نوفلو | Novloo: qONkkFk21VZ0yeMauEoSMo73Y6D3
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

أنتِ الأمان نور

"إلى صديقتي… لم أكن يومًا أبحث عن الأمان، ولم أتخيل أن أجده صدفة في طريق قلبي. كنت أظن أن الأمان شيء بعيد، شيء نبحث عنه طويلًا بين الناس والأيام، لكنني اكتشفت معكِ أن بعض النِعَم لا نبحث عنها… بل يرسلها الله إلينا في الوقت الذي تكون فيه قلوبنا في أمسّ الحاجة إليها. حين عرفتكِ، أدركت أن بعض اللقاءات ليست مجرد صدفة عابرة،

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

يوما ما ..الفصل التاسع

جاري التحميل...

الفصل التاسع.

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

" هل هو يفكر بي ؟ "
تبادرت لذهني هذه الفكرة و أنا مستلقية في غرفتي .. كيف سيكون الأمر لو كان يفكر بي ؟ لأنني و على يقين تام بأنه يفكر بي كمريضته فقط , لكن هل يعامل مرضاه برقة تارة و ينظر لهم ببرود تارة اخرى ؟ أو هل يعطيهم مفكرات أيضا ليكتبوا فيها ؟
 حينها أحسست بوخزة مؤلمة في قلبي و بغيرة بدأت في التأجج داخلي من خاطر عابر لا تأكيد فيه .
كيف سيكون الأمر اذا لو بادلني ما أشعر به ؟هل سأشعر بألعاب نارية تدور في رأسي مثلما سمعت من ضحايا الحب ؟ أو سأشعر بشعور الحياة الأولى ؟ أو هل سيكون كشعور التحليق بدون جناحين؟.
 لكنني متأكدة أنني معجبة به .. نعم هو مجرد اعجاب لحظي فقط.
فتنهدت و قلت بأسى " كيف سأصبر ليوم الاثنين لأراه يا له من أمر محبط" .
حينها تذكرت المفكرة فذهبت لحقيبتي و أخرجتها و جلست على طرف السرير و أنا أتأملها فقربتها لأنفي فشممت بقايا رائحة عطره المميزة فأغمضت عيني و تخيلته أمامي هنا، نتجاذب أطراف الحديث و يبتسم لي تلك الابتسامة التي تجعل من ليلي نهارا و من الذبول ازدهارا يملئ قلبي , فنظرت لزهرة التوليب و التي أصبحت أحبها و تذكرت لقائنا الذي كان استثنائيا و قدريا جدا بالرغم من خسارتي لوشاحي المفضل .
 و انا امرأة قدرية تؤمن بتدابير الحياة و بقاعدة أن لكل شيئ سبب و أن خسارتي كانت تساوي لقائه.
 لقاءنا الذي كان في شهر ديسمبر ،شهر بدايات اللحظات الأولى و نهايتها .
 لكن الشيئ الذي قتل ابتهاجي هو تذكري لعينيه الباردتين. لماذا يخفي نفسه خلف قناع البرود؟ ما الذي حدث له ليكون هكذا؟ فأنا شخص فضولي بطبعه.. فضولية نحو حياته الشخصية ككل, اذا كان أحب من قبل؟ ,أو هل لديه عائلة و أصدقاء و أحباء قداما؟.
 فتذكرت ذلك الجد من اخر مرة , هل ذلك الجد هو فرد من عائلته ؟.
فتبادر الى ذهني نبرته و صوته ذلك اليوم والذي كان مختلف لا أعلم بالضبط كيف،و ذلك حين قال للجد" قطعت صلتي بالواقع لأن في داخلي حياة أخرى أريد أن أعيشها " , هل يقصد بأنه قد قطع صلته بكل ما يربطه بالواقع لأنه يحمل ذكريات مؤلمة ؟ أم هل غادر الى إنجلترا هربا من واقع حزين ؟ .
.لماذا هو غامض و معقد لهذه الدرجة ؟ ففضولي سيقتلني يوما انا أعلم.
 فالفضول يشبه دودة صغيرة مزعجة لكنها و برغم صغر حجمها الا انها تنهش القلوب و تضع الشخص امام خيارات متعددة ..طفيلية هي لا تأبه لتطفلها و ازعاجها الشديد ، فتبدأ بأكلنا ببطئ لتشبع رغبتها بأسئلة لا حلول لها .. فتتمرد هي و نُحبط نحن لأن أسئلتنا ستبقى معلقة حتى استشفافها من الشخص المنشود ، و الى حين ايجادنا لها سنبقى نتغذى على نصف الاجوبة.
 و بين هذا و ذاك سنبقى عالقين في وسط لا تقدم فيه و لا رجوع منه.
فنفضت عني هذه الأفكار العشوائية و نهضت و جلست على كرسي مكتبي و وضعت المفكرة و فتحتها لأنظر لأوراقها البيضاء فحملت القلم و أنا أفكر ما الذي يجب أن أكتبه فأنا لا أعلم بماذا أبدأ أو كيف! .. فتذكرت مقولة " لا فائدة من الأوراق بدون أن تنسج فيها حبال افكارك" فحملت القلم و شرعت أرتب أفكاري.

