في قبضة الدوق | الفصل الثاني : تقبّل قدرك
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

في قبضة الدوق | الفصل الثاني : تقبّل قدرك

جاري التحميل...

الفصل الثاني : تقبّل قدرك

بعد وفاة جدها، تنهار حياة إرنا الريفية الهادئة تحت وطأة ديون مفاجئة تسافر إلى مدينة ليشين بحثًا عن والدها الذي بالكاد تعرفه، لكنها لا تجد ترحيبًا، بل تقع في شراك مخططاته وتُلقى في سوق الزواج القاسي عند حافة السقوط في الفوضى، يظهر الأمير بيورن كطوق نجاة، لكن مساعدته تحمل تحذيرًا "لا تقتربي من الفطر السام" الآن، تواجه إرنا خيارًا حاسمًا: هل تخاطر بابتلاع السم طمعًا في مستقبل أفضل، أم تستسلم لمصير محتوم؟

تحميل الفصول...
المؤلف

انزلق قطار "شوبر" إلى الرصيف في توقيته المحدد بدقة، في تلك اللحظة الفاصلة بين انحسار ضباب الفجر وشروق شمس الصباح


تحركت إيرنا بتردد نحو عربة الركاب بعد أن ظلت واقفة متخشبة كالتمثال لم تشهد المحطة الريفية زحاماً يذكر، إذ كان هذا أول قطار في اليوم وما إن اندفع الركاب القلائل إلى داخله، حتى لم يبق على المنصة سوى إيرنا وراكب واحد متأخر 


"آنسة، ألا تنوين الصعود؟" 


قطع سؤال محافظ المحطة الجاف حبل أفكارها المشغولة 


"آه.. نعم." 


كفت إيرنا عن التلفت العصبي حولها والتفتت إليه بدأت يدها التي تشبثت بحقيبة سفرها بالارتعاش الخفيف. "لا بد أنهم اكتشفوا الرسالة الآن"


أضفت نظراتها البعيدة مزيداً من الغموض على ملامحها وهي تستعيد ذكريات مؤلمة لم تجد في نفسها الجرأة لإخبار جدتها أنها في طريقها لزيارة والدها فالبيرونة فاردن - بكل كبريائها - كانت لتفضل حياة التشرد على أن تمد يدها لصهرها الذي طالما اعتبرته نداً لها


عرفت إيرنا مدى عناد جدتها، لذا آثرت في النهاية المغادرة خفيةً بعد أن خلّفت وراءها رسالةً تشرح الموقف كان تصرفاً غير لائقٍ بسيدة بمقامها


"أبي..." حين رددت هذا الاسم الغريب وغير المألوف على شفتيها، تسارعت دقات قلبها كانت جنازة أمها آخر لقاء جمعها به، مما يعني أن هذا سيكون لقاؤهم الأول بعد أحد عشر عاماً كانت تدرك أنهما في الحقيقة غريبان-بل أسوأ من الغرباء-لكنه كان آخر أمل تمسكت به إيرنا... وإن كان من المحتمل أن تُقابل بصَفع الباب في وجهها 


شددت قبضتها على الحقيبة وهدأت أنفاسها، ثم رفعت عينيها لمواجهة القطار أمامها تلك الكتلة المعدنية السوداء الثقيلة كانت تتلألأ تحت شمس الصباح وكأنها تهددها


"إذا كنتِ لا تنوين الصعود..." 


"س-سأصعد!" صرخت إيرنا بحماس وهي تهز رأسها، بينما برقت عيناها الزرقاوتان بحزم 
"أعتذر، سأصعد الآن!" 


"تقبل قدرك" بتذكّر هذه الجملة التي اتخذتها شعاراً لحياتها، تقدمت إيرنا بخطوات مرتعشة 


العالم لا يكترث أبداً ببؤس إنسان وحيد، لذا كان عليها أن تستخدم قوتها الذاتية لتمهد طريقها في الحياة لن يتغير شيء لمجرد أنها غارقة في الشفقة على الذات من الأفضل أن تحب القدر الذي يأتيها إذا تقبلت قدرها، ستبذل جهدها، وعندما يبذل المرء كل ما في وسعه لتحقيق شيء ما، تكون النتيجة دائماً أفضل من الاستسلام


إن كان قدرها أن تتعلق بخيط أمل واهن، فستتقبل هذا القدر أيضاً على أي حال، كان الفيكونت هاردي والدها كان عليه واجب تحمل مسؤولية طفلته، لكنه أهمل هذا الواجب طوال سنوات الأجدر به الآن أن يتحمل المسؤولية ولو لمرة واحدة 


صعدت إيرنا بسرعة، تاركةً وراءها نظرات محافظ المحطة الحادة تمايلت تنانير فستانها القطني المزهر بحركاتها المتعجلة 


كانت هذه بداية رحلة طويلة تعيدها إلى مسقط رأسها للمرة الأولى منذ أن غادرته يداً بيد مع أمها قبل أربعة عشر عاماً 


