق الرؤوس؛ فنظراتُ "أحمد" المترددة وذهولُ "نور" الصارخ وضعا الجميع في قلب عاصفةٍ لم يحسبوا لها حساباً. وسط هذا الذهول، كان نوح هو الوحيد الذي انتعشت روحه؛ رسم ابتسامةً عريضةً تنمُّ عن رضا وغبطة، وهزَّ رأسَه ببطءٍ وهو يراقبُ اشتعالَ الفتيل.
​قلب نوح لسانَه في فمه بتلذذ، ثم قال بنبرةٍ متهكمةٍ وصوتٍ مسموع:
"أوعى.. دي الليلة ولعة! حلوة لما تيجي من غير مجهود ومش متخططلها.. شابوه على المفاجأة!"

​"حين انفتحَ الباب، لم يدخل 'أحمد' كما ظنت مرام، ولم يَعُد 'عمر' كما اشتهت نور، بل دخل القدرُ ليُبعثرَ فوق الصينيةِ المُرتبةِ قطعَ اللغزِ المفقودة. في تلك اللحظة، سقطت الأقنعةُ قبل أن يسقطَ مِدادُ المأذونِ على الورق، وتجمدت الزغاريدُ في الحناجرِ لتتحولَ إلى أنينٍ صامت؛ بينما كان 'نوح' يرقبُ الحريقَ بعينين يملؤهما التشفي، ممتناً للصُّدفةِ التي أهدتهُ دمارَهم على طبقٍ من ذهب.. ليلةٌ لم تُكتبْ فيها العقود، بل كُشفت فيها العهود؛ فمن منهم سيخرجُ من هذا الحريقِ بوجهه الحقيقي، ومن سيظلُّ رماداً تحت أقدامِ الحقيقة؟"
               

الفصل الثالث " أوتار مشدودة " | رواية خارج حدود الفترة

جاري التحميل...

الفصل الثالث " أوتار مشدودة "

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

​"لا يُخيفني عدوٌ يجلس في الطرف الآخر من الطاولة، بل ذاك الذي يجلس بجانبي ويملأ لي الكأس وهو يتمنى أن تغصّ به أنفاسي؛ فالخراب الحقيقي يبدأ من اليد التي تظنها سنداً."

​لفّ السكون أرجاء غرفة مريم وهي تفرغ من صلاتها، متشبثة بتلك اللحظات الربانية التي سبقت اقتحام الضجيج لعالمها. سجدت طويلاً كأنها تستمد من رطوبة الأرض ثباتاً لمواجهة "مغربٍ" لا يشبه غيره، غير مدركة أن الصخب كان يتربص بها فوق منضدتها الصغيرة.
​كان هاتفها يرتجف بإلحاح محموم، يمزق وقار الصمت برنين لا يهدأ. وحين انتهت مريم وسلّمت، التقطت الهاتف لتجد اسم "نور" يسطع على الشاشة للمرة الخامسة؛ تردد نبضها قليلاً، فندوب الأمس لم تزل دامية، وكلمات نور الجارحة لم تتوقف عن الطنين في أروقة ذاكرتها، لكن شيئاً ما في تواتر الاتصال أجبرها على سبر أغوار المكالمة.
​لم يكد صوت مريم يخرج بالتحية، حتى باغتها سيل من النحيب المرير، صوت يقطر ذلاً وانكساراً كأن الروح تخرج مع كل شهقة:
"مريم.. استحلفتُكِ بالذي غرس الصدق في قلبكِ ألا ترفضي. أنا أتفتت.. أنا أحترق بنار لم أحسب لها حساباً! هاجر أوصدت في وجهي أبواب روحها، وأقسمت ألا يجمعنا حديث، وأنا ما عدت أقوى على التلفت في فراغ صمتها المميت."
​حاولت مريم أن تستجمع ثباتها وقالت بنبرة هادئة مشوبة بالحزم:
"يا نور، ثقوب الأمس أعمق من أن تُردم بمكالمة، واليوم يحمل من الثقل ما تنوء به جبال صبري..."
​قاطعتها نور بصراخ متهدج يمتزج فيه اليأس بالتوسل:
"أرجوكِ يا مريم.. اذهبي إليها الآن، ائتي بها إلى منزلي بعد قليل. قيدتني الجدران التي تضيق بي، وما عدت أجرؤ على مواجهة العالم بوجه كسته الخيبات. مريم.. أنا لا أقوى على خسارة عمر وهاجر في كفة يوم واحد! لقد انفرط عمر من يدي، فلا تتركي هاجر تضيع في تيه جفائي.. ائتي بها لأجل أيام مضت، ولا تتركيني أموت غصّة بذنبي وحده."
​أغمضت مريم عينيها، واضعة يدها على جبينها المثقل، تشعر بوطأة هذا الاستجداء المباغت، وتتساءل في سرها: أهو ندم حقيقي يسعى للترميم؟ أم أنه فصل جديد من فصول ذاك "الخراب" الذي ينمو في كف من اعتبرناه يوماً مأمناً وسنداً؟
​حسمت مريم أمرها، ليس ضعفاً أمام استجداء نور، بل رغبة في إغلاق ثغرات الماضي قبل أن تفتح صفحة مستقبلها مع "المغرب". قامت مسرعة، وارتدت ثياب خروجها بهدوء يشوبه التوتر، ثم توجهت نحو الصالة حيث كان إسماعيل جالساً يراجع بعض أوراقه. وقفت أمامه وقالت بصوت حاولت جاهدة أن يبدو طبيعياً:
"أبي.. سأخرج قليلاً لزيارة صديقتي نور، لن أتأخر، سأكون هنا قبل الموعد الذي حددته."
​رفع إسماعيل عينيه عن أوراقه ونظر إليها بنظرة فاحصة، كأن وقاره يقرأ ما وراء كلماتها. هز رأسه بالموافقة وقال بهدوء:
"اذهبي يا ابنتي.. لكن لا تنسي أن قلوبنا الليلة على موعد مع قرار كبير، كوني بخير."
​في تلك اللحظة دخلت مها، وبمجرد سماعها اسم "نور"، قطبت حاجبيها باستنكار لم تستطع إخفاءه، وقالت بنبرة حادة:
"لنور؟ في هذا الوقت يا مريم؟ ألم تكن زياراتكِ لها قد انقطعت منذ زمن؟ وما الداعي لهذا الاستعجال واليوم هو يومكِ المنتظر؟"
​ساد صمت ثقيل. لمحت مريم ارتعاشة خفيفة في عين والدها، وكأن كلمات مها قد زرعت بذور شك أو تساؤل كان يحاول كتمانه. نظر إسماعيل إلى مريم بصمت طويل، ثم أشاح بوجهه عائداً لأوراقه، كاتماً استغرابه خلف قناع الحكمة، لكن مريم شعرت أن موافقته الصامتة باتت مثقلة بالتساؤلات.
​خرجت مريم، والتحقت بها هاجر التي وافقت على مضض بعد إلحاح مريم الشديد بأنها "تحتاج للهواء الطلق وللحديث معها بمفردها". كانت هاجر تظنها مجرد جولة للتنفيس عن ضيق الصدر.
​خرجت مريم من منزلها وهي تحمل في صدرها ثقلاً لا تراه الأعين، والتقت بـ هاجر عند ناصية الطريق. كان السلامُ بينهما قصيراً، مشوباً بحذرِ الصديقة التي تشعر بضيق رفيقتها. لم تُضع مريم وقتاً، فأشارت لإحدى سيارات الأجرة التي كانت تمر بالمكان. انحنت مريم نحو نافذة السائق، وبصوتٍ خافتٍ كوشوشة الريح همست له بالوجهة: "حيّ.. منزل نور". أومأ السائق بتفهم، فالتفتت مريم إلى هاجر قائلة بابتسامةٍ باهتة: "اركبي يا هاجر، نحتاج لمكانٍ هادئ نتحدث فيه بعيداً عن عيون المارة".
​ما إن استقرتا في المقعد الخلفي وانطلقت السيارة، حتى بادرت هاجر بكسر حاجز الصمت كأن سؤالاً كان ينهش قلبها منذ ليلة الأمس:
"مريم.. منذ أن رأيتكِ حزينة بالأمس وأنا أتساءل، تلك الرسالة التي قلبت حالكِ، ماذا كان يحوي سواد حبرها؟ وما الذي حدث؟"
​وجدت مريم في هذا السؤال "طوق نجاة" لتشغل به انتباه هاجر عن الطريق. تنهدت بعمق وبدأت تقصُّ عليها الحكاية من مبتداها؛ حكت لها عن كلمات عبد الرحمن التي كانت كبلسمٍ وُضع فوق جرحٍ قديم، وعن اعترافه الذي جاء في وقته، ثم انتقلت لوصف حال البيت..
​مريم (بصوتٍ منخفض يمتزج فيه الأمل بالخوف):
"أتصدقين يا هاجر؟ أبي وافق.. لقد رأى في عبد الرحمن رجلاً يليق بأن يُؤتمن على ابنته، حتى إخوته سيخبرهم اليوم. أما أمي.. فأنتِ تعرفين قلقها المزمن، هي تراه غريباً، لكن أبي حسم الأمر؛ واليوم عند المغرب، سأسمع صوته لأول مرة في مكالمة رسمية يباركها الجميع."
​استرسلت مريم في وصف تفاصيل "رأي أهلها" وتقلبات مشاعرهم، كانت تراقب بطرف عينها ملامح هاجر التي اندمجت تماماً في القصة، ناسيةً مراقبة الشوارع التي تمر من خلف النافذة. كانت هاجر تسأل وتستفسر، ومريم تجيب بإسهاب، حتى بدأت السيارة تتباطأ أمام ذاك الزقاق المألوف.
