عالم صغير اسمه مريم (أنتِ الأمان الذي لم أبحث عنه لكنه وجدني) الفصل الأخير
عالم صغير اسمه مريم
.........
مع مرور الوقت أصبحت مريم شيئاً ثابتاً في حياتي… شيئاً يشبه الشمس التي تشرق كل يوم دون أن نشعر كيف أصبح وجودها طبيعياً جداً.
لم يكن هناك يوم يمر دون أن نتحدث، أو نضحك، أو حتى نتشاجر على شيء تافه ثم نعود كما كنا بعد دقائق.
كانت علاقتنا مليئة بتفاصيل صغيرة جداً، لكنها بالنسبة لي كانت كنوزاً لا تُقدَّر بثمن.
كنا نتشارك أشياء كثيرة.
نتحدث عن الدراسة… عن أحلامنا… عن المستقبل الذي كنا نتخيله ونحن لا نعرف ماذا تخبئ لنا الأيام.
أحياناً كنا نضحك على أشياء لا يفهمها أحد غيرنا.
وأحياناً كنا نجلس بصمت… لكن ذلك الصمت لم يكن ثقيلاً أبداً.
كان صمتاً مريحاً… صمتاً يشبه وجود شخص يفهمك دون أن تحتاج للكلام.
مريم لم تعد مجرد جزء من حياتي…
بل أصبحت جزءاً مني.
إذا حدث شيء جميل في يومي، أول شخص أفكر في إخباره هو مريم.
وإذا حدث شيء سيئ… أول شخص أبحث عنه هو مريم أيضاً.
حتى عندما لا يحدث شيء على الإطلاق…
كنت فقط أحب أن أتحدث معها.
كان صوتها يهدئني بطريقة لا أستطيع تفسيرها.
ربما لأن بعض الأشخاص يصبحون مع الوقت مكاناً نشعر فيه بالأمان.
ومريم كانت بالنسبة لي ذلك المكان.
كانت عالمي الصغير…
العالم الذي أخبئه في قلبي بعيداً عن ضجيج العالم.
---
لكن علاقتنا لم تكن دائماً سهلة.
كان هناك دائماً أشخاص حولنا… صديقاتها، وأصدقاؤنا، والناس الذين لا يفهمون طبيعة العلاقة التي كانت بيننا.
بعضهم كان يضحك ويقول إننا مبالغتان.
وبعضهم كان يتدخل أحياناً في أشياء لا تخصه.
كنت أحاول أن أتجاهل ذلك قدر الإمكان.
لكن عندما يتجاوز أحدهم حدوده… كنت أتوقف عند ذلك.
أتذكر مرة أن إحدى صديقاتها بدأت تتدخل في شيء بيني وبين مريم.
لم يعجبني ذلك.
اقتربت منها وقلت بهدوء لكن بوضوح:
"اللي بيني وبين مريم… محدش يدخل فيه."
لم يكن في صوتي غضب… لكن كان فيه شيء آخر.
شيء يشبه الحماية.
لأنني كنت أشعر دائماً أن عليّ أن أحمي هذه العلاقة من أي شيء قد يفسدها.
---
وفي المقابل كانت مريم تفعل الشيء نفسه.
كانت تحب لي الخير بطريقة صادقة جداً.
لم تكن من النوع الذي يغار أو يتمنى أن يكون أفضل من غيره.
بل كانت تفرح لي وكأن نجاحي نجاحها هي.
أتذكر مرة عندما تم تكريمها من المدرس بسبب تفوقها.
كانت تقف أمام الجميع، والكل يصفق لها.
لكنني كنت أصفق أكثر من الجميع.
كنت أقول للطلاب بفخر:
"شايفين؟ دي صاحبتي."
كنت أشعر أن نجاحها جزء من نجاحي.
لكن الشيء الذي لم أتوقعه…
أنها لم تكن سعيدة بالكامل.
بعد انتهاء التكريم اقتربت مني وقالت بحزن:
"أنا مش فرحانة."
نظرت إليها بدهشة.
"ليه؟"
قالت بهدوء:
"عشان انتي متكرمتيش معايا."
في تلك اللحظة شعرت بشيء دافئ في صدري.
أدركت أنني لم أكن الوحيدة التي ترى هذه العلاقة كشيء كبير.
مريم أيضاً كانت تشعر بذلك.
مع مرور الأيام أصبحت لحظاتنا البسيطة أثمن ذكرياتي.
الخوف الذي لا نعترف به
هناك نوع غريب من الخوف…
الخوف من فقدان شيء نحبه كثيراً.
هذا الخوف لا نتحدث عنه غالباً، لكننا نشعر به في أعماقنا.
كنت أشعر أحياناً بهذا الخوف عندما أفكر في مريم.
ليس لأن هناك سبباً واضحاً…
بل لأن الأشياء الجميلة جداً تجعلنا نخاف عليها أكثر.
كنت أخاف أن يحدث شيء يغير ما بيننا.
أن يأتي يوم لا نكون فيه قريبين كما نحن الآن.
لكنني كنت أهرب من هذه الأفكار بسرعة.
كنت أقول لنفسي دائماً:
لا… هذا مستحيل.
بعض العلاقات تكون قوية جداً لدرجة أننا نعتقد أنها لن تنكسر أبداً.
ومريم كانت بالنسبة لي واحدة من تلك العلاقات.
كنت أعتقد أن صداقتنا أكبر من أي مشكلة.
وأقوى من أي ظرف.
لكن الحياة…
كانت تخبئ لنا شيئاً لم أتوقعه أبداً.
شيئاً سيجعلني أدرك أن حتى أقوى العلاقات يمكن أن تمر باختبار صعب.
اختبار قد يغير كل شيء.
وربما…
قد يغيرنا نحن أيضاً.