نصف مارد - الحلو متبهدل (الفصل الأول)
الحلو متبهدل
في مكان ما على هذا الكوكب، نجد شخصٍ ما سيء الحظ، يسير بكل غرابة، وكل خطوة يخطوها تقوده إلى متاهة أعمق بكثير، يغرق داخل دوامة حظه العاثر، يواجه تحديات لا تنتهي، هل سينتهي به المطاف ساقطًا يلعن حظه؟ أمَّا سيصارع قدره السيء وحظه العاثر في مواجهة أشد قوة مِن السابق؟ في هذه اللعبة المُظلمة، مَـن سينتصر؟ هل هو الحظ أمَّا الإرادة التي لا تقهر؟
الفصل الأول "الحلو متبهدل"
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم
صلوا على نبي الرحمة
________________
جميع البشر لديهم مقدار صغير من الحظ العاثر يعكر صفو حياتهم الرائعة، ربما أنتَ تعيس الحظ، ليتفق حظك العاثر وقدرك السيء معًا في طريق تدمير سعادتك، حينها يجب أن تبذل جهدًا كبيرًا للتغلب على لعبة الحظ والقدر تِلكَ، فلا تعلم، ربما تأخذ نقطة إضافية في رصيد حياتك الثمينة وتكسب الجولة الأولى بكل شجاعة ضد أعدائك الماكرين.
"سالم سليم السليماني"
•••
التاسعة صباحًا، يقتحم صوت المنبه صغير الحجم ذو اللون الفضي أعلى المنضدة سكون الغرفة بصوت مزعج وكأنه يصرخ بكامل صوته مناديًا تِلكَ الجثة الغافية فوق الفراش لكي يستيقظ وينهض ولكن لا، أنهُ يغرق في سبات عميق، لا يعبئ بصوت المنبه الذي يكاد يصل صوته إلى الفضاء الخارجي، بل إلى المجرة الحلزونية أيضًا، يصيح بكل قوته لعله يوقظ تِلكَ الجثة المتعفنة، ولكن ذهب مجهود المنبه الثمين بلا جدوى.
بعد مرور نصف ساعة، تصبح الآن الساعة التاسعة والنصف، يستيقظ ذلك الفتى وهو يفرد ذراعيه بكل كسل، يفتح عينيه بنعاس وكسل كبير بينما يمطي ذراعيه بدلال قبل أن ينتفض جسده فجأة بفزع من أعلى الفراش ينظر إلى ساعة الحائط السوداء، صارخًا بصوت أفزع الطائر المسكين الذي كان يرقبه منذ دقائق على النافذة، ليسقط للخلف وهو يصدر صوتًا مزعجًا يرمق الفتى بضيق كبير لأنه المتسبب الرئيسي في سقوطه:
_يانهار مش فايت الساعة تسعة ونص! هتأخر على الشغل! منك لله يا منبه الجزمة، ياشيخ يروح الله يوعدك بخرف مبكر.
أبتلع لعابع بضيق يكمل وهي يرمق المنبه الصغير بشتعال:
_عشان تخرف وماتصحنيش أنتَ سبب مشاكلي وحظي ده أستني متتحركش هولع فيك بس لما أرجع!
تفوه بتلك الكلمات بغضب كبير وهو يمسك بالمنبه الصغير وكأنه مجرم قتل طفله دون ذرة شفقة، قذفه على الفراش بلا مبالاة كبيرة، ثم أنطلق نحو المرحاض بخطوات شبه راكضة مغلقًا الباب خلفه بقوة.
مضت دقائق قبل أن يدلف الغرفة مجددًا يسير نحو المرآة الموضوعة في جانب الحائط والتي تأخذ حيّزًا كبيرًا من الحائط الأبيض، ليعطي مزيجًا رائعًا بين الأبيض والأسود، كما لو أن الغرفة في تحالف قوي لا يستطيع أحد تفريقه.
