قطار زانيتي: تذكرة إلى العدم - الضباب الذي ينادي
الضباب الذي ينادي
.........
الفصل الثاني: الضباب الذي ينادي
الظلام في النفق لم يكن كظلام الليل المعهود..
كان شيئًا ماديًا، حضورًا كثيفًا لشيء آخر لم تألفه الحواس البشرية من قبل..
توقعتُ أن تتأقلم عيناي كما يحدث في ظروف الفيزياء الطبيعية..
حاولت أن أطمئن نفسي بأن ثوان وسيظهر الخط الفاصل بين الجدران، أو انعكاس أضواء المصابيح، أو أي دليل يطمئنني أنني ما زلت في عالم يحترم العقل..
لكن شيئًا من هذا لم يحدث..
الظلام كان مطلقًا، ناعمًا بلا حواف.. كما لو أن القطار لم يدخل نفقًا هندسيًا فحسب، بل دخل في فكرة سوداء..
ثم جاء الضباب..
لم يتسلّل من شقوق النوافذ كما يفعل الضباب المحترم، بل ظهر ببساطة.. بيننا، هكذا.. وُلد من العدم في قلب العربة،
في البداية حسبته أثرًا لتغيّر الضغط أو بخارًا طائشًا، لكن رائحته كانت تخبرك بشيء آخر.. تلك الرائحة التي تشمها عندما تفتح غرفة مغلقة منذ قرون، رائحة ذكريات قديمة لا تخصك، لكنها تصرّ على الالتصاق بأنفك كأنها قدرك المحتوم..
— هل يشعر أحدكم بهذا؟
قالها رجل من مؤخرة العربة بصوت يرتجف، لم يردّ أحد.. ليس لأنهم يتجاهلونه، بل لأنهم كانوا مشغولين بمحاولة يائسة لإقناع أنفسهم أن السؤال لم يُطرح أصلًا.. وأنهم لم يسمعوا شيئًا، وأن كُل شيء على ما يرام.
الضباب ازداد كثافة، صار يلامس الركب ثم الصدور كقاتل متسلسل يتفقد ضحاياه..
رأيتُ سيدة ترفع يدها أمام وجهها ثم تخفضها في ذعر بدائي..
أصابعها كانت هناك لكنها بدت أبعد مما ينبغي، كأن المسافة بين وعيها وجسدها تمدّدت فجأة في ذلك الفراغ..
أخرجتُ دفتري مرة أخرى.. الكتابة هي وسيلتي الوحيدة لأثبت لنفسي أنني ما زلت موجودًا..
وحين لامس القلم الورق سمعتُ ذلك الهمس..
لم يكن صوت شخص واحد بل خليطًا من الأصوات المتداخلة غير الواضحة بدت لي كما لو أن القطار بذاته يتحدّث في نوبة فزع أثناء نومه..
توقّف القلم.. وتوقفت نبضات قلبي للحظة
— لوتشيانو فيرّيتي..
تجمّدت..
لم يكن أحد ينظر إليّ ولم ينادني أحد من الأحياء الموجودين، لكن اسمي قيل بوضوح، بلهجة محايدة باردة، لا تهديد فيها ولا ودّ.. نداء موظف روتيني في مصلحة حكومية لا ترحم..
— لوتشيانو فيرّيتي..
قالها الصوت ثانية، وأقسم أنها كانت أقرب هذه المرة.. عند أذني تمامًا
وقفتُ فجأة فالتفتت الرؤوس نحوي كأنني المذنب الوحي، قلت بابتسامة مصطنعة فاشلة:
— هل ناداني أحد؟
هزّ الجميع رؤوسهم في صمت مفتعل بإشارة تفيد ب لا.
امرأة شحب وجهها حتى صارت كورقة قديمة وهمست برعب:
— أنا.. أنا سمعت اسمي أيضًا.
سقط الصمت علينا كقذيقة حرب.. ثم بدأ الجحيم الصغير.. الأسماء بدأت تتردد من كل زاوية،
أسماء كاملة بألقابها بذكريات مخفية داخل حروفها:
— جيوفاني روسّي..
— إلينا كونتي..
— ماركو.. لا تختبئ..
بعضهم كاد أن يبكي ذُعرا وبعضهم صرخ في وجه الضاب الكثيف وبعضهم حاول الضحك بهستيريا وانتهى به الأمر بنوبة سعال حادة، ثم نهض رجل بدين من مقعده ملامحه تنطق بالرفض التام لما يحدث واتجه نحو باب العربة صائحًا:
— هذا هراء.. أكيد هذا خلل تقني سخيف.. سأذهب للسائق وأضع حدًا لهذا!
فتح الباب.. ثم اختفى الرجل.. بلا تلاشى...