​توقفت السيارة تماماً. نظرت هاجر من النافذة وفجأة ساد صمتٌ حاد كشفرة سكين. تلاشت حماسة الحديث عن عبد الرحمن، وحلت مكانها صدمةٌ جمدت ملامح هاجر وهي تدرك أنها تقف أمام بيت نور.
هاجر (بنبرةٍ اهتزت من فرط المفاجأة):
"مريم! لماذا نحن هنا؟ هل كنتِ تقصين عليَّ حلمكِ لتقوديني إلى كابوسي؟"
​لقد نجحت خطة مريم في إيصالها للباب، لكن المواجهة الآن أصبحت حتمية. تصلَّبت هاجر في مقعدها، ويدُها تقبض على مقبض الباب كأنها تحاول منع الواقع من الاقتحام. التفتت إليها مريم ووجهُها يحمل مزيجاً من الذنب والإصرار، وهمست بنبرةٍ مُلِحَّة:
"هاجر، أرجوكِ.. دقيقة واحدة فقط. لا يمكنني أن أقف مكتوفة الأيدي وأنا أرى خيوط حياتنا تنفرط هكذا. انزلي معي، لنخسر معركة المواجهة خيراً من أن نعيش في هزيمة الهروب."
​كانت هاجر تهز رأسها برفضٍ قاطع، والدموع تحتقن في عينيها:
"لا يا مريم، لقد خدعتِني.. كنتِ تدركين أنني لن آتيَ بمحض إرادتي!"
​نزلت مريم من السيارة، ووقفت عند الباب المفتوح تستجدي صديقتها بنظراتها، لكن هاجر ظلت متسمِّرة، تكاد تأمر السائق بالتحرك، لولا أن اليأس بدأ يتسرب إلى قلب مريم. وفجأة، وقبل أن تنطق مريم بكلمة الوداع الأخيرة أو تستسلم لرحيل هاجر، انشقَّ صمت الزقاق بصوت مفصلات الباب الحديدي وهي تُفتح على مصراعيها. لم تكن "نور" هي من ظهرت، بل كانت "منى"، والدة نور.
​وقفت منى على العتبة بوجهٍ تظهر عليه آثار التعب والقلق، وما إن وقع بصرها على الفتاتين حتى انفرجت أساريرها بابتسامةٍ باهتة لكنها دافئة، وقالت بصوتٍ متهدج:
"مريم؟ هاجر؟.. يا لبركة هذا اليوم! كنتُ أشعر أن قلبي سيقف من حزن نور في الداخل، وكأن الله أرسلكما الآن لتُعيدا الروح إلى هذا البيت."
​تسمَّرت هاجر مكانها؛ فوجود "منى" بوقارها ومحبتها القديمة لهما جعل من التراجع فعلاً يتجاوز حدود الأدب. لقد قُطع طريق العودة تماماً، فكيف تهرب من يدٍ طالما أطعمتها، ومن امرأةٍ تعتبرها ابنةً ثانية؟ نظرت مريم إلى هاجر نظرةً اعتذاريةً صامتة كأنها تقول: "لقد فُتح الباب، ولا مجال للالتفات إلى الخلف الآن."
​ترجَّلت هاجر من السيارة بخطواتٍ مثقلةٍ بالرصاص، وعيناها معلَّقتان بالأرض، بينما كانت منى تفتح ذراعيها لاستقبالهما، غير مدركةٍ أن خلف هذا اللقاء صراعاتٍ قد تحرق ما تبقى من وُدّ. ما إن وطئت أقدامهما صالةَ المنزل، حتى باغتتهما نور ووالدتها بهجومٍ عاطفيٍّ موحَّد؛ أمسكت منى يدَ مريم بلهفةٍ مصطنعة، بينما ارتمت نور في ذات اللحظة على كتف مريم، وانطلق صوتاهما في آنٍ واحد باعتذارٍ منسَّقٍ ومريب كأنَّ لسانيهما يتحرَّكان بخيطٍ واحد:
"سامحينا يا مريم.. سامحي ابنتي، لقد كانت غيمةٌ سوداء غطَّت بصيرتنا، ونحن ندرك أن فضلكِ وصبركِ كانا أكبرَ من طيشها.. اعذرينا يا ابنتي."
​كان هذا الاعتذار الجماعي المتزامن كفيلاً بأن يمتصَّ شطرَ غضب هاجر؛ فالحياءُ من انكسار الكبار يُخرس الألسنةَ الحادَّة. سكنت ملامح هاجر قليلاً، بينما انفصلت نور عن مريم وتقدَّمت نحو هاجر بخطواتٍ متعثِّرة وصوتٍ يقطر ذلاً:
"هاجر.. أنا لا أعتذر فقط عن الكلمات، بل عن تلك الغيرة الحمقاء التي أعمتني. لقد كسر عمر قلبي يا هاجر وتركني حطاماً، فظننتُ واهمةً أن إشعال النار فيمن حولي سيُدفئ بردَ روحي. أنا آسفة.. أقسم لكِ أنني آسفة."
​تحوَّل الحوار إلى دفَقاتٍ من الشجن، وانسحبت منى بهدوء لتتركهنَّ في عزلتهن، لكنها لم تبتعد؛ بل وقفت خلف الباب، تدفن أذنها في خشبه بملامحَ تخلو من الطيبة، تتنصَّت بخبثٍ مريب لكل همسةٍ ونأمة، وكأنها تُحصي ثغراتهنَّ لاستخدامها في فصلٍ قادم. استغلَّت هاجر رحيلَ الأم فالتفتت إلى نور، ونبرتها ما زالت تحمل آثارَ العتب اللاذع:
"الوجع لا يمنحنا الحقَّ في ذبح الآخرين يا نور.. عمر اختار رحيله، لكنكِ أنتِ من اخترتِ خسارتنا."
​بينما كانت نبرات التوبيخ والمصالحة تختلط في هواء الغرفة، زاغت عينا مريم نحو الأرض حيث لمحت قصاصةَ ورقٍ مهملةً بجانب منضدةٍ منزوية. كانت صورةً فوتوغرافيةً التهمت النارُ أطرافَها، وتفحَّم وجهُ الرجل الظاهر فيها تماماً. انحنت مريم ببطء والتقطت الصورة بأطراف أصابعها وهي تشعر بقشعريرةٍ تسري في جسدها. لم يكن الوجه ظاهراً، لكن تلك الوقفة.. ذلك الجسد الممشوق برزانةٍ معيَّنة، وتلك الثياب.. كلُّ شيءٍ في هيئة هذا الرجل المحترق كان يصرخ في ذاكرتها بالألفة.
​مريم (تحدِّث نفسها بذهولٍ صامت):
"أنا أعرف هذا الرجل.. هذه الوقفة لا تخطئها عيني. لكن من يكون؟ ولماذا صورتُه محترقةٌ هنا، وتحت قدمي نور؟"
​لم تكن مريم وحدها من استرقت النظر إلى تلك القصاصة البائسة؛ فقد لمحت هاجر الصورة وهي ترتعش في كفِّ مريم، فقطَّبت حاجبيها وسألت بنبرةٍ امتزج فيها الفضول بالشك:
"مريم.. ماذا تحملين؟ ما هذه الصورة؟"
​قلبت مريم الصورة ناحيتهما ببطء كأنها تفتح باباً لسرٍّ لم يحن أوانه. في تلك اللحظة، فرَّت نظرةٌ مريبة من عيني نور؛ نظرةٌ خاطفةٌ مرتجفةٌ ومحمَّلةٌ بذعرٍ حاولت وأده سريعاً قبل أن تستجمع شتات صوتها وتقول بنبرةٍ خافتة:
"كانت هذه لعمر.. أحرقتها لأحرق معها كل ما يربطني به."
​وقعت الكلمة على مسامع مريم كطنينٍ مسموم: "عمر؟". مريم التي لم تلتقِ به يوماً ولم تعرفه إلا صدىً باهتاً في حكايات نور، وجدت نفسها أمام تناقضٍ ينهش ثباتها. ارتجفت يدها وهي تحدِّق في الجسد الممشوق والوقفة الرزينة المحترقة، وسألت نفسها في جنونٍ صامت: "إذا كان هذا عمر حقاً كما تزعم نور.. فلماذا أشعر تجاهه بكل هذه الألفة؟"
​الألفة لا تُخلَق من العدم، والتعرُّف الروحي لا يضلُّ طريقه؛ فكيف لغريبٍ لم تلمحه عيناها قط، ولم تسمع عنه سوى قصص الخذلان، أن يبعث في روحها هذا الفيض من السكينة والتعوُّد؟ شعرت مريم بالغرابة تنهش روحها؛ فالألفة لا تُصطنع إنما تبقى كوشمٍ في الذاكرة، وهذه الوقفة المحفورة في الورق المحترق كانت تهمس لروحها بلغةٍ تعرفها جيداً، لغةٍ لا تنتمي لأحاديث نور عن عمر المزعوم.