يرتدي ثيابه بعشوائية كبيرة يرتدي بنطالاً أبيض يعلوه سترة زيتونية تتناسب مع لون مقلتيه، بينما ينتعل حذاء ركض بسرعة فائقة ترك خصلات شعره السوداء تتمايل بعشوائية، حجظت مقلتيه وأخرج شهقة تشبه شهقة سيدة تمتلك ستين عامًا، وهو يصيح بهلع ويركض هنا وهناك في ذات الوقت قبل أن يغادر المنزل، لكنه توقف قدميه عن الركض عندما صدح صوت هاتفه يدق برقم مسجل: "بصديق السوء"
أخرج الهاتف من بنطاله وأجاب بسرعة وفي ذات الوقت يجذب أغراضه من على الطاولة قبل أن يغادر المنزل:
_جاي اهو يا صديق السوء بقي يا جزمة مترنش عليا تصحيني، وسيبني أتأخر وأتمرمط المرمطة الحلوة دي، يرضيك كده؟.
_يا عم أصحيك إيه؟ أنت جثة عيش معانا غلط على الكوكب أصلا... أنا اتصلت فيك عشرين مرة وأنتَ ولا أكنك عيش اخلص يلا.
توقف صوت الآخر يزفر ببرود قبل أن يجيبه مجددًا بتحذير:
_المدير لو عرف إنك لسه موصلتش هينفخك بجد المرة دي..
_جاي جاي اهو… يلهوي....
_في إيه يا سالم؟ مالك بتصوت ليه؟
أردف الآخر بقلق من صراخ صديقه بينما صدح صوت "سالم" وهو يعتدل في وقفته بعد أن تعثر في أقدام المقعد وسقط على ظهره.
وضع يديه أسفل خصره بألم، وهو يعدل موضع نظرته على وجهه الحنطي الذي يظهر عليه الوسامة بخصلات شعره المتدلية على جبينه حك لحيته المنمقة بيدٍ متسرعة من هبوط درج البناية:
_مفيش حاجة كل تمام وقعت بس زي العادي يعني، مفيش جديد.
أكمل وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة من الركض:
_بص أنتَ لو المدير سأل توه في الموضوع لحد ما أوصل المستشفى النحس دي، يلا سلام يا تيم.
يسير عزيزنا "سالم" بخطوات راكضة نحو موقف السيارات، ينتظر أحد سيارات النقل لتقله إلى مكان عمله، مضت دقائق تليها آخرى، وهو يتأفف منزعجًا يُطالع ساعة يده بين الحين والآخر يتنفس بعنف زفر بسعادة عارمة كمن حصل على جائزة كبيرة عندما توقفت إحدى سيارات النقل أخيرًا أمامه.
اقترب لكي يصعد بها، وإذا به يشعر بدفع قوية تدفعه للخلف بكل قوة أنتفض جسده بفزع ليكتشف أن من دفعه هي سيدة في الخامسة والخمسين عامًا، ثمينة الحجم وقصيرة القامة مقارنة به، ترتدي عباءة سوداء وتضع على رأسها غطاء لا يعلم من أين أتت بهذا اللون العجيب!
دفعت لتصعد هي السيارة دون أن تهتم بشيء، وأنطلقت السيارة دونه وتلك السيدة ترمقه باشمئزاز وكأنه سرق طعامها أمامها، أوليس هي من دفعته للتو وسرقت مقعده!
غمغن هامسٍ بغضب ووجهه يعلوه الدهشة ينظر إلى الوقت الضائع منه يقسم أن مديره العزيز سيجعله من طبيب ماهر في مشفى مرموقة إلى عامل نظافة ليس تقليلاً من العاملين النظافة لا ياصديقي ولكن ما يزعجه أكثر هو أنه سيكون محط سخرية الثنائي الغبي "شهيرة" و"عماد"هز رأسه وهو يكاد يبكي من حظه العاثر يتمتم بصوتًا باكي:
_يارب، هو مفيش غيري في العالم كله نحس كده؟ يعني أنا أخدت نحس العالم كله؟
حك أنفه الذي يظهر عليها أحمرار طفيف من غضبه، تنهد بيأس وعينيه تترقرق بالدموع:
_هو مفيش حد غيري منحوس خلاص، ليه بيحصل معايا أنا بس كده؟.
صمت وهو يرفع نظره إلى السماء بمقلتيه الزيتونيتين، يناظر السحاب كيف يسير مع رفاقه بكل مشاكسة أخرج تنهيدة من ثغره وهو ينزل رأسه للأسفل مرة آخرى، قبل أن يشعر بشيء يسقط فوق رأسه بعنف يليه صوته الذي يصدح بصراخ غاضب يسب كل شيء يقبع أمامه بكل ما يعلمه من لغة.
