وعد الشيطان - 1917
1917
من لندن عام 1917، حيث تُرسم الخرائط على طاولات خشبية داكنة، إلى قرى فلسطين.. تتتبع هذه القصة بشكل خيالي خيطًا واحدًا ممتدًا عبر قرن كامل: كيف يمكن لوعدٍ مكتوب أن يتحوّل إلى جريمة تاريخية، وكيف تدفع الشعوب ثمن كلمات لم تُوجَّه لها يومًا. هذه القصة بها أشخاص وأحداث من وحيّ الخيال، ولكنها كُتبت عن الحقيقة التي تظل حيّة… مهما طال الغبار.
إهداء:
إلى الذين غادروا بيوتهم ولم تغادرهم..
إلى الذين ورثوا المفتاح قبل أن يرثوا الدار،
إلى تراب عين كارم، وزيتون الجليل،
وكل حبة رمل وتراب سُلبت من أصحابها في مكاتب الضباب..
إلى إبراهيم الذي غرس، وعمر الذي قاوم..
إلى كل من مرّ به وعد الشيطان فظلّ متمسكاً بالحق ولم يرضخ..
أهدي إليكم هذه القصة.. لكي لا ننسى.
الفصل الأول:
وعد ممن لا يملك لمن لا يستحق...
1917
عدّل (آرثر بنهاليغون) نظارته وثقل الأوراق التي أمامه حاضرًا في رأسه أكثر مما هو على مكتبه، كل واحدة منها أخطر من سابقتها..
أمامه ورقة واحدة من نوعها من أوراق الرقّ التي تبدو أنها صُنعت من جلد البقر فوق سطح مكتبه المصنوع من خشب الماهوغني الداكن
لم تكن سوى رسالة نوايا من بضع عشرات من الكلمات الدبلوماسية المهذبة، ومع ذلك أحس بثقلها يفوق قذائف المدفعية التي تُجرّ في وحل باشنديل
رفع آرثر بصره إلى الخريطة المعلقة على الجدار البعيد، تحفة من خرائط العصر الفيكتوري تتوهج باللون الوردي حيث تمتد سيطرة التاج
وانسابت عيناه جنوبًا شرقًا، إلى شريط ضئيل من الأرض بين الأردن والبحر لم يزرها يومًا
لا يعرف حرّ حجارتها، ولا رائحة أشجار زيتونها، ولا حب وتمسك أهلها بهويتهم، بالنسبة له لم تكن وطنًا بل مجرد إحداثية استراتيجية.. عازلًا يحمي القناة، وحجر شطرنج في لعبة تُدار ضد دولة عثمانية تتداعى
قطع هدوءه صوت قادم من الباب:
– وزير الخارجية ينتظر يا آرثر هل استقرّت الصياغة؟
كان المتكلّم هو (كافندش) رجل استُبدلت روحه منذ زمن طويل بقانون الخدمة المدنية
غمس آرثر سنّ قلمه في المحبرة وتمتم بصوت مبحوح:
– أمر غريب يا كافندش، أن تهب أحدهم حديقة لا تقع ضمن بيتك بل لا تمتلكها من الأساس، أن تَعد بثمار شجرة لم تزرعها ولا تملك حقّ قطافها
أجابه كافندش ببرودة نهر التايمز:
– نحن لا نُعطي، نحن نُيَتِّم إقليمًا ليجد وصيًا جديدا أكثر ملاءمة، الحرب العظمى تفرض قدرًا من المرونة الأخلاقية يا سيدي
ارتعشت يد آرثر قليلًا حين لامس القلم الورق وتذكّر العبارة التي كانت تُهمَس في نوادي ماي فير وهم يدخنون سجائرهم الفخمة على طاولات القمار
(وعدٌ ممن لا يملك لمن لا يستحق..)
عبارة ساخرة لكنها كانت تنخره
فالإمبراطورية البريطانية المنهكة بنزيف حروب فرنسا باتت تساوم على مستقبل أرض لا تحكمها إلا بسيف مؤقت.. كانوا كمن يهندسوا بيتا لن يسكنوه ويرسمون مخططات لأناس لن يلتقوهم قط
وكتب:
(تنظر حكومة جلالة الملك بعين الرضا إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين…)
وما إن انتشر الحبر على الصفحة حتى شعر بقشعريرة غريبة.. لم يكن يكتب رسالة والسلام، بل يحفر صدعًا في وجه الأرض.. فكل نقطة بمثابة سور فاصل، وكل فاصلة ليست إلا حدٌّ قادم.
كان هو من لا يملك يسلّم مفاتيح أرض فوق رؤوس
سُكّانها ل من لا يستحق.
قال:
– تم الأمر.
وكان الحبر لا يزال يلمع كجرح طري
مال كافندش فوق الورقة وهز رأسه بإعجاب بارد وقال:
_ تحفة من الغموض يا سيد بنهاليغون أنت
تقول كلّ شيء ولا تقول شيئًا في آن.
وحين غادر الرجل بالوثيقة نظر آرثر إلى أصابعه
كانت ملوّثة بالسواد، مسحها بمنديل لكن الحبر استقر عميقًا في خطوط الجلد، علامة خشي ألا يمحوها ماء أبدا.