                             ***
شعرت بشعاع لطيف و خفيف يداعب عيني المغمضتين , فأغمضتهما بانزعاج و فتحتهما بكسل, ثم أحسست بتشنج في رقبتي و بألم حاد في ظهري، فنظرت حولي لأجد أنني نمت على سطح المكتب دون كتابة كلمة واحدة .
 بالكاد استطعت الوقوف ليجتاحني دوار هائل و ألم شديد في رأسي و كل عضلة في جسمي تؤلمني , فخارت قواي على الكرسي لعدم توازن جسدي , و أمسكت رأسي لكي يذهب الدوار , فإذا بطرقٍ خفيف على الباب و صوت خالتي المليئ بالنشاط يدوي في الغرفة.
- صباح الخير زهرتي .
فتغيرت الابتسامة لتحل محلها تقطيبة خفيفة و قلق ظهر في صوتها :
-حبيبتي ماذا بك هل أنت بخير ؟
فأجبتها بصوت منخفض مهزوز :
-نعم يا خالتي لا تقلقي مجرد دوار و سيزول من الممكن أنه بسبب قلة النوم .
بالرغم من أنها و أنني نعلم جيدا أنها من مطر أمس فقالت و قد غزى القلق صوتها:
- لا ليس من النوم أنا متأكدة من أنه من مطر أمس . ثم إقتربت مني ووضعت كفها الدافئ على جبيني و صاحت بصوتها الرقيق :
- يا الهي ان حرارتك مرتفعة يا توليب هيا استلقي يا عزيزتي سآتي على الفور .
فخرجَت من الغرفة مسرعة و أنا تحاملت على نفسي ووقفت فإختل توازني مجددا فأمسكت بظهر الكرسي و تحركت للسرير بصعوبة واستلقيت و أنا أشعر بخمول هائل يغلف جسدي و بألم شديد في رأسي .. فلم أشعر الا و خالتي تضع منشفة باردة على جبهتي و بصوتها الرقيق البعيد يطمئنني.
فلم أفق الا و دقات قلبي العالية تصم اذني و بحبيبات عرق باردة تغلف جبيني فنظرت الى خالتي و وجدتها تنظر لي بقلق ثم عانقتني و قالت بهمس :
- أنا هنا يا زهرتي لا تقلقي هو مجرد كابوس لا تقلقي .
فبادلتها العناق و تمسكت بها بقوة و أنا أتذكر الكابوس الذي راودني . فقلت لها بصوت مرتجف:
 - متى سأتخلص من هذه الكوابيس يا خالتي ؟
فمسحت على رأسي بيدها برقة ثم قالت بحزن :
- ستتخلصين منها يا زهرتي لا تقلقي كل ما عليك فعله هو أن ترتاحي و سأكون أنا معكِ لنتخطاها سويا .ثم أمسكت يداي و ابتسمت و قالت:
 - هيا يا حبيبتي استلقي هل تشعرين بتحسن ؟
- نعم قليلا لكنني أشعر بألم في حلقي .
- لا تقلقي ستختفي يا حبيبتي من حسن الحظ أن حرارتك قد انخفضت. ثم تابعت :
- هيا ارتاحي الان و سأحضر لك الحساء .
فإستلقيت و أنا أتأمل الجدار و أفكر به , أنا أشعر أنني أريده الان .. فشعوري بالبكاء قد تزايد , أريد البكاء أمامه .. أريد أن أريه ضعفي و انكساري.. أريد أن أضع ثقل رأسي و افكاري و آلامي على كتفه، فأخبره اتفه الأشياء.. اخبره عن تغير الفصول الاربعة و تساقط الاوراق.. و اخبره عن مزاجيتي و طفولتي و معاناتي القديمة و وحدتي الكئيبة.
و اخبره ايضا عن الاشياء التي احبها.. اخبره عن حبي للتفاصيل القديمة .. حبي للأغاني و الأشعار التي عفى عنها الزمن .. أخبره عن حبي للروايات و الورود و القمر و النجوم و المشي في الطرقات ليلا و المفاجآت و الهدايا التي تكون بلا سبب و المطر الذي اصبحت أحبه مؤخرا .. ثم اتنهد بعدها و اخبره أنه ختام ما احب .
- لم لا تردين يا توليب حسبتك قد فقدت الوعي مجددا.
- لا لقد كنت أفكر و لم انتبه .
فقالت بتذمر طفولي :
- اول شيئ سأخبر به طبيبك حين التقي به أن يعالج مشكلة التفكير لديكِ.
و كأن ذكر كلمة " طبيبك " قد أذهبت كل بأس و مرض في نفسي، فكيف أخبرك يا خالتي إنه هو تفكيري .
- هيا تناولي الحساء لتستردي صحتكِ .
فتناولت ثلاث ملاعق و في الرابعة شعرت أنني اكتفيت .
- خالتي لا أستطيع تناول المزيد .
- زهرتي بالكاد أكلت كيف ستشفين اذا ؟
فإبتسمت لقلقها الظاهر في عينيها اللامعتين و قلت بصوت ضعيف :
- خالتي أنا لست صغيرة سأتحسن لا تقلقي كثيرا .
لكن الذي حدث لاحقا حين نمت أن حرارتي قد ارتفعت مجددا و ساءت حالتي كثيرا حتى لم أعد قادرة على تمييز الواقع من الخيال ، و تمييز المنطق من الوهم , فجل ما كنت أراه مشاهد لا أعلم هل هي من حياتي ام مجرد أوهام .. بكاء خالتي جنازة والدي .. جسدين باردين ممدين .. حادث مرور .. و قيصر ، اااه هل هو أمامي الأن و يبتسم لي تلك الابتسامة أم أنه حلم من احلامي البعيدة .
فلم أشعر الا بيد دافئة تمسكني و بشخص لم أتبين ملامحه يحملني فإستسلمت للتعب و الخمول الذي اجتاحني و ذهبت في نوم عميق.
استيقظت و التعب قد استبد بي فلم اتبين اين انا بالتحديد , فلاحظت الغرفة البيضاء التي امكث فيها, ذات النوافذ التي تماثلها, و أنا هكذا حتى لاحظت ضوء قوي في عيني و بصوت غريب يقول :
- آنسة هل تسمعينني حركي عينيك أو أحد أصابعك اذا كنتي تسمعينني .
فحاولت تحريك يدي فلم استطع فحركت عيني بتعب و حاولت تمييز ما حولي فجل ما كنت اراه شخص بوجه ضبابي يتحدث مع شخصين ضبابيين اخرين .. ثم شيئا فشيئا استطعت تمييز أين أنا و من هو ذلك الغريب و من هما الشخصين الاضافيين , فإقترب مني احدهما و امسك يدي فميزتها على الفور:
- خالتي ما الذي حدث ؟
- لا تتكلمي يا زهرتي هل أنت بخير ؟
فقلت بصوت منخفض متعب :
- نعم يا خالتي لا تقلقي أنا بخير و هل أنت بخير ؟
- لقد صرت بخير عندما فتحت عيناكِ يا روح خالتك .
ثم لاحظت اقتراب شخص اخر لم اميز ملامحه لكني عرفته من نبرته :
- كيف تشعرين ايتها الصغيرة ؟
- أنا بخير يا خالي من اللطيف رؤيتك الان .
فضحك و قال :
-أنا متأسف أن لقائنا مجددا كان على هذا الشكل
فقاطعتنا خالتي بقولها بحدة :
- كفى حديثا الان يا زهرتي هيا سنتركك الان ترتاحين و سنأتي فيما بعد .
فتابعتهما حتى خرجا و أنا شرعت أفكر و آلاف من الأسئلة تتبادر لذهني .. كيف جئت الى المستشفى و خالي متى جاء الى هنا و الاهم من كل هذا هل رؤيتي لقيصر حلما ام واقعا ؟.
 حينها شعرت بخمول و بتعب كبلني من البحث عن أجوبة شافية فاستسلمت لها و رحت احلم بأحلام كلها عنه هو .
                            ***
مضى على وجودي في المشفى ثلاثة أيام كنت استيقظ فيها قليلا و اغفو طويلا لكن اليوم أشعر أنني بأحسن حال , فقد تم تشخيصي بحمى قوية و أن حالتي كانت خطرة , و أيضا اتضح أن خالي تحدث مع خالتي صبيحة ذلك اليوم طلبا للمغفرة و بأنه قادم مع أول طائرة ليراها , لذلك عندما أغمي علي أول ما فعلته خالتي هو الاتصال به .
 فالبرغم من الخلاف و المشاكل بينهما و الألم الذي في قلبها اتجاهه الا انها ضربت كل شيئ عرض الحائط , فكان الأول من تبادر الى ذهنها حين تاهت و وقفت عاجزة .. و كان الأول الذي تذكرته في نوبة ذعرها و خوفها و الأول ايضا حين احتاجته .. لذلك عرفت أن المشاكل تقوي لا تهدم .
قطع حبل أفكاري دخول خالتي بإبتسامتها الرقيقة التي تزين وجهها:
- زهرتي استيقظتي كيف تشعرين ؟
- أنا بخير يا خالتي أشعر أنني بأحسن حال و انتِ ؟
 فجلست على حافة السرير و أمسكت يدي بحنو و قالت :
- طالما أنت بخير أنا بخير يا حبيبتي .
فإبتسمت و تذكرت خالي فقلت :
- كيف حال خالي هل تصالحتما ؟
فإبتسمت ابتسامة خجولة كمراهقة قد تم الاعتراف لها ، ثم قالت :
- لا أنا لم أسامحه.ثم تابعت بطفولية :
- و لن أسامحه أبدا لأنه تركني كل هذه المدة اتعذب و أتألم وحدي بسبب امرأة.
- من هو هذا الذي لن تسامحيه و أي امرأة ؟
فنظرت لخالي و ابتسمت له , فالبرغم من مرور العديد من السنوات و التي كانت كافية لتلوين شعره و لحيته ببياض ناصع الى أنه ما زال يحتفظ بوسامة رجل خمسيني أنيق , فلاحظت تعابير وجه خالتي الغاضب, ثم قلت و أنا أكتم ضحكتي بصعوبة :
- خالي أنا مسرورة أنك جئت قبل أن تسافر .
فإقترب و قبلني على جبيني و قال بحنان :
- بالطبع سآتي كيف لا أزور صغيرتي ، اخبريني هل تشعرين بتحسن ؟
- أنا بخير و أنت كيف هي أحوالك؟
فأطرق برأسه و قال بصوت حزين مصطنع :
- أحوالي لا تسير على ما يرام لأن كل حالي غاضب مني و لا يأبى أن يسامحني و هذا بسبب امرأة كبيير في السن و التي تكون مديرتي .
 فنظرت لخالتي الغاضبة و هي تنظر له شزرا و خالي الذي يمثل الحزن بطفولية, حينها لم أستطع أن أتمالك نفسي أكثر فإنفجرت ضحكا ، و هذه كانت أول مرة منذ وفاة والديَّ فهما يبدوان كمراهقين يتشاجران لأول مرة , فنظرت لي خالتي بحدة حين انفجر هو أيضا بالضحك .
 ثم فجأة كست ملامحه الجدية و أمسك يدها و قال بنعومة :
- الا تنوين مسامحتي يا حلوتي فأنا أحاول بشتى الطرق ارضائك فضلا عن انني تركت عملي لأبقى معك فأنا مشتاق اليك كثيرا ، و أعلم أنني آلمتك و كثيرا ايضا فأنت لا تعلمين ما مر بي في تلك الايام , و حين أتذكر ما قلته و فعلته أتمنى أن أندثر ندما , ثم تابع بصوت متألم :
- لا تكوني قاسية جدا أنا أتوسل اليك هذه ستكون اخر مرة اغضبك هكذا فكيف سيكون حالي حين أعلم أن كل حالي حزين و متألم بسبب أحمق لم يوازن كلامه , فهذا الأحمق يا حالي لا يكتمل الا بك و أنا أعدك هنا و أمام ابنة اختك بأنني سأسعى دائما لإسعادك لأنك غايتي الوحيدة و منفاي الذي الجئ اليه.
فنظرت له خالتي بتألم و قد اغرورقت عيناها بالدموع ثم أبعدت يدها عنه و خرجت من الغرفة , حينها أطرق خالي رأسه بحزن و قال:
- لقد ارتكبت خطأ كبير و أنا أعلم بأنها لن تسامحني أبدا و هذا من حقها .
- أنا أعلم بأنك ارتكبت خطأ جسيما فأنا عن نفسي غضيت منك لأنني لم أتوقع أن تتصرف هكذا لكن من فينا لا يخطئ ؟ فهذه الحياة مليئة بالأخطاء و أنا أعرف جيدا أنك الوحيد القادر على اسعادها وأنك نادم و تحبها بالقدر الكافي.. لذا اذهب اليها ستسامحك.
 ثم قلت بصوت ممازح منخفض :
- أنتما تبدوان كمراهقين ساذجين و هي تحبك أكثر من نفسها فقد كانت تنتظر سماع صوتك كل يوم لكن لا تخبرها أنا أحذرك .
فقال بصوت ضاحك :
- حسنا سرك في امان و شكرا لك على اخباري لقد بثثت في نفسي أمل حين كان اليأس قد وصل لقلبي.
- لا شكر على واجب و هيا اذهب اليها سريعا سأنتظركما .
- حسنا لن أتأخر .
فخرج مسرعا و أنا أطرقت أفكر في ذلك اليوم الذي رأيت فيه قيصر في المستشفى فقد تبقى هو السؤال الوحيد الغير المفسر , هل يعقل فعلا أنه خيال من اللاوعي الخاص بي ؟
فكما اخبرتني خالتي أنني كنت أهذي طوال الوقت بأمي و أبي، ثم سألتني بشك عن من يكون قيصر لأتلعثم أنا و أخبرها أنه طبيبي لتخبرني بمكر أنني كنت اهذي به ليلا.
فحتى في مرضي لم يغادرني و كان جزء منه.. لكن كيف يغادرني و أنا اشعر انني مليئة به ؟ كيف و هو في خيالي و يكمن في اللاوعي الخاص بي ؟ فسبب وجودي هنا من الأساس " هو " .. فالجميع يعلمون أن ما حل بي هو بسبب قطرات من المطر , و لكن لا أحد يعلم أنه هو السبب.
 هو سببي الوحيد !.
الجميع يعتقدون أنها الحقيقة الا أنا أعلم أنه حقيقتي , لذا سأدعهم لإدعائهم و أكتفي به كحقيقة لا تكذيب فيها.
 فشعرت حينها أنني أريد أن أفصح لخالتي و للأطباء و للمرض و للمطر و للسماوات السبع و للعالم بأنني امتلئت به.
فأخرجني فجأة من أفكاري صوت انغلاق الباب و صوت خالي السعيد :
- انظري يا صغيرتي لقد تصالحنا .
فنظرت ليديهما المتشابكة و لوجه خالتي المليئ بالسعادة ثم غمز لي وتابع بصوت ممازح :
- معلومتك القيمة كانت سبب الصلح .
حينها قالت خالتي بوعيد مصطنع :
- انتظري فقط حتى تعود صحتك اليك و لنا حديث طويل في البيت .
فإنفجرت ضحكا وقلت :
- أنا أنتظر عقابي بفارغ الصبر .
فقاطعنا خالي و هو يصيح :
- يا الهي لقد تأخرت !!
فقالت خالتي بصوت حزين :
- ألا يمكنك البقاء أكثر هل يمكنك تأجيل الرحلة ليوم غد ؟ .
فأمسك يدها بحنو و قال برقة :
- لا استطيع يا حلوتي فأنا ايضا اتمنى أن أبقى هنا معك لكن للأسف اخر رحلة كانت يوم الثلاثاء و لا استطيع تفويتها .
حينها انتبهت بحواسي كلها , ماذاا !! هل ..هل اليوم الثلاثاء ؟؟!! كيف هذا؟؟ لالا .. لا أستطيع تصديق ذلك. فقلت بصوت منخفض مصدوم :
- خالي هل اليوم الثلاثاء ؟
- نعم لماذا هل لديك شيئ مهم اليوم ؟
لم أجبه لأنني كنت تحت تأثير صدمة أوقفت عقلي و قلبي .. كيف سأخبره أن وجهه هو الشيئ المهم و صوته هو الحاجة الضرورية و انني أضعت فرصتي الوحيدة لرؤيته .. فأعادني صوت خالتي القلق :
- زهرتي هل أنت بخير لماذا شحب وجهك فجأة ؟
فنظرت الى وجهيهما القلق و اخفيت صدمتي و خيبتي و يأسي داخلي و قلت بابتسامة مصطنعة :
- نعم أنا بخير لا تقلقا دعني أودعك يا خالي لقد تأخرت .
فإقترب مني و قبلني على جبيني و قال بهمس :
- شكرا لكي يا صغيرتي أنا لن أنسى معروفك و المرة القادمة لا تجعلي لقائنا يكون هكذا اتفقنا ؟
- بل شكرا لك لأنك أتيت يا خالي صحبتك السلامة و عد سريعا .
- سأفعل يا صغيرتي .
فالتفت و نظر لخالتي و قال لها بمكر :
- أنا ذاهب الآن هل ستوصلين زوجك ام ستكتفين بالمراقبة هنا.
فضحكت و خرجت معه و أنا مازلت تحت تأثير الصدمة , انه اليوم .. نعم اليوم الذي كنت انتظره بفارغ الصبر , اليوم الذي أرى به قيصري , لم أكن أتصور قط
أنني قد أنسى يوما مثل هذا , فهذا المرض اللعين قد حرمني من فرصتي الوحيدة بأن أراه و أتحدث معه .
لا ليس المرض بل انا الحمقاء التي سرحت بخيالها بعيدا حتى ضيعت فرصتي الوحيدة .. فهل علي أن أنتظر للأسبوع المقبل؟ و كيف سأخبره اصلا ؟ فأنا لا أريد أن أخبره بمرضي فيظنني ضعيفة لا تستطيع التحمل.
 أنا لا اريد اظهار هشاشتي و قلة حيلتي لأن معظم الرجال لا يميلون للمرأة الضعيفة بل الى التي تستطيع الاعتماد على نفسها و تتحمل المسؤولية .
لذا ما الذي سأفعله ؟.
لقد اصبح مزاجي في الدرك الأسفل و الأسوء من هذا أن كل شيئ كان من صنع يدي.
كلمة واحدة فقط جعلت يومي يتدمر و جعلتني أصل للحضيض.
                         ***
- ايها الطبيب هل يمكنني الخروج حقا ؟؟
قلتها بصوت مرتجف من سعادتي بهذا الخبر و من خروجي من هذا المكان المليئ برائحة الأموات و الأدوية .. أخيرا سأعود لحياتي المعتادة , فلم أكن أعلم أن لي حياة جميلة الا الان .. حقا نشعر بالأشياء حين تتغير و تذهب عنا, ففقدان الأشياء يجعلنا ندرك قيمتها مهما كانت صغيرة او تافهة .
- لقد تحسنتِ كثيرا و أبديت تفاعلا ايجابيا مع العلاج ثم ابتسم و تابع :
- و طبعا لكونك مطيعة و الفضل كله لخالتك .
فأطرقت برأسي خجلا من هذا الطبيب الوسيم و تساءلت عن عمره ؟ فهو يبدو في حدود الثلاثين , و أكاد أجزم أن في حياته امرأة ما فشخص بهذه الوسامة القاتلة لا يمكن أن يكون وحيد .
- هل مازالت تراودك نوبات سعال حاد أو الام في الرأس ؟
- تنتابني نوبات سعال أحيانا اما آلام الرأس فلم تعد تراودني لذا أنا بأحسن حال أيها الطبيب.
فإبتسم و قال بنبرة ممازحة :
- أرى أنكِ لم تحبي المكان كثيرا لذا أنا أراكِ متلهفة للخروج .
كيف سأخبرك ايها الطبيب ان لهفتي ليست الخروج من هنا بل ان لهفتي الوحيدة هي رؤيته .. كيف أخبرك أنني و طوال هذه الأيام كنت أفكر في كيفية التحسن سريعا و التحرر من هذا المكان؟ كيف سأخبرك أنني و طوال المدة الماضية كنت أتمنى فقط أن ألمحه و أسكت قلبي الذي بقي يناديه؟ كيف و أنا كنت أخفف عن نفسي برؤية ضبابية لا أدري هل هي واقع أم خيال خرافي؟ .
 كيف سأخبرك أيها الطبيب أن قيصر هو لهفتي الدائمة لكل ما أعيشه ؟.
- أين ذهبتي ؟.
 أيقضني من تفكيري صوت الطبيب ممازحا ، فإبتسمت بخجل و قلت بصوت منخفض :
- أنا هنا فقط مجرد أفكار تأتي و تذهب.. متى سأخرج ايها الطبيب ؟
- متى ما تنتهي خالتك من ملئ استمارة خروجك , لكن لا تتعرضي للهواء طويلا و ارتاحي لفترة فجِسمك مازال ضعيفا. ثم تابع بلطف :
- حسنا الان سأنادي الممرضة لتساعدك في تغيير ملابسك.
فشكرته و أتت الممرضة و ساعدتني في تغيير ثيابي ثم جاءت خالتي واصطحبتني خارج المستشفى.
 فلففت وشاحي ذو اللون البني و أحكمت ازرار معطفي حين شعرت بقشعريرة تسري في كامل جسدي اثر برودة الهواء الذي جاء بعد مطر غزير و الذي بقي يلامس بشرتي و يحرك شعري الأسود ببطئ, فنظرت للسماء الرمادية و تسائلت بإحباط " كيف سأراك يا قيصر و هل سيضعني القدر في طريقك مرة اخرى؟".
لحسن الحظ لم يكن البيت بعيدا عن المستشفى فما هي دقائق إلا و نحن أمام الباب فدخلت و الاحباط يغلف روحي و يسيطر على قلبي فلم أنبس بكلمة واحدة و هذا ما جعل خالتي تتساءل :
- حبيبتي هل أنت بخير؟ .
فأجبتها بصوت مرتعش و بإبتسامة مصطنعة ارتسمت تلقائيا على وجهي :
- نعم يا خالتي انا بخير انا فقط متعبة هذا كل ما في الأمر لا تقلقي .
 فأجابتني بشك ارتسم بوضوح على ملامحها :
- هل أنت متأكدة يا زهرتي ؟
- نعم يا خالتي أنا متأكدة لا تقلقي أنا بخير ثم تابعتُ بإبتسامة :
- سأذهب لغرفتي لأنام قليلا .
ثم أمسكت يدي و قالت برقة :
- نعم اذهبي يا عزيزتي سأناديك حين يكون العشاء جاهزا .
حينها و بردة فعل تلقائية عانقتها و قلت بصوت أقرب للبكاء:
- شكرا لكِ لأنك لم تتركيني و اهتممت بي أنا لا اعلم كيف أعوضك .
- عوضي أن تكوني فقط بخير يا زهرتي .
فإبتسمت لها و طبعت قبلة على خدها ثم دلفت لغرفتي و ارتميت على السرير و أنا أحدق في سقف الغرفة و أفكر كيف سأذهب اليه و أخبره عن مرضي ؟ كيف سأقول له و أنا أعلم أنه سيظنني غير مسؤولية؟ كيف سأستطيع أن أواجه تلك العينين التي تكتشف أسراري العميقة ؟ كيف سأواجه قيصر؟. كيف سأخرج كلماتي و كلها تخونني أمام حضوره.
 هل قيصر لديه من الأساس مشاعر نحوي؟ أم يراني كمريضته؟ و هل لطفه نابع من قلبه أم من قلب طبيب متمرس ؟ هل يشعر أنه يحلق في السماء مثلي أم أن جناحيه يفضلان المكوث في الأرض بدل التحليق؟ .
حينها شعرت بإختناق مفاجئ و كأن كل الهواء قد انحسر من الكون ، فغلفني الاحباط مجددا و جعل تفكيري يذهب للحضيض فغيرت رأيي في المكوث في غرفتي و النوم , فقليل من الهواء البارد سيعيدني لصوابي و يجعلني أشعر بتحسن و من يدري فقد تلتقي طرقنا .. فحملت سترتي الرمادية و خرجت و ذهبت لخالتي في المطبخ .
- خالتي أنا سأخرج لأستنشق قليلا من الهواء .
فنظرت لي بتعجب و قالت :
- لكن الطقس بارد و أنتِ ما زلت مريضة و كنت أظنك ستنامين لأنك متعبة عوضا عن أنها الخامسة لقد تأخر الوقت .
- نعم لكن النوم لم يأتيني لذا أريد أن أقوم بنزهة خفيفة فقد مللت من المكوث في المستشفى .
حينها أمسكت يدي برقة و قالت بقلق :
- حسنا لكن كوني حذرة و لا تتأخري.
               

الفصل الثامن: رواية يوما ما

جاري التحميل...