"تسير أنتَ في طريقك بكل سلام، لا تعلم أن قدرك قد يقودك إلى حتفك إذا لم تنتبه له، قد تقع داخل حفرة حظك العاثر بكل وعي."
•••
بعد مرور ثلاث ساعات، تسير نسمة هواء مشاغبة تصطدم بوجهك بكل لطف، في أحد المشافى في مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط كما يطلق عليها، داخل مشفى "النهار" نرى الأطباء يسيرون بكل نشاط داخل الممر.
نذهب بعيدًا نحو غرفة صغيرة بها مكتب ذو لون بني غامق، يوضع فوقه العديد من الأوراق المبعثرة، يمتزج مع لون الغرفة المشتق من اللون الأزرق بعدما سرق مِن المحيط درجة صغيرة مِن لونه دون إنذار.
النافذة يتسلل منها الهواء بكل أستمتاع يعبق الغرفة برائحة رائعة ، رائحة الشاطئ الجميل الذي يقبع أمام المشفى مباشرةً.
دقائق ونبصر شخصًا يقتحم الغرفة بكل غوغائية، يليه شخص آخر يدلف خلفه بكل برود عكس الآخر الذي دلف غاضبًا، جلس على الأريكة السوداء صغيرة الحجم التي بالكاد تتسع لشخصين فقط، الموضوعة بجوار الباب تأفف "سالم" بضيق يبصر صديقه يجلس على مقعد المكتب الخاص به بلا مبالاة بغضبه:
_يعني هو مفيش حد غيري يهزقه كده؟ ولا هو مفيش غير سالم اللي لازم يتهزق كل يوم عشان بيتأخر على المستشفى؟
ضرب الأريكة بقبضته وهو يصيح حانقًا من توبيخ المدير له:
_ده على أساس إني بتأخر بمزاجي يعني؟ وبعدين مهو عماد بيتأخر ومحدش بيتكلم ولا عشان هو أبن قريب دكتور سامح يعني؟
_يا بني ما أنتَ كده كده بتتهزق كل يوم مفيش حاجة جديدة حصلت ليه زعلان دلوقتي؟ وتعال هنا.
وضع لفافة التبغ بين ثغره يستنشق سمومها بستمتاع وهو يكمل ولا يعير غضب صديقه أهتمامًا:
_أنا اتصلت عليك الساعة تسعة ونص وكنت هتركب خلاص، أنتَ بيتك قريب من الموقف اصلا، إيه اللي أخرك كده بقى؟
_ قصدك إني مهزق يا تيم وواخد على كده؟
_ أيوه حصل أنتَ كده فعلاً يا صاحبي… آه، ليه كده بتضربني عشان بقول الحقيقة؟ ياخي حرام عليك ليه الظلم ده ليه الإنسان يظلم أخو الإنسان كده؟
تذمر "تيم" بغضبًا مصطنع وهو يرمقه بانزعاج كبير ينطلق من مقلتيه السوداء، يرفرف بأهدابه الكثيفة وهو ينهض من المقعد ويسير بجسده الرياضي عريض المنكبين نحو الأريكة التي يجلس عليها صديقه.
وخصُلاته المجعدة السارقة سرقة لون القهوة بكل مكر تتمايل بدلال على وجهه الأبيض نجد "سالم" يرمقه بنيران تُقذف من مقلتيه نحو صديقه صدح بصوته بكل سخرية:
_ دي مش الحقيقة يا خويا، دي أسمها بجاحة يا بجح أنتَ… وبعدين أنا أصلاً نحس معروف عني كده.
نبس بسخرية وهو ينزل رأسه للأسفل بينما خصُلاته تتساقط معه يشرد بما حدث معه منذ قليل.
دلف إلى المرحاض بعجلة كبيرة يقف أمام الحوض يرمقه بكل شك وكأنه ينتظر لحظة غدر لا يتوقعها ليقذفه بشيءً مريع.
تنفس ببطء وهو يرفع ذراعيه نحو الصنبور ويديره بكل بطء يذكرني ببطء السلحفاة حين تسير ولا يزال ينتظر قذيفة مِن المياه تندفع إلى وجهه مثل المرة الماضية، ولكن لا، لم يحدث شيء.
