التواصل مع الممنوع: صفقة الشيطان
التواصل مع الممنوع
ما الذي سيحدث مع ندى ؟ هل يمكن ان يتقابل خليل وندى التعرف اكثر لغرفة خليل الملعونة ؟
في تلك اللحظة، توقّف الزمن بالنسبة لندى. تجمّد جسدها، وتعثر نفسُها في صدرها، وكأن الهواء فقد طريقه إليها. ذلك الصوت بدى كأنه معروفًا لديها، محفورًا في ذاكرتها منذ دقائق قليلة، منذ المكان الذي حاولت دفنه في قاع النسيان. ظلّت اليد على كتفها، كانت يد ساكنة، ثقيلة، شعرت ببرودة تزحف من موضع اللمسة إلى أعماق جسدها، وسيطرت على عقلها فكرة واحدة بإلحاح مرعب " لقد عُثر على الكراسة… ومعها، عُثر عليها"
التفتت ندى إلى مصدر الصوت، والرعب يستبد بقلبها. كانت تتمنّى، بكل ما تبقّى فيها من أمل، ألّا يكون المتحدّث أحد الوجوه التي تحاول نسيانها، غير أنّ القدر بدا أقوى من رغبتها هذه المرّة.
الصوت مألوف… قريب حدّ الإرباك، بعيد حدّ العجز عن التمييز. أهو الصوت ذاته أم مجرّد وهم؟ تداخلت الأسئلة في رأسها، واختلطت عليها الأمور تحت وطأة التوتّر والخوف.
— آنسة ندى؟ أظنّ أنّ اسمك ندى، أليس كذلك؟
ارتبكت، وتلفّتت حولها كمن يبحث عن مهرب. خرجت الكلمات من فمها متعثّرة، غير مترابطة:
— نعم… لا… أوه، شكرًا لك، لقد كنت أبحث عنها في كلّ مكان… أين وجدتها؟
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجه الفتى الوسيم، ابتسامة لا تشي بشيء سوى بساطة الموقف في نظره:
— وجدها أحد أصدقائي، ومن الاسم أدركت أنّك قد تكونين عربية، فأردت مقابلتك والتعرّف إليك. كما تعلمين، العرب ليسوا كُثرًا هنا.
— آه، أشكرك كثيرًا يا…
— اسمي أحمد… أحمد التونسي. وإن احتجتِ إلى أيّ مساعدة، فلا تتردّدي في الاتصال بي.
أنهى أحمد حديثه، ثم توجّه بهدوء إلى مقعده، تاركًا ندى وحيدة في مواجهة عاصفة من الأفكار المتلاحقة. هل يعقل أنّه لا يعلم شيئًا؟ هل يمكن أن يكون هو ؟هل يجهل أنّها كانت شاهدةً على تلك المحادثة مع الطالب البوسني فرانكو؟ سؤال واحد ظلّ يطرق رأسها بإلحاح: هل هي في أمان؟ لم تكن متأكّدة من شيء. لم تستطع الجزم إن كان هو الشخص نفسه الذي كان برفقة الطالب البوسني أم مجرّد تشابه أربكها. حسنا صوته لا يطابق ذلك الصوت الذي علق بذاكرتها، ونبرته مختلفة، وحتّى لباسه لا يشبه ما رأته سابقًا. ومع ذلك، ظلّ الشكّ معلّقًا في ذهنها، لا يؤكّد ولا ينفي، كظلٍّ غامض يرفض أن يتبدّد.
لكن… ماذا إن كان هو؟ ماذا إن كانت هذه مجرّد خطة مُحكمة للإيقاع بها؟ تساؤلات متلاحقة داهمت عقل ندى، أربكتها أكثر ممّا خوّفتها. لم تدرِ ماذا تفعل، ولا أيّ طريقٍ تسلك بين الشكّ والحذر. صحيح أنّه تونسي مثلها، وهذا وحده منحها قدرًا ضئيلًا من الطمأنينة، غير أنّ الغربة كانت قد علّمتها درسًا قاسيًا لا ثقة كاملة في أحد مهما تشابهت الأوطان.
"يا إلهي"… تمنّت، في سرّها، لو أنّها لم تأتِ إلى الجامعة هذا اليوم. لو بقيت في منزلها، تُعدّ مشروبها المفضّل، وتفتح كتب غيث منصوري، تقرأ هراءه المعتاد وحديثه الملتبس عن العلاقات بين الرجل والمرأة، وتسخر في صمت من يقينيّاته الجاهزة. اعتدلت في جلستها أخيرًا، محاولةً استعادة شيء من توازنها وفتحت كراستها. غير أنّ الحيرة ارتسمت بوضوح على شفتيها حين وقعت عيناها على الرسالة التي تركها أحمد لها...