الفصل الثامن

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

أمسكت قلبي و أنا جالسة أنتظره، فعلى بعد دقائق قليلة سأراه ..سأرى من بقيت أفكر فيه .
سأرى قيصري و أخيرا.
لا ادري لماذا ربطت ياء الملكية بإسمه ، بالنسبة لي تلك الياء التي لا حول لها و لها كل القوة في قلبي وُجدت فقط لتقترن بحروف اسمه لتصبح ملكه و ملكي ايضا.
حينها انتبهت لسكرتيرته ، كم هي محظوظة لأنها تراه في الصباح و في المساء و أنا أراه مرة واحدة فقط ،عند هذه أحسست بوخزة مؤلمة في قلبي و بنار بدأت بالتأجج داخلي , فتلك الممرضة تبدو أكبر منه قليلا و تبدو لي أيضا من النوع الذي لا يهتم بشيئ.
 لكن في بعض الأحيان في العلاقات قد تكون المرأة هي سيدة العلاقة و تصبح ناجحة في الأخير و تنتهي و بالزواج، لكن ليست كلها ناجحة ، فهي لا تنجح غالبا و لا يقبل الرجال بنساء أكبر منهم الا اذا عشقها و أفنى في حبها.
فإنتبهت ليديها و هي تقلب الاوراق فلاحظت الخاتم الموضوع في يدها اليسرى , فتنهدت تنهيدة كلها راحة , و كأن أنفاسي قد كانت محبوسة داخلي و تحررت فور ايجادها مخرج,
ما بالك يا توليب هل تشعرين بالغيرة من سكرتيرة اكبر منه وقد تكون متزوجة؟ّ!
لكن حتى لو كانت متزوجة فهذا يعطيها افضلية و انصافا أكثر مني , و كيف يكون انصافا و أنا أراه ثلاثون دقيقة واحيانا أربعون دقيقة و مرة واحدة في اليوم و هي أربع وعشرين ساعة و سبعة أيام بالتمام و الكمال ، هذا ليس عدل على الإطلاق, فقلبي له السلطة المطلقة بالتحكم في جميع أعضائي الداخلية و الخارجية منها ..فكيف اذا سأسيطر عليه و هو ما ينفك ينادي بإسمه بربط الياء في اخرها ،و يرفض أن يكون له شريك على قلبه غيره هو .. حتى المتزوجات منهن.
فنفضت عني هذه الأفكار فاليوم سأراه و لن أدع أحد يعكر مزاجي .. حتى هي و بالتحديد اليوم , فإنتبهت لها فوجدتها تنظر لي و تبتسم و هي تقول :
-هل أنتِ توليب عوض ؟
فإبتسمت بإرتباك و قلت لها :
- نعم لكن كيف عرفتِ ؟
- أنظري حولكِ لم يتبق أحد هنا ؟
فنظرت حولي و ابتسمت بحرج و قلت لها بخجل :
-لقد كنت مستغرقة في أفكاري و لم أنتبه .
فضحكت بمرح و قالت :
- لا عليكي أنا أرى ، تفضلي الآن إنه بإنتظارك .
فحملت حقيبتي و إبتسمت لها بإرتياح و شكرتها و كلمة " بإنتظارك " كان لها وقع مربك لذيذ على قلبي ، فدخلت فإذا بصوته العميق يقول :
- مساء الخير توليب.
شعرت أن أنفاسي قد سلبت و أن الغرفة خالية من الهواء .. فلم أعد أعلم هل أهتم بنبض قلبي السريع أو برجفة يدي التي فقدت السيطرة عليها و كل ذلك بفضل خمس حروف خرجت بصوت عميق من شفتيه, فأجبته بإقتضاب و بصوت منخفض و مرتعش :
-مساء الخير .
 فرفعت رأسي و نظرت اليه فوجدته ينظر لي نظرة باردة و غامضة ، وقد كانت كفيلة بجعلي ارتجف و لم أعلم السبب ، لكنني أعلم على الأقل أنه يوجد خطب ما به لدرجة انني لم استطع اخراج الكلمات المتبقية و تحريك قدمي و الجلوس ,لا أدري هل بسبب المشاعر التي بدأت تعصف بي بسببه ؟ أم أنه هناك خطبا ما به حقا؟.
- هل ستبقين واقفة في مكانك أم ستتفضلين بالجلوس ؟
انتفضت اثر سؤاله المباغت و شعرت بالخجل الشديد لأنني كنت أحدق به كالبلهاء ، فكل ما أتمناه في الوقت الراهن أن تمضي هذه الجلسة بسلام.
أنا لا أعلم ماذا حدث لكنني أعلم على الأقل أنه هناك شيء مختلف .. حتما مختلف.
- آسفة سأجلس أنا فقط كنت أفكر . قلتها بصوت منخفض .
فأجابني بصوته الواثق :
- في ماذا تفكرين ؟ هل أنا ضمن هذه الأفكار ؟.
حينها خفق قلبي بقوة لدرجة أنني لم أكن قادرة على التنفس لأنني رأيت في عينيه شيء مختلف.. تلك الثقة التي لا حدود لها و التأكد الذي لا شك فيه, مما جعلت هالته فيها شيء من الغرور و الثقة المطلقة .. لا أعلم مصدرها .
 لكن الشيء الذي جعل قلبي ينتفض أنه عرف أفكاري كمعرفة الضال للطريق الصحيح , لقد قرأني ككتاب مفتوح لا يحتاج الشرح و التفسير , حينها أدركت أنه أخطر مما توقعت فهو لم يكن ينظر لي بل ينظر لروحي.
لكن الذي لا يعلمه هو أنني قادرة على التحكم في ردود افعالي و التظاهر بأن كل ما يفكر فيه هو وهم من أوهام عقله , فمظهري الذي يوحي بالهشاشة و الضعف ما هو الا قناع خلفه قوة قادرة على التغلب على اي حاجز أو عائق .. حتى لو كان قلبي , فكبريائي أعظم من مشاعر مكشوفة لا تعني شيئا. فرفعت رأسي و أجبته بابتسامة واثقة :
-لماذا سيكون طبيبي ضمن أفكاري ؟
فإبتسم بدوره ابتسامة ذات مغزى كأنه علم ما يدور داخلي , و حمدت الله كثيرا حين غير دفة الحديث و وضع قناع الطبيب اخيرا و قال :
- هل نمتي جيدا ؟
- نعم نمت جيدا.
- هل مازلتي ترين الكوابيس ؟
- نعم لكنها قلت في الآونة الأخيرة . فإبتسمت وقلت بهمس لا يسمع بسببك .
فغمغم بكلمات غير مفهومة ثم كتب شيئا في اوراقه و أخذ يفكر ثم رفع رأسه و قال:
- حسنا ! كيف تشعرين مؤخرا , هل تعانين من توتر مفرط.
- أحيانا أتوتر لكن طبعا في الأمور التي تستدعي ذلك .
اطرق برأسه و بقي يفكر بصمت ثم رفع عينيه و هو ينظر لي نظرة غريبة لم افهما ثم قال بهدوء :
- توليب سأسألك شيئا و اريدك أن تجيبي بصراحة.
فأجبت بحيرة :
- نعم سأجيب بصراحة ماذا تريد أن تسأل .
- هل راودتك يوما رغبة في عدم التبرير حين تتعرضين لموقف يستدعي ذلك ؟
فابتسمت و أجبت ببساطة :
- لا أنا لا ابرر .
- لماذا؟
- لأنني لا أشعر بحاجة للتبرير لذا أتركهم لظنونهم عني و لا أبالي.
- هل حاولتِ مرة ان تبرري لأحد أو لشخص ؟
فإبتسمت و قلت بشرود :
- حاولت أن ابرر لبعض الاشخاص و اصحح أفكارهم عني لاسيما في فترات دراستي الا أنني تغاضيت على الموضوع فهم لن يصدقوني على اي حال.
نظر لي نظرة اختلج لها قلبي و قال بصوته الواثق :
- أحيانا يكون الامتناع عن التبرير في مواقف معينة هو نداء خفي للأشخاص بأن تُفهمي بدون كلام و هذا ما تشعرين به أليس كذلك؟
لقد عرف لكن كيف ؟ كيف له القدرة على معرفة داخلي بدون أن أتكلم؟ كبف لي أن أكون ككتاب مفتوح بالنسبة له في حين انني لاطالما كنت ذلك الكتاب ذو الشيفرة المعقدة , فلم اجبه و بقيت أنظر له نظرة طويلة ممتنة و كأنه فهمِ ما قلته بعيني, فتابع و هو يغير السؤال:
- اخبريني عن الكوابيس قليلا ماذا ترين؟
حينها شعرت بارتجاف لا إرادي في جسدي، فتذكرت مجددا مشهد والديَّ فأغمضت عيني لا اراديا لكي لا يري ضعفي و ألمي لأنني تعودت أن أخفي حزني و لا أظهره، ثم فتحتهما و نظرت اليه و ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت :
 -الكوابيس ماهي الا مرآة تعكس حياتنا جميعا ، و ليس بالضرورة ان تكون معاناتنا فقط هي من تتجسد على شكل كوابيس كئيبة ، في بعض الاحيان تكون روتينية الحياة هي الكابوس و المعاناة التي نراها في الحقيقة ملونة و عادية لدرجة أننا لا نشعر بسوداويتها الا حين يسدل الليل ستائره ، فتتجلى لنا الحقيقة المطلقة لحياتنا على شكل احلام وهمية باللونين الابيض و الاسود.. ليست الكوابيس و الحوادث من تجعلنا عالقين في دوامة لا نور و لا نهاية لها في الحقيقة الامر كله يبدأ بتدابير الحياة و القدر،و بينهما خيط رفيع يتحكم في سير الأحداث و الأيام,.. فتغيُرنا ناتج عن البقاء في مكان نخاله من فرط ألمنا آمن و هو في الحقيقة وحش يلتهم لهفتنا نحو حياة جديدة.
ثم تابعث ممازحة :
- يجدر بك تغيير سؤالك ايها الطبيب أم أن أساليبك في معرفة الاجابة قد أصبحت قديمة الطراز.
فأطرق برأسه للأسفل و ابتسم ابتسامة ساحرة خطفت قلبي لثواني قليلة ثم قال:
- اذا هل تقولين بأن أساليبي قديمة يا توليب؟
- قل لي اذا أساليبك الجديدة ؟
- ستتعرفين عليها مع الوقت لكن قبل هذا هل تجيدين الكتابة؟
- الكتابة ؟!
- التعبير عن ما في داخلكِ بالكتابة.
-فأجبت ممازحة :
- لماذا أذهب ليدي و أنا لدي فم أعبر عنه، لكن لأصدقك القول لم أجرب ابدا .
فنظر لي نظرة عميقة غامضة لم استطع ان أفك شيفرة معانيها، ثم فتح درج المكتب و أخرج منها مفكرة بنفسجية اللون و عليها زهور التوليب بتدرج لون البنفسج و الاسود الانيق , ثم ناولني اياها ثم قال:
- لم لا تعطين الأمر محاولة ؟.
لم أستطع اخفاء ذهولي و ارتجاف قلبي الذي جعلني غير قادرة على التنفس كيف سأتنفس مجددا و هذه أول هدية أتلقاها و مِن من ؟.. حسنا هي ليست هدية بمعنى الكلمة فهذه احدى الطرق لعلاجي أعلم .
 لكن قلبي لم يفهم انها وسيلة بسيطة لا تُسمن و لا تغني الا أنها في الاخير اغنت قلبي و جعلته خائر القوى ،فقام بتفسيرها على أنها الهدية الأولى مما جعل انفاسي عالقة داخلي , فنظرت اليه و لأول مرة بقلبي لا بعيني هاتين و كل تلك الثقة و اللامبالاة التي ارتديتها سقطت بنظرة واحدة من عينيه.
 فقلت بكلمات مشتتة أضاعت طريقها:
- لكنني.. لم أجرب من قبل.. أعني.. أن أعبر عن .. نفسي بالكتابة .
حينها كانت القشة التي قسمت قلبي الى نصفين حين وقف و تقدم نحوي و عينيه المركزتين على عيني جعلتا من قلبي لا يطيق صبرا للخروج حيث هو.
 فإبتسم ثم وضع المفكرة في يدي و قال :
- نحن لا ننجح من المحاولة الأولى كما أن سر النجاح لا يكمن في سهولته بل بصعوبة محاولاته و لأصدقكِ القول اشعر أن لديك الموهبة، فإغتنميها و حاولي.
بالكاد استطعت النظر الى وجهه و اخراج الكلمات, فأخذتها بأيدي مرتعشة و بقلب مرتجف من قربه قلت :
- ش..شكرا لك سأحاول .
- حسنا اذا.
 قالها باقتضاب و هو يعود الى مكتبه و على وجهه امارات الارتياح، و قد ذهبت برودة ملامحه ليحل محلها ابتسامة دافئة سعيدة و كأن الكائن البارد و الغامض الذي لمحته اول مرة حين دخلت قد تبخر ، و هذا التحول الرهيب و التناقض قد جعلاني اقع فيه اكثر فأكثر .
فقلت له بصوت منخفض بالكاد سمعه :
- ما سر هذه السعادة ؟
-لأنني أدركت أن كل ما تحتاجينه في الوقت الراهن مكان خاص بك وحدك لتفرغي فيه ما بداخلك .. فتخيليها فقط دلو فارغ و أنت بصدد ملءه بكلماتك فالمفكرة بدون أفكارك لا أهمية لها، و هي أيضا الوسيلة الفعالة لحالتكِ للتخلص من شحنة الأفكار السلبية التي تؤرق لياليك, فحاولي على الأقل أن تكتبي خمس أو سبع جمل في اليوم و مع الوقت سوف تشعرين بأنك فارغة و مرتبة داخليا .
- هل سأشفى؟
فإبتسم بتلقائية و قال بثقة طبيب :
- لا وجود لأمراض غير قابلة للشفاء نحن من نقرر اذا كانت قابلة للشفاء ام لا , لست أتحدث عن الأمراض الجسدية بل النفسية , فالنفس تكون حبيسة مواقف مؤلمة و كلمات جارحة و نحن نجعل تلك المواقف و الكلمات شيئا عكسيا قابل للإلتئام.. مثل الصبار, فاذا ما اهتممنا به و رعيناه سيتمرد و يخرج في الاخير زهرة تريد المحاربة رغم الأشواك المحيطة بها.
- هل تخبرني بأنك الماء الذي ينبت الورود ؟
- بل الذي يسقيها و يهتم بها حتى تقاوم الحياة و تكون قادرة على التأقلم.
ثم تابع بهدوء :
- حسنا لقد انتهينا لليوم .
فنظر الى التقويم اليومي و قال:
-سأراك يوم الثلاثاء على الساعة الرابعة مساءا هل يناسبك ؟.
فنهضت و حملت حقيبتي و قلت بخجل :
-نعم يناسبني سأراك يوم الثلاثاء.
ثم وقف و نظر لي نظرة غامضة و مد يده نحوي فمددت يدي بدوري و امسكت بيده فسرت رعشة كهربائية في جسدي مجددا ثم ضغط على يدي برفق و قال:
-اهتمي بنفسك و لا تنسي أن تكتبي في المفكرة.
خرجت فلفحني الهواء البارد ، فسارعت بإحكام أزرار معطفي العلوية و مضيت و أنا خارج وعيي تماما.. فكيف سأعود لوعيي و هو أصبح واقعي البحت و العالم بفصوله الثلاث و رابعه شتاء لقاءنا؟ كيف سأعود و أنا أصبحت أعيش في زمن الخرافات و الخيال و الأحلام الوردية.
 فالواقعية لم تعاد تلائمني حتى و إن كانت ضئيلة .
و هذا كله بسببه.
كيف استوطنني واحتل كياني بهذه الطريقة؟ كيف سرقت قلبي سريعا يا قيصر؟ فأنا لم أشعر بهذه المشاعر من قبل .. لا اشعر بها الا حين اكون في سطوة حضوره.
 كيف سأخفي ما بداخلي و أنا كل يوم أفقد السيطرة على نفسي و بنظرة واحدة من عينيه ؟ كيف سأخفي نفسي منه و هو يقرأ نفسي أكثر مني؟.. ستكون مسألة وقت فقط ليعرف ما بداخلي فنظرته اليوم أكدت لي و كانت خير دليل على ذكائه بمعرفة ما يجول داخل كل شخص.
 لماذا أشعر أن له ماضي كئيب و معاناة بقيت أثرها لليوم؟ .. فعيناه اليوم كانت باردة و لامبالية لدرجة أن قلبي شعر بها.. فلماذا كل هذا التغيير في شخصيته؟ لماذا أشعر تارة بأنه قريب و تارة اخرى بعيد جدا لتطاله يداي.
فنفضت عني هذه الأفكار التي غيرت مزاجي السعيد ثم ذهبت الى كرسي فارغ أمام البحر وجلست عليه و أنا أراقب السماء الرمادية و الأشجار العارية و الأمواج المتمردة كتمرد مشاعري أمامه ،و أنا أراقبها بهدوء تذكرت المفكرة فأخرجتها من حقيبتي و رحت أتأملها و شبح ابتسامة متمردة ارتسمت على شفتي فتذكرت نظرته و لمسته الدافئة الرقيقة على يدي و همسه المحبب لقلبي .
 فإنتبهت و لأول مرة لزهرة التوليب في المفكرة بدقة تفاصيلها و بتدرج لوني المفضل.. و هذا يعني انها كانت مقصودة و ليست عابرة مثل ما كنت افكر ، لقد كنت غبية جدا! نعم غبية لإنتباهي المتأخر و لإدراكي البطيء.
حينها أدركت بأنني بدأت احب زهرة التوليب البنفسجية و المفكرة و صاحبها.
عند اعترافي الأخير شعرت بقطرات مطر خفيفة تنزل .. فأرجعت المفكرة للمحفظة لكي لا تبتل، و وقفت و أنا أنظر للسماء و هي ترسل خيوطها الرقيقة فإبتسمت بملء فمي و رفعت يدي اتحسس قطراتها و لم أعلم بـأنني أصبحت أحب المطر إلا الآن لأنني أراه فيه ، فكيف لا و لقائنا كان مليئ به.
لم أكن أعلم أن الله يحبني لدرجة أن يرسله لي ليهطل في روحي.
فالفرق الوحيد بينهما أن المطر حياة لقسوة الارض و قيصر هو حياة لقلبي القاحل.
حينها تحولت القطرات الى سيول قوية و أنا ما زلت تحت تأثيرها تجذبني اليها كمغناطيس لا قدرة لي على مجابهته .. مثله تماما .
فوجدت نفسي متوجهة للبحر الثائرة أمواجه, فقمت بوضع حقيبتي تحت الكرسي لتقلل من تساقط الأمطار عليها , ثم ذهبت ووقفت امام البحر الكئيب وحدي و لا وجود لكائن غيري .
 ينفرون من أول قطرة مطر و هم لا يعلمون بأنها الحياة لكل شيئ ، فنسيت أنني كنت مثلهم أنا ايضا بتقليديتي و وواقعيتي حتى قابلته و تجردت منهم .. فنظرت الى ملابسي المبتلة من رأسي لأخمص قدمي و لأول مرة في حياتي لم أهتم .
 لم أهتم لملابسي المبتلة و لا للمرض .
 لم أهتم لواقعيتي و منطقيتي و لا للرياح الباردة و الجو الغائم .
 لم أهتم بنصائح خالتي و لا العالم .
 لم أهتم بتوليب التقليدية و رزانتها .
 ضربت كل شيئ عرض الحائط ثم رفعت يدي و رقصت.. نعم رقصت على ألحان الحب و الإنتظار و البحر و المطر كانا شاهدين على جنوني.. و الرياح و الامواج بدورهما تصفقان لي .. و لو كان عمالقة الفن و الموسيقى على قيد الحياة لجعلوني أنموذجا حيا للجنون و الحياة و الحب.
فتوليب التي كانت وحيدة و خاوية و كئيبة امتلئت به .. توليب التي كسرتها الحياة مرة أعاد ترميمها قدر غامض غير متوقع .. فالفتاة ذات الأسوار التقليدية المملة تحررت.
توليب العاقلة و الرزينة ترقص .
توليب ذات التفكير الجنوني المليء بالتفاصيل ترقص .
توليب ذات التفكير المنطقي البعيد عن الجنون ترقص و تتمايل على موسيقى المطر و قلبها هو القائد الذي يقود التوليفة و يرتب خطواتها .
فأنا أعلن إيماني بالحب أمامك أيها بالبحر فاشهد على هذه اللحظة.
فاشهد على امراة اتسمت بالالحاد و الأن اعلنت قوة ايمانها .
ثم تغيبت توليب عن الواقع لتعيش في عالمها الخاص .. المليء بالحب و بالمطر و به .

