الفصل الثالث: زنبق الوادي | رواية في قبضة الدوق
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

الفصل الثالث: زنبق الوادي | رواية في قبضة الدوق

جاري التحميل...

الفصل الثالث: زنبق الوادي

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

على الرغم من الحشود الغفيرة التي احتشدت حوله، لم ينتاب بيورن أي قلق يُذكر فمثل هذه المناسبات كانت بمثابة جزءٍ من نسيج حياته، إذ نشأ في قلب الأضواء منذ نعومة أظفاره حتى ذلك الإزعاج المصاحب للشهرة لم يعد غريبًا على مسامعه

"أفسحوا الطريق! جميعًا، إلى الخلف!" 

انطلقت أصوات الخدم المدوية فوق منصة القصر المزدحمة وبين زحام الصخب والفوضى، أخذ الحشود يتراجعون شيئًا فشيئًا ليُمهّدوا الطريق للموكب الأميري

انطلق بيورن في المسير بخطى واثقة - ظهره مشدودٌ كالسيف، وهامةً تعلوها عزةُ الملوك حتى أنه لم يبخل بإيماءة رأسٍ رقيقة لكل من التقت عيناه بعينيه لقد أصبحت هذه الحركة رد فعلٍ لا إراديًا، انغرست في أعماقه بعد سنواتٍ من التدريب الملكي 

وكانت تلك المرأة مجرد وجهٍ عابرٍ بين الحشود، لولا أن مظهرها الغريب جذب انتباهه للحظات بثوبها العتيق المطرز بالدانتيل والشرائط، بدت كأنها خرجت من لوحةٍ زيتية تعود لعصرٍ مضى وكأن زخارف الأزهار التي تزدحم على قماش فستانها لم تكن كافية، فقد توجت رأسها بقبعةٍ غريبة تتدلى منها أزهارٌ صناعية باهتة

وبينما كان يتجاوزها، وقع بصره على رجلٍ محتقن الوجه يندفع بشراسة نحو أحد أبناء العائلة المالكة المُسرفين ارتعب الرجل وتراجع فورًا، لكن بيورن قابل ذعره بابتسامةٍ ملكيةٍ رقيقة، لا تختلف عن تلك التي منحها للآخرين في وسط هذه العاصفة من الاتهامات والنقد الحاد، بدا الأمير الشاب وكأنه يتنزه في حديقة القصر في عزّ ظهيرةٍ هادئة
تجاهل الوجوهَ الغريبةَ من حوله، وانطلق نحو القطار الذي بدأ يَصِلُ إلى الرصيف

*** 

لم يكن العنوان المكتوب بين يديها ذا نفعٍ يُذكر وللأسف، لم تُدرك "إيرنا" ذلك إلا بعد أن ضاعت في طرقات المدينة، منهكةً من التعب كانت الشمس تَغيبُ خلف الأفق، بينما كان الظلام يُغَطِّي الشوارعَ شيئاً فشيئاً

سحبت إيرنا جسدها المُنهَك حتى وصلت إلى نافورةِ ميدان "تارا" كانت مُتعبةً لدرجة أنها كادت تَترنح وتسقط، لكنها تذكرت أن تَفرش منديلها الأبيض أولاً قبل أن تجلس على حافة النافورة

كانت قد ارتدت فستانها المفضل-ذلك الثوب الأبيض الناعم الذي أهدتها إياه جدتها في عيد ميلادها لم تكن تحاول إثارة إعجاب والدها، لكنها مع ذلك شعرت أن من واجبها أن تظلّ مهذبةً وأنيقة، كأي سيدةٍ من عائلتها لم يكن التخلي عن أناقتها خياراً مقبولاً. 

