الفصل الثاني: ظلال الزيزفون في " هانغتشون"
الفصل الثاني
.........
لم تمضِ ساعة واحدة على حادثة الممر حتى صمتت ضوضاء الفسحة المدرسية فجأة. كان صوت مكبرات الصوت في مدرسة "تشينغ هوا" يحمل نبرة جادة: "على الطالبين (تشن يو) من الفصل (أ) و(مينغ لي) من الفصل (ج) التوجه فوراً إلى مكتب رئيس القسم الأكاديمي".
تبادلت "لي" نظرة قلقة مع صديقتها "شياو تشين". كانت تعلم أن استدعاءً مع "ابن صاحب المدرسة" لا يبشر بخير، خاصة بعد أن لقنته درساً أمام الجميع. أما "تشن يو"، فقد نهض من مقعده ببرود، واضعاً يده في جيبه حيث لا تزال ورقة "لي" المجعدة تقبع هناك، وكأنها سرٌّ لا يريد كشفه.
داخل المكتب الفخم، كان "المستر وانغ" يبتسم بخبث مهني خلف نظاراته السميكة. وضع أمامهما ملفاً أحمر اللون يحمل شعار "أولمبياد الرياضيات الوطني للصين".
— "كما تعلمان، مدرستنا لم تخسر المركز الأول منذ عقد، وهذا العام المنافسة شرسة مع مدارس شانغهاي. لقد قررت اللجنة أن تشاركا كفريق ثنائي. ذكاء 'يو' الفطري، ومنطق 'لي' الصارم في الحل.. أنتما السلاح السري لهذا العام."
صعقت "لي". شعرت وكأن الهواء سُحب من الغرفة. التفتت نحو "يو" لتجده ينظر إلى النافذة بلامبالاة وكأن الأمر لا يعنيه.
— "سيدي، مع كامل احترامي، أنا أفضل العمل بمفردي،" قالت "لي" بنبرة حازمة.
قاطعها "يو" بصوته الرخيم دون أن ينظر إليها:
— "وهل تظنين أنني متحمس لمشاركة مسوداتكِ المجعدة؟ لكن القوانين تفرض ثنائياً.. لذا، وفري مجهودكِ للاعتراض، وابدئي بمراجعة قوانين التكامل."
خرجت "لي" من المكتب تكاد تنفجر غضباً. تبعها "يو" بخطواته الهادئة، وعندما وصلا إلى ممر أشجار الزيزفون في الفناء الخلفي، استوقفها صوته:
— "غداً بعد الحصة الأخيرة، في المكتبة القديمة. لا تتأخري.. فليس لدي وقت لأضيعه مع المبتدئين."
في اليوم التالي، كانت المكتبة القديمة غارقة في صمت مهيب، ورائحة الورق العتيق تمتزج برائحة أشجار الزيزفون التي تطل أغصانها من النوافذ العالية. جلست "لي" على طاولة خشبية بعيدة، تفرد كتبها بدقة. بعد دقائق، دخل "يو". لم يضع حقيبته، بل سحب كرسياً وجلس أمامها مباشرة، ليفصل بينهما مساحة لا تتعدى المتر الواحد.
بدآ العمل. كانت الأجواء مشحونة بصمت ثقيل، لا يكسره إلا صرير الأقلام على الورق. كانت "لي" تحل مسألة هندسية فراغية معقدة، بينما كان "يو" يراقب حركاتها بطرف عينه. لاحظ كيف تعض طرف قلمها عندما تفكر، وكيف تقطب حاجبيها بإصرار طفولي.
فجأة، دفع "يو" ورقة نحوها. كانت تحتوي على رسم بياني مختصر يختصر ثلاث صفحات من حلها.
— "استخدمي إحداثيات 'قطبية' بدل الديكارتية. ستوفرين عشر دقائق من عمركِ الضائع،" قالها بهدوء هذه المرة، دون نبرة الاستهزاء المعتادة.
نظرت "لي" إلى الرسم. كان عبقرياً بساطته. رفعت رأسها إليه وقالت بصوت خفيض:
— "شكراً.. لكن لماذا تساعدني؟ ظننتك تراني 'هشة'؟"
صمت "يو" طويلاً. اقترب قليلاً، لدرجة أنها استنشقت رائحة عطره التي تشبه رائحة الغابات بعد المطر. قال وهو ينظر في عينيها بعمق لم تعهده:
— "الهشاشة ليست في عقلكِ يا 'مينغ لي'. الهشاشة في هذا الجدار الذي تضعينه بينكِ وبين العالم. أنا لا أساعدكِ، أنا أحمي المركز الأول للمدرسة.. أو ربما أحمي شيئاً آخر لا أعرفه بعد."
ارتبكت "لي". شعرت بحرارة تسري في وجنتيها، وهي المرة الأولى التي تفقد فيها ثباتها أمامه. لم يكن حواراً طويلاً، لكنه كان كفيلاً بكسر الجليد الأول. في تلك اللحظة، سقطت ورقة زيزفون من النافذة واستقرت فوق كتاب "لي". مد "يو" يده ليزيحها، فلامست أصابعه ظهر يدها لثانية واحدة.
كانت تلك الثانية كافية لتهتز أركان عالمهما الصارم. سحبت "لي" يدها بسرعة، ودفنت رأسها في الكتاب، بينما ظل "يو" ينظر إلى يده وكأنه لمس تياراً كهربائياً.
خارج المكتبة، كان غروب الشمس يصبغ سماء "هانغتشو" باللون الأرجواني، بينما كان داخلها قلبان مراهقان يكتشفان أن أصعب المسائل ليست في الرياضيات.. بل في فهم تلك النبضة المفاجئة التي لا تخضع لأي قانون.