هكذا ببساطة.. لا صرخات مدوية ولا صوت ارتطام بالارض خارج العربة و لا أي شيء..
والباب أغلق نفسه بهدوء مهين من خلفه، كما لو لم يفتح أبدًا، تقدمتُ نحوه بخطوات واهنة، وضعت يدي على المقبض.. كان باردًا لكن ليس ببرودة المعدن التي نعرفها؛ كان باردًا كجثة هامدة غادرها النبض منذ دقائق.
— لا تفتح
صرخت امرأة خلفي،
فترددتُ.. ثم تراجعتُ.
الجبن أحيانًا هو أذكى وسيلة للبقاء.
الضباب الآن ابتلع سقف العربة، تلاشت الإضاءة تمامًا أو ربما لم تكن موجودة أصلًا في هذا المكان،
وفجأة تحرّك القطار.. لكن ليس إلى الأمام.
شعرتُ بذلك الإحساس الغريب الذي يصيب المعدة حين تتحرك دون اتجاه مفهوم؛ كأن القطار انزلق جانبيًا.. أو انكمش إلى الداخل.
أشكال غريبة في الضباب بدأت تتشكل..
في البداية حسبتها هلاوس ثم أدركتُ أنها ممرات.. ممرات طويلة بأبواب خشبية تشبه ممرات المستشفيات القديمة أو الفنادق المهجورة التي لا يزورها أحد،
رأيتُ من خلالها مشاهد.. لحظات هاربة من حيواتنا،
رجل يجلس على مكتب يوقّع عقدًا نادمًا..
امرأة أمام مرآة تمسح دمعة قبل أن ترتدي قناع الابتسامة الاجتماعية..
طفل يختبئ تحت سرير ويرتجف..
همست لنفسي:
— هذا مستحيل..
اقترب مني شاب لم ألاحظه من قبل..
هل أتى من العدم؟ لا أعرف
عيناه كانتا واسعتين بشكل غير طبيعي مشاورا على أحد الممرات التي ظهرت من العدم هي الأخرى وقال بصوت مبحوح:
—هذه ليست ذكرياتي.. لكنها تشبهها.
نظرت أنا الآخر إلى أحد الممرات أمامي و رأيتُ نفسي.. لوتشيانو الأصغر سنًا، يكتب مقالًا ثم يمزّقه بيأس..
ثم يغلق ظرفًا ولا يرسله أبدًا.. يقول (لاحقًا) بينما كان يجب أن يقول (الآن)
ارتدّ الضباب فجأة كأن شيئًا ضخمًا غير مرئي مرّ من خلاله ثم سمعنا الخطوات.. خطوات منتظمة هادئة لا تتعجل المصير.. ظهر مُحصّل التذاكر.. لكنه لم يعد هو، بدلته الآن رمادية بلا شارات، ووجهه بدا كنسخة تقريبية باهتة من الوجه الذي رأيناه منذ قليل.
— أرجو الهدوء.. ما يحدث طبيعي جدًا.
قالها بنبرة موظف يؤدي واجبه الروتيني.
ضحك أحدهم بهستيريا: طبيعي؟! نحن نختفي!
نظر إليه المُحصّل بهدوء يثير القشعريرة:
— أنتم لا تختفون.. أنتم تُعاد صياغتكم
اقتربتُ منه والفضول الصحفي يصارع رعبي:
_ إلى أين نذهب؟
نظر إليّ مباشرة وللمرة الأولى كانت ابتسامته حقيقية.. وحقيقية هنا تعني مخيفة.
— سؤال خاطئ يا سيد فيرّيتي
— إذن ما السؤال الصحيح؟
— السؤال الصحيح هو متى
قبل أن أستوعب المعنى صرخة حادة مزقت ما تبقى من أعصابنا،
رجلان ركضا نحو أحد الأبواب الظاهرة في الضباب فتحوه.. وكان خلفه اللاشيء.. فراغ مطلق.. هواء بلا أرض.. قفزا.. واختفيا.
بدأ الضباب ينكمش، القطار تباطأ كمن يلفظ أنفاسه بصعوبة بعد مدة زمنية لا بأس بها من الركض،
ثم رأينا الضوء.. نقطة صغيرة في نهاية السواد في آخر النفق، ثم خرج القطار منها..
ريف إيطالي..
سماء زرقاء وشمس دافئة.. كل شيء كان طبيعيًا.. أكثر مما ينبغي، وهذا هو مكمن الخطر.
التفتُّ إلى مقعد الرجل البدين.. كان فارغًا، بل لم يكن هناك مقعد أصلًا! التفتُّ إلى المرأة التي سَمعت اسمها قبل قليل.. تلاشت تماما هي الأخرى..
عدَدتُ الوجوه.. لقد نقصنا.