"الرزانةُ أولاً... والجمالُ دون تكلف"

هذا ما عاشت عليه جدتها طوال حياتها، وهذا ما أرادت أن تُورثه لها صحيحٌ أنها تحمل اسم "هاردي"، لكن دماء عائلة "فاردن" كانت تجري في عروقها، وكان عليها أن تحافظ على شرف هذا الاسم 

بينما كانت تُصلح طيات فستانها، اشتعلت مصابيحُ الغاز في الميدان نظرت إلى عامل الإنارة وهو يُنهي عمله، ثم يركب دراجته القديمة ويختفي في الظلام

توقفت إيرنا لحظة، كأنما تخلع عن كاهلها ثقل الطريق حملت حقيبتها بحركة آلية، ثم نهضت وكأنها تستجمع كل ما تبقى من قواها آلام جسدها لم تعد تُذكر أمام إلحاح الوقت الذي كان ينفد كالرمال بين أصابعها

ارتد صدى خطواتها على الرصيف المضاء، تتخللها نسمات تحمل عبق الزهور وأوراق الشجر المتساقطة كفراشات خفيفة كان المنظر يخطف الأنفاس، حتى أنها أحست للحظة أنها تطفو خارج الزمن

"يا للجمال..." غمغمَتْ بصوت خافت كمن يخاف أن يزعج السكينة، ثم رفعت عينيها ببطء

بين فجوات الأغصان المزهرة، رأت القمر البدر نفسه الذي رافقها في ليلتها الساهرة كان هناك، صامداً، كأنه حارس الليل الوفي هذه الفكرة وحدها ذوّبت شيئاً من الجليد الذي تكوّم في صدرها

أحكمت قبضتها على حقيبتها حتى ابيضّت مفاصل أصابعها، ثم واصلت السير بخطوات حازمة 
وفجأة... 
كأنما خرج من ظلام الذكريات، ظهر أمامها المنزل! ذلك الصرح العتيق في نهاية شارع تارا... قصر عائلة "هاردي"... مسرح طفولتها الضائع

"حان الوقت..."

مرّرت يدها على ثوبها في حركة اعتادتها من جدتها، ثم تقدمت نحو الجرس وقفت بتراصف كجندي في استعراض، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة السيدات العارفات لم تعد تخشى أحكام الآخرين، فقد فعلت ما اعتقدت أنه الصواب

"كل شيء سيكون على ما يرام."

خدعتْ نفسها بكذبةٍ تعرفُ يقيناً أنها كذبة، ثم مدّت يدها المرتعشة نحو الجرس

***

"حقاً لا أستطيع فهمك!"

انشقّ صوتُ المرأةِ الحادّ فوقَ أنغامِ الأوركسترا المرحة عندها فقط رفعَ بيورن جفنيه بتمهل حينَ رفعَ رأسه، وجدَ لويز تقفُ على مرمى حجرٍ منه في مقابلِ غضبِ أختهِ الجامح، بقيَ وجهُه جامداً كالتمثال

"غلاديس ستعود ألا تدركُ مغزى ذلك؟"

"همم..."

انزلقتْ عيناهُ ببطءٍ عبرَ القاعةِ المُضاءةِ بثرياّتٍ تخطفُ الأبصار، ثم عادتا لتستقرّا على وجهِ لويز

"هذا يعني أن الصيفَ سيكونُ جحيماً لا يُطاق"، أجابَ وهو يَطوي شفتيه في ابتسامةٍ متكاسلة نبرةُ صوتِه البطيئةُ جعلتْ كلماتِه تقطرُ سُمّاً

"يا إلهي! كيف تتحدثُ عن غلاديس بهذه الطريقة؟ هذه هي غلاديس نفسها التي جرحتَها ثم نبذتَها!" اندفعتْ لويز في ثورةٍ عارمةٍ وكأن الإهانةَ موجّهةٌ لها شخصياً

أمسكَ بيورن بكأسِ الماءِ بجوارَه في هدوءٍ مطبق كانت قطراتُ الندى المتكاثفةُ على جدرانِ الكأسِ تنزلقُ على أصابعهِ الطويلةِ الناعمةِ كالحرير

كانت حفلةُ الجمعِ الخيريِّ قد حققتْ نجاحاً باهراً

كانت الملكة محبوبةً ومُبَجَّلةً من قِبَلِ جميعِ أفرادِ المملكة،
وعندما انتشرَ خبرُ مشاركتِها في الحفل،
تسابقتْ نِساءُ النُّبلاءِ فيما بينَهنَّ للوصولِ إلى "شوبر"