*** 


في مكان آخر، رفع بيورن فنجان الشاي بأناقة بالغة، لكن جلسته المتراخية وساقيه المتصالبتين كشفتا عن استهتاره بالموقف


"ألستَ منصتاً لي الآن؟" 


صوت امرأة غاضبة قطع صمت الغرفة المضاءة بأشعة الشمس الدافئة 


"ماذا؟ لأنك لا تريد الإجابة؟ الخبر غير صحيح، أليس كذلك؟ هل هو...؟" 


ارتفع صوت المرأة الملحّ مرر بيورن يده ببطء على وجهه الذي لا يزال يحمل آثار النعاس، ثم رفع الفنجان مرة أخرى عندما ارتشف رشفة أخرى من الشاي الذي وصل إلى درجة البرودة المثالية، شعر أن ضبابية رأسه بدأت تتلاشى قليلاً 


"بيورن!" 


انفجرت المرأة غضباً، فقفزت من مقعدها بقوة اخترقت أشعة الشمس النافذة لتسلط عليها ضوءاً مسرحياً، تكشف عن أناقتها الفاخرة التي لا تليق بسفر الصباح الباكر من العاصمة إلى شوبر


أدار بيورن رأسه بتمهل، وقد اعتادت عيناه الرماديتان الآن على ضوء النهار، فأصبحتا تشبهان بركة ماء راكدة تلمع تحت الشمس كان قد عاد للتو عند الفجر، ولم ينم إلا بعد شروق الشمس مما يعني أن توقيته البيولوجي كان يشير إلى منتصف الليل وقت غير مناسب تماماً لمثل هذه الزيارة المزعجة


فتح جفنيه الثقيلين ببطء وارتكز في كرسيه، بينما بدأت أصوات صياح المجدفين تطفو من النهر القريب


"يا له من صباح بائس" 


تمتم في سره، بينما امتدت يده لالتقاط الصحيفة التي ألقتها المرأة أمامه. العنوان الرئيسي يصرخ بأحرف كبيرة: "لقاء العائلة المالكة السابقة... مصادر مقربة تكشف التفاصيل!"


نفس الخبر المزعج الذي أحضره له ليونيد في الصباح ابتسم بيورن ابتسامة لا تخلو من سخرية وهو يتأمل الصورة المصاحبة للخبر


رمق بيورن العناوين المثيرة بنظرةٍ باردة، بينما يدخّن سيجاره ببطء الصورة الضخمة له على الصفحة الأولى كانت مبالغاً فيها، كما لو أن المصوّر حاول تعويض نقص الموهبة بحجم الصفحة!


"مصادر مقرّبة" - التي لا بدّ أنها الخدم الثرثارون أو الأصدقاء الطامعون - "تكشف عن علاقة مستمرة" المقال يتساءل بفضولٍ مزعج: كيف تجرؤ الأميرة غلاديس ذات القلب الطيب على مسامحة زوجها السابق؟ لكن يبدو أن عواطفها تغلبت أخيراً!


"يا للهول! حتى حكايات الجدّات أكثر واقعية من هذا الهراء!"


قذف بالصحيفة جانباً بإزدراء أمامه، كانت المرأة تتململ في مقعدها، ووجنتاها تتقلّب بين الأحمر الفاقع والأرجواني من شدة الغيظ


"ألا تملك حتى كلمة تفسير؟" انفجرت فجأةً، عيناها تلمعان بالغضب


"انتهى كل شيءٍ بيننا!" أعلنت بلهجةٍ نهائية "سأخطب قبل نهاية الربيع!"


لكن يديها المرتعشتين وارتجاف جفنيها أخبرا شيء مختلف تماماً بينما كانت تتحدّث، رفع بيورن سيجاره ببطء، وأشعل عود ثقابٍ بحركةٍ واحدةٍ متقنة


"كما تشائين"، همس بين سحب الدخان المتصاعدة، بينما كانت أشعة الشمس تخترق النافذة، فتنير نصف وجهه وتترك النصف الآخر في الظل، كتجلّيٍ صارخٍ لشخصيته المتناقضة


لم تكن رفيقةً سيئةً في الحقيقة تمتعت بذلك المزيج المثالي من الأناقة والجرأة والأهم من ذلك، كانت تفهم القواعد غير المعلنة - علاقة عابرة دون التزامات، ثم يعود كلٌّ إلى حياته على الأقل، هذا ما كان يظنه قبل أن تقتحم عليه صباحه بوجهٍ أحمر وغضبٍ أحمق بسبب خبرٍ تافه في جريدةٍ رخيصة


"تهانينا الحارة على خطوبتكِ، سيدتي."