مرّ المُحصّل مرة أخرى وتوقّف عندي ببرود:
_ التذكرة من فضلك
ناولته إياها بيد ترتجف نظر إليها طويلاً ثم قال بصوت أثار الرهبة في نفسي:
— رحلتك لم تبدأ بعد، يا سيد فيرّيتي.
الفصل الثالث: محطة لا تملك اسمًا.
لم تتوقف العجلات..
ومع ذلك.. توقف القطار
لا أعرف كيف أشرح هذا التناقض الصارخ دون أن يبدو كلامي مراوغة لغوية سمجة، لكن هذا هو ما حدث حرفيًا.
الإحساس بالحركة اختفى فجأة، الزمن قرر أن يأخذ استراحة محارب بينما بقينا نحن معلّقين في منتصف خطوة، بين الآن و اللاحقاً.
الضوء خارج النوافذ لم يعد ضوء شمس يوليو، ولا هو ظلام النفق الذي ابتلعنا؛ كان شيئًا بينهما.. لون رمادي كئيب بلا مصدر، يشبه إضاءة غرفة عمليات باردة قبل أن يشرع الجراح في تمزيق جسدك.
حاولتُ أن ألمح أي شيء بالخارج — شجرة، حجراً، بقايا حضارة — لكن العالم خارج القطار بدا مؤجلاً كصورة سينمائية لم يكتمل تحميضها بعد.
— هل.. وصلنا؟
سألت امرأة بصوت مبحوح يقطر خوفاً، لم يجبها أحد، فالسؤال في حد ذاته كان يحمل عبثيته بداخله.
ثم سمعنا الصوت..
ذلك الصوت الذي لا تخطئه أذن، حتى لو لم تسمعه من قبل إلا في كوابيسك..
صوت محطة..
صفير بعيد، ارتطام معدني، أصداء خطوات خفية.. كل العناصر موجودة، لكن بلا ترتيب منطقي، كما لو أن شخصًا ما أعاد تركيب ذاكرة محطة بناءً على وصف شفهي غير دقيق من شخص معتوه.
الأبواب انفتحت..
ليس كلها بالطبع، ففي هذا المكان لا توجد عدالة كاملة، انفتح باب واحد فقط.. باب العربة الثانية.
وقفنا نتبادل النظرات في صمت ثقيل.. لم يتحرك أحد في البداية، فالتجربة علّمتنا في النفق أن الحركة قرار مكلف جداً في هذا المكان.
لكن بعد ثوان قليلة نهض رجل طويل القامة، أصلع بملامح أكاديمية توحي بأنه يملك إجابة لكل شيء.. قال بهدوء مصطنع:
— البقاء هنا لن يغيّر من القدر شيئاً.
ومشى..
لم يختف ولم يُبتلع بل نزل إلى الرصيف ببساطة..
تبعناه واحدًا تلو الآخر كقطيع من الأغنام يتبع أول من يجرؤ على الخروج من الحظيرة نحو المجهول.
المحطة كانت.. اللاشيء حرفيا.
رصيف طويل يمتد إلى ما لا نهاية بلا لافتات تخبرك بمكانك و بلا ساعات تنظم وقتك وبلا جدران تحميك، لا سقف ولا سماء واضحة، فقط امتداد رمادي ينتهي عند ضباب أكثر سمكاً من عقولنا، الهواء كان ساكناً على نحو يثير الغثيان، لا برد ولا دفء، هواء ضعيف الشخصية يرفض اتخاذ أي موقف.
التفتُّ خلفي.. القطار كان هناك، لكن ضبابًا خفيفًا بدأ ينهش أطرافه ببطء ربما قرر أن يمحوه من الوجود..
قلتُ محذراً: —لا نبتعد عنه..
لم يجبني أحد، فقد كانوا منشغلين بما هو أخطر..
الأصوات!
همسات، خطوات، نداءات بعيدة.. هذه المرة لم تكن مجرد أسماء، كانت أحداثاً قد حدثت في ماضينا و ندمنا عليها:
— (لم يكن يجب أن تتركها..)
— (لو قلت الحقيقة وقتها..)
— (هذا ليس القرار الذي اتخذته..)
رأيتُ الرجل الأكاديمي يضغط على صدغيه بعنف وقال كأنه يخاطب مجموعة من الطلاب البلهاء:
— هذا هراء عصبي.. هلوسة جماعية ناتجة عن التوتر وضيق الأكسجين.
اقتربتُ منه وقلت بسخرية لا تخلو من مرارة:
— هل تصدّق هذا التفسير العلمي فعلاً؟
تردد كثيراً.. ثم همس:
— لا
قبل أن أعلق انقبضت معدتي لمرأى شيء لا يصدقه عقل كان هناك مقاعد انتظار خشبية قديمة منثورة على الرصيف.. بعضها بدا مألوفاً بشكل مرعب بالنسبة لي،
اقتربتُ من أحدها، لمست الخشب الخشن، فشعرتُ بصعقة كهربائية من الذكريات.