                            ***
فتحت الباب ثم دلفت للداخل فوجدت خالتي تنتظرني و ملامحها تكسوها الدهشة و المفاجئة من مظهري الغير متوقع فقالت بصوت مبحوح كمن لا يصدق ما يراه:
- ما..مالذي حدث لماذا انتِ مبللة هكذا ؟
فأخفضت رأسي و لاحت على شفتاي ابتسامة حالمة حين تذكرته، فتداركت نفسي سريعا و قلت كاذبة :
- لم أحمل المظلة نسيتها لذلك تبللت لا تقلقي كل شيئ على ما يرام .
فحمدت الله في سري لأن عدم حملي للمظلة كان السبب الوحيد المبرر لجنوني، فنظرت لي مشككة ثم الى ملابسي المبللة وصاحت فجأة :
- يااا الهي تووليب !!! هيا اسرعي و غيري ثيابك لكي لا تمرضي لابد أنكِ تشعرين بالبرد هيا أسرعي و سأعد لك شرابا ساخنا لتدفئي به نفسك .
فقلت بهمس منخفض حالم :
- أنا لا أشعر بالبرد ، فتذكره فقط يجعلني أشعر بالدفئ.
- هااه ماذا قلتي ؟
- قلت سأذهب لأغير ملابسي .
ثم ذهبت لغرفتي سريعا و نزعت معطفي و ملابسي المبللة ، و قبل أن أذهب لأخذ حمام لمحت نفسي في المرآة، لم تكن أنا!.. قطعا لم تكن أنا!! .. بل كانت شخصا اخر.. شخص متورد الخدين و الابتسامة لا تفارقه , شخص كان في متاهة الأحلام
و لا يريد أن يُعثر عليه ، فإبتسمت خجلا لإنعاكسي ودخلت للحمام.
- شكرا على العشاء وعلى المشروب خالتي. قلتها بإمتنان و أنا أبتشم لها.
 فبادلتني الابتسامة و قالت:
 - هيا كفاكِ شكر و أشربيه كله أنت تجعلينني أشعر أنني غريبة. ثم تابعت بقلق:
- هل انتِ متأكدة أنك تشعرين بخير أقصد أعراض الحمى.
- نعم يا خالتي أنا بخير لا أعاني من أية أعراض .ثم تابعتُ ممازحة :
- ثم انني في الخامسة و العشرين لم أعد صغيرة سأهتم بنفسي لا داعي لكل هذا القلق.
حينها اخفضت بصرها و قالت بصوت عذب و بإبتسامة رقيقة:
-لكن بالنسبة لي ستبقين توليب الصغيرة التي تحتاج دائما للرعاية و الاهتمام فأنا احمد الله انكِ عدتِ لما كنتِ عليه .
حينها لاحظت التأثر في صوتها و تذكرت كيف انها اهتمت بي و لم تتركني ، و برغم كافة الآلام و المشاكل الا أنها دائما ما كانت تبتسم لي و لم تُشعرني يوما بأنني عبئ عليها أو أفتقر لأي شيئ ،فإقتربت منها و عانقتها و قلت بصوت منخفض:
-شكرا لكِ يا خالتي على كل شيئ لولاك لما عادت لي الحياة مرة اخرى .
فبادلتني العناق و قالت بصوتها الرقيق :
- انتِ كل شيئ بالنسبة لي فكيف لا افعل هذا القدر لك .
فإبتعدت عنها و قلت لها بتردد :
- خالتي هل خالي اتصل بكِ ؟
فلاحظت التغير الذي طرأ على ملامحها الفاتنة فبرغم من أنها قد تجاوزت الأربعين الا أنها مازلت تحمل خطوط الجمال على وجهها,فأدارت وجهها للناحية الأخرى لتخفي عيونها المتألمة ثم ادارتها ناحيتي و قالت بابتسامة باهتة :
- نعم يتصل بي لا تقلقي يا زهرتي .
فأمسكت يدها و نظرت لعينيها و قلت :
- خالتي أريد على الأقل أن أهتم بك قليلا مثلما تهتمين بي , أنا أعرف أنه حدث شيئ بينكما كما انني أعلم أيضا أن هذا لا يقارن بما فعلتيه معي لكنني على الأقل سأستمع لك و أتفهمك .. هيا أخبريني ما الذي حدث؟
حينها اختفى القناع الذي كانت دائما تضعه و ظهرت نظرة الالم و الخيبة في عينيها و قالت بصوت حزين :
- لا اعلم ما الذي جعله هكذا , لقد تغير يا توليب .. تغير كثيرا .
- كيف تغير أخبريني ؟
فقالت بنبرة مليئة بالألم :
- قبل أن تموت أختي بيومين تشاجرت معه لأنني كلما اتصلت به لا يجيب و حين أسأله يضيق ذرعا .ثم ابتسمت بمرارة و تابعت :
- لأنه كما يقول أنني مزعجة و شكاكة ناحيته , و كل هذا لأنني أسأله أسئلة عادية تسألها الزوجة لزوجها و كانت حياتنا مستمرة على هذا الشكل و أنا كنت أتحمل لأنني..
- لأنكِ ماذا ؟
- لأنني أحبه .
ثم ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهها و تابعت :
- لكن القطرة التي أفاضت الكأس كانت .. ثم سكتت .
- ماذا كانت ؟
فلاحظت تمرد دمعة مؤلمة و ساخنة سقطت من عينيها فمسحتها سريعا و قالت :
- في يوم جنازة أختي تشاجرنا حين قال إنهم اتصلوا به و يجب أن يعود فقد طرأ شيئ مهم في العمل فأخبرته بأنني لا اريده ان يذهب فأنا لا أعرف ما الذي سأفعله وحدي هنا و بأنني في حاجة اليه فقال بأنه ضاق ذرعا بي ، ثم رن هاتفه و حين أجاب سمعت صوت امرأة تحدثه و هو كان يتحدث معها و يبتسم و لا أدري عن ماذا يتحدثان ، فغضبت غضبا شديدا لدرجة أنني لم أشعر حتى كيف كسرت له هاتفه و هو مازال يتحدث معها .
ثم ترددت فحثثتها بعيني كي تقول المزيد فقالت بصوت منخفض متألم :
- فدفعني و صرخ في وجهي و قال لي انه لا يريد أن يراني ثم ذهب و تركني وحدي.
حينها صحت غاضبة :
- كيف يمكنه قول هذا لك ؟ كيف يترككِ هكذا بلا مبالاة و يذهب بدون اتصال واحد منه؟؟
فإبتسمت لي ابتسامة حزينة و قالت :
- طبعا لقد اعتذر و طلب الغفران لكنني للآن لم اسامحه و اعتقد أنني لن اسامحه ابدا فصراخه في وجهي لم انسه لليوم لقد توقعتها من الجميع يا توليب الا هو . ثم تابعت و عينيها مليئة بالخذلان :
- غادر و كان يتصل بي لكنني لم اجبه ،و آخر مكالمة كانت اليوم حين كنت استحم فلم اسمعه و لم اعاود الاتصال به .
فنظرت اليها بحزن و الذنب ينهش قلبي، كيف كانت تخفي كل هذا و تهتم بي؟.كيف تحملت و هي كانت دائمة الابتسام معي؟ . فأمسكت يدها و قلت لها بألم :
- لماذا أخفيت كل هذا داخلك ؟ لماذا لم تصارحيني ؟ .
فإبتسمت لي تلك الابتسامة التي تليق بوجهها هي فقط و قالت :
- أنتِ تعلمين ما مر بكِ و هذا يكفيك يا زهرتي ، لم أكن أريد أن أزيد همك همين. ثم تابعت بصوت رقيق مبتهج :
- لا تقلقي أنا أشعر بهدوء وبراحة كبيرة لأنني بحت بما كان يؤرقني ،ثم انظري أنها العاشرة مساءا لم أشعر بمرور الوقت هيا اذهبي لترتاحي يا زهرتي .
فإقتربت منها و عانقتها و قلت لها بهمس :
- اذا كان هناك شيئ يؤلمك أو يزعجك أخبريني به لا تكتميه داخلك اتفقنا!
-حسنا اتفقنا هيا اذهبي الان تصبحين على خير.
فوقفت و مددت اصبعي الصغير و قلت لها بنبرة طفولية :
- وعد؟
-وعد .
               

يوما ما .. الفصل السابع

جاري التحميل...