مُنْفَعِلاً بحجمِ الكرمِ الذي أظهرَتْهُ تبرعاتُهن،
حافظَ رئيسُ المستشفى الملكيِّ على ابتسامتِهِ دونَ أنْ يخْفِتَ بريقُها

الطعامُ الشهيُّ، والموسيقى الرائعة، وشخصياتُ المجتمعِ البارزةُ
التي زَخَرَتْ بهم قائمةُ الضيوفِ - كلُّ هذا جعلَ من الحفلِ الفخمِ
مناسبةً تليقُ بمشاركةِ الملكةِ دونَ أيِّ خسارة
حتى تضحيةُ الدوقِ الأكبرِ بنومِهِ لمرافقةِ جلالتِها لم تكنْ عبثاً
كان عطلةً نهايةَ أسبوعٍ ربيعيةٍ لم تكنْ بالسوءِ الذي يُتَوقَّع،
باستثناءِ الأميرةِ "لويز" التي ظلَّتْ تدورُ حولَهُ كَنَحْلَةٍ غاضبة

"بيورن، لم يَفُتِ الأوانُ لتصحيحِ أخطائِك."

بدأتْ تُقْنِعُهُ وكأنها تُهَدِّئُ طفلاً
كانت "لويز" صديقةً مقرَّبةً لـ"غلاديس"،
وقد دعمَتْ زواجَهُما بحماسٍ يفوقُ أيَّ شخصٍ آخر
لكنْ بعدَ طلاقِهِما المضطرب، أصبحَتْ أشدَّ نقَّادِهِ

"بالطبعِ، ليسَ خطأً يُمكنُ التسامحُ معهُ بسهولة،
ولكنْ إذا كانتْ "غلاديس" ما تزالُ مستعدةً لمسامحتِك، فأنا متأكدةٌ أنَّكما تستطيعان"

"دوقةُ "هايني"،" قاطعَها "بيورن" وهو يضعُ كأسَ الماءِ جانباً
شفتاهُ كانتا تبتسمان، لكنَّ عينيهِ وصوتَهُ كانا قاتمينَ بشكلٍ يُثيرُ الرهبة
"يبدو أنَّ الدوقَ يبحثُ عن شريكتِهِ
لما لا تعودينَ إلى جوارِ زوجِكِ؟"

أومأ بيورن برأسه نحو الطرف الآخر من القاعة حيث كان الدوق هايني يقف مرتبكاً بين مجموعة من السيدات النبيلات ترددت لويز بين الكلام والصمت، فتحت فمها ثم أغلقته عدة مرات قبل أن تتنهد وتغادر

بعد مغادرتها غير الراضية، نهض بيورن من مقعده وفي تلك اللحظة، بدأت الأوركسترا تعزف مقطوعة فالس جديدة بعد استراحة قصيرة

تنقل بيورن ببرودة بين الحضور، ماراً بنظرات السيدات التي جمعت بين الترقب والحذر على الشرفة المطلة على الحديقة، تجمع الرجال حول سحب دخان السجائر الكثيفة

"بيورن! هنا!"

عندما شاهد وجهاً مألوفاً، اتجه بيورن نحو الصوت كانت مجموعة الرجال التي عادة ما تنشغل بمناقشات تافهة، تجلس اليوم في صمت غريب بعضهم كان يحتسي مشروبه بعينين حزينتين تكادان تفيضان بالدموع

"لقد خسروا أموالهم في الاستثمار"، قال بيتر وهو يناول بيورن كأساً من الكونياك الذهبي اتكأ بيورن على درابزين الشرفة وقبل الكأس

"استثمار؟"

"ضخوا أموالهم في سندات أجنبية، لكنها كانت خدعة."

أصدر بيتر صوتاً ساخراً بلسانه وهو يعلن الخبر المحزن لم يبدُ بيورن سوى تجعيد خفيف في جبينه، دون أي تفاعل آخر يبدو أن عدد المغفلين الذين وقعوا في هذا الفخ كان أكبر مما توقع

ذلك الاستثمار الذي أثار ضجة في الصالونات الأرستقراطية لأسابيع...