كان هذا المقعد.. هو ذاته مقعد محطة قريتي الصغيرة.. نفس الشق الطولي في الخشب.. نفس بقعة الحبر التي تسببتُ فيها وأنا في العاشرة!
— هذا غير ممكن.. همستُ برعب.
قال صوت مألوف خلفي:
— بل ممكن جدًا..
استدرتُ..
إنه..
المُحصّل.
كان يقف هناك كأنه لم يغادرنا قط، لا ضباب يحيط به ولا غموض؛ وجوده بدا صحيحاً أكثر من وجودنا نحن.
سألته بحدة: — أين نحن؟
— في محطة.
— أي محطة لعينة هذه؟
— المحطة التي تصلح لكم.
ضحك أحدهم ضحة هستيرية أخرى اعتدت عليها اليوم:
— تصلح لنا؟ كأننا حقائب شحن!
نظر إليه المُحصّل ببرود مخيف:
— أنتم بالفعل حقائب.. مليئون بأشياء ثقيلة لم تُفرغوها بعد.
أشار بيده إلى الضباب وقال:
— هذه المحطة ليست للجميع.. هي فقط لمن..
توقّف لحظة يبحث عن لفظ مناسب ثم أضاف:
لمن تأخروا...
بدأ الضباب يتشكّل في صور واضحة مرة أخرى،
لم يعد عشوائياً، صار كشاشات عرض لسيناريوهات حياتنا.. امرأة من الركاب رأت نفسها في سرير مستشفى يحيط بها الأطباء.. صرخت وانهارت وهي تردد:
— لا لم يحدث هذا بعد
قال المُحصّل بهدوء قاتل:
— بالنسبة لكِ.. قد حدث.
ثم رأى الرجل الأكاديمي نفسه يقف أمام لجنة يتلعثم، يُرفض، ويسقط في هاوية الفشل.
ثم شاب بيننا رأى نفسه خلف زنزانة باردة.
ثم امرأة رأت خاتم زواج يُرمى في سلة المهملات.
ثم جاء دوري..
لم أرد أن أنظر لكن الفضول — لعنة الصحفيين — دفعني.
رأيتُ نفسي.. وحيداً في غرفة ضيقة أمامي كومة أوراق وكتاب، على غلافه كتب بخط عريض:
(قطار زانيتي).
قلت بصوت متهدج:
— هذا.. هذا لم يحدث بعد، أنا لازلت هنا ولم أوثق الرحلة بعد.. فكيف ذلك..
ابتسم المُحصّل:
_ لم يحدث.. بعد.
قلتُ ببطء:
— هل القطار.. يسافر عبر الزمن..؟
هز رأسه ولكنها هزة غريبة ككل شيء هنا لا تفيد بالإيجاب أو النفي
اقترب مني خطوة:
— القطار يختار نهايات لمن لم يحسموا أمرهم في الحياة.
— ولماذا نحن؟
رد بثقة من يعرف ماذا يقول:
— لأن من حسم أمره.. لا يصعد هذا القطار أصلاً.
التفتُّ حولي فلاحظتُ الشيء المرعب حقاً.. عددنا قلّ مجددا..
_ أين ذهب الباقون؟ لم أسمع صراخاً ولا ضجيجاً.
قال المُحصّل:
— الذين رأوا ما يكفي.. قد اختاروا
— اختاروا ماذا؟
— اختاروا النزول.. الذهاب إلى النسخة التي تناسبهم من الواقع.
بدأ الضباب يزداد كثافة و المقاعد بدأت في الاختفاء والمشاهد تتلاشى في السديم الرمادي..
ثم.. وللمرة الأولى.. صفّر القطار..
صرخة معدنية أيقظتنا من ذهولنا.
— عودوا جميعا..
قالها المُحصّل بنبرة آمرة
_الرحلة لم تنتهِ بعد
تحركنا ببطء كمن يعود إلى حفرة يدرك أنها قبره..
قبل أن أصعد سألته بسؤال لم أتوقع أن أنطقه:
— وأنت؟ لماذا لا تختار وتغادر؟
نظر إليّ طويلاً وفي عينيه رأيتُ قروناً من التعب:
— لأنني اخترت منذ زمن بعيد.. ودفعت الثمن..
أُغلقت الأبواب بعنف.. وعاد القطار للحركة لكنني كنت أعلم الآن حقيقة مرة: النهاية ليست محطة واحدة نصل إليها جميعاً.. والقطار لن يقبل الجميع عند رصيف الوصول.