​أشعل هذا التناقض ظنوناً محمومةً في نفس مريم، وشعرت بأن الهواء في الغرفة أصبح ثقيلاً بوجود منى خلف الباب وصدى كذبة نور أمامها. غامت الرؤية في عينيها واهتزت ملامحها وهي توشك على الانفجار بكاءً؛ ليس وجعاً، بل رعباً من هذا التعرُّف الغامض الذي يربطها بجسدٍ محترقٍ في بيتِ صديقتها. لكن صديقاتها، وبدافعٍ من القلق، سارعْن إلى إشغالها بالحديث. بدأت نور تفيض في سرد تفاصيل رحيل عمر، وراحت هاجر تواسيها بكلماتٍ مبعثرة في محاولةٍ منهما لردم الهوة التي فتحتها تلك القصاصة، بينما ظلت مريم حاضرةً بجسدها، وعقلُها يسأل في ذعر:
"كيف للألفة أن تخونني؟ ومن يكون هذا الذي يرتجف قلبي لوقفته وهو غريبٌ عني؟"
​وسط ضجيج الكلمات المبعثرة التي حاولت بها نور وهاجر ردمَ هوَّة الصمت، وبحركةٍ خاطفةٍ بلغت ذروةَ الحذر، انسلَّت أصابعُ مريم لتطوي تلك القصاصةَ المحترقة وتواريها في عتمة حقيبتها؛ وكأنها لا تُخَبِّئ ورقةً، بل تدفن سرّاً قد يُغيِّر وجهَ الحقيقة إلى الأبد. لم تمضِ دقائقُ على ذاك الوجوم، حتى انشقَّ سكونُ الصالة بصوتٍ جهوريٍّ يفيض ابتهاجاً مباغتاً؛ إنه عمُّ أحمد، والدُ نور، الذي دخل المنزل مهلِّلاً يرنُّ صوته في الأرجاء كوقع البشارة وهو ينادي زوجته:
"يا منى! أين نور؟ أين أنتِ يا ابنتي؟"
​تسمرت الأجساد داخل الغرفة، وانعقدت الألسنة في انتظار المجهول. وقبل أن تستجمع نور شتاتَ أنفاسها، اندفع الأب نحو الغرفة بزهوٍ غريب واقتحم الباب بابتسامةٍ عريضة غطّت تقاسيم وجهه وهو يهتف بنبرةٍ هزت أركان المكان:
"يا نور عيني.. استعدي، فسأزفكِ عروساً لـ..."
​لكنه فجأة وبشكلٍ مباغت صمت، وكأن الكلمة قد غصّ بها حلقه حين وقع بصرُه على مريم وهاجر. اعتراه ارتباكٌ مفاجئ، فاعتذر باقتضاب وسحب نفسه بوجلٍ متراجعاً نحو ردهة المنزل، وكأن الكلمات التي حبسها في صدره كانت أثقل من أن تُنطق في حضور الغرباء. غير أن نور لم تترك له مساحةً للفرار؛ إذ ركضت خلفه بلا حسبان متجاهلةً وجود صديقتيها اللتين تراقبان الموقف بذهول، وقد صار الفضول في صدرها ضيقاً يزداد أجيجاً مع كل خطوة. لحقت به عند زاوية الصالة، فقبض الأب على كتفيها وعيناه تلمعان ببريقٍ متهدج، وأكمل بصوتٍ ملأ الفراغ رعباً ودهشة:
"لعمر.. لقد عاد يا نور، عاد ليطلبكِ اليوم."
​كانت مريم تراقب المشهد بذهولٍ شلّ أطرافها، وبينما كانت نور تغرق في لجة ذهولها واندفاعها خلف والدها، تبدلت ملامح منى في لحظةٍ خاطفة؛ فاستحالت تلك الطيبة المصطنعة إلى حنقٍ مكتوم، واشتعل وجهها بامتعاضٍ لم تملك حيالَه ستراً. كانت نظراتها تفيضُ بالضيق لأن أحمد قد ألقى بهذا السر أمام آذانٍ لم يكن يُفترض بها أن تسمع، فنظرت إلى مريم وهاجر بنظراتٍ حادة كأنها تطردهما بوقع أجفانها قبل أن تنطق بكلمة. أما نور، فقد غابت عن الوجود تماماً، ومضت في تجاهلها التام لصديقتيها، وكأنَّ حبال الود التي كانت تفتلها قبل دقائق قد انقطعت عند عتبة اسم عمر.
​هنا، شعرت هاجر بوطأة الموقف، وأدركت أن كرامتهما باتت على المحك تحت نظرات منى التي تقطر تطفلاً مسموماً وشعوراً بالامتعاض جلياً. لم تنتظر هاجر كلمةً أخرى، بل قبضت على يد مريم بقوة وسحبتها نحو الباب في مشيةٍ تفيض أنفةً، لتخرجا من ذاك الجو المشحون قبل أن يبتلعهما شعور التطفل. خرجتا من الدار والكرامةُ تسبق خُطاهما، تاركتين خلفهما منزلاً يضجُّ بعودة الغائبين، بينما كانت مريم تسير كالمغيبة؛ يدٌ تقبض عليها هاجر لتقودها نحو الطريق، ويدٌ أخرى تضغط داخل الحقيبة على الصورة المحترقة، وكأنها تقبض على جمرةٍ من الحيرة لا تنطفئ.
​استنشقت مريم هواءَ الشارع البارد، وكان مغيبُ الشمس يزحف على الأفق بخجل، بينما ينهش الشكُّ يقينها: أيُّ حقيقةٍ تلك التي عادت مع عمر؟ احتراق الورق وعودة الغائبين الذين ظنت أنهم رحلوا للأبد. كان وقعُ خطواتهما على رصيف الطريق الشاحب كوقع طبولٍ تدق في الفراغ. سارت هاجر بخطىً حثيثة ونبرة صوتها تتصاعد بحدةٍ تعكس غليان صدرها، بينما كانت مريم تجرُّ خطاها كجسدٍ بلا روح، تومئ برأسها آلياً لتجاري ثورة صديقتها، بينما كان عقلها يحترق في مكانٍ آخر تماماً.
​قالت هاجر وهي تلوح بيدها في الهواء بذهول:
"أرأيتِ يا مريم؟ هل رأيتِ ملامح منى كيف تبدلت في لحظة؟ كأننا أصبحنا غريباتٍ في الدار التي لم تجف بعد دموعنا فيها مواساةً لهن! والخبر.. أيُّ عودةٍ هذه التي يتحدث عنها عم عاصم ؟ كيف لعمر أن يعود هكذا فجأة وبلا مقدمات كأن شيئاً لم يكن؟"
​لم تُجب مريم، بل اكتفت بهزة رأسٍ باهتة، فاستطردت هاجر بحدةٍ أكبر:
"والأدهى من ذلك، كيف لنور أن تنسى وجودنا في طرفة عين؟ ركضت خلفه وكأننا لم نكن يوماً سنداً لوجعها. أهذا هو عمر الذي ذبلت عيناها من أجله؟ ما هو السر الذي خلفه هذا الرجل وراءه ليعود بمثل هذا الجبروت ويقلب الدار رأساً على عقب؟"
​كانت كلمات هاجر تمرُّ عبر أذني مريم كأنها صدى بعيد، فقد كان السؤال الذي ينهش لُبّها أشد ضراوة: "لماذا وقفتُه؟". كانت تتذكر ملامح الصورة المحترقة في حقيبتها، تلك الوقفة الرزينة التي لم ترَ عمر فيها يوماً، ومع ذلك كانت روحها تهمس لها بأنها تعرفها.. تعرفها بأكثر مما ينبغي.
​قطعت هاجر حبل أفكارها وهي تقول بسخرية مريرة:
"لكن الصدمة الحقيقية ليست في عودته يا مريم.. بل في 'الخبر'. سأزفكِ عروساً لعمر! هكذا قالها أحمد بملء فيه. أيعقل أن يتقدم لها اليوم؟ في ذات اللحظة التي كنا فيها نعزيها على ضياعه؟ كيف تجرأ؟ وما الذي فعله ليجعل والديها ينسيا غدره القديم ويرحبان به هكذا؟"
​جمدت مريم في مكانها للحظة، وشعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري. جارت هاجر في سيرها بصعوبة، وصورة "الوقفة" في الحقيبة بدأت تكتسب وزناً أثقل من الجبال. لم تكن الصدمة من تقدم عمر لنور هي ما يؤرقها، بل صدمتها في نفسها.. في ذلك التعرف الروحي الذي لا تجد له تفسيراً.
قالت مريم بنبرة خافتة كأنها تستحث نفسها على البقاء في الواقع:
"ربما.. ربما كان لديه عذر يا هاجر، لا نعلم."
ردت هاجر باستنكار:
"عذر؟ أيُّ عذرٍ يبيح هذا العبث؟ مريم.. أنتِ لستِ معي! يبدو أن صدمة الخبر قد شلّت تفكيركِ أيضاً. انظري إلى الشمس.. لقد أوشكت على المغيب، وكأن العالم ينتظر شيئاً آخر ليُكمله."
​لم يكن في بالها حينها سوى الهروب من ثرثرة هاجر ومن لغز الصورة، لتستقبل صوتاً آخر قد ينزعها من هذه الدوامة. قطعت هاجر سيل تساؤلاتها حين أبصرت سيارة أجرة تلوح في الأفق، فرفعت يدها بحزم لتوقفها وسحبت يد مريم خلفها وهي تدفعها داخل السيارة كأنها تسابق شبحاً يطاردهما. استقرت هاجر في مقعدها وألقت بعنوان منزل مريم للسائق باقتضاب، ثم التفتت لتستأنف حديثها بنبرة يملؤها الحنق:
"تلك المرأة.. منى لا تُطاق! أرأيتِ كيف كانت تطعننا بنظراتها؟ وكأننا نحن من اقتحمنا خلوتها، لا نحن من جئنا لنضمّد جراح ابنتها."
​مضت هاجر في بثِّ شكواها ممتعضةً من نظرات الأم وغدر الموقف، بينما كانت مريم تركن برأسها إلى زجاج النافذة تراقب أضواء المدينة الباهتة وهي تنزلق في صمت، محاولةً الهروب من ثرثرة صديقتها إلى فوضى حواسها. لكن صمت مريم لم يطل، إذ انقطع تذمّر هاجر فجأة حين اهتز هاتفها برنينٍ مباغت. لمحت هاجر اسم زوجها على الشاشة فتبدلت نبرتها فوراً إلى الجدية. ردت بكلمات قصيرة لتغلق الهاتف بوجه يحمل ريبةً جديدة وقالت:
"إنه زوجي.. يقول إنه ينتظرني في المنزل، وأن هناك أمراً يودُّني فيه على عجل."