"سمو الأمير، دينٌ لك في عنقي لا يُسدَد لقد أنقذت ثروتي من الانهيار" همس بيتر بجواره، وهو يمسح جبينه الرطب

عندما تسربت أخبار تلك العوائد الخيالية، أسرع كالمجنون إلى قلعة شوبر كان سراً معروفاً في أوساط النخبة أن الأمير بيورن - رغم كل عيوبه - يتمتع بموهبة إلهية في ثلاث أشياء: النساء، والنبيذ، وجني الأموال

في ذلك المساء، بعد أن أسهب بيتر في شرح "فرصته الذهبية"، حسم بيورن الأمر بكلمة واحدة:

"ساذج!"

تلك الكلمة التي قذفها ببرود كجليد يناير، كادت تدفع بيتر بيرجن لارتكاب جريمة العصر: الاعتداء على ولي العهد لو امتلك القوة، لكان مزّقه إرباً

لكن ماذا تعني الإهانة الآن؟ في مقابل وصفه بالسذاجة للحظة عابرة، حافظ على ثروته التي تكفي لشراء جزيرة صغيرة بل والأفضل، باستخدام تلك الإشارة الغامضة التي انتزعها من بيورن بعد التوسلات، استثمر في مناجم الحديد وحقق أرباحاً تكفي لشراء جزيرتين!

عندما يتذكر بيتر ذلك، يشعر أن قلبه قد يذوب لهذا الأمير اللعين

إن كان هو قد ربح هذا المبلغ من تلميح عابر، فكم يكون بيورن قد كسب؟ موهبته في تحويل التراب إلى ذهب كانت أقرب للسحر نعم، قد تكون أساليبه قذرة، وغير عادلة، بل وشيطانية أحياناً... ولكنها بالضبط الأسباب التي تجعل بيتر مصمماً على التمسك بهذه الصداقة كالمتشبث بحبل النجاة

"يجب إلقاء القبض على هذا المحتال مهما كلف الأمر، يا بيورن! هذه جريمة نكراء خلفت وراءها ضحايا عديدين، أليس كذلك؟"

عندما التقى وريث الكونت بنظرة بيورن، انطلق يعدد أسماء الضحايا بصوت مختنق من شدة الغضب معظمهم من أبناء العائلات الارستقراطية المنتمين لأرقى النوادي، مع بعض الأسماء غير المتوقعة

لقد خسر الفيكونت هاردي كل ثروته ربما يكون الآن يحضّر مسدسه لإنهاء حياته."

هاردي أنهى الوريث كلامه بهذا الاسم الغريب، الذي بدا أنه الأكثر سذاجة بينهم جميعاً

أدار بيورن وجهه نحو الحديقة خلف السور، بينما ظلت سيجارته تتدلى من زاوية فمه عبر حجاب الدخان الأبيض المتصاعد، تلمح الزهور الملونة تتمايل برقة

كان يتأمل المشهد بهدوء عندما استرعت انتباهه بقعة من الأزهار البيضاء الصغيرة

زنبق الوادي بينما استعاد ذكرى الاسم، ارتسمت ظلمة خفيفة في عينيه

لقد شكلت هذه الأزهار باقة عروسه في ذلك اليوم المشهود بسبب ذلك، أُطلق عليها "أزهار الأميرة الملكية"، حتى أصبحت نادرة الوجود من شدة الإقبال عليها، وإن لم تدم تلك الشعبية سوى موسم واحد

أدرك فجأة أنها نفس الأزهار التي تزيّن قبعة تلك المرأة العتيقة في المحطة: زنابق الوادي التي تجاوزها الزمن

اندمج همسُه مع أنغام الفالس المتسربة من القاعة، بينما انبعثت من شفتيه دوامة دخانٍ طويلة تتلوى كذكريات مؤلمة

"كم هذا مثير للسخرية..."

تحولت عيناه الزجاجيتان ببرود من سجادة الزهور إلى القمر الشاحب الذي يشبه وجهًا ميتًا في قاع السماء غمرته موجة غثيان مفاجئة، كافح من أجل ابتلاعها مع بقايا السيجارة المرّة

يتبع....
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.