رواية حشيش.. وخيال غير علمي (مقبرة النيون في كوكب أوريزون)
مقبرة النيون في كوكب أوريزون
.........
الفصل الثاني: مقبرة النيون في كوكب أوريزون..
القفزة عبر الزمكان تشبه أن يتم عصرك داخل خلاط فواكه صدىء معطل..
ظلت معدة سيد في إمبابة بينما وصل جسده إلى كوكب أوريزون..
عندما انفتحت أبواب السفينة لم يجد الحضارة المتقدمة التي رآها في أفلام الخيال العلمي؛ بل استقبلته أنفاس غريبة.. رائحة كيميائية نفاذة تشبه مزيجاً من حريق في معمل وعطر رخيص منتهي الصلاحية.
كان كوكب أوريزون غارقاً في غسق أبدي..
الشمس هناك تبدو كجمرة منطفئة يحجبها غلاف جوي سميك من سحب الدخان الاصطناعي الملون..
المباني شاهقة.. أبراج بلورية تناطح السحاب لكن سيد وهو يسير بين الحراس الآليين لاحظ الشقوق في جدرانها..
الشوارع الذهبية مغطاة بطبقة من لزوجة براقة، تشبه تلك القشرة التي تتكون فوق برك مياه الصرف الصحي تحت أضواء النيون.
تمتم الأمير زيلاكس وهو يترنح خارج السفينة:
_أهلاً بك في الفردوس.
كان الأمير يقبض على جهازه الذهبي بشدة، وعيونه تلمع بطاقة جنونية وجوفاء في آن واحد.
بينما كانوا يتوجهون صوب القصر الملكي رأى سيد المواطنين..
في إمبابة كان يرى المدمنين زبائنه..
كان يعرف العيون الغائرة والرعشات العصبية والملابس المهملة.. لكن سكان أوريزون كانوا نوعاً آخر من الرعب..
لم يكونوا جائعين بل كانوا موصولين، بعضهم يجلس في زوايا الشوارع وأسلاك مضيئة متصلة بصدغيه، ووجوههم متجمدة في ابتسامة عريضة مرعبة، بينما أجسادهم تذوي وتتحول إلى جلد على عظم..
وآخرون يطاردون فراشات الضوء *وهي طائرات آلية صغيرة تبث ترددات تهيج مراكز اللذة في الدماغ حتى يتوقف القلب حرفياً من فرط السعادة الزائفة*
قال زيلاكس وهو يلوح بيده النحيفة بلا مبالاة:
_انظر إليهم.. هؤلاء رعاياي.. لقد ذاقوا كل شيء، لكنهم يشعرون بالملل يا سيد.. المواد الاصطناعية لم تعد تؤثر فيهم، إنهم مثل الأشباح التي تبحث عن حائط تصطدم به لتشعر أنها موجودة.
شعر سيد بقشعريرة لا علاقة لها ببرودة الكوكب..
رأى فتاة صغيرة ليست أكبر من أخته تحاول أكل شعاع ضوئي هولوجرامي وتخمش بأظافرها في الهواء حتى نزفت أصابعها.. لم يساعدها أحد..
الجميع كانوا مشغولين بمطاردة ظلالهم الخاصة.
همس لنفسه:
_ هذا ليس كوكباً.. هذه غرفة انتظار في مشرحة.
لم يُؤخذ إلى غرفة ضيوف في القصر الملكي بل إلى زنزانة تقنية فائقة التطور أطلقوا عليها (ملاذ النباتات) كانت مليئة بأوعية زجاجية تغلي، وشاشات تومض بأرقام لا تنتهي.
قال زيلاكس بلهجة حادة يملؤها الاحتياج:
_الآن.. القطعة التي أعطيتني إياها انتهت.. أريد المزيد، أريدك أن تزرعها.. تضاعفها.. أريد أن أغرق هذه المدينة بـ غبار إمبابة.. إذا استطعت أن أشعر بذلك الثقل في رئتي مرة أخرى، فربما لن أشعر أنني فارغ هكذا.
قال سيد وصوته يرتجف:
_يا جلالة الأمير.. هذه ليست ماكينة تصوير..
هذا زرع.. يحتاج تربة.. يحتاج شمس.. يحتاج رواقة بال.. لا يمكنك ضغط زر لتخرج كيلو حشيش مغربي كأنك تطلب كوب شاي من مكنة.
أمسك زيلاكس بياقة قميص سيد المغبرة.. كان وجه الأمير خريطة من الأوردة المنفجرة.. فحيح صوته يقول:
_إذن استخدم يديك البدائيتين.. خدمي سيعطونك أي شيء، لكن إذا فشلت.. سأقوم بتوصيلك بـ الصرخة الأبدية.. وهو تردد يجعلك تشعر كأنك تسقط في ثقب أسود للأبد.. إنها الرحلة السيئة الوحيدة المتبقية لدينا، وأنا أدخرها لمن يخذلني.
تُرك سيد وحيداً في المختبر، جلس على مقعد طائر في الهواء ونظر إلى يديه.. لسنوات كان يفتخر بأنه تجر رجل يعرف أسرار الشارع وخبايا وجه زبائنه،
كان يقنع نفسه دائماً بأنه مجرد رجل أعمال يقدم خدمة لمن يطلبها.
لكن رؤية أوريزون كانت تشبه النظر في مرآة مكبرة لتجارته..
في الأرض كانت النتائج تختبئ في الأزقة المظلمة والبيوت المحطمة.. أما هنا، فالنتيجة كانت كوكباً بأكمله.. فقط طنين الآلات وأنفاس المدمنين اللاهثة.
مد يده في جيبه وأخرج صورة مجعدة لأمه وإخوته وهم يجلسون حول طبلية بلاستيكية في إمبابة، يأكلون الفول والباذنجان.. كانوا فقراء نعم..
والطلاء يتقشر عن الجدران.. لكن عيونهم كانت هنا.. كانت حاضرة.
دخل آليّ.. وجهه المعدني يعكس تعبير سيد المتعب والمليء بالذنب..
طّنّ الآلي:
_أيها الخاضع سيد.. الأمير يطلب تقريراً عن التقدم.. إنه يهتز الآن بتردد خطير، وقد بدأ في أكل ستائر القصر.
نظر سيد إلى الكيماويات المتطورة من حوله، أدرك أنه إذا أعطى زيلاكس ما يريد فسيكون هو الشخص الذي يطفئ آخر شرارة حياة في هذا الكوكب.
قال سيد وعقله يسابق الزمن:
_قل له.. الضباب الأرضي يحتاج لطقوس.. أحتاج لتحضير فحم الروح.
بينما غادر الآلي نظر سيد إلى فتحة تهوية في الجدار، لم يعد يريد تصنيع شيء.. أراد العودة ليتنفس عوادم ميكروباصات القاهرة.. على الأقل تلك العوادم كانت مصنوعة من الحياة لا من موت يلمع بالنيون.
وفجأة، اهتز القصر.. انطلق إنذار يشبه انذارات الحريق الأرضية، يبدو أن حفلة الأمير بدأت تخرج عن السيطرة، والأحداث الصادمة التي كان يخشاها سيد لم تكن إلا في بدايتها.