الفصل السابع

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

استيقظت كعادتي فأعددت فطوري ثم ساعدت خالتي قليلا في أشغال البيت ثم تناولت الغداء، و الآن أنا جالسة أمام النافذة أراقب المطر و أرسم أشكالا عبثية على الزجاج .. فالمطر ذكرني بلقائي الأول به، لهذا صرت من محبي الأجواء الماطرة و الباردة لأنها تذكرني به .
- هل سمعتِ ما قلت ؟
قطع شرودي صوت خالتي و هي تكلمني :
- آسفة خالتي ماذا قلتي ؟
- اِذهبي إلى المحل و أحضري لي هذه المشتريات بسرعة.
-خالتي انتِ تعلمين أنني لا أحب الخروج لا أشعر بالراحة .
-لماذا لا تشعرين بالراحة فأنا لاحظتِ انكِ تغيرتِ و هذا التغير اسعدني لذا أريد العودة للأيام القديمة حين كنتِ تحضرين لي المشتريات و انتِ صغيرة .
فنظرت للورقة التي بيدها و قلت بإحتجاج :
- لكن خالتي المطر غزير !
- سأذهب أنا إذا و إبقي أنتِ هنا و أعدي العشاء .
كنت أعلم و هي أيضا تعلم بأنني سأقبل لذا قلت و أنا أصّر على أسناني :
- حسنا سأذهب أنا أعلم أنكِ ماكرة كبيرة.
فضحكت و قالت :
- أعلم و أنا فخورة بنفسي كثيرا ، هيا أسرعي و لا تتأخري لأنني أحتاجهم .
خرجت و أحكمت أزرار معطفي البني و حملت المظلة و ذهبت أجوب الطرقات و أبحث بنظري عن محل مفتوح فبرودة الطقس مع هطول الأمطار و الرياح القوية جعلتا من الشارع كئيب و وحيد و أنا هنا أمشي وحدي لقرابة النصف ساعة و أنا أدقق في المحلات المغلقة علي أجد واحد منهم مفتوح ، و بينما أنظر إليهم فإذا برياح قوية جعلتني اتراجع و أُسقِط مظلتي التي اختفت في لحظات, فرُحت أركض بين البرك الموحلة و ألعن في سري خالتي و هذا الحظ السيئ الذي جعلني ابتل في دقائق معدودة من رأسي حتى أخمص قدمي.
 و في خضم لعني وجدت محل صغير مفتوح في ركن مقصي لكنه يفي بالغرض، فذهبت إليه مسرعة و أنا اتمنى ان أجد فيه ما احتاج.
- السلام عليكم
قلتها و انا مرتبكة و خجولة و لم انتبه للرجل الذي كان ينظر لي نظرة شفقة و ملامحه تشع طيبة و قال :
- و عليكم السلام يا ابنتي ، أرى أنكِ رحت ضحية هذه الأمطار .
فقلت له بصوت منخفض و انا اكاد اتجمد إثر برودة جسدي :
- نعم فكما ترى المطر قد نال مني تماماً .
- إذهبي للحمام و جففي نفسك و ستجدين هناك مناشف نظيفة .
فنظرت له نظرة امتنان و شكر و ابتسمت له و قلت :
- شكرًا لك يا جدي على لطفك الكبير .
- لا شكر على واجب هذا أقل شيء أفعله .
فذهبت للحمام و نزعت عني معطفي المبلل و حقيبتي و انا اتمنى ان لا يصيب هاتفي نفس ما أصابني ، فحملت المنشفة و رحت أجفف بها شعري ثم انتقلت إلى حذائي المبلل ، فنظرت إلى ساعتي ووجدتها الخامسة و نصف ، يا إلهي لقد تأخرت ! .. فتذكرت خالتي لا بد أنها قلقة علي ! ..
حملت الهاتف لأتصل بها فوجدت ما خشيت مواجهته و أنه مبلل بالكامل ، فجففته سريعا و هممت بتشغيله فإذا به منطفئ بالكامل ، شغلته لكنه لم يشتغل ، لا بد أن الماء تسرب للداخل ما العمل ؟!.. ماذا أفعل ؟ كيف أخبر خالتي؟ فتذكرت هذا الجد الطيب سأطلب منه أن يعطيني هاتفه لأتصل بها ، فوضعت المنشفة على رأسي و خرجت أقول :
- أيها الجد هل لديك ها..
بترت جملتي لأنني رأيت ما جعل نبضات قلبي تتسارع ليسقط ارضا، فعيناي لم تستوعبا ذلك ، كيف حدث هذا ؟ لماذا هو هنا ؟ هل يسكن بالقرب ؟ و هل يعرف هذا الجد ؟.
 العديد من التساؤلات طرأت في بالي لحظتها لكن الجواب واحد .. هو أن القدر قد عبث بي مرة اخرى ، فنظر لي نظرة عميقة أذابت قلبي و روحي و أنا تهت فيه بسبب مظهره الذي لم أعهده من قبل فهذه أول مرة أراه بمظهر عادي رياضي غير الملابس الكلاسيكية التي يرتديها
في الاخير لقد وجدت ما كنت احتاجه.
- ما الذي قلتِه يا ابنتي ؟
قطع شرودي صوت ذلك العم فأجبته بصوت مرتبك و مرتجف:
- هل لد ..لديك هاتف لأنني أريد الإتصال بخالتي و هاتفي تعطل بسبب المطر .
- نعم لديّ تفضلي .
كل هذا و ذلك القيصر واقف بثقة يتأملني بهدوء و أنا أحمل الهاتف ، فكتبت الرقم بأنامل مرتعشة و ضغطت زر الإتصال و نظرته الهادئة لا تفارقني .
- ألووو !
فقلت بصوت منخفض متوتر :
- خالتي إنها أنا توليب .
- توووليييب أين أنتِ لماذا تأخرتي و لماذا هاتفك مغلق؟؟!
- أنا الآن أكلمك من هاتف صاحب المحل آسفة لقد تأخرت لأنني لم أجد محل مفتوح و لأنني ايضا تبللت بالكامل و مظلتي حملتها الرياح و هاتفي مغلق لأنه راح ضحية المطر الغزير، أتمنى أنني قد أجبتك على كل الأسئلة.
فتنهدت و قالت بصوت مليئ بالراحة :
- الحمد لله اعتقدت انه حدث لكِ مكروه .
- لا لم يحدث شيء لقد تبللت فقط هذا كل ما في الأمر .
ثم تابعت بصوت متوتر :
- اسمعي خالتي المطر مازال يهطل و أنا قد أتأخر و تلك الحاجيات غدا سأحضرها لكِ اما الآن سأنتظر المطر حتى يتوقف ثم أعود فلا تقلقي.
- حسنا لابأس خذي حذرك يا عزيزتي و أنا سأنتظركِ .
فأقفلت و بينما أعطي الهاتف للجد، ألقيت نظرة خاطفة لذلك الواقف بثقة و الذي بقي ينظر لي نظرة غامضة خالية من أي تعبير .
- شكرا جزيلا لك أيها الجد لولاك لم أكن أعلم ماذا أفعل .
قلتها بصوت متوتر مهتز غير واثق ، فوجوده في نفس المكان الذي أنا فيه يفقدني الثقة في نفسي و يجعلني من الصعب أن أتنفس..و تلك الدقات المتمردة أشعرتني بعدم الراحة و خصوصا حين استمر تحديقه بي بتلك النظرة .. لماذا هو ينظر لي هكذا؟ نظرة كشخص يريد الغوص فيك و معرفتك.
- أيها الجد جمال هل لديك مظلة ؟
مهلا ! هل يعرف هذا الجد؟، هل هو قريبه.. صديقه او جده ؟. فبسبب حضوره الغير متوقع و نظرته لم انتبه الا الان انه أتى أيضا ليحتمي من المطر فقميصه الأبيض مبلل و حذائه البالي خير دليل ، فأجابه الجد الجمال بعتاب ممازح :
- أيها المشاكس أنت لم تأتي الى هنا منذ ذهابك لإنجلترا ألم تشتق لهذا المسن ؟
فإبتسم إبتسامة جعلت قلبي يذوب فتلك الإبتسامة كانت لهذا الجد فما بال قلبي ارتجف و كأنها موجهة إليه ؟
- أنت تعلم أنني مشغول في العمل فأنا بالكاد أرتاح .
فأجابه الجد جمال بنبرة لطيفة :
- أعلم يا ولدي أعلم أعانك الله في ما تفعل و يسر لك طريقك .
ثم تابع بنبرة ممازحة :
- لكنني لن أسامحك لأنك قد قطعت صلتك بكل ما يوجد هنا.
كل هذا و أنا كالبهاء أستمع لهم دون أن اتفوه بكلمة واحدة و ألاف من الأسئلة تخطر على بالي ، كيف يعرف هذا الجد ؟ و لماذا ذهب لإنجلترا و ماذا يقصد بقطع علاقته بمن حوله ؟
لماذا أشعر بشيئ غامض و مريب ناحيته.
حبنها قال بشرود و بصوت غامض :
- قطعت صلتي بالواقع لأن في داخلي حياة أخرى أريد أن أعيشها .
ثم تابع بنبرة ممازحة :
- لقد إشتقت لك أيضا يا جدي سآتي المرة المقبلة لأزورك بما أنني استقريت هنا ، فأنا لم أكن أعلم أن المحل سيبقى هو نفسه بعد كل هذه السنوات .
ثم فجأة التفت لي و وضع عينيه في عينيّ ولم يبعدهما و أكمل بنبرة غامضة عميقة :
- هل هي صدفة؟
فأحسست بأن قلبي على وشك القفز من مكانه ، هل كان يقصدني حين قال ذلك؟ لماذا شعرت أنه قصدني فعينيه حين نظرتا لي كانت تقول الكثير من الذي لم أفهمه ،لكن الذي فهمته أنني شعرت لحظتها أنه معجزة جاء لإنقاذ ما تبقى مني .
انا أشعر أنني على قيد الحياة مرة اخرى.
ثم التفت لي الجد الجمال و نظر لي و قال بصوت هادئ :
- لا وجود للصدف يا بني.. الصدف يمكن صنعها بالمحاولة و التكرارات ، أما القدر فهو يأتي دون جهود و محاولات و تحكمه يد عليا لا قدرة لنا على مجابهتها فلتسمه قدر و ليس صدفة.
- لقد حولتك السنين إلى رجل حكيم أيها العم جمال ، قالها بنبرة ممازحة ثم تابع :
- و الآن أكرر سؤالي الذي طرحته في بادئ الأمر، هل لديك مظلة ؟
فقال العم جمال و الإبتسامة مرسومة على فمه المسن :
- حسنا حسنا لدي انتظر هنا دقيقة .
- توليب هل منزلكِ بعيد ؟
لم أكن أعلم أنه يخاطبني إلا حين نادى إسمي فنظرت له كالمشدوهة و على وجهي امارات الدهشة ، من قوله لإسمي بتلقائية بعثرت روحي و ليس قلبي فقط، فأجبته بصوت مضطرب منخفض :
- لا ليس بعيدا جدا على بعد شارعين فقط .
فهمهم بكلمات غير مفهومة ثم قال بإقتضاب :
- حسنا إذن .
ماذا يقصد بهذه ال حسنا ! و لماذا يسأل؟ ! .. فبدأت أستوعب حين فتحت عيناي بدهشة .. هل يعقل أنه سيرا..
- هاهي المظلة .
فأتى الجد و هو يعطيه المظلة فنظرت له و هو يحمل محفظته ليعطيه النقود ، ثم التفت ليغادر فتنهدت و ارتحت داخليا لأنه لم يفعل الذي فكرت فيه ، لكنه التفت فجأة و قال بصوته العميق و بنبرة بعثت القشعريرة لروحي :
- هيا سأوصلك لمنزلك .
هنا لم أستطع تحريك لساني لقول كلمات بسيطة فما بالك بقدمي ، كيف سأستطيع المشي معه و تحت مظلة واحدة و نحن متقاربان ؟ هذا يفوق قدرة قلبي على التحمل ، فلملمت شتات نفسي و قلت بصوت هادئ :
- لا عليك شكرا سأنتظر المطر حتى يتوقف ثم أذهب .
حينها تدخل الجد جمال و قال :
- إذهبي معه يا ابنتي فالساعة تأخرت و الحذر في وقتنا أصبح لزامًا ، و أيضا المطر لن يتوقف فهو سيستمر الليل بطوله .
هنا قال بصوته العميق و بنفاذ صبر :
- هل مازال لديك إعتراض ؟
لكن.. أن..ا لا..
فتجاهلني و قال للعم جمال :
- سررت بلقائك يا جدي في المرة القادمة سآتي لزيارتك .
ثم أدار رأسه ناحيتي و قال بإقتضاب :
- هيا نذهب.
حينها لم أملك أي حجة للرفض فهو وضعني في الأمر الواقع زيادة عن هذا فكلام الحد منطقي و الوقت تأخر و المطر مازال يتساقط ، فأمسكت حقيبتي و ارتديت معطفي على عجل ثم ألقيت تحية الوداع على الجد و خرجت وراءه.
- كيف حالكِ؟
هل يريد معرفة حالي ؟ كيف سأجيبه و أنا أيضا لا أعرف حالي ؟ فحالي منذ دخوله حياتي مضطرب و مشتت بين السماء و الأرض .. فأنا لم أكن أتخيل حتى في أحلامي أن نمشي متجاورين و قريبين معا في يوم ممطر و بارد .
 هل أخبره أن حالي تبعثر منذ رؤيته و أنه ليس في كامل أحواله؟ أم أنه كان ها هنا لكنه حين رآك ذهب بعيدا؟.
هل أصبحت الحياة سخية عليّ أخيرا؟ هل ضحكت لي مجددا؟ هل يجب أن أشكر خالتي لأنها ارغمتني على الخروج ؟ أم أشكر القدر؟كيف سأخبره الآن أنني لست في كامل أحوالي ؟
لكن عوضا عن هذا قلت له بصوت منخفض مضطرب :
- أنا ..أنا بخير و أنت .
- بخير
قالها بإقتضاب و بصوت بارد لا مبالي ، فساد سكوت مزعج قطعه صوته العميق :
- هل تنامين جيدا ؟.
فأجبته بإبتسامة و بصوت مرح لا أدري كيف بدر مني :
- هل سؤالك هذا جزء من مهنتك كطبيب أم أنه سؤال عابر .
فأدار رأسه نحوي و نظر في عيني نظرة هادئة غامضة ، فأخفضت رأسي خجلا لأن نظرته اكدت لي فداحة ما قلت ، ثم قال بنبرة باردة :
- قد تكون مهنتي أحيانا متداخلة مع حياتي الشخصية .
فأخفضت رأسي و أنا أتساءل.. لماذا يجمع بين العديد من التناقضات؟ تارة يشعرني بدفئ يجعلني أريد التقدم ناحيته و تارة اخرى ببرود يجعلني اريد التراجع و الابتعاد ، هل حدث له شيء في الماضي جعله كثير التناقض ؟ أذهب لإنجلترا لأنه فقد والديه مثلا أم هل طلق زوجته و لم يرغب بأي شيء يربطهما مع بعض؟ ام هل تكون قد ماتت و تألم لدرجة قطع صلته بكل شيء هنا؟ ، ام هل خسر خطيبته و خانته؟.
- هل أنت كثيرة التفكير و الشرود دائما .
- عفوا !
- لا شيء يستحق أن تفكري به سوى نفسك ِ .
فقلت بصوت منخفض :
- أعلم لكن و كما قلت انت منذ قليل ، فلدي انا أيضا حياة اخرى داخلي و هي التفكير .
فرفعت رأسي و رأيته ينظر لي نظرة لم أستطع تحديدها لكنها جعلت من قلبي يريد الخروج حيث هو ، فبقيت أتأمل عينيه و كم وددت أن تبقى هذه اللحظة إلى الأبد ينظر لي فأنظر إليه و هكذا.
فأنا و هو لدينا لغتنا الخاصة و التي لن يستعملها غيرنا .. لغة حالمة و استثنائية اكتسفتها معه هو.
فلم انتبه لتلك الصخرة التي أوشكت على الاصطدام بها لأن يدا دافئا امسكت يدي فتذكرت لا اراديا أول لقاء بيننا .. نفس اليد .. نفس العينين .. نفس الشخص و نفس المطر و البرد .. لكن هناك شيء مختلف هذه المرة .. نظرته تغيرت نظرته كانت مليئة بالدفئ و لمسته فيها من الأمان ما يجعلني أريد قربه أكثر.. فتمنيت ان يتوقف الزمن في هذه اللحظة و أن يطول الحلم.
لكن فجأة تبددت أحلامي و ابتعدت حين ترك يدي، فتحولت نظرته إلى نظرة هادئة و باردة و عاد لطبيعته الغامضة و كأن الذي كنت فيه كان حلما خياليا و ليس واقع كنت أعيشه منذ ثواني قليلة . فقال بصوته العميق :
- هل انت بخير ؟
فقلت له بخجل و بصوت مرتبك :
- آ..سفة أنا بخير شكرا .
كنت أعلم أن كلامي غريب لأنني جمعت بين الأسف و الشكر ، فكنت أبدو كالبلهاء خصوصا أمام نظرته التي رمقني بها و التي كانت مبهمة لا تفسير لها .
- هل هذا هو الشارع الذي تسكنين فيه ؟
- نعم سأكمل من هنا وحدي و أيضا لقد توقف المطر .
ثم أدار رأسه نحوي و نظر لعيني و قال ببساطة :
- لا سأرافقك حتى باب منزلك لأتأكد من أنكِ وصلت .ثم تابع و هو يبتسم:
- من يدري ! فقد يحدث لكِ مثل أفلام الجريمة و الرعب بخروج قاتل مجهول يختطفك ثم يستمتع بتعذيبك .
فإبتسمت و قلت له :
- لا بل أنه حين يراني سيهرع مختبئا .
فتلاشت الإبتسامة من شفتيه ثم قال بهدوء :
- بل أنا أؤكد لك أنه حين يراكِ سيقع أسير سحر عينيكِ .
فنظرت له بدهشة و شعرت بحرارة في خديَّ ثم قلت بإرتباك:
- هل انت تقصد أنني..
- جميلة كجمال زهرة التوليب و حزينة كذبولها .
هل قال انني جميلة أم أنني اتوهم و احلم كعادتي ؟ هل تغزل بجمالي و انا التي لم أرى نفسي جميلة يوماً . فقلت و أنا اخفض رأسي:
- فالزهور في النهاية مصيرها الذبول و الموت وحيدة و منبوذة من جميع من يراها.
- لكن الزهرة التي أعرفها لن تذبل و لن تموت وحيدة و منبوذة.
لم اجد ماذا اقول له لكن لحسن الحظ وجدت اننا قد وصلنا .
- هذا هو البيت شكرا لك لأنك رافقتني .
- لا داعي للشكر فأي شخص في مكاني كان سيفعل مثلما فعلت .
إبتسمت له بإرتباك فنظر لي نظرة أذابت قلبي و قال بهدوء :
- إذا ليلة سعيدة و تصبحين على خير يا توليب، نلتقي يوم السبت .
- و ليلتكَ أسعد و شكرا لك مجددا .
ثم التفتت و دخلت و قلبي ما زال ينبض كأنه هنا معي.. لا ادري لماذا أشعر بهذا معه فقط؟ شعور كأنني أحلق خارج أسوار الواقع و الحقيقة ، شعور يقارب الحلم و الخيال .. ما الذي يجعله يسيطر على افكاري بهذه الطريقة و يتغلغل في روحي حتى أصبحت أراه و أشعر به هو فقط.
 فأنا مازلت واقفة في مكاني تحت تأثير نشوة كلماته و صوته و لمسته ، و كأن لمسته طُبعت في روحي قبل قلبي ، و ما زال دفئ يديه و رائحة عطره تسكرني و تفقدني صوابي و تجعلني مغيبة عن من حولي .
كيف له أن يكون الأمان و الخوف في نفس الوقت ؟ كيف يمكن ان يكون باردا برودة الثلج و دافئا دفئ النهار؟ .. هل شخصيته متناقضة دائما ؟ أم المشكلة من الأساس في قلبي المرتجف؟ فأنا أول مرة أشعر بشعور كهذا و لا أعرف كيف أتصرف .
أنا خائفة من أن يكون كل هذا وهم .
خائفة من اللحظات السعيدة التي أعيشها اليوم أن تكون غدا و يوما ما ذكرى مؤلمة تقتلني و تكون راسخة لا تُنسى، فعلى الرغم من انجذابي و انجرافي مع التيار إلا أنني خائفة أن يأخذني لمكان لا يحمد عقباه .
بالرغم من حالة النشوة و الهذيان التي أعيشها إلا انني خائفة و قلقة لأنني أشعر أنني تورطت قليلا .. لا بل كثيرا.
فهل هذا هو الحب؟
               

يوما ما .. الفصل السادس

جاري التحميل...

الفصل السادس

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

هل هذا حلم؟

هل هذا وهم أم حقيقة ؟  هل هما نفس العينين اللتان قابلتهما قبل أسبوع ؟.هل هو بطلي الغريب و نفسه الذي شغل تفكيري؟ يالجمال الصدف و جمال القدر الذي حطمني ؟.  لوهلة نسيت السبب الذي قادني الى هنا , فهذه المرة لم يكن القدر هو من جاء لي ، بل أنا من ذهبت إليه بقدمي هاتين .

فأنا لطالما تعودت على البحث و التمسك بالأشياء التي أحبها ، أتمسك بها خوفا من ألم جديد و خوفٍ من فراغ ينتج وراء غياب موحش.. لطالما كنت ألهث وراء الأشياء التي أحبها ، أبحث عنها بيأس حتى يتعب قلبي و  تتهالك يداي. 

لكنني في الأخير علمت أن المحاولات ما هي إلا بحث عن فراغ مجهول يجعل من القلب اسيرا للبدايات الخادعة ، فتركت و تعلمت أن اليد التي  لطالما تمسكت بطرف القدر ما هي إلا محاولة  أخرى لصفعة جديدة و تجربة اخرى .

 لهذا تركته للقدر و لم أفكر كثيرا، و هاهو القدر نفسه يأخذني إليه .

قدر مناسب في الوقت الخطأ. 

- هل أنت توليب عوض ؟

أيقظني من أفكاري صوته العميق و الذي كان سببا في إنهيار أسوار قلبي ،فمنذ دخولي إلى مكتبه و أنا كالبلهاء أحدق إليه كالتي انبهرت بلوحة أو اغنية أو بيت شعر قديم ، فتمالكت نفسي و أجبته بصوت منخفض:

- نعم أنا هي .

هل يتذكرني ؟ .. هل تعرف علي ؟ ام أنه رآني مجرد امرأة تحتاج للثرثرة ؟, هل لاحظ انبهاري أم انه تعود على تحديق النساء به ؟ 

العديد من الأسئلة التي طرأت في قلبي والني لم أجد لها جواب مقنع ، و المحير في الأمر أنني لم اكن أستمع لأي كلمة يقولها ، فكل ما استطعت فعله هو تأمل عينيه الشبيهة بقهوة الصباحات الماطرة و افكر بكيف للخالق ان يخلق شيئا كهذا يخطف الأنفاس في لحظة.

فإنتبهت أنني و منذ دخولي اليه و أنا أنظر إليه مبهورة القلب و الملامح،و متأكدة ايضا أنه لاحظ ذلك فأي شخص كان سيلاحظ. فكيف بهذا الغريب أو طبيبي إذا صح القول الذي يقرأ لغة العيون قبل لغة الشفاه .

- إذا! أخبريني عن نفسك قليلا يا توليب فأنا ارى ان اسمك نادر ، من أعطاكِ هذا الاسم ؟ 

لقد ضرب الوتر الحساس و بقوة ، لكن الذي جعل نبضات قلبي تتسارع ليس تذكري لوالديَّ بل اسمي الذي خرج من فمه حلوًا كترنيمة السلام، فأجبته بصوت منخفض و مقتضب: 

- والديَّ .

فنظر لي نظرة طويلة و عميقة كأنه يحلل جوابي ،ثم قال بهدوء : 

- حسنا أرى أنهما اجادا اختيار اسمك فهو مميز. ثم تابع :

- هل ترين الكوابيس ليلا ؟  

فأجبته بصراحة و دون ان ارفع رأسي : 

- أن الكابوس الوحيد الذي أراه دائما هو حياتي .

رفع احد حاجبيه و كأنه فهم تلاعبي بالكلمات ، حينها قرر مجاراتي و  قال بمكر خفي: 

-إذا هل تقولين أنكِ تريدين الموت ؟ 

فأجبته بصوت منخفض : 

- لست أقول إنني أريد الموت ، بل أن حياتي في حد ذاتها كابوس ، كابوس أريد الإستيقاظ منه لا أن أموت فيه أو منه هناك فرق .

فنظر لي نظرة عميقة و غامضة كتلك حين تشابكت طرقنا لأول مرة ، نظرة كانت تحمل الكثير و الكثير فأحسست لوهلة أنه تعرف علي ، فنظرت إليه بدوري لأقرأ ما الذي يدور في رأسه و في عينيه, ثم غرقت.  فلم أستطع إبعاد عيني عنه, و كلما أردت إبعادهما أجد أنني أغرق فيهما أكثر و أكثر .

 فوجدت نفسي أقول له لا إراديا و دون أن أبعد عيني عنه :

- إذا, هل تستطيع انتشالي من هذا الكابوس ؟

فأطرق برأسه ثم أجابني بصوته العميق و الواثق : 

- إذا لم أستطع أنا من يستطيع ؟.

