يوما ما .. الفصل الثالث
الفصل الثالث
.........
خرجت من الحمام و أنا أحمل منشفة أجفف بها شعري، فوضعت يدي على عنقي و تذكرت الوشاح المفضل عندي و الذي أعطته لي جدتي رحمها المولى عندما كنت صغيرة، و الذي خسرته بسبب غبائي و ارتباكي , حين حملته الرياح لمكان لا يعلمه إلا الله .
لقد عدت و أنفاسي لا تكاد تملئ رئتاي لأنني تأخرت فطرقت الباب و لم يجب أحد، فعاودت الكرة لا مجيب، لكن لحسن الحظ ابي دائما يخبئ مفتاح احتياطي تحت المزهرية لحالات الطوارئ مثل هذه، فحملته و فتحت الباب، فإذا به غارق في الظلام، لوهلة ظننت أن يكون هناك لص قد اقتحم البيت و قتلهما أو وحوش متعطشة للدماء، فحتى في هذه المواقف دائما ما يبدأ عقلي بتأليف أفكار خيالية صعبة التصديق.
فنفضت عني هذه الأفكار الطفولية و أشعلت الضوء لينير البيت بأكمله، فجلت ببصري في أنحائه و أنا أتساءل .. أين هما ؟! انها السادسة مساءا لكن لم أعر للأمر إهتماما كبيرا، فذهبت لآخذ حماما ساخنا يزيل عني تعب الطريق و برده و ينعش أوصالي المتجمدة.
و ها أنا ذا أسرح شعري أمام المرآة، وأنا أرى انعكاس وجهي، فأنا لست بفائقة الجمال أو بالقبيحة البشعة، كلمة " عادية " هي الأقرب لوصفي، بشرة خمرية، عينان سوداويتان كبيرتان مع أهداب طويلة، و أنف مدبب و فم صغير، لا شيء مميز، لعل ما يميزني هو شعري الأسود الطويل و المجعد، فدائما ما كنت محط غيرة الفتيات بسببه.. ليس بسببه فقط بل بسبب عاديتي فهم يرونني تلك المميزة الآسرة و هم لا يعلمون بأن تلك الآسرة عاشت وحيدة بقدر ما نبذوها و شعروا بالغيرة منها.
فجأة تسلسل ذلك الغريب لأفكاري، أو كما سميته منقذي الغامض.. أعلم إنني طفولية جدا ! لكن تفاصيله المميزة مازالت راسخة في ذهني كأنني أراه أمامي... تلك التفاصيل التي جعلتني أغرق في عينيه .. أغوص و أغوص لكن لا أمل في النجاة ، تلك العينين التي تجعلك تهتدي بعد ضلالك الدائم و تحيا بعد مماتك الأزلي.. و ذلك الشعر الليلي المصفف بعناية و الذي يجعلك تريد دخوله رغم ظلامه الدامس، و صوته الرجولي العميق الذي أطرب قلبي كل أذني ، كمعزوفة اجتمعت فيها جميع الألحان العذبة، ناهيك عن تفاصيله الأخرى التي لم أنتبه لها ، فما شدني اليه كان صوته و عينيه .
فأنا لم أرى في حياتي شخصا بهذه الهالة القوية و الباردة , فوجهه ليس به تلك الوسامة التي تجعل الرؤوس تدور و القلوب تذوب، لكن به تلك الجاذبية و الغموض الذي يجعلك تريد التعرف على أعماقه و استكشافه مهما كانت الأخطار محيطة به.
ببساطة هو من ذلك النوع الذي يجعلك تخاطر و تضحي بكل شيء لديك في سبيل كلمة أو نظرة منه.
لكنني نسيت أهم شيء أنه غريب، نعم غريب عني، لا أعرف عنه أي شيء سوى ملامحه المميزة، فتلك الثواني جعلتني أعرف أنه ليس بالنوع السهل اللين.. لا أنكر أن وقعه في قلبي كان قويا و مربكاً ، لكن هل من الممكن أن يكون حب من النظرة الأولى؟ لا، لا أظن! بالنسبة لي أعتبره ضربا من الخيال و وهم لا ينفك الساذجون تصديقه ، كيف يمكن للشخص أن يحب الآخر دون معرفة أعماقه الداخلية ، أو بالأحرى من النظرة الأولى.
فالحب بالنسبة لي هو تلك النبضة الأولى و الارتباك الخجول، أنا لا أنكر أن ذلك هو بداية التهاب المشاعر و لهفة القلب.. لكن أن تحب شخصا دون أن تضربك أمواجه العميقة و دون أن تعرف متى تكون تقلبات طقسه فأنت انبهرت بالبحر دون الغوص فيه ،و أنت بعيد كل البعد عنه.
ببساطة ما شدك اليك هو زرقته الدائمة و أمواجه الهادئة التي تسر ناظريك ، أما أعماقه فيدخلها كل محب يريد الاكتشاف و الاستطلاع، لتقبله أو الفرار منه دون رجعة.. فالقرار في الأخير يعود لك.
فما الإعجاب الا الانبهار الأول بالتفاصيل مع تقديس اللحظات العابرة , أما الحب فيكون بين المد و الجزر .. بين الانطفاء و التوهج .. بين بداية الارتباك و التعلق و ما يليها تكون تلك التقلبات الكئيبة بين نسيانٍ صعب و البقاء رغم التعاسة فتقودك في الأخير الى الاختيار بين البقاء ألما أو الهـُروب.
ابتعدت من أمام المرآة و ذهبت للمطبخ لأجد ماذا أعد للعشاء، فأنا أقر بأنني لست مثل بعض الفتيات اللاتي يجدن الطبخ ، فأمي كما كان يقول أبي عنها أنها الأولى في العالم و في قلبه في الطبخ .
لقد كانت دائما تخبرني بأنني يجب أن أتعلم من أجل الزواج بعريس اللقطة ، الا أنني لم أعر للأمر أهمية كبيرة لأنني لست مهتمة لا بالزواج ولا بالحب بحد ذاته , لذا تركت لها هذه المهمة فكل ما استطعت فعله هو مساعدتها و كل ما تعلمته منها هو كيفية إعداد الأرز بالخضار لأنه المفضل عندي، لذا و بما أنهما غير موجودان سأفاجئهما وأطبخ لأول مرة طعامي المفضل.