​خيم الصمت داخل السيارة هذه المرة ثقيلاً ومحملاً بتوجساتٍ لا تُقال. وما هي إلا دقائق معدودة حتى توقف التاكسي أمام عتبة منزل مريم. ترجلت مريم بملامح متجهمة وودعت صديقتها بكلمات مقتضبة وجافة، فغادرت هاجر في عجلها تاركةً خلفها مريم وحيدة أمام بابها. وقفت مريم في مواجهة سكون منزلها تقبض على حقيبتها التي تسكنها تلك الصورة الغامضة، بينما كان الغسق قد أسدل ستائره تماماً. وفي تلك اللحظة، وسط وجوم ملامحها وتلاطم ظنونها، بدأ هاتفها يعلن عن قدوم "مكالمة المغرب".. المكالمة التي جاءت لتطرق باب قلبها في أكثر اللحظات اضطراباً.
​كان رنين الهاتف في كفها صوتاً عادياً يطالب بحقه في وقتها. رفعت مريم السماعة وهي تضع قدمها على أولى درجات السلم نحو الطابق الثاني، وكان نهج أنفاسها يشي بتعب الرحلة، لتسمع صوتاً رزيناً نطق بكلمة واحدة سبقت كل شيء:
"آنستِ.."
ثم أتبعها بهدوء ولباقة: "السلام عليكم ورحمة الله."
ردت مريم وهي تحاول موازنة حقيبتها وهاتفها وصوتها يخرج خافتاً يقطر جهداً وتشتتاً: "وعليكم السلام ورحمة الله."
​على الجانب الآخر، لم يكن صوته يحمل سحراً أسطورياً، بل كان صوتاً عادياً، رجولياً بوقارٍ هادئ. اعتذر بنبرة شعرت فيها ببعض القلق وهو يكمل:
"أعتذر إن كان اتصالي قد صادف وقتاً غير مناسب، لكن صوتكِ يبدو مجهداً.. مجهداً جداً يا مريم، وكأنكِ غارقة في زحامٍ من الأفكار. هل أنتِ بخير؟"
​بلغت مريم عتبة شقتها، فتحت الباب ودلفت إلى الداخل دون أن تضيء الأنوار، جلست على طرف المقعد وهي لا تزال تمسك الهاتف بأذنها، بينما انسلّت يدها الأخرى لتخرج تلك "القصاصة المحترقة". بسطت الورقة أمام عينيها وراحت تتأمل تلك الوقفة المألوفة تحت ضوء الشارع المتسلل من النافذة، بينما كان عبد الرحمن يتحدث بكلماتٍ منتقاة محاولاً جس نبض صمتها. أجابت مريم وهي تغيب في تفاصيل الصورة متجاهلة بروتوكولات التعارف الأولى:
"لست بخير.. هناك ضجيج في رأسي لا يهدأ، وأشياء لم أعد أفهمها."
​كان يتحدث بلباقة لا تتجاوز حدود الأدب محاولاً استيعاب تخبطها، بينما كانت هي غائبة عنه تماماً؛ أذن تستقبل صوتاً غريباً تعتبره مجرد فرصة قد تكتمل أو تفشل، وعين ترصد وقفة رجل في ورقة محترقة؛ وقفة تعرفها جيداً وتجهل أين ومتى التقت بها. عبر أثير الهاتف، انسلَّ صوته بلطفٍ حذر وهو يسأل بنبرةٍ لامست مكامن تعبها:
"ما الذي يُرهق روحكِ بهذا القدر يا مريم؟"
سكت قليلاً ثم أردف بصراحةٍ يغلفها التوتر:
"أخشى أنني -وبطريقةٍ ما- كنتُ عبئاً إضافياً على يومكِ، أو أن طرقي لباب حياتكِ هو ما أورثكِ هذا الشتات."
​ساد صمتٌ قصير كانت مريم فيه تلملم شتات نفسها. تنفست بعمق ثم أجابت بوقارٍ هادئ:
"أعتذر.. ليس للأمر علاقةٌ بشخصك، واطمئن.. فأنت لست السبب كلياً فيما أنا عليه الآن."
​التقط عبد الرحمن طرف الخيط بذكاءٍ لم يخلُ من دعابةٍ رصينة وقال:
"كلياً؟ إذن أنا جزءٌ من هذا التشتت بطريقةٍ ما!"
ضحك بخفةٍ لا تخدش وقاره، ثم انطلق يفتح أبواب الحديث بجسارةٍ مهذبة مسترسلاً في تعريف نفسه. كان يتحدث بوضوحٍ ينمُّ عن شخصيةٍ تعشق النور، يسرد ما يحب وما يكره بأسلوبٍ يخلو من التكلف؛ فتحدث عن ميله إلى الهدوء الذي يسبق العاصفة، ونفوره من الأقنعة، وعن شغفه بالتفاصيل الصغيرة التي يصنع منها الرجال مواقفهم.
​في تلك اللحظة، أعادت مريم الصورة إلى عتمة حقيبتها بيدٍ حازمة كأنها تُغلق فصلاً من الغموض لتتفرغ لمهمةٍ أكثر واقعية. بدأت تُنصت إليه بتركيزٍ حاد، تُفصِّل صفاته التي كان ينثرها في الهواء؛ تزن كلماته بميزان عقلها، وتمرر قناعاته على مصفاة مبادئها. كانت تبحث في ثنايا حديثه عمّا يتسق مع تطلعاتها وما ينفر منه وجدانها، محوِّلةً المكالمة من مجرد تعارفٍ عابر إلى عملية "تشريح" دقيقة لشخصيةٍ قد تكون الملاذ، أو مجرد محطةٍ أخرى في طريق رحلتها الطويل.
​بدأ عبد الرحمن يسردُ تفاصيل شخصيته بنبرةٍ غلفتها خفةُ ظلٍ باغتت رصانة مريم، قال وهو يضحكُ بتهكمٍ على نفسه:
"انظري يا مريم، لكي أكون صادقاً معكِ، أنا رجلٌ أعاني من ميزةٍ فادحة هي في الحقيقة 'عاهةٌ اجتماعية'؛ أنا صبورٌ بشكلٍ مرعب. صبري هذا قد يجعلكِ تظنين أنني تمثالٌ من الرخام، لا يهتزُّ لي جفنٌ لو قامت القيامة في المطبخ مثلاً! أستطيع انتظار قطارٍ فاته الأوان بعشر سنوات دون أن أشعر بالحنق.. أليس هذا صبراً أيوبياً يُحسد عليه؟"
​ابتسمت مريم لا إرادياً، وأرخت كتفيها المشدودتين ليردف هو بسرعةٍ قبل أن تستعيد صمتها:
"أما عن عيبي الذي سيسحبُ تلك الميزة إلى الهاوية، فهو العناد. أنا لا أعاند الآخرين فحسب، بل أعاند نفسي أحياناً! إذا قررتُ أن الطريق المسدود هو الطريق الصحيح، فربما سأحاول اختراق الجدار برأسي لمجرد أنني قلتُ ذلك. أنا من النوع الذي يضيع في الصحراء، ويرفض استشارة الخريطة لأنني 'أعرفُ قلبي أين يتجه'، وغالباً ما يتجه قلبي نحو أقرب منحدر!"
​لم تتمالك مريم نفسها، فأطلقت ضحكةً خافتة تكسرت بها حدةُ التجهم التي سكنت وجهها طوال المساء. كان وصفه لنفسه بهذه الكوميديا السوداء، وبطريقةٍ لا تُجمِّل القبح بل تسخر منه، قد جعلها ترى فيه إنساناً حقيقياً لا يرتدي أقنعة الخطّاب التقليديين. أجابت مريم بنبرةٍ رقيقة شابتها مسحةٌ من المرح:
"إذن أنت تجمعُ بين صبرِ الحكماء وعنادِ الأطفال.. ألا تخشى أن يسحقَ أحدهما الآخر؟"
​قهقه عبد الرحمن وقال:
"بلى، يسحقان بعضهما يومياً، وأنا أقفُ متفرجاً بانتظار من سيفوز! لكنَّ الأهم يا مريم أنني لا أدّعي الكمال، فالكمالُ مُمل، وأنا رجلٌ يفضلُ أن يكون 'مكسوراً' بطريقةٍ ممتعة على أن يكون 'كاملاً' بطريقةٍ كئيبة."
​في تلك اللحظة شعرت مريم أن ثقل "الصورة المحترقة" في حقيبتها قد خفَّ قليلاً، وكأنَّ حيوية هذا الرجل الواقعي الذي يتحدث معها الآن قد بدأت تسحبُ البساط من تحت أقدام ذاك الغامض القابع في ذكرياتٍ مجهولة. أدركت مريم أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن هذا الرجل قد سحبها من منطقة الوجوم إلى منطقةٍ أكثر رحابة. تنفست بعمق، ولأول مرة منذ ساعات، تخلّت عن دور "القاضي" لترتدي ثوب "المتهم" بذات السخرية اللاذعة التي بدأها هو.
​قالت مريم بنبرةٍ غلّفتها ضحكة مكتومة:
"بما أننا فتحنا دفتر العيوب والميزات بروحٍ رياضية، فإليك اعترافي.. أنا يا عبد الرحمن أعاني من ميزةٍ هي في الواقع 'مرض مزمن'، وهي قوة الملاحظة. أنا لا أرى الأشياء فقط، بل أرى ما وراءها، وما وراءَ الوراء! قد أجلس معك في مطعم وأنشغل بتحليل زاوية ميلان ربطة عنق النادل، ولماذا اختار هذا اللون تحديداً، وهل يكره حماته أم لا.. وبحلول الوقت الذي أعود فيه إليك، تكون قد أتممت طعامك ودفعت الحساب، وأنا لا أزال عالقة في تحليل شخصية النادل!"