فأحسست بالخجل لأنني و لسبب غريب أحسست أنه قالها عن عمد ليثير ركن الفضول لدي ،كأنه عرف أن الفضول هو صفة من صفاتي. 

لا أدري ما الذي أصابني ، فهذه أول مرة أتلعثم فيها هكذا و لا أجد ما أقوله ، فأنا لا أدري و لحد الساعة  أين ذهبت صاحبة الخامسة و العشرون التي تجد الردود دائما، فالتي أراها أمامي  مجرد طفلة خجولة لا يزيد عمرها عن سن الخامسة .

ثم تابع حين لاحظ صمتي : 

-انتِ لم تخبريني بعد ما الذي تفعلينه في حياتكِ ؟ 

فشعرت بالضياع و لم أعلم ماذا اقول له فردودي كلها تبخرت و ذهبت بسبب حضوره , لذا قلت اول شيئ تبادر لذهني لكي اهرب من سطوته: 

-هل استطيع أن أخبرك المرة القادمة فهذه هي المرة الأولى لي و انا أشعر بالضياع و لا أعلم ماذا أقول .

فبقي ينظر لي نظرته الغامضة ثم اطرق برأسه  هو يحدد موعد آخر على الساعة التاسعة صباحا يوم الأربعاء ، ثم وقف فبدا أكثر طولا و كتفيه أكثر عرضا ،و قميصه الأسود الأنيق تحت مئزره الأبيض  أبرز عضلات صدره القوية ، كيف يعقل أن يكون بهذه الجاذبية ، هو ليس وسيما ابدا ، بل لديه جاذبية و سحر خفي يجعل الحواس تتبلد و القلب يخفق.

  -إذا نلتقي يوم الأربعاء.

قالها بإقتضاب ثم مد يده ليصافحني بمهنية اكتسبها  عبر السنين ، و أنا مددت يدي بخبرة قرأت عنها في آلاف الكتب فتبخرت كتبخر الهواء أمامه ، ثم نظرت إلى يده الكبيرة الممدودة و وضعت يدي داخلها بإرتباك ، و إحساس بالدفئ اخذ بالتسرب إلى روحي ،فأحسست بتيار كهربائي حلو اصاب جسدي و قلبي على حد سواء .

فقلت له بصوت مرتبك و ابتسامة خجول :

- إلى اللقاء .

ثم نظر مباشرة لعيني و ضغط عليها برفق و قال :

- إلى اللقاء .
                           ***
جلست أراقب خالتي و هي تتحرك هنا و هناك بخفة الفراشة، هنا تتحرك فتضع هذا الطبق فوق الطاولة ، و هناك تعود للمطبخ لتحرك الحساء.. و أنا هنا أفكر هل يجب أن أشكرها لأنه بفضلها استطعت مقابلة بطلي الغامض ؟ام  أشكر صديقتها لأنها قادتني اليه ؟ ام هل يجب أن أشكر القدر لأنه جمعني به ؟

- خالتي هل تريدين أن اساعدك ؟.

فإبتسمت ثم قالت بهمس سمعته: 

-اخيرا انتِ هنا . ثم تابعت بحماس :

- لا , لا داعي فأنا بالكاد انتهيت كما انكِ لست في وضع يسمح لكي أن تساعدي.

- ماذا تقصدين ؟.

- لا, لا أقصد أي شيء فأنتِ متعبة كما ان عقلك في مكان آخر .

فلم اجبها و نظرت لها و ابتسمت ابتسامة جانبية فجاءت و عانقتني بغتة و هي تصيح : 

-لقد رأيتها !!! رأيت ابتسامتك و انا سعيدة مهما كان السبب انا ممتنة أنني رأيت ابتسامتك أخيرا بعد طول انتظار .

ثم ابتعدت و قالت بحنان : 

-لا أريد رؤيتك حزينة بعد الآن و لا تقلقي انتِ لست وحيدة أنا معكِ .

فإبتسمت لها بإمتنان و أنا افكر فيه و ما الذي فعله بي ، لقاء واحد فقط و قد ابتسمت اخيرا  فمنذ أن عدت للمنزل و أنا لست في كامل قواي القلبية ، فأنا لم أكن أتصور أنني سأكون بهذا الإرتباك و التشتت ، ما الذي يحدث لي ؟  لماذا هذا التحول الكبير في قلبي و وجهي ؟ و لماذا قلبي ينبض هكذا حين أتذكره .

هل يمكن أن تكون خرافة الحب من أول نظرة صحيحة ؟

فقاطعت افكاري خالتي و هي تقول بحماس :

-انتِ لم تخبريني بعد كيف كانت جلستكِ و انني واثقة كل الثقة ان هذا التغير بسببه هل أعجبك؟ 

-نعم كثيرا .

-هاه ماذا قلتي ؟ 

-قلت لكِ نعم هو يجيد عمله و من طريقة كلامه يبدو ماهرا جدا .

فإبتسمت خالتي و هي تصيح بطفولية : 

-لقد اخبرتكِ !! إن صديقتي بقيت تثني عليه و قد قالت أيضا أنه صغير في السن و جذاب هل هذا صحيح ؟ 

فقلت لها بمكر:

-هل تفكرين في خيانة خالي؟.

فابتسمت و لم تجب و لكي اغير دفة الحديث عنه قلت لها :

-سأعد المائدة بينما يجهز الحساء .



                          ***
أخذت نفسا عميقا قبل أن أدخل ، لم أكن أتصور أن يوم الأربعاء قريب جدا لهذه الدرجة ، يوم الأربعاء كان بالنسبة لي يوم عيد لأنني سأراه مرة أخرى ،سأرى من سهرت يومين و ليلتين كاملتين بظلامها و نجومها أفكر فيه ،سأرى من نبض له هذا القلب .. هذا القلب الذي لم ينبض لأحد غيره ، كأنه كان بإنتظاره  .. لا أعلم أين و متى و كيف حدث هذا لكنني وجدت نفسي منجذبة إليه انجذاب المطر للأرض. .

فنفضت عني هذه الأفكار و فتحت الباب بثقة ثم دخلت و لأول مرة ألاحظ مكتبه كما لاحظت اسمه ، فالمرة السابقة كنت  مغيبة و لم انتبه لشيء سوى وجهه و عينيه .

فكان مكتبه مكتب أنيق من الخشب المصقول الأسود و فوقه لائحة مكتوبة عليها "الطبيب النفسي قيصر نجم الدين"  إذا إسمه قيصر ! إسم نادر و جذاب كندرة تأثيره و جاذبية حضوره ؛و على الجدار الأيمن شهادات كثيرة معلقة، فلفت انتباهي شهادة مكتوبة باللغة الإنجليزية من جامعة اكسفورد ، ماذا؟!  هل درس في انجلترا! 

فلم انتبه له سوى حين اخبرني بصوته العميق أن أتفضل بالجلوس, فلاحظت نصف إبتسامة على شفتيه ، لابد أنه لاحظ تأملي لمكتبه و شهاداته المعلقة فجلست و الخجل و الإرتباك مرسوم على ملامحي.. ثم عاودت النظر إليه فوجدته ينظر لي نظرة لم أفهمها ، نظرة تسلية كأنه مستمتع بإرتباكي أمامه .. لماذا هو هكذا ! لماذا يربكني حضوره و وجوده، حضوره فقط كفيل بإختفاء الهواء من رئتيَّ ..كيف سأصمد يوما آخر ، او أياما إن صح و ممكن أشهر. كيف يمكنني النجاة ؟

- كيف تشعرين اليوم ؟

إنتفضت أثر سؤاله المباغت ثم أجبته بصوت منخفض مقتضب :

- بخير .

-هل نمت جيدا ليلة البارحة ؟ 

كنت سأقول لا لم أنم بسبب أرَق تفاصيلك و قلبي المبعثر، لكن عوضا عنها قلت بإقتضاب :

- قليلا.

-لماذا ؟ هل كوابيسك لا تجعلك تنامين ؟.

- كوابيسي أراها حتى في حياتي اليومية و ليس حين أنام فقط .

ثم نظر لي نظرة لم أفهمها و قال : 

-إذا هل تخبرينني أن كوابيسك ترينها في الحياة الواقعية و تأتيك يوميا ؟

فأجبته بصوت منخفض و هادئ :

- انا ارى كوابيس حين انام فقط كما انها تأتيني أحيانا فقط . 

- و فيما تتمثل هذه الكوابيس ؟.

أطرقت برأسي إلى الأسفل و لم أجبه ، لأنني لم أعرف كيف أصف له أو أخبره بذلك المشهد الذي يعاد مرارا و تكرارا، كفلم كلاسيكي يستمر في تكرار أحداثه.. ذلك اليوم الذي رأيت فيه والديَّ في المشرحة .. وجههما المغطى بالخدوش .. برودة جسديهما .. و أعينهما المغمضة المستسلمة ، و كل هذا كان بسببي انا .

لم أكن أعلم أنني سأتأثر بموتهما بهذا الشكل فعقلي لا ينفك و يعيد لي السيناريو الذي سئمت منه ، كل يوم و في كل ساعة و دقيقة أتذكر ذكرى حضورهما و تفاصيل وجهيهما .. جسدهما الخالي من أي شكل من أشكال الحياة .. كل شيء كان يوحي لي أن الأمر إنتهى إلا أن قلبي أبى أن يصدق و عقلي أبى أن يستوعب,كل هذا و تساؤلات عديدة كانت تنخر عقلي .. كيف كانت لحظتهما الأخيرة ؟ بماذا شعرا ؟ هل شاهدا شريط حياتهما و هو يمر أمام عينيهما ؟ و هل تألما كثيرا ؟. 

فلم أشعر بنفسي  إلا و انا اقضم اظافر يدي كعادتي اللاارادية و الدائمة حين اتوتر و اتألم ، فنظرت له و لم أعلم فحوى نظرته العميقة التي كانت تنتقل بيني و بين يديَّ لكن الذي أعلمه أنها جعلت الفراشات بداخلي تنفجر و تنعكس على وجهي .

 ثم اعاد بصوته العميق : 

- ماهي هذه الكوابيس ؟ 

فأجبته  بإقتضاب وبصوت متحشرج : 

- ظلام و موت .

- كيف ظلام و موت ؟!

- ظلام الحياة و خسارة أعز ما أملك .

- إذا هل تعنين أنكِ فقدت عزيزاً على قلبك ؟

فأطرقتُ برأسي للأسفل و صمتت ليس لأنني لا أريد التحدث بل لأن الكلمات و الثقة اللتان دخلت بهما تبخرتّا كتبخر المياه .. لا أدري هل بسبب نظرته المصوبة نحوي؟ أم بسبب ارتجاف قلبي أمام حضوره؟ أم بسبب صدمة موتهما التي ألجمتني عن الكلام ؟. فإستجمعت قواي الباقية و إن كانت قليلة ، ثم رفعت رأسي و نظرت له و قلت بصوت هادئ : 

- نعم ٖ أنا فقدت أعز ما أملك بسببي.

- كيف بسببكِ؟

فسكتت و لم أتحدث و بقي هو ينتظرني أن أكمل الا انني لم أستطع . ثم تنهد و اطرق برأسه و كتب في اوراقه ثم قال:

- الفقدان هو جزء من هذه الحياة و جميعنا فقدنا و خسرنا..ليس هناك شخص بلا فقدان أو وجه بلا خيبة نحن فقدنا و مضينا  و فاتتنا المحطة و ركبنا في التي تليها  و خاننا رفاق الطُرق و أكملنا وحدنا .. لن تتوقف الحياة عند الفقدان و الخيبة و المحطة و الرفاق ، بل تتوقف الحياة حين تكونين أسيرتها ، حين تعتقدين أن الوحدة ألم و أن  المحطة واحدة و الرفيق واحد ، المشكلة في ذلك الواحد الذي ترينه انتِ ترين الواحد على أنه واحد وحيد منفرد ولكنك لا ترين أنه هناك اثنان و ثلاث و أربع .. الحياة فُقد و خسارة ، لكن إن لم تعرفي كيف تغيرين الخسارة بالفوز و الظلام بالنور و الموت بالحياة و الواحد بالإثنان ، فستبقين أسيرة للذكريات و محاطة بالأوهام. 

بحثت داخل رأسي المجوف الذي كان فيه الكثير من الردود و لم  أجد ماذا أقوله له أحسست بشيئ داخلي يتحرك ، لا أدري ما هو .. لكن الذي أعلمه أن كلامه دخل في أعماق روحي ،فلا أدري هل تأثرت بسبب كلامه؟ أم بسبب صوته العميق؟.

 لم أجبه لكني بقيت أنظر إلى عينيه و هو بدوره بقي ينظر لي فتشابكت النظرات و إرتجف قلبي و أصبح يعزف سيمفونية حلوة و عذبة  .. لا أدري لماذا شعرت فجأة  أنه تعرف علي ، نظرته كانت تقول الكثير و الكثير لكني لم أستطع فهمها . 

ثم فجأة و بدون سابق إنذار قال لي  :

- كم عمرك يا توليب ؟ 

أكثر شيء أرعبني في تلك اللحظة أن يسمع صوت دقات قلبي العالية ، فعندما قال اسمي ببساطة لم أستطع ان أتحمل أكثر فأجبته بصوت هامس مضطرب :

- عمري ٢٥ .

عندما أخبرته لاحظت علامات الدهشة على ملامحه ، هل كان يظنني أكبر أم أصغر ؟! 

فقال بنبرة ممازحة : 

- إذا في هذه الحالة أستطيع أن أناديك ابنتي .

- لماذا !

-لأنكِ تبدين صغيرة في السن كما انه هناك فرق عمر كبير بيننا .

-لماذا  كم عمرك  ؟ 

- أنا في ٣٤ . 

فنظرت له و ابتسمت لأنني كنت اعلم ان عمره في الثلاثينات و لم أعلق ,حينها قال: 

- سأنهي الجلسة هنا دعيني أرى متى سيكون موعدك الثالث 

- أيها الطبيب أيمكنك أن تجعل الجلسة في المساء ؟ 

- لماذا المساء ؟ 

- لأنني لا استيقظ باكرا  .

- حسبتك تعملين.

فإبتسمت بألم و قلت بلا مبالاة : 

-	 كنت اعمل و طُردت .

بقي ينظر لي نظرته المبهمة و الغامضة ثم قال بصوته العميق :

- بشرط واحد . 

فنظرت لعينيه و قلت بحيرة : 

- ما هو ؟! 

أن تناديني قيصر و ليس بالطبيب ، فهذا يشعرني بالغرابة .

- لماذا بالغرابة ؟ 

- أنتِ الآن أصبحتِ مريضتي لذلك أريدك أن تسقطي الألقاب .

- حسنا ٖ إذا اجعل الجلسة في المساء .

حينها نهض من على كرسيه و لاحظت فرق الطول بيننا فمد يده و قال بصوته العميق  : 

- يوم السبت إذا على الساعة الرابعة مساءً هل يناسبك ؟

فنظرت لعينيه و وضعت يدي في راحة يده و ابتسمت و قلت : 

- نعم يناسبني جدًا أيها الطبيب 

فنظر لي نظرة تهديد فإبتسمت له و قلت : 

- قيصر .
               

رواية يوما ما (الفصل الخامس)

جاري التحميل...

الفصل الخامس

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

كل شيء انتهى.. ها قد أسدل ستار القدر  و ارتفع تصفيق الحياة مستمتعة استمتاع الجمهور بالمسرحية .. مسرحية  استطاعت تحطيمي و بعثرة قلبي إلى أجزاء.

هل هذه هي  الحياة ؟ هل هي نفسها الحياة التي يتقاتلون عليها ؟ هل هي نفسها أم أنني أنا من أعيش في حياة أخرى ؟ كيف امكنها قتلي  بهذه الطريقة البشعة ؟ و أي طريقة ؟!  .. أن تسلب مني عزيزا قلبي و روحي و أن ترديني قتيلة بدون أن يرف لها جفن، لقد قتلتني بضربة واحدة، ضربة أوقفتني عن التقدم.

لقد كان كل شيء بسببي ، فأنا لليوم ألوم نفسي على ما حدث لهما ، لقد كنت السبب في انهما ذهبا لشراء كرة ثلج زجاجية لأنها أعجبتني يوما ، لذا قررا شراءها لي و مفاجأتي بها .

و في الأخير تفاجأت أنا.

 فأنا مازلت عالقة في ذلك اليوم و تلك المكاملة ، المكالمة التي أوقفت الزمن و قلبي عن الإحساس بالحياة .

فقد مر أسبوع كامل و أنا ما زلت في نفس اليوم الذي توفيا فيه والديَّ ، بالنسبة لي قد توقف الزمن قبل أسبوع من الآن ، اسبوع و أنا اقضم يدي ندما .. اسبوع و انا أتألم بصمت و لا أغادر غرفتي .. اسبوع و لم تسقط قطرة واحدة من عيني، كل ما استطعت فعله هو تذكر الذكريات في الواحدة بعد منتصف قلبي و أتألم، أتألم بصمت، كمخلوق لم يعرف الإحساس مرة و لم تصل السعادة لقلبه يوما .. اسبوع كامل و أنا مشتتة بين العودة للحياة و بين الابتعاد أكثر وأكثر.