نهض إلى النافذة وكانت أضواء الغاز في لندن تظهر خلف الضباب خافتة ومضطربة، بالكاد تُرى
رأى رسولًا يركل دراجته لتدبّ فيها الحياة
ذاك الرسول يحمل مسودته التي كتبها للتو ذاهبًا إلى مكتب رئيس الوزراء ليتأكد من مرونة صياغتها ومن ثم إلى المطابع والبرقيات التي ستحوّلها إلى مرسوم رسمي
أيّ كيمياء غريبة هذه، أن يغيّر رجل جالس في غرفة دافئة بلندن ثِقل أرض تبعد آلاف الأميال بحركة من معصمه
بالنسبة له ولحكام بريطانيا فالصهاينة سيكونون مدفوعون بجوع قديم إلى تربة لم يملكوها إلا في الدعاء ألفي عام، ففي نظرهم كانوا مثقفين ومثابرين وأوروبييّ الروح كرجالًا مثل وايزمن من يتقنون لغة النخبة البريطانية، ثم هناك الآخرون… أصحاب الأرض، أو بالأحرى (الطوائف غير اليهودية) كما وصفتهم المسودّة باستخفاف..
أدرك آرثر فجأة أن الناس الذين يفلحون تلك الأرض، ويخبزون في أفرانها، ويدفنون موتاهم في ترابها، لم يُدعَوا يومًا إلى الطاولة..
كانوا في نظر الجميع أصحاب حق، أما في نظر وايتهول فمجرد خلفية لمخطط أعظم،
الإمبراطورية لا تراهم إلا حين يصيرون عقبة.
همس آرثر للفراغ:
– هذا منطق الخريطة.
عاد إلى مكتبه ورفع ثقّالة أوراق برونزية، هدية من قنصل خدم في دمشق مليئة بتقارير عن تلال الخليل، ورهبة الصحراء ومنطقة الجليل،
ثم تخيّل فلاحًا هناك يستيقظ على نسمات الريح بين أشجار الزيتون، يؤمن أنّ الأرض له.. فعظام جدّه صارت من غبارها المتطاير، ولأن لديه سندات من الباب العالي العثماني تثبت أحقيته وملكيته.
لكن آرثر كان يعلم أنّ تلك السندات باتت أقل قيمة من قصاصات سلّته، فالبريطانيون جاؤوا بملكية جديدة وُلدت من الفولاذ والبارود والغطرسة.
سحب ورقة جديدة أراد هذه المرة أن يخط فيها رسالة خاصّة، لا للأرشيف بل لروحه البعيدة:
عزيزتي مارغريت،
اليوم شاركتُ في سرقة كبرى، ساومنا على بيت لا نسكنه لأجل ضيوف لم يصلوا بعد، لنسدّد دينًا لأنفسنا، نُسمّي هذا دبلوماسية لكنّي أخشى أن يسمّيه التاريخ اسمًا آخر.. نحن نلعب دور الإله في جغرافيا لا نحسن حتى نطق أسماء مناطقها.
توقّف.. لا يمكنه إرسالها؛ ربما لأنها تعد خيانة فالمرسوم لم يُصدر بعد.. أو أسوأ، ربما عاطفة، وفي 1917 في بريطانيا كانت العاطفة ترف لا تحتمله الإمبراطورية.
فالحرب تلتهم شباب إنجلترا وبالنسبة لملكها وحكومتها إذا كان هناك أي فرصة لوجود ولو شبرًا واحدًا من المشرق سيؤمّن لهم المتوسّط، فما قيمة حقوق بضعة مئات آلاف من العرب؟
كرمش الرسالة وألقاها في المدفأة..
راقب النار تلتهم الحواف حتى صارت رمادًا رماديًا.
ثم طرقة أخرى على الباب أفزعته، كان شابًا بذراع صناعية.. ربما فقد يده في محاولة بطش ما أخرى في مكان آخر،
– مكتب رئيس الوزراء أكّد الاستلام سيدي، وتم التأكيد بأن الصياغة مرنة بما يكفي
قال آرثر
– مرنة.. هي كلمة مطاطية جداً تعني شدّ الحقيقة حتى تنقطع، ما بين وعد القمر لهذا والشمس لذاك، ثم التعجّب حين يعمّ الظلام.
– هل من شيء آخر؟
– لا يا جيفري، اذهب ونم.. تغيّرت خريطة الشرق الأوسط الليلة؛ نم قبل أن يلحق بك الخبر.
وحين خرج الصبي بقي آرثر في عتمة مكتبه منهكًا، أمضى عمره يؤمن برسالة الإمبراطورية التمدينية،
لكنه الآن لا يرى سوى الفوضى التي يصنعونها.
كان هو من لا يملك سلّم وعدًا لمن يطلب ملجأ،
لكنّه سرق ملجأ من كانوا فيه.
همس بسخرية:
– وعدٌ ممن لا يملك… لمن لا يستحق.
وهو في قرارة نفسه لم يقصد أن من لا يستحق لا يستحقون بيتًا، بل أنّ أحدًا لا يستحق هبة مسروقة من جار غافل.
أطفأ المصباح وغرق المكتب في الظلام وفي الخارج دقّت أجراس ساعة وستمنستر رنينًا بدا له كعدٍّ تنازلي لقنبلة موقوتة زُرعت في أرض الشام.
كانت الرسالة قد غادرت والكلمات صارت في الهواء، وقرن النار على وشك أن يبدأ.