​ضحك عبد الرحمن بصدق، فاستطردت مريم وهي تزداد حماساً وخفة:
"أما عيبي الذي يكسر هيبة تلك الميزة، فهو الشرود الهيستيري. أنا من النوع الذي قد يبدأ قصةً مشوقة وفي منتصف الجملة ألمح فراشةً تمر، فأتبعها بعقلي وأنسى تماماً أنني كنت أتحدث معك! قد تجدني صامتةً تماماً فتظن أنني غارقة في التفكير في مستقبل البشرية، بينما أنا في الحقيقة أحاول أن أتذكر اسم الشخصية الثانوية في كرتون شاهدته عام 1998."
​وأضافت وهي تبتسم لا إرادياً، متناسيةً كل ما مرّت به في بيت نور:
"أنا 'صيّادة تفاصيل' تضيع في التفاصيل التي تصطادها! فهل تعتقد أن صبرك الذي تدّعيه سيتحمل امرأةً قد تسألك فجأة -في منتصف نقاشٍ مصيري- عن رأيك في 'ثقب الأوزون' لمجرد أنها لمحت سحابة غريبة؟"
​قهقه عبد الرحمن وقال بنبرةٍ يملؤها الاستمتاع:
"إذن نحن ثنائي مثالي؛ أنا سأنتظركِ بصبري الأيوبي وأنتِ شاردة، وحين تعودين من رحلة البحث عن اسم الكرتون ستجدينني لا أزال أعاند الجدار بانتظار تكملة الجملة!"
​في تلك اللحظة شعرت مريم بخفة لم تعهدها، وكأن هواء الصالة البارد قد بدأ يدفأ. سحبت يدها عن حقيبتها تماماً، وصار العالم الآن ينحصر في هذه المكالمة التي بدأت كفرصةٍ باهتة وتحولت إلى مرآة ساخرة تعكس حقيقتها دون زيف. أغلق عبد الرحمن الهاتف بكلماتٍ تقطر أدباً، تاركاً خلفه فيروزاً من الودّ تلمع في أذني مريم. ظلت شاخصةً ببصرها نحو شاشة الهاتف التي انطفأ نورها، والابتسامة لا تزال عالقةً على ثغرها كوشمٍ من الفرح، متناسيةً تماماً تلك الصورة المحترقة التي كادت أن تسمّم ليلتها.
​وفي خضمّ تلك اللحظة الوردية، انشق صمت العتمة عن صوتٍ مباغت كوقع السهم حين تنحنحت مرام قائلةً بنبرةٍ ساخرة:
"شخصٌ ما هو الذي يغرق هنا يا مريم.. ويبدو أن النجاة ليست من نصيبه!"
​انتفضت مريم وكأن صاعقةً ضربت أركان الصالة؛ فقد كانت تظن أن الصالة خاليةٌ إلا من حيرتها. سرت في أوصالها رعشةُ ذعرٍ امتزجت بخجلٍ قرمزي غطّى تقاسيم وجهها. ركضت نحو مقبس النور وبأصابع مرتجفة ضغطت عليه لتزيح ستائر الظلام وهي تهتف بصوتٍ متهدّج:
"مرام! منذ متى وأنتِ هنا؟"
​لم تكد الكلمات تخرج من فمها حتى انطلقت ضحكة سوسن المجلجلة لترن في المكان مع تدفّق الضوء قائلةً بتهكمٍ مبهج:
"ليست مرام فقط يا عروس.. بل كلنا هنا نشاهد مراسم الغرق!"
​ومع انجلاء العتمة اكتملت فصول الصدمة؛ فقد أبصرت إسماعيل جالساً بوقاره المعتاد وابنتيه اللتين كتمتا ضحكاتهما بصعوبة، وحتى سوسن التي كانت عيناها تلمعان بفضولٍ مرح. تجمّدت الدماء في عروق مريم، وشعرت بأن جدران المنزل تضحك معهم على انكشاف خلوتها الرومانسية أمام الملأ. لم تحتمل مريم نظراتهم التي كانت تقرأ خجلها ككتابٍ مفتوح، فاستدارت في لمح البصر وركضت نحو غرفتها كغزالةٍ تفرّ من سهام المزاح، تاركةً خلفها صالةً تضج بالضحك، وقلباً يخفق بين مطرقة الخجل وسندان تلك الكلمات التي آنست وحدتها قبل قليل.
​بينما كانت مريم تحاول التقاط أنفاسها خلف باب غرفتها المغلق، والرجفة لا تزال تسكن أطرافها من أثر الخجل، اهتز هاتفها مرة أخرى. لم يكن عبد الرحمن هذه المرة بل كان اسم نور يلمع على الشاشة كأنها تلاحقها لتنفث في أذنها بقايا ذلك الزلزال الذي ضرب دارهنّ قبل قليل. أجابت مريم بصوتٍ حاولت جاهدةً أن تجعله مستقراً رصيناً. وقبل أن تنطق نور بكلمة، بادرتها بنبرةٍ لاهثة تفيض بالاعتذار:
نور: "مريم… أعتذر بشدة عمّا حدث. أقسم أنني لم أكن أعلم بقدومه، ولم أقصد تجاهلكما. لكن خبر عودة عمر سلبني عقلي. أردتُ فقط أن أوضح لكِ أنني…"
قاطعتها مريم بنبرةٍ حازمة، مغلّفةٍ ببرودٍ مهذّب لم تعهده نور منها:
مريم: "لا عليكِ يا نور، فالأمر لم يعد يحتاج إلى توضيح. لكنني الآن بصدد النوم؛ فغداً ينتظرني يومٌ طويل، يومٌ ممتلئٌ بالترتيبات والوعود… غداً هو يوم الاتفاق الخاص بي."
​ساد صمتٌ مباغت على الطرف الآخر قبل أن يأتي صوت نور مذهولاً مشوباً بلومٍ مرير:
نور: "عبد الرحمن؟! أبهذه البساطة يا مريم؟ كنتُ أعلم بأمره، لكن أن يصل الحد إلى تحديد يوم الاتفاق ورسم المصير دون أن تهمسي لي بكلمة؟ أهكذا تُقضى الأمور بيننا؟ في اللحظة التي كنتُ أحترق فيها انتظاراً لكلمة منكِ تواسيني، كنتِ ترسمين خارطة مستقبلكِ في صمتٍ موحش! لم أتوقع أن أصبح غريبةً عن أسراركِ إلى هذا الحد."
​لم تهتز مريم أمام هذا الهجوم بل أجابت ببرودٍ صقيعي:
مريم: "الأيام تدور يا نور، ولكلٍّ منّا غائبه الذي يعود، أو حاضره الذي يبدأ. نلتقي غداً لنتحدث. طاب مساؤكِ."
أغلقت مريم الهاتف بحزم محاولةً إنهاء ذلك الجدال عند حدّه. لكن الهاتف عاد يهتز في يدها كنبضٍ غاضب. نور تتصل مجدداً. ترددت مريم لثوانٍ ثم أجابت. جاء صوت نور هذه المرة أكثر حدّة وقد سقط عنه قناع الذهول ليحلّ مكانه عتابٌ فجّ:
نور: "حقّاً يا مريم؟ تُغلقين الخط في وجهي؟ منذ متى أصبح الاتفاق أهمّ من صداقتنا؟ أم أن وجود رجلٍ في حياتكِ ألغى ما بيننا دفعةً واحدة؟ يبدو أنني كنتُ أعيش وهماً اسمه الوفاء!"
​ساد صمتٌ قصير. لم ترفع مريم صوتها ولم تتعجّل الرد. وحين تكلمت كان صوتها ثابتاً لا يحمل انفعالاً بل قراراً:
مريم: "الكلّ مشغولٌ بحريقه يا نور. كنتِ غارقةً في عودة غائبكِ، وكنتُ أنا غارقةً في ترتيب حاضري. غداً سيكتمل النصاب، وسأعرف إن كان هذا الطريق هو المبتغى أم لا. الآن، استبيحي لي عذراً… فأنا بحاجةٍ إلى النوم."
​لم تنتظر تعليقاً. أنهت المكالمة بهدوءٍ يشبه إغلاق بابٍ لم يعد يُفتح إلا بشروطٍ جديدة. في تلك اللحظة لم تكن القسوة ما يملأ قلبها، بل اتزانٌ متأخر. لم يكن في الأمر تحدٍّ ولا انتصار، بل حدٌّ فاصل؛ حدٌّ تعلّمت فيه مريم أن بعض القرارات لا تحتاج جمهوراً بل تحتاج وضوحاً مع النفس فقط..
​في الجهة الأخرى من المدينة، كان الصمت يلف شقة عبد الرحمن إلا من أنين مذياع قديم يصدح بصوت خفيض. لم يكن عبد الرحمن من النوع الذي تغلبه الحيرة، لكنه منذ أن أغلق الهاتف مع مريم شعر بأن شيئاً ما قد تغيّر في رتابة أيامه. كان يجلس في شرفته يراقب أضواء الشوارع المنعكسة على زجاج نظارته، وابتسامة هادئة -لا تشبه سخرية مكالمته- ترتسم على وجهه. تذكر نبرة صوت مريم حين حذرته من "الغرق"، وأعاد صدى ضحكتها في مخيلته مراراً؛ كانت ضحكة تحمل خلفها حزناً دفيناً لاحظه بـ"صبره" الذي ادعاه، وكأنها تخرج من تحت ركام التعب.