و لكني على الأقل كنت محظوظة لأنني لم أكن وحدي ، و الا لانتهى بي الأمر في الأخير الى الجنون.

 فمنذ ذلك اليوم و لحد الساعة و خالتي تلازمني و لم تتركني وحدي أبدا، هي التي كانت  دائما بجانبي و ما تنفك تخبرني بأنه ليس ذنبي ، فبالرغم من صمتي الدائم و انعزالي عن كل شيء إلا أنها كانت و بطريقة ما تخفف عني، و معها يشعر قلبي بقليل من الراحة لأنها كانت تفهم صمتي على انه حديثنا اليومي ، و لم تكن تنزعج و لو قليلا بل على العكس كانت في كل مرة تحبني و تحاول أن اخرج من عزلتي.

 لذا باختصار هي كانت شعاع الأمل الصغير الذي يضيئ قلبي و يمنعه من الإنطفاء تماما.

قطع حبل أفكاري دخول خالتي و هي تقول بصوتها الرقيق :

- ما الذي تفكرين به؟!

- لا شيء مهم، مجرد أفكار تأتي و تذهب.

فتنهدت و قالت بأسى : 

- إلى متى ستبقين على هذه الحال يا توليب ، هاه! أخبريني، لقد مضى اسبوع و أنت على هذه الحال منزوية و مقصية عني ، بالكاد أراكي تبتسمين ، ما مضى قد مضى و لا داعي للتفكير فهو ليس ذنبك ولا خطأك فهذا قضاء و قدر فلا تحملي نفسك اكثر مما ينبغي .. أين ذهبت تلك التي لا تفارق الضحكة وجهها  ، أين ذهبت تلك المفعمة بالأمل و الحياة ؟ ، بالكاد أراكي تأكلين و تشربين، و بالكاد ألمح ظلك ،  أنا أقول لك هذا في مصلحتكِ يجب أن تذهبي إلى معالج نفسي لكي تتغلبي على صدمتك ، فلقد حان الوقت لكي تتجاوزي و تكملي حياتك إلى متى ستب.. 

- خالتي يكفي !! 

قلتها بانفعال و غضب ليس منها ، بل من نفسي لأن كل ما قالته صحيح, إلى متى سأبقى على هذه الحال؟ الى متى سأبقى منفصلة عن الواقع ؟ الى متى سأبقى عالقة في  دائرة  الذنب ؟ 

فندمت فور رؤيتي لتعابير وجهها الحزينة ، فقلت بعدها بأسف : 

- أنا آسفة يا خالتي لم يكن يجدر بي أن اصرخ عليكِ فمعكِ حق في كل ما قلتِه سامحيني.

- لا تتأسفي يا زهرتي ما كان يجب علي أن أتحدث  معك في الموضوع من المرة الأولى و أنا أعلم أنك حساسة تجاهه ، لكن ما الذي أفعله و أنا أراكي تذبلين كل يوم و منطفئة تماما.

فأجبتها بصوت منخفض و بشرود :

- لو كنت أستطيع لغيرت من نفسي يا خالتي لكنني عاجزة و بالتحديد عالقة ولا قوة لي للتحرك أو الاستمرار, أنا عالقة.



                            ***

يوم جديد و صباح ممل ككل صباح..

 فتحت عيني بتثاقل و شعاع شمس رقيق أضاء غرفتي المظلمة ، فنهضت من السرير و إذا بصداع قوي يفتك برأسي، و هذا بعد معركة طويلة ليلة أمس في تمام الساعة الثالثة فجرا بيني و بين أفكاري .

 ها قد استيقظت في تمام الساعة السابعة و كأن أمي برحيلها تركت لي عادة الاستيقاظ باكرا للذهاب للعمل .. العمل !؟ فتذكرت كيف أن بعد وفاة والديَّ ب ثلاثة أيام كيف اتصل بي المدير ليخبرني أنه علي العودة لأنه هناك عمل كثير يجب القيام به ، فتذكرت نبرته المتجهمة و أنا أخبره بعدم إمكانية ذهابي .

- أنت تعلم بأنه لم يفت على وفاة والديَّ أربعة ايام كيف تخبرني أن أعود ؟ 

-انا أعلم لكن أنت تعلمين طبيعة العمل ، و غيابك غير المبرر هذا سيقضي علينا !

-غيابي غير مبرر ؟! كيف تخبرني بأن غيابي غير مبرر يا هذاا ! 

-كيف تجرؤين على مخاطبتي هكذا ؟ من أنتِ أصلا لترفعي صوتك على مديرك من اليوم أنت مفصولة  و تعالي لأخذ أشيائك غدا !

لم أدري بشيء إلا و أنا في مكتبي أجمع أشيائي وسط نظرات زملائي .. وسط نظرات التشمت و الاستغراب و الشفقة ،و انا واقفة بينهم بكل كبرياء وتخلي .

من يقول أن الكلمات وحدها تقتل فأنا أقول أن نظرة واحد فقط قد تكون كافية لتقتل أكثر من ألف كلمة و ألف فعل .. فاضطراري للتخلي عن حلمي الذي تعبت من أجله و الذي أصبح يشعرني بالرتابة في آخر الأيام قد جعل مني شخص لا يدري هل يشعر بالراحة أم لا .

شخص ما بين الراحة و التعب.

فأيقظني من تفكيري صوت خالتي و هي تصيح :

- هيا أيتها الكسولة اسرعي فاليوم لديك يوم طويل لقد اعددت الفطور، اذهبي و اغتسلي و أنا سأنتظرك لنفطر سويا!. 

- خالتي لماذا كل هذه الجلبة و لماذا لدي يوم طويل ، هل أنا ذاهبة لمكان ما؟

- هل نسيت بسرعة ، لقد قلت لي البارحة انك مستعدة للذهاب لمعالج نفسي .

- ماذاااا !! انا لم أخبرك هذا أبدا يا خالتي .

- لكنك وافقت مبدئيا و سكتت و السكوت علامة الرضا .

لا أعلم خالتي كيف فسرت موقفي لكن الذي أعلمه أنني لا أريد الذهاب لأي طبيب .

- خالتي أنا لست مستعدة و انت تعلمين بأنني لا أريد الذهاب .

فحاولتُ اعطاء حجتي دليلا ليبرهن رفضي : 

- و حتى لو أريد الذهاب يجب البحث عن طبيب ماهر اولا ، فمعظم الأطباء لا يعرفون سوى نهب الأموال لمصلحتهم الشخصية  ، و بعدها يجب أن نأخذ موعد.

ففاجأتني بإبتسامتها الرقيقة و التي أبرزت غمازتيها : 

- لحسن الحظ ان صديقتي تعرف طبيب نفسي ماهر و سبق و اخبرتها عنك و هي حددت موعدا معه اليوم . 

فصمتت و كأن جميع كلمات العالم أجمع  قد اختفت ، فلم أشعر إلا بيدها و هي تدفعني للمطبخ و هي تثرثر بسعادة.. و لا تعلم شيئا عن  الحرب و الفوضى التي أقامتها داخلي.

                           ***
لطالما تساءلت هل الأموات يعرفون ما يحل بنا ؟ هل يشعرون حين تكون قلوبنا متألمة و بدموعنا حين تتساقط؟..

لطالما تساءلت هل الأموات أموات في الحقيقة؟

 لكني عرفت حين فقدت والديَّ أن الأموات ما هم الا أموات الجسد فقط ، أما ارواحهم فستظل دائما تطوف حولنا و تحرسنا ، او نجوما متلألئة تزين سمائنا و تؤنس ليلنا الطويل، فعرفت أن ذلك الموت ما هو إلا موت أصغر هامشي أما الموت الأكبر فهو يكون حين ننساهم.

 نحن نموت حين ينسانا من فتحنا لهم قلوبنا و جعلناهم خالدين في ارواحنا.

فحين رأتني أمي ابكي على جدتي  في عمر التاسعة قالت لي  أن الأموات ما هم إلا نجوما تأتي لزيارة الأحياء حين يشتاقون إليهم ، و منهم من يأتي حين يشعرون أن أحبائهم يتألمون و ايضا ليتأكدوا من عدم نسياننا لهم ،ثم نظرت بحنان إلى النجوم و قالت لي " فما النجوم إلا أرواحٌ انتهت مهمتها في الأرض و ستبدأ الآن مهمتها الأخرى في السماء ".

جل ما فهمته من كلامها وقتها ان جدتي رحمها الله اصبحت نجمة من نجوم السماء لكنني حين كبرت فهمت ان النجوم تبقى نجوما في الاخير لكنها ستبقى تذكرنا بالأرواح التي غادرتنا بهدوء.

 فمع الوقت ستُفتح بوابة تلاشينا و موتنا ببطئ.. رويدا  نموت لكن لا أحد يلاحظ ، رويدا نتألم ، رويدا يغلف الظلام قلوبنا حتى تستحيل التفرقة بين الظلام و النور ، رويدا يبدأ النبض في التلاشي ، رويدا يبدأ القلب بالتوقف.. حينها يأتي الموت الأصغر ليأخذ روحا شوهتها الأيام.

 يأتي ليأخذ رفات ما بقي منا و يرحل و معه أرواح تآكلت قلوبها قبل أجسادها .

-توليب عوض !!

أيقضني صوت رقيق من  هذه الأفكار التي ما تنفك و تأتيني ، فنظرت بشرود للممرضة التي نادت اسمي ، فتساءلت ما الذي أحضرني لهذا المكان المليء برائحة المجانين ، ما الذي جعلني اوافق خالتي في هراءها .

 صحيح أنني وافقت مبدئيا لكنني لم أكن أعلم أنني سأشعر بهذه الطريقة شعور لم أفهمه ، و لم أستطع تفسيره بالكامل ، شعور كمن يريد الموت لكنه ينتظر انتظار اليائس لحبل الأمل لينتشله من البؤس الذي يغلف روحه الهشة .

 و فوق هذا كله لم اجعل خالتي ترافقني لكي أستطيع الهرب في اي لحظة,فنهضت و حملت حقيبتي لمغادرة المكان على الفور فإذا بالممرضة تعيد :

-هل توليب عوض هنا ؟ 

فنظرت إليها و إلى حقيبتي و ظللت أنقل نظري بينها و بين حقيبتي و العديد من الافكار تدور داخل رأسي ،ثم حزمت أمري اخيرا و تنهدت ثم قلت بصوت منخفض كمن جاء على ارتكاب ذنب لكنه في آخر لحظة عدل عن الأمر .

-أنا هنا!

فذهبت معها و كأنني ذاهبة إلى حتفي ، كزهرة ذابلة تنتظر يدا يائسة لكي تقطفها.

فأنا لم أكن أعلم  أني بدخولي من هذا الباب ستنقلب حياتي رأسا لا عقب فيها و لا نجاة
               

يوما ما .. الفصل الرابع

جاري التحميل...

الفصل الرابع

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

بعد انتهائي رحت أعد الطاولة و أنا اغني بشجن مع صوت فيروز في اغنية سألتك حبيبي المنبعثة من الراديو القديم.
فأنا لا طالما عشقت فيروز و الأغاني العربية القديمة ، لطالما عشقتها وعشقت معها كل ما هو كلاسيكي و قديم ، الأشعار .. الموسيقى.. و الأشخاص .. و حتى الحب نفسه, فالحب قديما كان يقتصر على تلك الرسائل المكتوبة بحروف اللهفة لتكون شاهدة على حكايات الحب جميعها، السعيدة منها و التعيسة، الخيالية منها و الواقعية.. كأنه الشاهد الوحيد على جريمة تسمى " الحب " .

 تلك الرسالة التي ما ان يفتحها العاشق حتى تلمسه تلك الرائحة المليئة بالشجن و الحنين ، فتُقرأ تلك الكلمات بالقلب قبل العين، فتكتمل الجريمة ما ان تصل المشاعر و تستقر في المكان الذي تنتمي إليه من الاول ،فيسكت العقل و يسكت كل شيء، إلا واحد لا شريك له ، واحد له كل الحق في الكلام، واحد هو مخطط الجريمة الكاملة و هو المسبب و السبب الوحيد الذي تحيا به الحياة. 

فالعاشق يعد على اصابع يديه و قدميه و الثواني و الدقائق و الساعات و حتى أشهر لرؤية وجه من نبض له القلب عشقا لمدة لا تتعدى دقيقة .. ثواني و ساعات و أشهر من الشوق و الانتظار لتلك الدقيقة.. دقيقة يتجدد فيها الحب مع سيمفونية عالية يلحنها القلب .

 هكذا كانت معادلة حب الزمن الجميل .

 اما حب الحاضر فهو شيء آخر، شيء بعيد كل البعد عن الجمال و الحنين، تلك الرائحة التي دخلت عليها تكنولوجيا الهاتف لتقلص المسافات البعيدة ،والتي استولت على رائحة الشوق .. لا وجود للعد، و لا للانتظار، و لا للحب، العد ذهب مع ذهاب الحب و الشوق ذهب مع ذهاب الانتظار المؤلم ، فكل شيء متاح في هذا الزمن حتى الرسائل الورقية اختفت و تم استبدالها بذلك الجهاز الذي يسمى الهاتف و الذي جعل الحب يتنفس أنفاسه الأخيرة و يحتضر تحت ما يسمى تكنولوجيا.

و كما كان الحال فقد استوطن على الحب و جعله روتيني مليء بالملل. 

 فالحب يكمن في حماسة البدايات و ذكاء المسافة ، أن تجعل كل شيء في وقته جميلا و ذو قيمة ، أن لا تتحمس كثيرا فتفقده و ألا تقترب كثيرا فتحترق ، و ألا تبتعد كثيرا فتنطفئ.

في المنتصف بين حماسة التوهج و الإنطفاء . 

انتهيت من اعداد الطاولة ثم ذهبت و وقفت أمام النافذة و أنا أستمع إلى صوت قطرات المطر و هبوب الرياح القوية، فانتبهت الى رجل غريب مار يهمهم بكلمات غير مفهومة ، غير مبالي لا بالمطر و لا بالرياح و لا حتى بالقطط التي تحوم حوله طلبا الطعام، غريب أمر هذا الرجل كيف أنه غير مبالي هكذا ، أم أنه فقد الشعور بكل من حوله؟ فحتى تلك القطرات لم ترحمه و جعلت من الرياح بردا هز أوصاله هزا. مسكين اتمنى ان يجد مكان يحتمي فيه . 

فصرفت نظري لأضواء السيارات العابرة التي تأتي و تذهب غير عابئة بالسيول القوية و لا الرياح العاتية ، و أنا أشاهدها و أتمنى من كل قلبي ان تكون احداهما سيارة والديَّ.. فابتعدت من أمام النافذة، و رحت أشغل نفسي بتنظيف و ترتيب البيت محاولة مني لعدم التفكير.

و بعدها لم أشعر الا  و انا احمل هاتفي و أتصل بأمي ، فإذا به يرن و أنا أنتظر و أتمنى أن يجيبني الصوت المحبب لقلبي فإذا بأمنيتي تجاب و سمعت صوتا يعادل صوت أجمل الأشياء : 

- زهرتي. 

- أمي لماذا تأخرتما ! إنها السابعة مساءا . قلتها بصوت حاولت جاهدة اظهاره طبيعيا قدر المستطاع. 

- أعلم يا توليب فأنا و والدك كنا في الشركة و كان لدينا عمل ضروري و نحن في طريقنا . 

- اااه اذا سأنتظركما على العشاء يا امي لا تتأخرا ، و ابلغي سلامي لأبي . 

- حسنا يا زهرتي اهتمي بنفسك و كوني بخير. 

- حسنا يا امي و قودا بحذر فالمطر شديد. 

                             ***

 ان أكثر الأشياء ارباكا هي متابعة دقات الساعة وهي تتحرك بحركة رتيبة روتينية تتابعها و أنت تنتظر المجهول, فتنتظر و تتمنى أن يظهر لك اي منفذ ليخرجك من افكارك التي تتدفق كتدفق المياه الجارية.

 فمنذ حديثي مع امي و أنا تارة أتابع دقات الساعة و تارة اخرى النافذة المطلة على الطريق، و بين هذا و ذاك انقضت ساعة و دقيقة، فدوامة القلق و الأفكار السيئة بدأت تعصف بعقلي وصولا لقلبي، فأبت أن تفارقني كظلي الملتصق ، فحملت هاتفي و اتصلت بأمي فإذا بها تلك الغبية تخبرني أن الهاتف خارج نطاق التغطية، حسنا! ربما فصل شاحنه و انطفأ، سأتصل بأبي ، لكن تلك الغبية أخبرتني نفس الجواب . اهدئي يا توليب ! حتما من الممكن أنه انطفئ أو هما في مكان لا يوجد به تغطية و من الممكن أن عملا  آخر مهم قد طرأ ، لا تقلقي ،لكن هيهات فكلماتي لم تستطع مواساة قلبي فكان وقعها أشبه بالتحدث لشخص أصم، لماذا تأخرا؟! 