أستمر في تدوير الصنبور لكي تتساقط المياه للأسفل ولكن لم يحدث شيء، زفر بغضب وهو يستدير للخلف ليغادر دون أغتسال تيبثت أقدامه بصدمة تتراقص داخل مقلتيه وهو يدير رأسه يبصر تساقط المياه بغزارة.
اقترب منها بسرعة فائقة لعله ينجح هذه المرة في وضع بعض الماء على وجهه ولكن عندما وقف أمام الحوض توقفت المياه عن التساقط وكأنها تستمتع بإثارة غضبه.
_ أنتِ يا حنفية أنتِ اتعدلي أنا متأخر أصلاً مش كل مرة حاجة شكل، أنا عديت لما في عز البرد حمتيني بمياه متلجة وأنا مش عاوز.
وضع يديه تحت موضع تستقط الماء، ينتظر أخافة الماء وتتساقط على يديه وهو يحدث الصنبور بانزعاج:
_ودلوقتي مش عاوزة تخليني ألحق شغلي طب اشطف وشي حتى.
صمت وهو يطالعها بريبة، قبل أن يشهق بقوة وصوته يصدح بأغبى شيء في العالم.
_ اوعي تكوني أتفقتِ مع عماد وشهيرة، تعكري يومي كل يوم، أغروكِ بإيه؟
أمسك الصنبور يضرب عليه لعله يجيبه بالحقيقة بكل بلاهة وخصلاته تتشاكس من دفع الهواء لها:
_ أنطقي... أعترفي بكل حاجة قالولكِ إيه؟ هيدوكِ حوض جديد؟ ولا هيحطوكِ في حمام أبو هشيمة؟ أعترفي يا حنفية.
صمت بيأسًا قبل أن يغلق الصنبور جيدًا قبل ذهابه بعدما تعلم درسًا قاسيًا عندما عاد مِن العمل ذات مرة ووجد أثاث المنزل يسبح في بحيرة صغيرة فعلها الصنبور بكل خبث ليعكر صفو حياته المسكينة.
يسير ومعالم الإنزعاج ترسم بكل براعة على وجهه، قبل أن يدعس على شيء لزج يسمى "صابونة"، ليسقط بعد صراع كبير لكي ينقذ جسده المعضل مِن الاصطدام ولكن لا يحدثُ كل ما نتمنى.
نهض يسب كل ما يقبع أمامه ويطلق اللعنة على منزله وعلى "شهيرة وعماد"، كم يعتقد أنهم مصدر الإزعاج الكبير عندما يذكرهما بالخطأ فقط تحدث كوارث لا متناهية لعزيزنا سيء الحظ.
أستفاق من شروده وهو يستمع إلى صوت "تيم" يقول وهو يطالع بفضول يشع من أعماق مقلتيه:
_ إيه راحت فين؟ بقولك إيه اللي أخرك كده؟
_ مفيش حاجة يا تيم، وأنا جاي أركب واحدة مش عارف طلعتلي منين دي زقتني وركبت مكاني واللي غيظني إنها بصّت ليا بقرف، ولا كأني أكلت أكلها منها.
صاح بحقد نحو هذه المرأة التي لا يعلم من هي حتى، ولكنه يقسم إذا أبصرها مجددًا، سيفعل، سيفعل لا يعلم ولكنه سيكون شيء مثير للضحك ومليء بالغباء أيضًا.
أخرج هاتفه باستغراب وهو يقرأ رسالة أُرسلت إليه على جروب المشفى رفع رأسه يردف إلى "تيم" باستنكار:
_ هو المدير بعت إنه عاوزنا كلنا في المكتب بتاعه على جروب المستشفى ليه؟... مكان قال لزكريا أحسن زي العادة يعني... بقولك إيه في حاجة غريبة؟
_ مش عارف يا سال…
لم يستطع "تيم" أن يكمل حديثه، وإذا بهما ينتفضان هو و"سالم" الذي سقط على أقدمه بعدما نهض على آثاره الأقتحام الغرفة، صدح صوت المجهول قائلاً بصدمة وهو يطالعهم في هذا الوضع المروع:
_ أنتم بتعملوا إيه هنا؟
صمت مطبق أطبق على الأجواء من حولهم، عاد صوت أنفاسهم الثائرة وأنتَ تبصر مصيرك أمامك بكل رعب يلوح لك بالاقتراب نحو… يتبع
دمتم سالمين
إلهام صبحي الدالي "هلايا"