​قام عبد الرحمن من مقعده واتجه نحو "طقمٍ" رسمي معلق بعناية، وبدأ يتفقده بتركيزه المعتاد على التفاصيل. لم يكن قلقاً من المقابلة بقدر ما كان متحمساً لاختراق الغموض الذي يحيط بمريم. تمتم لنفسه وهو يمرر يده على ثنايا القماش:
"إذن هي 'صيادة تفاصيل' وتضيع فيها.. حسناً يا مريم، سنرى غداً من منا سيصطاد الآخر، ومن منا سيعثر على طريقه وسط الزحام."
​لم يكن عبد الرحمن يرى في هذه الخطوة مجرد "فرصة" أو اتفاق تقليدي، بل كان يراها معركة فكرية وروحية اختارها بمحض إرادته. كان يعلم أن وراء تلك العيون التي تلمح ما وراء السحب امرأة تحتاج لمن يفهم صمتها قبل كلامها. أخرج مسبحته وجلس يسبّح بهدوء وهو يرسم في خياله سيناريوهات لقاء الغد. لم يطلب من الله النجاة من "الغرق" الذي حذرته منه، بل كان يطلب القوة ليجعل ذلك الغرق رحلة ممتعة لكليهما. وبينما كان يستعد للنوم، كانت كلمته الأخيرة لنفسه قبل أن يغمض عينيه:
"غداً.. سأعرف إن كان عنادي كافياً لترميم شتات تلك الروح."
​وقف عبد الرحمن أمام المرآة يُعدّل من وضعية "الطقم" الرسمي الكحلي، ثم التقط هاتفه وصوّره بعناية فائقة لم يعهدها في نفسه من قبل. وبينما كان يهم بوضع الهاتف على الطاولة الجانبية، التفت ليجد والدته "سلوى" تقف عند إطار الباب تتأمله بصمت ممزوج بابتسامة حانية؛ ابتسامة الأم التي تقرأ في عيني ابنها ما لا ينطقه لسانه. لم تكن مجرد ابتسامة عابرة بل كانت نظرة "شامتة" بمحبة كأنها تقول بلا كلمات: "أين ذهب وقارك وبرودك الذي كنت تتباهى به يا رصين؟"
​لم يستطع عبد الرحمن إخفاء ارتباكه المحبب فضحك بخفة وهو يعيد ترتيب ياقة القميص بفرط توتر مفاجئ، ثم التقط هاتفه بسرعة والابتسامة لا تزال تخيّم على وجهه ليرسل لمريم رسالة مفعمة بالشغف بعيداً عن منطق الجدل المعتاد بينهما:
"هاه.. ما رأيكِ الآن؟ أخبريني بصدق إن كان يليق؟ لقد ضبطت أمي 'سلوى' تلمحني وأنا أصور الطقم، ويبدو أنها قرأت في ملامحي شغفاً لم أكن أخطط لإظهاره بهذه السرعة!"
​كانت كلماته تحمل اعترافاً ضمنياً بأنها لم تعد مجرد "ترتيبات" في حساباته، بل أصبحت هي "الوجهة". ظل ينتظر ردها وعيناه معلقتان بالشاشة، بينما كانت والدته تهمس من خلفه بدعاء خفي تبارك ذلك "الغرق" الجميل الذي اختاره ابنها بملء إرادته. بعد أن ضغط "إرسال"، وضع عبد الرحمن الهاتف على الطاولة الجانبية بسرعة كأنَّه يهرب من فعلته. حاول أن يستعيد قناع البرود الذي يرتديه دائماً، فبدأ يتحرك في الغرفة بهدفٍ مصطنع؛ يرتب أوراقاً لا تحتاج إلى ترتيب ويعدل وضع ساعة الحائط، ثم يعود ليتفقد ياقة قميصه للمرة العاشرة.
​مرت دقيقتان.. لم يصل الرد. خمس دقائق.. والهدوء في الغرفة أصبح ثقيلاً كالجبال. عشر دقائق.. وبدأ نبضه يتسارع بوقعٍ مسموع. تمتم لنفسه بقلق: "أيعقل أنها غضبت من جرأتي؟ أم أنها تضيع الآن في تفاصيل الطقم كما ادعت؟". كان يتعمد الانشغال بعيداً عن الطاولة، لكن عينيه كانتا تسرقان النظر نحو الشاشة المظلمة في كل ثانية.
​وفجأة انشق صمت الغرفة عن وميضٍ خاطف؛ أضاءت شاشة الهاتف معلنة عن وصول رسائل متتابعة بصوت تنبيهات متلاحقة لم يتوقف. لم يمشِ عبد الرحمن نحو الهاتف بل ركض إليه بلهفةٍ لم يستطع كبحها. التقطه بيدٍ مرتجفة وضغط على الإشعارات، لكن الصدمة كانت بانتظاره كصفعةٍ باردة جمدت الدماء في عروقه. لم يكن هناك نص، بل كانت سلسلة من الصور المتلاحقة التي تجاوزت ست صور. اتسعت عيناه خلف زجاج نظارته وهو يمرر أصابعه بذهول وقلق؛ في كل صورة كانت مريم تظهر مع رجل مختلف.. رجل واحد فقط في كل كادر. في الصورة الأولى كانت تبتسم بجانب شاب غريب، وفي الثانية تظهر في جلسة هادئة مع رجل آخر، والثالثة والرابعة والخامسة.. رجال مختلفون تماماً في ملامحهم وأعمارهم، لكن القاسم المشترك في كل تلك الصور هو مريم وجلوسها بجانب كل واحد منهم بمفردها.
​تراجع خطوة إلى الخلف وسند ظهره إلى الحائط وهو يحدق في الشاشة بغير تصديق. هل هؤلاء هم "الغارقون" السابقون؟ أم أن مريم تتعمد إرسال "تاريخها" له في هذه الليلة تحديداً؟ شعر وكأن الأرض تهتز تحت قدميه؛ فمن يكون هؤلاء الرجال الستة الذين يظهرون في صورها الخاصة في اللحظة التي يظن فيها أنه بدأ يلمس شاطئها؟
​بينما كان عبد الرحمن غارقاً في دوامة تلك الصور ومحاولاً استيعاب ملامح الرجال الذين يحيطون بمريم في لقطات منفردة، اهتز الهاتف في يده من جديد. لم تكن صورة هذه المرة بل كانت رسالة نصية قصيرة لكنها كانت كوقع النصل البارد على عنقه، كلمات نُسجت بعناية خبيثة كأنها تحذير أخير:
"اهرب قبل أن تتورط.. فمريم بئر بلا قاع، وامرأة لا ضمان للنجاة من فخاخها، ستكون أنت الرقم القادم في قائمة الراحلين!"
​تسمر عبد الرحمن في مكانه وشعر بأنفاسه تضيق. ضغط بسرعة على أيقونة الرد وتطايرت أصابعه فوق لوحة المفاتيح ليكتب بحدة: "من أنت؟ وماذا تقصد؟"، ولكن قبل أن تلامس إبهامه علامة الإرسال ظهرت له العبارة الصاعقة أسفل الشاشة: (لا يمكنك الرد على هذه المحادثة). لقد فعلها صاحب الرسالة؛ ألقى بـ"سمّه" في عروق عبد الرحمن ثم أغلق باب التواصل تماماً بحظر قاطع، تاركاً إياه في عتمة غرفته يواجه مئات التساؤلات. هل كانت تلك الصور تحذيراً صامتاً؟ وهل هؤلاء الرجال هم "أرقام" سابقة سقطت في تلك المتاهة؟
​جلس عبد الرحمن على حافة فراشه بجسد أثقله الذهول وقد غطت حبات العرق جبينه رغم برودة ليل المدينة. كان صدره يعلو ويهبط في اضطراب وأصابعه لا تزال ترتجف وهي تضغط على حواف الهاتف بشدة. أغمض عينيه محاولاً طرد تلك الصور المتلاحقة التي انطبعت في ذاكرته؛ صورة رجل تلو الآخر وكلمة "الرقم القادم" تتردد في أذنه كفحيح أفعى. ظل ساكناً لدقائق يصارع رغبة عارمة في فهم هذا الهجوم المفاجئ من رقم مجهول، لكنه وفجأة سحب نفساً عميقاً ثم زفره ببطء وهدوء غريب كأنه يفرغ رئتيه من كل ذلك التوتر.
​فتح عينيه ونظر إلى الهاتف مرة أخرى لكن هذه المرة بنظرة مختلفة؛ نظرة الرجل الذي "يعشق التفاصيل" ولا يرضى بالسطحية. مسح العرق عن جبينه بظهر يده وتمتم لنفسه بنبرة بدأت تستعيد ثباتها:
"اهرب؟.. هذا الكلام لا يصدر إلا عن حاقد أو مهزوم يريد لي أن ألحق به في قائمة المنسحبين. من هذا الذي يراقب خطاي ويحاول تسميم فكري قبل الفجر؟"
​بدأ شريط تفكيره ينعطف نحو تبرير أهدأ؛ أخذ يتأمل الموقف بعين الفاحص لا الضحية. فكر في مريم، تلك الفتاة التي كانت تمازحه منذ قليل بذكاء، هل يعقل أن يكون لها ذنب في غلّ هذا المجهول؟ قال في سره وهو يبتسم ابتسامة واهنة بدأت تشق طريقها وسط ركام القلق:
"ربما تكون هذه الصور والرسالة هي الثمن الذي تدفعه مريم لكونها مختلفة.. ربما هناك من يطاردها ويريد كسر أي بصيص نور يقترب منها. لو كانت كما يدعون، لما جاء التحذير من مجهول يختبئ خلف شاشة ويحظرني قبل أن أنطق بحرف."
​استند بظهره إلى وسادته وعاد الهدوء يسري في عروقه. قرر أن هذه الصور ليست إلا وسيلة رخيصة لزعزعة ثقته. وضع هاتفه جانباً ونظر إلى طقمه الكحلي مرة أخرى ولكن هذه المرة بعين التحدي.