بعد مرور يومٍ كامل عادت الحكاية إلى مسارها الطبيعي، حيث وجد خليل نفسه في مواجهة ما خلّفه ذلك المساء إذ لم تمر بعض الدقائق حتى تكدست سيارات الشرطة والأمن الفرنسي أمام المبيت الجامعي، مصطفّة كحاجزٍ معدنيّ يقطع سكون الليل .في الداخل، وتحديدًا في الردهة (أ)، وقف المحقّق مورغان أمام الغرفة رقم ثلاثة عشر يتفحّص التفاصيل بدقّةٍ معتادة، فيما انشغل مرافِقوه بتوثيق المعطيات وجمع الأدلة خطوةً بعد أخرى وفق تسلسلٍ مدروس لا يسمح بالارتجال. ومع اكتمال الإجراءات الأولية، انتقل الجميع إلى اجتماعٍ مقتضب ضمّ المحقّق بخليل ومدير المبيت في ركنٍ جانبيّ بعيد عن أعين الفضوليين.
قال مورغان بصوتٍ متماسك، خالٍ من أي انفعالٍ إنساني:
— وفق المعطيات الأوّلية فإنّ حالة الوفاة تُصنَّف كـانتحار. وُجد أثر الحبل واضحًا حول الرقبة، كما عُثر على الحبل معلّقًا في إحدى زوايا الغرفة. كما أنه لم يمر على موتها وقت طويل لأن الجثة لم تتحلل بعد.
ساد صمتٌ قصير، صمتٌ قطعه المدير وهو يشدّ على ياقة قميصه، كمن يحاول إبعاد فكرةٍ مزعجة:
— انتحار؟… غريب. هذه المرّة الأولى التي نشهد فيها حادثةً كهذه داخل المبيت.
في تلك اللحظة، لعن خليل في سرّه حظّه البائس. تسلّلت إلى رأسه فكرةٌ أحرجته هل هو نذير شؤم؟ وتساءل، دون أن ينطق، إن كانت الشكوك نفسها قد مرّت خاطفةً في أذهان الحاضرين.
رفع المحقّق نظره، وقال بنبرةٍ ازدادت حدّة:
— ولهذا تحديدًا نحتاج إلى استجواب الجميع. نريد أن نفهم الدافع: هل كان هناك تنمّر؟ تهديد؟ ضغطٌ نفسيّ؟ أي تفصيل، مهما بدا تافهًا، قد يكون خيطًا يقودنا إلى الحقيقة.
ثم أضاف وهو يدوّن ملاحظة:
— سنستدعيكم جميعا غدًا إلى مركز الشرطة للإدلاء بكل ما تعرفه.
أومأ المدير برأسه ببطء، محاولًا إظهار تماسكٍ لم يكن موجودًا فعلًا:
— نحن على أتمّ الاستعداد للتعاون، بالطبع.
ثم، وبحركةٍ لا شعورية، تحوّلت الأنظار إلى خليل. قال المدير بصوتٍ أخفّ، مشوبٍ بشيءٍ من الحرج:
— سيّد خليل… نأسف عمّا مررتَ به، ونأسف أكثر لأنّ المبيت لا يوفّر حاليًا غرفًا بديلة. غرفتك قد أُعيد تنظيفها وتعقيمها، وهي جاهزة للنوم، إلى أن نعثر لك على حلٍّ آخر.
