أثيرالس ( عهد الكريستال المفقود) | سر الأجداد
سر الأجداد
.........
هبطت تولين وكايل عند أطراف "غابة الأزل"، وهي غابة لا تشبه غابات الأرض؛ أشجارها ضخمة لدرجة أن جذع الشجرة الواحد يكفي لبناء مدينة، وأوراقها فضية تعكس ضوء النجوم حتى في وضح النهار. كان الهواء هنا ثقيلاً برائحة العتق والتراب المبلل، وكأن الزمن نفسه قد توقف عن الجريان بين هذه الغصون.
"أشعر بوقار غريب في هذا المكان يا كايل،" همست تولين وهي تلمس لحاء شجرة "السدر العتيق". غابت ضحكتها المعتادة وحلت مكانها نظرة تأمل عميقة. "كأن الأشجار تحاول إخباري بشيء.. شيء يخص دمي."
بينما كانا يتوغلان، بدأت الجذور تتحرك ببطء تحت أقدامهما، لم تكن تحاول عرقلتهما، بل كانت تمهد لهما طريقاً نحو "القلب النابض للغابة". فجأة، تعالت أصوات تشبه الحفيف، لكنها كانت كلمات بلغة قديمة جداً.
"تولين.. يا ابنة النور المنحدرة من سلالة الصمت.."
توقفت تولين، واستلت رمحها "رنين الصدق"، لكنها لم ترفعه للهجوم. ظهر من بين الأشجار كائن أثيري، جسده مزيج من اللحاء والضوء الأخضر، هو "حارس الأجداد".
"من أنت؟ وكيف تعرف اسمي؟" سألت تولين بنبرة قوية رغم ارتعاشة بسيطة في صوتها.
أجاب الحارس بصوت يشبه حفيف الأوراق: "أنا ذاكرة هذه الأرض. وأنتِ يا تولين، لستِ مجرد جامعة أصداء عابرة. أنتِ حفيدة (أريان)، الملكة التي ضحت بصوتها لتسجن مورغوث في المرة الأولى. دماء الأباطرة الذين صاغوا الكريستالات تجري في عروقك."
شحب وجه تولين، ونظرت إلى كفيها وكأنها تراهما لأول مرة. "جدتي؟ الملكة أريان؟ لكن والديّ لم يخبراني بشيء.. عاشا وماتا كبسطاء في قرية النغم."
قال الحارس بحزن: "لقد أخفيا الحقيقة لحمايتكِ. مورغوث لا يطارد الكريستالات فقط، بل يطارد (الوريثة) التي تملك نغمة الفتح. هو يعلم أن مرحكِ ليس مجرد طبع، بل هو القوة الوحيدة التي يمكنها كسر قفله الأسود."
هنا تدخل كايل، وصوته يحمل نبرة حماية واضحة: "ولماذا استيقظ الآن؟ ولماذا تتركونها تواجه هذا المصير وحدها؟"
"لأن الأمانة ثقيلة يا فتى،" أجاب الحارس. "والآن، على تولين أن تدخل (محراب الأجداد) لتستلم الكريستالة الثالثة.. لكن الثمن هو مواجهة ذكرى والديها."
دخلت تولين المحراب وحدها، كان عبارة عن قبة من الضوء المنبعث من باطن الأرض. هناك، رأت طيفين يشبهان والديها تماماً. شعرت برغبة عارمة في الارتماء في أحضانهما، في البكاء كطفلة فقدت لعبتها. لكنها تذكرت قول الحكيم: "اليقين هو بوصلتك".
قال طيف والدها بحنان: "ابنتي الصغيرة، سامحينا لأننا تركناكِ تحملين عبء العالم. عودي للحياة البسيطة، اتركي الكريستالات، واعيشي بسلام."
دمعت عينا تولين، لكنها ابتسمت ابتسامة منكسرة وقوية في آن واحد. "يا أبي.. يا أمي.. السلام لا يُمنح لمن يسكت عن الحق. لقد علمتني أمي أن اللطف هو شجاعة القلب، علمني أبي أن العمل عبادة. كيف أعود وأترك العالم يغرق في الصمت؟"
بمجرد أن نطقت بهذه الكلمات، تحول الطيفان إلى نور أبيض باهر، وانبثقت من بينهما "كريستالة الوفاء" الخضراء. طارت الكريستالة واستقرت في يد تولين، لتشعر بقوة أجدادها تتدفق في جسدها.
خرجت تولين من المحراب وهي تحمل الكريستالات الثلاث، لكنها وجدت كايل واقفاً بجمود غريب. كانت هناك سحابة سوداء صغيرة تحوم حول رأسه.
"كايل؟ هل أنت بخير؟" سألت بقلق وهي تقترب منه.
لم يرد كايل، بل رفع يده وأشار نحو الأرض حيث انشقت فجوة مظلمة بدأت تبتلع أشجار الغابة. وفي الأفق، ظهر خيال "مورغوث" وهو يضحك ضحكة هزت كيان الغابة.
"أحسنتِ يا ابنة أريان.. لقد جمعتِ لي ثلاثاً من سبع، ووفرتِ عليّ عناء البحث،" قال صوت مورغوث. "أما رفيقكِ.. فقد صار أذني التي أسمع بها، وعيني التي أرى بها."
تراجعت تولين وهي تحتضن الكريستالات، وشعرت لأول مرة بمرارة الخيانة تحرق حلقها. لكنها مسحت دمعتها بسرعة وقالت بصوت ملحمي:
"إن كان كايل قد ضعف، فإيماني بربه وبصلاحه لن يضعف. سأنقذه، وسأستعيد العالم، ولو اضطررت لتمزيق حجاب الظلام وحدي!"