"مريم.. إن كانت هذه هي العواصف التي تسبق الوصول إليكِ، فأنا لست الرجل الذي يغير وجهته بسبب رسالة من جبان. غداً سأسمع الحقيقة من عينيكِ أنتِ ولا أحد غيرك."
​أشرق وجه عبد الرحمن وهو يقرأ كلمات مريم كأن رسالتها جاءت في توقيتها لتطرد ما تبقى من غيوم الشك التي زرعها ذلك المجهول. قرأ النص مرة واثنتين وتذوق جرأة الحروف التي تعكس روحاً تأبى الانكسار. لم يكد عبد الرحمن يضع هاتفه جانباً حتى أضاءت الشاشة من جديد، ولكن هذه المرة كان الاسم هو "مريم". انقبض قلبه للحظة ثم انبسط وهو يقرأ كلماتها التي جاءت كطلقات نور في عتمة حيرته:
"لا زلت تريد المغامرة يا عبد الرحمن؟ ألا تخاف أن أكون تلك التي لا ترضى إلا بالعناد، ولا تفعل إلا ما يمليه عليها قلبها وعقلها وما تراه مناسباً؟ ألا تخاف كوني امرأة لا تروض ولا تلتزم ولا تخاف؟"
​سكنت ملامح عبد الرحمن تماماً وتلاشت حمرة التوتر عن وجهه لتحل محلها نظرة إعجاب عميقة. لم تكن رسالتها تحذيراً بقدر ما كانت "ميثاقاً" للحرية كأنها تضع النقاط على الحروف قبل أن تبدأ الحكاية. زفر بهدوء وشعر بزهو غريب؛ فهذه المرأة التي تصف نفسها بأنها "لا تروض" هي ذاتها التي يبحث عنها، هي "التفصيلة" الأهم التي تجعل للمغامرة معنى. لم يعد يرى في الصور المجهولة إلا محاولات بائسة لتشويه كبرياء هذه الروح التي تخاطبه الآن. أمسك هاتفه وكتب وهو يبتسم بصدق هذه المرة:
"الخوف لا يليق برجل اختار الغرق في بحركِ يا مريم.. أما عن 'الترويض'، فأنا لم أبحث يوماً عن امرأة تلتزم بالقيود، بل بحثت عن امرأة تلتزم بصدقها. عنادكِ هو البوصلة التي سأهتدي بها، وموعدنا غداً سيثبت لكِ أنني أعشق المغامرات التي لا ضمانات فيها."
​أرسل الرسالة ثم تمدد في فراشه وقد استعاد سكينته تماماً. أغلق عينيه وهو يردد في سره: "غداً.. سأواجه العالم كله من أجل هذه المرأة التي لا تخاف."
​أطبقت مريم جفونها بعد أن أغلقت الخط مع نور وألقت بهاتفها على الفراش كأنها تلقي بجمرة من التساؤلات. قامت لتتوضأ وفي تلك اللحظات التي كان فيها الماء ينساب على وجهها ليغسل عناء اليوم، أضاءت شاشة هاتفها في الغرفة المجاورة بوميض لم تره. قاومت فضولها وقررت أن تبدأ صلاتها أولاً؛ ففي حضرة السجود كانت تبحث عن سكينة لا يمنحها إياها البشر. وبعد أن فرغت من صلاتها وجلست على سجادتها للحظات من السكون، اتجهت نحو الهاتف.
​فتحت الشاشة لتتجمد عيناها أمام صورة الطقم الكحلي الرصين. لم تكن الصورة مجرد "قماش" بل كانت حضوراً طاغياً لعبد الرحمن في عتمة غرفتها. شعرت برجفة خفيفة في أناملها وهي تكتب له ردها، كلمات صاغتها من كبريائها وعنادها كأنها تضع حداً فاصلاً بين "الخضوع" و"الاختيار":
"لا زلت تريد المغامرة يا عبد الرحمن؟ ألا تخاف أن أكون تلك التي لا ترضى إلا بالعناد، ولا تفعل إلا ما يمليه عليها قلبها وعقلها وما تراه مناسباً؟ ألا تخاف كوني امرأة لا تروض.. ولا تلتزم.. ولا تخاف؟"
​أرسلتها ثم ضمت الهاتف إلى صدرها بقوة وأسندت رأسها إلى الخلف وهي تحدق في سقف الغرفة. في تلك اللحظة هجمت عليها أطياف "الخطاب السابقين"؛ وجوه مرت في حياتها كالسراب ومشاريع حكايات تكسرت عند أول عثرة. تذكرت كيف كان كل واحد منهم ينسحب أمام قوتها، أو يفر من غموضها كأنها لغز استعصى على الحل. تساءلت بمرارة: "هل ستنجح هذه المرة؟ أم أن عبد الرحمن ليس إلا نسخة أكثر ذكاءً ممن سبقوه، سيهزمه الموج كما هزمهم؟"
​بينما كانت مريم تظن أن الكلمات قد بلغت منتهاها، اهتز الهاتف في كفها مجدداً بردٍّ حمل في طياته مزيجاً طاغياً من الرقي والثبات. قرأت قوله: "الخوف لا يليق برجلٍ اختار الغرق في بحركِ يا مريم"، فشعرت لثوانٍ أن هذا الرجل يمتلك قدرةً سرية على امتصاص عواصفها، وتحويل غضبها العارم إلى دهشةٍ ساكنة. لكن وبالرغم من "لطف الشعور" الذي أغدق به على جفاف روحها إلا أن غريزة "الصيادة" داخلها استيقظت فجأة من غفوتها. تسلل إليها شعورٌ غامض بالريبة تجاه هذا الاندفاع المثالي؛ كان هناك صوتٌ خفي يحذرها من أن الأمور تسير بنعومةٍ لا تشبه وعورة واقعها وبمثاليةٍ تكاد تثير الشك.
​دست توجسها خلف قناعٍ من الدلال فأرسلت له أولاً إيموجي "بعينين بريئتين" (🥺)، كأنما تحتمي بتلك البراءة قبل أن تلقي بصاعقتها. ثم وبأنامل لم تعرف التردد خطّت رسالةً مقتضبة حادة الأطراف كأنها نصلٌ بارد يختبر صلابة درعه:
"أتوريدُ حقاً خوض غمار هذه المغامرة؟ أتعرفُ أنك الرجل السابع يا عبد الرحمن؟"
​أطلقت رسالتها في فضاء الصمت وألقت بالهاتف على الطاولة ببرودٍ مصطنع، بينما كانت دقات قلبها تقرع طبول الحرب. "الرجل السابع".. ذلك الرقم الذي يختصر تاريخاً طويلاً من الخيبات المتراكمة، ووجوهاً عبرت ردهات منزلها ثم انمحت كأثرٍ على الرمل. كانت تصر على إشراكه في "العبء" منذ الخطوة الأولى لترى أستصمد بوصلته أمام حقيقة أنها ليست "صفحة بيضاء" بل هي "ناجية" مثقلة بندوب ست معارك سابقة. وعلى الجهة الأخرى من المدينة وفي سكون غرفته، أضاء هاتف عبد الرحمن بهذا السؤال الذي زلزل أركان هدوئه. حدق في الشاشة بذهول ليرى الرقم "7" يلمع في العتمة كنبوءة مشؤومة، تماماً كما نفث المجهول في أذنه قبل قليل: "ستكون أنت الرقم القادم". تلاقت الحقيقتان في ذهنه؛ حقيقة مريم الصادمة، ووعيد المجهول المريب، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام لغزٍ لم يعد يحتمل التأجيل.
​أضاءت الشاشة بسؤالٍ هزّ ثباتها: "هل يخيفكِ أن أكون السابع؟"
ارتجف قلب مريم بين ضلوعها وشعرت بوخزة ذنبٍ لم تكن في الحسبان. لم تكن تخشى عليه من عنادها بقدر خشيتها من "عدالة" الموقف. ترددت ثم كتبت بصدقٍ يقطر وجعاً:
"بل أشعر بالذنب تجاهك.. أنا أحمل إرثاً من ست تجارب فاشلة، أثقالاً من خيباتٍ لا ذنب لك فيها. أليس من الظلم أن تبدأ رحلتك معي وأنا أحمل كل هذا الركام؟"
​لم يتأخر رد عبد الرحمن وجاءت كلماته هذه المرة مغلفةً بذلك المزيج العجيب من الثبات والكوميديا السوداء التي يتقنها:
"ظلم؟ مريم، هل تعتقدين أني كنت أقضي سنواتي الست الماضية في الصلاة لقيام الليل؟ أنا أيضاً لدي نصيبي من 'الندوب' التاريخية. ثم إن الرقم (7) رقمٌ مبارك، ألم تلاحظي؟ أيام الأسبوع سبعة، وعجائب الدنيا سبعة.. يبدو أن الأقدار كانت تدخرني لأكون العجيبة الثامنة في حياتك، أو ربما الضحية السابعة التي ستموت 'بأناقة' على يديكِ."
​ابتسمت مريم رغماً عنها وشعرت بأن ثقل الجبال الذي كان يربض على صدرها بدأ يتلاشى أمام خفة ظله. كتبت له:
"تتحدث عن الموت بأناقة وكأنك تختار لون ربطة عنقك! ألا تأخذ الأمر بجدية؟"
فأجابها ببراعته المعهودة:
"الجدية المملة هي التي أطفأت شمعة الستة السابقين يا مريم. أنا رجلٌ يؤمن بأن شرور الحياة لا تُهزم إلا بابتسامة ساخرة. لا تشغلي بالكِ بالركام، فالبناء فوق الأنقاض دائماً ما يكون أكثر متانة.. لأنه يمتلك أساساتٍ عرفت طعم الانكسار ولم تسقط."
