قطار زانيتي: تذكرة إلى العدم (الفصل الأخير) | المفارقة التي تلتهم ذيلها
المفارقة التي تلتهم ذيلها
.........
الفصل الخامس: المفارقة التي تلتهم ذيلها..
المحطة الأخيرة لم تُعلن عن نفسها..
في عالم زانيتي لا توجد أجراس تنبيه، فالكارثة دائماً ما تصل في صمت الموتى
القطار لم يتوقف؛ بل انسلخ عن الحركة شعرتُ فجأة أن ثقل جسدي قد تبخر، و الضوء خارج النوافذ استقر على درجة رمادية اللون، درجة تُذكرك بلون جدران المستشفيات في ساعة الغروب.. اللون الذي يعني أن كل شيء قد انتهى، لكن لا أحد يملك الشجاعة ليخبرك..
نظرتُ في المرآة..
لم أكن هناك..
لا بوجهي الكامل ولا حتى نصف وجه، ولا ضباب.. فقط المقعد الفارغ خلفي..
لقد أصبحتُ (احتمالاً غير معتمد) بالكامل.
— لا ترتعب.. الغياب هنا هو أرقى درجات الحضور.
قالها المُحصّل وهو يضع يده على كتفي.. لم أشعر ببرودة يده، لأنني لم أعد أملك جسداً يشعر.
سألتُه بصوت لا يسمعه سوى عقلي:
— هل وصلنا؟
— وصلنا إلى المكان الذي تُصنع فيه الحكايات قبل أن تحدث.. مرحباً بك في المطبخ.
انفتح الباب لكنه لم يؤد إلى رصيف كما تفعل أبواب القطارات الطبيعية المؤدبة، بل إلى ممر لا نهائي من الأرفف، كانت قاعة هائلة.. تشبه أرشيفاً سرياً في قبو الفاتيكان، وعلى كل رف كانت هناك دفاتر متطابقة تماماً.. نفس لون الغلاف الجلدي لدفتري..
مشيتُ بذهول، سحبتُ دفتراً عشوائياً.. قرأت السطر الأول:
(لم أكن أنوي ركوب هذا القطار.. اسمي ماريو، صحفي مغمور..)
سحبتُ آخراً:
(لم أكن أنوي ركوب هذا القطار.. اسمي ستيفانو، صحفي مغمور..) وهكذا الثالت والرابع والعاشر..!
شعرتُ بالدوار.. سألتُ المُحصّل:
— من هؤلاء؟
أجاب وهو يشعل سيجارة تفوح منها رائحة الورق المحروق:
— أسلافك.. لوتشيانو ليس اسماً بل وظيفة، القطار يحتاج دائماً إلى شاهد، والشركة تحتاج دائماً إلى من يثبّت الرحلة في السجلات.
وصلنا إلى نهاية الممر وهناك وجدنا مكتباً قديماً يجلس خلفه رجل عجوز وجهه عبارة عن خريطة من التجاعيد، وعيناه مفقودتان خلف نظارة سميكة..
كان يكتب بهمة.. وحين اقتربتُ منه تجمدت الدماء في عروقي — لو كان لدي دماء —
الرجل كان يكتب.. الفصل الأول من نفس القصة!
صرخت فيه:
— أنت تكتب قصتي؟
رفع رأسه وللمرة الأولى رأيتُ وجهه بوضوح.. ويا للصدمة التي قضت تماما على أخر ركن من أركان عقلي.. لقد كان...
لقد كان.. أنا!
كان أنا بعد خمسين عاماً من الكتابة في هذا القبو،
قال العجوز بصوت وهو صدى لصوتي:
— لقد تأخرت يا لوتشيانو.. كنتُ أنتظر وصولك لأتمكن من الرحيل، القطار لا يسير بالفحم، بل يسير بمداد أرواحنا.
فهمتُ الفخ.. الفخ الذي صممته شركة زانيتي بعبقرية شيطانية..
المُحصّل هو مجرد طرد يوصل الكاتب الجديد للقديم..
قلتُ وأنا أرتعب:
— وماذا لو رفضت؟ لو مزقت الدفتر؟
ضحك العجوز وسعل بقوة:
— لقد فعلتُ ذلك في دورتي السابقة.. هل ترى هذا الرماد على الأرض؟ إنه بقايا لوتشيانو الذي حاول التمرد، النتيجة واحدة: القطار سيعود للوراء، للثانية التي صعدتَ فيها أول درجة، وستنسى كل شيء، وتبدأ الرحلة من جديد.. إلى الأبد..
نظرتُ إلى المُحصّل، فرأيتُه يتلاشى.. بدأ يتحول إلى رذاذ رمادي، ثم وببطء شديد شعرتُ بملابس المُحصّل تكسو جسدي .. الشارة المعدنية.. الحقيبة الجلدية.. الصافرة..
— لااااا.
قال العجوز وهو يمد لي القلم:
— اجلس.. اكتب النهاية التي تضمن بها بقاء القطار في الذاكرة، لكي نتمكن من جذب لوتشيانو القادم، هذه هي الطريقة الوحيدة لكي يحصل أحدنا على راحة لمدة خمس دقائق قبل أن تبدأ الرحلة التالية..
جلستُ.. القلم كان أثقل من الجبل..
كتبتُ أن القطار اختفى.. كتبتُ أن الركاب صاروا أساطير،
وكتبتُ أن المُحصّل الجديد والذي هو أنا سار في الممر ليفحص تذاكر ركاب رحلة 1911 التي ستنطلق بعد ثوان..
استدرتُ لأجد نفسي داخل العربة مرة أخرى..
القطار يهتز.. رائحة التبغ الفاخر تعود.. الضجيج الأرستقراطي يملأ المكان..
رأيتُ شاباً يجلس قرب النافذة، يخرج دفتراً بيد مرتجفة وملامحه مألوفة لي جداً.. كأنني كنت هو منذ دقيقة.. أو منذ قرن.
اقتربت منه.. شعرت بالابتسامة الآلية ترتسم على وجهي، الابتسامة التي تلامس الوجنات العينين.
قلتُ له بنبرة تقطر سخرية قديمة:
— صحافة؟
نظر إليّ الشاب بذعر مكتوم وقال:
_نعم.
قرأتُ بطاقته: (لوتشيانو فيرّيتي).
قلت له الجملة التي كان يجب أن تكون التحذير الأخير:
— أتمنى أن تكتب الحقيقة.
ثم تركتُه وأكملتُ طريقي لأحصي بقية الضحايا...
(الخاتمة)
الأسطوة تقول أن قطار زانيتي مفقود.. وهذا خطأ فادح..
القطار لم يُفقد قط، هو فقط غيّر إحداثيات وجوده..
إنه يسير الآن في مكان ما، خلف جدار الواقع الذي تلمسه بيدك..
وإذا كنت تقرأ هذه الكلمات الآن، وتشعر برغبة عارمة في الالتفات خلفك.. أو إذا شعرت أن غرفتك بدأت تهتز قليلاً كأنها فوق قضبان حديدية..
فنصيحتي لك كصديق: لا تنظر في المرآة الآن..
فقد تكتشف أنك لست القارئ..
بل أنت الراكب القادم الذي كنتُ أنتظره لكي آخذ مكاني في القبو وأبدأ بكتابة قصتك..
والآن.. أرني تذكرتك من فضلك؟
— انتهت —