فمن المفترض أن يتصلا و يخبرانني ، فأخذت الأفكار تعمل عمل السحر داخلي تأتي و تذهب دون مفارقتي و سيئها أكثر من جيدها.. فكانت القشة التي أفاضت قلقي حين وصلت لنهاية الأفكار بحدوث شيء لهما، فطفقت لبالي فكرة أن أذهب إلى هناك ، لكنني استبعدتها اولا خشية ان يأتيا و لا يجدانني و ثانيا لسوء الطقس و غزارة مطره .

يا إلهي ما العمل أكاد اجن !

فأنا لا أعلم  كم مر من الوقت و أنا في مكاني لا اتحرك وحدها افكاري من كانت تجوب و تعصف داخلي, هل مرت دقيقة أم ساعة ؟ لماذا أشعر ان الوقت يمر ببطيء؟ و لماذا أشعر أن الدقائق ساعات و أن الساعات أشهر، و الأشهر أعوام  فما بالي و ما بال الوقت لا يمر و أنا على حافة الجنون لا أتقدم و لا أتراجع في المنتصف لا أدري ماذا أفعل. 

كل شيء أصبح باهت و عقلي يدور و يدور دون التريث لثانية، و جميع الأحداث تقفز الى ذهني دون أن تعطيني فرصة للتنفس, في المنتصف أنا تحاوطني أفكاري و أسئلتي البعيدة مع عقلي المضطرب الذي كاد يأخذني لحافة الجنون لولا أنني استجمعت شتات نفسي ، فأنا لم و لن أستسلم لها .

فعادت لي تلك الفكرة الأولى في الخروج و البحث عنهما، لا أعلم أين بالضبط لكنني يجب أن أفعل شيء فأنا لن أقف مكتوفة الأيدي ! 

 فنهضت و ارتديت ملابسي و حملت المظلة و خرجت للبحث ، نعم خرجت في الليل أمشي في الطرقات الكئيبة التي كانت خالية من أي كائن حي ، وحدها القطرات من كانت ترتطم بها و بمظلتي برفق، فلم أعلم إلى أين أذهب بالتحديد، لكن الذي أعلمه أنني لو بقيت دقيقة واحدة سأفقد عقلي من التفكير ، فرحت أجوب الطرقات الخالية ليلا علي أجدهما ، مشيت و مشيت حتى وجدت نفسي أمام مركز الشرطة ، فرحت أفكر هل أقدم بلاغ أم لا ؟ فحسمت أمري و دخلت يجب أن أفعل شيئا ما!.

                          ***

-مرحبا أود أن أقدم بلاغ اختفاء .

قلتها و أنا بالكاد أستطيع التقاط أنفاسي ، و بالكاد أيضا أحافظ على هدوئي وعلى نبضات قلبي ،فسمعت صوت رجل يقارب للخمسين يتمتم : 

- من الذي ستبلغين عنه ؟ 

- سأبلغ عن اختفاء والديَّ ، أرجوك يا سيدي أن تساعدني فأنا لا أعرف ما الذي أفعله أو سأفعله. 

هنا فقدت رباط جشأي و بدأت أتحدث بهيستيرية  ،لا أعلم لماذا لكنني أشعر أن شيء سيئ قد حصل لهما.

- يا آنسة اهدئي  ارجوكِ و أخبريني لماذا تريدين التبليغ عنهما . فشرعت احكي له منذ لحظة تحدثي معهما وصولا لهنا.

- اسمعي يا آنسة من المحتمل ان يكونا قد تأخرا بسبب زحمة المرور  أو ان لهما طريق آخر لا تقلقي .

- أنا أعلم لأنني وضعت كافة الاحتمالات الممكنة ، لكن لماذا هاتفهما مغلق ؟ أنا أعلم والديَّ فهما دائما يتصلان ليطمئناني فهما يعلمان انني حساسة و قلقة جدا فعقلي لا يكف عن تأليف مشاهد سيئة ، عوضا عن انني خائفة عليهما ، فماذا تريدني ان أفعل ، فهذا هو الحل الوحيد الذي وجدته امامي . 

- أنا اعلم يا انسة انك خائفة، فمن الممكن ان يكونا في مكان لا يوجد فيه تغطية ، فكل شيء وارد الآن لكن اعلمي اننا لا نستطيع تقديم بلاغ و التحرك الا بعد مرور ٢٤ ساعة هذه هي القواعد.

فأطرقت رأسي بأسى و أنا أشعر أنني سأبكي في اي لحظة.

- لا تقلقي يا أنسة سيكونان بخير ، اعطيني رقم هاتفك و اذا حدث شيء سأتصل بك .

فخرجت و أنا أجر أذيال الخيبة في طريقي للمنزل ، منكسة الرأس و دموعي تهدد بالسقوط و ما زادها الا المطر الغزير الذي يرتطم بالمظلة بقوة ،  فرفعت رأسي للسماء و بحركة سريعة و برضى تام أنزلت مظلتي و المطر يربت على رأسي  كأنه يخبرني بأنني لست وحدي و أنه لأجلي ، صحيح بأنني ابدو كالمختلة تماما لكن شعور بأنه هناك من معي رغم غربة الطريق و برده أشعرني لا اراديا بالدفء , فالبرغم من البرد القارص و الرياح القوية إلا أنني كنت ممتنة لأن الطقس  و على الأقل يشبهني.

دخلت للمنزل و المطر كان قد نال مني, فذهبت مسرعة لأغير ملابسي و لمحت المائدة و الارز الذي طبخته لأول مرة و قلبي  يواصل انقباضاته, و الخوف كان قد تمكن مني كل التمكن فلم أعد أعرف هل اصدقه ام افنده ككل مرة .

لكن هذه المرة كان هناك شيء داخلي يخبرني أن هذه المرة مختلفة .. حتما مختلفة . 

ثم ذهبت الى مكاني المفضل في غرفتي  و الذي اطل عليه على الشارع الكئيب اترقب و افند كل دقة في قلبي و أنا أتابع بعينين ملتاعتين اثرهما المختفي و كلي انتظار لكن ما الذي أنتظره بالتحديد؟ امي و ابي ؟ ام فرحة رؤيتهما ؟ام ارتياح عدم تحقق شعوري المقلق ؟ ام عذاب سيغير حياتي و يقلبها رأسا على عقب ؟ .

قطع حينها شرودي صوت الهاتف فحملته بلهفة متوقعة أنهما والدي فرأيت أن الرقم غير مسجل ، فتعجبت للحظة لأنه نادرا ما يتصل بي رقم غير مسجل .

-الوو! 

- هل معي ابنة السيدة ياسمين  و فخر الدين ؟ 

فأجبت و التعجب و الخوف قد طغى على صوتي و جعله مهتزا هامسا:

- نعم أنا هي ، لكن من انت ؟ 

-لقد أخبرتك أنه إذا حدث شيئا لوالديك سأتصل بك .

فتذكرت ذلك الشرطي الذي أعطيته رقمي ، فقلت بلهفة و  قلق بنفس الوقت  : 

- اااا اذا انت هو الشرطي من المرة الماضية ، هل لديك اخبار عن والدَّي ؟.

فسكت لبرهة قبل أن يقول ما كانت دقات قلبي تخبرني به : 

-يؤسفني أن أخبرك أنه حدث لهما حادث مرور و هما الآن في العناية المركزة .

و بعدها فقدت الإحساس بكل شيء ، لم أشعر لا بصوت الرجل في الهاتف و لا بقلبي ، و لا بصوت الرياح و الأمطار  لم أشعر بشيء إلا و الأرض تميد بي و بظلام يحيط بي من كل جانب و بصوت ذلك الشرطي يتردد من بعيد .

-  آنستي هل أنت بخير .؟!

                             ***

شعاع شمس لطيف تسلل ببطء و أخذ يداعب وجهي برفق ، ففتحت عيني قليلا و اذا بصداع قوي يداهمني  و بألم حاد في رقبتي وفي ظهري ، فتحاملت على نفسي و نهضت و أنا لا أتذكر أي شيء ،  فتساءلت أين انا؟ و لماذا أنا نائمة هنا؟, فتذكرت ذلك الكابوس الذي راودني ليلة أمس، و الذي كان قريبا للواقع أكثر من كونه حلم.

فلمحت المكان حولي فإذا بي أجد اول أرز طبخته في حياتي و الذي  كان في الحلم ولاحظت أن ملابسي نفسها أيضا ، لحظة واحدة ! ..هل يعقل أن ؟!! ، فنظرت للهاتف المنطفئ  بجانبي و حملته فإذا ببطاريته نفذت ، فذهبت سريعا و وضعته على الشاحن لأتأكد إذا كان الكابوس حقيقة أم لا، فذهبت إلى قائمة الاتصال، لأجد أن آخر من اتصل بي كان رقم غير مسجل و عدد المكالمات منه تجاوزت العشرة  فعاودت الاتصال به  و بأيدي مرتعشة ضغطت على زر الاتصال و كلي ترقب و انتظار فاذا بصوت رجل اجش يقول لي :

- آنستي هل أنت بخير ؟  

- من أنت؟! .. هل تعرفني ؟

- اهدئي قليلا و اسمعيني هل تتذكرين ماذا حدث بالأمس؟ 

- هل هناك شيء يجب أن أتذكره و الأهم من أين أتيت برقم هاتفي ؟ 

- آنستي هل تتذكرين الشرطي الذي أتيت إليه للإبلاغ عن والديك ؟ 

فرحت أسترجع ذاكرتي فبدأت الصورة تتضح شيئا فشيئا و الكابوس بدأ تجسد أمامي فقلت بصوت مهزوز و مرتعش :

- هل تخبرني أن و الد...

- للأسف حالتهما خطيرة و هما الآن في العناية المركزة ، أنا أعلم أنك في صدمة الآن، لكن إهدئي قليلا . 

 ما الذي يقوله هذا المعتوه، كيف يخبرني أن أهدأ ؟! ، كيف يخبرني و عقلي لحد الساعة لم يتقبل الفكرة بعد ؟ كيف و هما الوحيدان المتبقيان لي و الآن  يصارعان الموت و الحياة ، كيف يخبرني هذا الغبي أن أهدأ و قلبي يأبى الهدوء . 

لكنني في الاخير تحاملت على نفسي و صمدت أمام الأهوال التي ضربت قلبي دفعة واحدة فلملمت شتات روحي و قلت له بصوت خالي من الحياة : 

- في أي مستشفى ؟.
               

يوما ما .. الفصل الثالث

جاري التحميل...

الفصل الثالث

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

خرجت من الحمام و أنا أحمل منشفة أجفف بها شعري، فوضعت يدي على عنقي و تذكرت الوشاح المفضل عندي و الذي أعطته لي جدتي رحمها المولى عندما كنت صغيرة، و الذي خسرته بسبب غبائي و ارتباكي , حين حملته الرياح لمكان لا يعلمه إلا الله .

 لقد عدت و أنفاسي لا تكاد تملئ رئتاي لأنني تأخرت فطرقت الباب و لم يجب أحد، فعاودت الكرة لا مجيب، لكن لحسن الحظ ابي دائما يخبئ مفتاح احتياطي تحت المزهرية لحالات الطوارئ مثل هذه، فحملته و فتحت الباب، فإذا به غارق في الظلام، لوهلة ظننت أن يكون هناك لص قد اقتحم البيت و قتلهما أو وحوش متعطشة للدماء، فحتى في هذه المواقف دائما ما يبدأ عقلي بتأليف أفكار خيالية صعبة التصديق.

فنفضت عني هذه الأفكار الطفولية و أشعلت الضوء لينير البيت بأكمله، فجلت ببصري في أنحائه و أنا أتساءل .. أين هما ؟! انها السادسة مساءا لكن لم أعر للأمر إهتماما كبيرا، فذهبت لآخذ حماما ساخنا يزيل عني تعب الطريق و برده و ينعش أوصالي المتجمدة.

و ها أنا ذا أسرح شعري أمام المرآة، وأنا أرى انعكاس وجهي، فأنا لست بفائقة الجمال أو بالقبيحة البشعة، كلمة " عادية " هي الأقرب لوصفي، بشرة خمرية،  عينان سوداويتان كبيرتان مع أهداب طويلة، و أنف مدبب و فم صغير، لا شيء مميز، لعل ما يميزني هو شعري الأسود الطويل و المجعد، فدائما ما كنت محط غيرة الفتيات بسببه.. ليس بسببه فقط بل بسبب عاديتي فهم يرونني تلك المميزة الآسرة و هم لا يعلمون بأن تلك الآسرة عاشت وحيدة بقدر ما نبذوها و شعروا بالغيرة منها.

فجأة تسلسل ذلك الغريب لأفكاري،  أو كما سميته منقذي الغامض.. أعلم إنني طفولية جدا ! لكن تفاصيله المميزة مازالت راسخة في ذهني كأنني أراه أمامي... تلك التفاصيل التي جعلتني أغرق في عينيه .. أغوص و أغوص لكن لا أمل في النجاة ، تلك العينين التي تجعلك تهتدي بعد ضلالك الدائم و تحيا بعد مماتك الأزلي.. و ذلك الشعر الليلي المصفف بعناية و الذي يجعلك تريد دخوله رغم ظلامه الدامس، و صوته الرجولي العميق الذي أطرب قلبي كل أذني ، كمعزوفة اجتمعت فيها جميع الألحان العذبة، ناهيك عن تفاصيله الأخرى التي لم أنتبه لها ، فما شدني اليه كان صوته و عينيه .

 فأنا لم أرى في حياتي شخصا بهذه الهالة القوية و الباردة , فوجهه ليس به تلك الوسامة التي تجعل الرؤوس تدور و القلوب تذوب، لكن به تلك الجاذبية و الغموض الذي يجعلك تريد التعرف على أعماقه و استكشافه مهما كانت الأخطار محيطة به.

ببساطة هو من ذلك النوع الذي يجعلك تخاطر و تضحي بكل شيء لديك في سبيل كلمة أو نظرة منه.  

لكنني نسيت أهم شيء أنه غريب، نعم غريب عني، لا أعرف عنه أي شيء سوى ملامحه المميزة، فتلك الثواني جعلتني أعرف أنه ليس بالنوع السهل اللين.. لا أنكر أن وقعه في قلبي كان قويا و مربكاً ،  لكن هل من الممكن أن يكون حب من النظرة الأولى؟ لا، لا أظن! بالنسبة لي أعتبره ضربا من الخيال و وهم لا ينفك الساذجون تصديقه ، كيف يمكن للشخص أن يحب الآخر دون معرفة أعماقه الداخلية ، أو بالأحرى من النظرة الأولى.

 فالحب بالنسبة لي هو تلك النبضة الأولى و الارتباك الخجول، أنا لا أنكر أن ذلك هو بداية التهاب المشاعر و لهفة القلب.. لكن أن تحب شخصا دون أن تضربك أمواجه العميقة و دون أن تعرف متى تكون تقلبات طقسه فأنت انبهرت بالبحر دون الغوص فيه ،و أنت بعيد كل البعد عنه.

ببساطة ما شدك اليك هو زرقته الدائمة و أمواجه الهادئة التي تسر ناظريك ، أما أعماقه فيدخلها كل محب يريد الاكتشاف و الاستطلاع، لتقبله أو الفرار منه دون رجعة.. فالقرار في الأخير يعود لك. 

فما الإعجاب الا الانبهار الأول بالتفاصيل مع تقديس اللحظات العابرة , أما الحب فيكون بين المد و الجزر .. بين الانطفاء و التوهج .. بين بداية الارتباك و التعلق و ما يليها تكون تلك التقلبات الكئيبة بين نسيانٍ  صعب و البقاء رغم التعاسة فتقودك في الأخير الى الاختيار بين البقاء ألما أو الهـُروب. 

ابتعدت من أمام المرآة و ذهبت للمطبخ لأجد ماذا أعد للعشاء،  فأنا أقر بأنني لست مثل بعض الفتيات اللاتي يجدن الطبخ ، فأمي كما كان يقول أبي عنها أنها الأولى في العالم و في قلبه في الطبخ .

 لقد كانت دائما تخبرني بأنني يجب أن أتعلم من أجل الزواج بعريس اللقطة ، الا أنني لم أعر للأمر أهمية كبيرة  لأنني لست مهتمة لا بالزواج ولا بالحب بحد ذاته , لذا تركت لها هذه المهمة فكل ما استطعت فعله هو مساعدتها و كل ما تعلمته منها هو كيفية إعداد الأرز بالخضار لأنه المفضل عندي، لذا و بما أنهما غير موجودان سأفاجئهما وأطبخ لأول مرة طعامي المفضل.
               

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.