​ساد الصمت للحظات شعرت فيها مريم أن ليلها الطويل بدأ ينجلي. نظرت إلى الساعة التي تجاوزت منتصف الليل بكثير وكتبت له برقةٍ لم تعهدها:
"ألن تنام؟ لقد أرهقتُ ليلك بتفاصيلي."
جاء رده كخاتمةٍ موسيقية لليلةٍ لن تنسى، جملة بدت وكأنها خُبئت لسنوات لتُقال لها الآن:
"أتى الأوان الذي أقول فيه الجملة التي تعجبني.. في حضرة من نطمئن به، يصبح الليل طفلاً يحبو."
​ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن تبدأ مريم في نبش تلك التفاصيل التي تؤرقها، لا كقائمة اتهام بل كحكاياتٍ تودّ إلقاءها خلف ظهرها. قالت له بنبرة يملؤها العتب القديم:
" على مثلاً كان رجلاً لا يعرف للمرونة سبيلاً. أتذكر ذات مرة أني تأخرتُ في العمل لظرفٍ قاهر، وكان هاتفي صامتاً في حقيبتي فلم أجب على اتصالاته. وحين وصلتُ إلى المنزل واتصلتُ به فوراً لأعتذر وأشرح له ما حدث، لم يمهلني ثانيةً واحدة؛ زمجر في الهاتف وتعصّب وانفعل بجنون، وكأنني ارتكبتُ خطيئةً كبرى. لم يكن يرى في تأخيري إلا إهانةً لشخصه."
​ردّ عبد الرحمن بهدوءٍ واثق وكتب لها:
"يبدو أن على كان يبحث عن جنديٍّ يطيع الأوامر، لا عن شريكة حياة. صدقيني يا مريم، المشكلة ليست في تأخيركِ، بل في قلقه الهشّ الذي لم يستوعب أن للحياة ظروفاً لا تخضع لساعته. بالنسبة لي، الأمان الذي بيننا أهمّ من عقارب الساعة، ولو تكرر الموقف معي، لانتظرتُ حتى تهدئي لأطمئن عليكِ أولاً؛ فالعصبية لم تكن يوماً حلاً، بل هي مجرد استعراض قوةٍ فاشل."
​استرسلت مريم في الحديث تحكي له عن آخر كان يضيق ذرعاً بطموحها وعن ذاك الذي كان يفسّر صمتها تمرّداً. كانت تسرد المواقف بمرارةٍ واقعية، وفي كل مرة كان عبد الرحمن يمتصّ حزن الحكاية بردٍّ رزين يقلب تراجيدية الموقف بلمحةٍ ساخرة تجعلها تبتسم رغماً عنها، موضحاً بأسلوبٍ مرح أنه متقبّل لكل تلك "الندوب"، بل ويرى أن من رحلوا هم من خسروا الرحلة في منتصفها.
​تجاذبا أطراف الحديث لساعات تداخلت فيها الضحكات بالتنهيدات، حتى شعرت مريم أن العبء الذي حملته لسنوات بدأ يتلاشى أمام نضج هذا الرجل ورؤيته الهادئة للحياة. قبل أن ينطفئ وهج الشاشة وتُطوى صفحة تلك الليلة الطويلة، وقبل أن تنسحب مريم إلى هواجسها، أبى عبد الرحمن إلا أن يترك أثراً أخيراً في وجدانها المتوجّس. كانت الرسائل قد توقفت لكن صوته هذه المرة جاء عبر اتصالٍ قصير أراد من خلاله أن يثبّت تلك الطمأنينة بنبرةٍ حيّة تتجاوز جمود الحروف. رفع الهاتف إلى أذنه وبالرغم من المسافات وصل صوته إليها دافئاً رخيماً وبنبرةٍ تحمل من المودة ما جعل ارتباك مريم يهدأ قليلاً لتسمع ما سيقول. تمتم عبد الرحمن بكلماتٍ خافتة تليق بسكون الفجر: "مريم..."
​ردّت عليه بـ"همهمة" رقيقة كانت أشبه بزفيرٍ طويل ينمّ عن إنصاتٍ تام كأنها تقول له بغير كلمات: "أسمعك... أنا هنا، منصتة بفضولٍ وحذر." ساد صمتٌ قصير غلّفه حفيف الأنفاس الهادئة قبل أن يضيف بلطافةٍ بالغة وصوتٍ يبتسم: "آنستِني يا مريم... آنستِ ليلي، وآنستِ تلك الزوايا التي كانت تستوحش الانتظار."
​نزلت الكلمة على مريم كقطرة ندى مباغتة. "آنستِني" لم تكن في أذنيها مجرد كلمة شكر بل كانت اعترافاً بأن وجودها -برغم حكاياتها المريرة- كان الأنيس الذي تقبّله بصدرٍ رحب. أحسّت مريم بابتسامةٍ باهتة ترتسم على ثغرها في العتمة وشعرت أن حواراتهما التي بدأت بريبةٍ شديدة انتهت بهدوءٍ لم تألفه من الستة الذين عبروا قبل "السابع". وبنفس الهدوء البلاغي الذي غلّف حديثهما، أغلقت الخط وهي تحمل كلمته الأخيرة بذهنٍ شارد، بينما ظل هو يحدّق في هاتفه بابتسامةٍ ساكنة مدركاً أن الليل بالفعل قد أصبح -في حضرة هذا الاطمئنان- طفلاً يحبو.
​في اللحظة التي استكانت فيها روحها وظنّت أن مرافئ الاطمئنان قد شرعت أبوابها أخيراً، اخترق سكونَ الليل صوتُ ارتطامٍ مفاجئٍ صلب. حجرٌ طائش أُلقي بيقينٍ غريب ليخترق عتمة شرفتها ويستقرّ عند قدميها بوقعٍ أيقظ كلَّ كوامن الفزع في صدرها. تسمّرت مريم في مكانها وشعرت ببرودةٍ تسري في أطرافها وهي تحدّق في ذلك الدخيل الصخري. لم يكن مجرد حجر بل كان يحمل في أحشائه رسالةً ملفوفةً بعنايةٍ مريبة كأنها نذيرُ شؤمٍ قطع عليها خلوتها. تراجعت خطوةً إلى الخلف وصراعٌ مريرٌ يدور بين رغبتها في الهرب وفضولٍ موجعٍ ينهش تفكيرها.
​غالبت دقات قلبها المتسارعة وانحنت ببطءٍ لتلتقط الورقة بأصابع ترتجف. فتحتها بحذر لتجد كلماتٍ خُطّت ببرودٍ مرعب كأنها نُحتت من صَوّان:
"حسنًا... اللعبة ابتدأت الآن، وأنا الحكم، وغدًا أولُ جولة؛ فهل أنتِ مستعدة؟"
​شحب وجه مريم وشعرت فجأةً بآلاف الأعين تراقبها من وراء ستر الظلام. تلك الطمأنينة الهشّة التي شيّدها عبد الرحمن قبل دقائق تهاوت أمام هذا الوعيد المجهول. لم تكن مجرد رسالة بل كانت إعلاناً لحربٍ لا تعرف ميدانها وتذكيراً بأن "الرجل السابع" لن يكون مجرد رقمٍ عابر بل هدفاً في مرمى قنّاصٍ مجهول. نظرت من خلف زجاج الشرفة إلى الشارع الساكن فبدا لها السكونُ غادراً والليلُ الذي كان قبل قليل "طفلاً يحبو" استحال فجأةً غولاً يتربّص بها في العتمة.
​وبينما كانت تحاول استيعاب وقع الكلمات القاسية في الورقة، تسمرت نظراتها نحو الزاوية المقابلة لشرفتها، هناك حيث يبتلع الظلامُ معالم الشارع. لمحته... ظلًّا بشرياً منتصباً كأنه جزءٌ من معمار الليل. حبست أنفاسها وهي تراه يخرج من عتمة الزاوية قليلاً لا ليقترب بل ليعلن عن حضوره الطاغي. وبحركةٍ بطيئةٍ مستفزّة رفع يده مشيراً إليها بتحيةٍ باردة؛ إيماءةٌ غامضة كانت كفيلةً بأن تجعل الدماء تتجمّد في عروقها. وفي تلك اللحظة خُيّل إليها -تحت ضوء المصباح الباهت- أنه ألقى نحوها بابتسامةٍ خبيثة؛ ابتسامةٌ لم تكن تشبه الودّ في شيء بل كانت توقيعاً مرئياً على رسالته وإعلاناً صريحاً بأنها أصبحت تحت مجهر مراقبته.
​انقبض صدرها وهي تراه يتراجع ببطءٍ ليتلاشى في السواد خلف المنعطف، تاركاً إياها في مواجهة رجفةٍ لم تفلح جدران غرفتها في صدّها. غابت الابتسامة التي رسمها عبد الرحمن قبل قليل وحلّ محلّها هذا الطيف الذي حوّل "الرجل السابع" من بدايةٍ محتملة إلى جولةٍ في لعبةٍ خطرة لم تختر مريم أن تلعبها، لكنها وجدت نفسها فجأةً في قلب ميدانها. أغلقت ستائر شرفتها بقوة وأسندت ظهرها إلى الخشب البارد، والورقة لا تزال مجعّدةً في قبضتها، بينما صدى تلك الابتسامة الخبيثة يتردّد في مخيّلتها كأنه يهمس لها:
"لقد انتهى وقت الأمان... وبدأ وقت المواجهة."
​

​"من هو ذلك القناص الذي يتربص بمريم في اللحظة التي قررت فيها أن تطمئن؟ وهل "الرجل السابع" هو من استدعى هذا الظل من عتمة الماضي، أم أن اللعبة أكبر من مجرد حكاية زواج لم تكتمل؟"
               

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.