رفع بيورن فنجانه في تحيةٍ ساخرة، بينما تلاشت كلماته في دوامات الدخان الأبيض المتصاعد من سيجاره صوته كان ناعماً كالحرير، وحاداً كالسيف في آنٍ واحد


"ماذا؟" ارتعشت يد المرأة كما لو أصابتها صعقة كهربائية "أيها الوحش عديم الإحساس! كيف... كيف تقول هذا؟"


"أليسَ أنتِ من بادرتِ بالفراق؟"


تحرّك إصبعه البارد على حافة الفنجان ببطء، يرسم دوائر غير مرئية بينما يتأمل ردّة فعلها بانفصالٍ مثيرٍ للغيظ


"وأنا فقط... وافقت."


مال رأسه قليلاً بتلك الحركة المثيرة للحنق التي اعتادها، فتساقطت خصلات شعره الفاتح على جبينه أمام صمته الحجري، لم تجد المرأة سوى أن تعضّ على شفتيها حتى أوشكت على إدمائها


نهض بيورن بسلاسة، تاركاً إياها جالسةً وحيدةً مع كبريائها المحطم الدخان المتصاعد من السيجار المهمل تشظى في الهواء، كرمزٍ لعلاقةٍ انتهت قبل أن تبدأ حقاً


"انتظر!" صرخت وراءه، ولكن صوتها تحطم على جدار برودته كما الأمواج على الصخور


توقف بيورن للحظة، وألقى نظرةً خاطفةً من فوق كتفه. 


"هل لديكِ المزيد لتُضيفيه؟" 


كانت فتاة آل "بيريز" تُحاول إمساك دموعها وجهها الجميل يلمع تحت الضوء، لكنه لم يثر في نفسه شيئاً 


التفت بيورن ببطء نحو عشيقته السابقة ثم انحنى بانحناءةٍ أرستقراطيةٍ مثالية، تتناقض بسخريةٍ مع ردائه الفضفاض غير المُربوط بإحكام 


"أتمنى أن تصبحي كونتيسةً رائعة." 


ابتسامته الهادئة تمايلت تحت أشعة الشمس، تاركاً إياها وحيدةً في غرفة الاستقبال، فاغرة الفم من الدهشة بينما كان يخطو خارجاً


في الممر، كانت السيدة "فيتز" تنتظره بوضعية الخادمة المخلصة التي لم تتغير منذ ثلاثين عاماً


"سيدة فيتز... أتتيتِ لتحضري لي فراشي؟" 
"بل لأذكّركَ أن الإفطار ينتظر منذ ساعة، يا غُلامي العَنيد." 


حتى شيبها الأبيض لم يُخفّف من حدّة نبرتها التي يعرفها منذ كان طفلاً عابثاً


"عليك التوجه إلى محطة القطار." 


"محطة القطار؟" 


"جلالتها تصل قريباً." 


"آه، كان هذا اليوم." 


فقط عندها تذكر بيورن الحدث اليوم هو اليوم الموعود لزيارة والدته إلى "شوبر" لحضور حفل خيري للمستشفى الملكي وبطبيعة الحال، كان عليه استقبالها 


"حسناً." 


قبل المهمة بإيماءة خفيفة، ثم أضاف: 
"لنبدأ التحضيرات." 


*** 


أخذ القطار يزدحم تدريجياً بعد مروره بعدة مدن كانت إيرنا الوحيدة في المقصورة في البداية، لكنها الآن أصبحت مكتظة 


جلست قرب النافذة، تحدق بالمشاهد المارة بعينين تختلط فيهما الدهشة بالقلق مئات المارة والعربات تتدفق بين المباني المتلاصقة والطرق المتشابكة كشبكة عنكبوت كل شيء بدا معقداً ومبهرجاً لدرجة جعلتها تشعر بالدوار


"طالما أعرف العنوان، فلا بد أن أجد الطريق." 


*** 


كتمت إيرنا اضطرابها العميق وأصلحت من هيئتها "إنها مدينتي التي ولدت فيها" هكذا قالت لنفسها محاولةً تهدئة روعها خمس سنوات فقط عاشتها هنا، لكنها تبقى أرض طفولتها


بينما كانت تشد من عزمها، توقف القطار أخيراً في محطة "شوبر" المركزية أسرعت في جمع أمتعتها البسيطة، واندمجت مع تيار المسافرين المتدفق ربطة القبعة تحت ذقنها تهتز، وضفيرتها الكستنائية تتأرجح مع كل خطوة لكن هذه الثقة سرعان ما تبخرت


ما إن دخلت الممر حتى اختلط عليها الأمر دفعات متلاحقة من كل اتجاه، وأخيراً وجدت نفسها فجأةً على الرصيف الحشود كالنمل المنتشر، والأصوات المزعجة تطن في أذنيها


حاولت عبثاً الخروج من هذا الزحام، لكن كل خطوة كانت تبتعد بها أكثر عن المخرج


"إنه قادم! ها هو ذا!"


اندفعت الحشود كموجة واحدة باتجاه الصوت أمسكت إيرنا بحقيبتها التي كادت تسقط، وبدون وعي منها التفتت هي الأخرى


لم تنتبه لوقوفها في الصف الأمامي إلا عندما رأت ظلاً طويلاً يتقدم نحو الحشد


يتبع ....
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.