بالطبع وافق خليل على طلب المدير. لم يكن في موافقته اقتناعٌ حقيقي، بقدر ما كانت محاولة يائسة لإخفاء ما يعتمل في داخله. لم يُرِد أن يبدو هشًّا أمام أعين الغرباء، فتقمّص قناع القوة، بينما كان في أعماقه يلعن اليوم الذي قاده إلى هذا المبيت، والقرار الذي جعله يبتعد كل هذا البعد عن بيته. كان يعرف، كما يعرف الجميع، أن الغربة قاسية، وأن بداياتها غالبًا ما تكون مربكة ومؤلمة، لكن أحدًا لم يخبره أن يومه الأول قد يبدأ بصدمة كهذه. لم يتخيّل، ولو على سبيل الكابوس، أن يفتح عينيه على عالم جديد ليجد فيه جثة داخل غرفته الخاصة، في المكان الذي كان من المفترض أن يكون ملاذه الوحيد.في تلك اللحظة، خطرت له فكرة العودة إلى المنزل، والانتظار إلى أن تنتهي هذه الفوضى، غير أن هذه الفكرة لم تلبث أن تراجعت حين واجهته ذاكرته بما تحمله من تفاصيل موجعة. فقد تذكّر تعب عائلته، والمال الذي جُمِع على مضض، والتوقعات التي عُلِّقت عليه منذ لحظة سفره. عندها أدرك أن الانسحاب لم يعد خيارًا ممكنًا. أخذ نفسًا عميقًا، وحاول أن يستعيد شيئًا من توازنه، ثم قرر أن يواجه الواقع كما هو، واضعًا نصب عينيه هدفه الأساسي، ومقنعًا نفسه بأن هذه الحادثة، مهما كانت قاسية، لن تكون سببًا في توقفه. وحين انفضّ الجمع، وغادر رجال الشرطة تباعًا، وأُغلق باب الغرفة خلف آخرهم، عمّ المكان صمت ثقيل. في تلك الأثناء، شعر خليل بإرهاق شديد يسيطر على جسده، إذ بدا له اليوم أطول مما يحتمل، يوم بدأ بالغربة وانتهى بحدث لم يستطع استيعابه بعد.
بعد ذلك، دخل غرفته بهدوء، وأغلق الباب خلفه، ثم شرع في خلع ملابسه ووضعها جانبًا. وعلى الرغم من اضطراب أفكاره، حاول التمسك بعادات بسيطة تمنحه شيئًا من الاستقرار. لذلك رتّب سريره، وسحب الكرسي نحو المكتب، وبدأ ينظم أغراضه واحدة تلو الأخرى، كأنه يعيد ترتيب نفسه من خلال ترتيب المكان. ثم صفّ كتبه وكراساته بعناية، ووضع قلمه المفضل في موضعه المعتاد، ومسح سطح المكتب بيده، مستحضرًا رغبة صامتة في إزالة أثر هذا اليوم. وبعد ذلك أخرج من حقيبته صورتين صغيرتين، فعلق الأولى لعائلته فوق المكتب، وتوقف لحظة ينظر إليها، ثم علّق الثانية لبيته القديم. عندها شعر بشيء من الهدوء يتسلل إليه، إحساس محدود لكنه كافٍ ليؤكد له أن جذوره ما تزال حاضرة.
ثم اتجه نحو النافذة حاملا في يده كوب قهوة وفتحها ببطء. عندها انكشفت أمامه المدينة في صمتها الليلي، وقد توزعت أضواؤها على امتداد الشوارع والمباني، فيما بدت الأرصفة شبه خالية، تتخللها حركة محدودة لسيارات متأخرة. كانت الأنوار تنعكس على الواجهات الحجرية القديمة، فتمنحها حضورًا ثابتًا، بينما ارتفعت في الأفق ملامح باريس كما عرفها في الصور، مدينة منظمة، هادئة، ومستقرة على الرغم من كل ما يعتمل في داخلها. ومن خلال ذلك المشهد، شعر خليل بتناقض واضح بين ما يراه أمامه وما يعيشه في داخله. فالمدينة بدت مطمئنة في انتظامها، ساكنة في ليلها، وكأنها غير معنية بما حدث قبل ساعات قليلة داخل غرفة ضيقة في أحد مبانيها. ومع استمرار نظره، أدرك أن هذا الجمال الهادئ لا يبدد اضطرابه، غير أنه منحه لحظة صمت نادرة، لحظة سمحت له بأن يتوقف عن التفكير مؤقتا. وبينما كان يتأمل المشهد، لمح بالصدفة فتاة جميلة في الطابق الآخر من المبنى المقابل. كانت تحمل رسالة في يدها بينما عيناها سارحتان في عالم ٱخر. جذبه منظرها فورًا، فتوقف عن أي حركة، وترك كل شيء حوله ينسحب من ذهنه للحظة، مستغرقًا في النظر إليها. لم يكن قد شعر بهذا الانبهار من قبل، لكنه سرعان ما تصاعد خجله تدريجيًا حين أدركت هي بدورها أن عينيه تتجه نحوها. ارتبكت هي سريعًا، فارتعشت للحظة، وابتعدت قليلًا عن النافذة، بينما شعر خليل بدقات قلبه تتسارع، فغلق الشباك على الفور، غير قادر على مواجهة نظرتها أكثر من ذلك. استدار عن النافذة، وعاد إلى سريره، ثم تمدد عليه واستقر في وضع مريح. بقي ينظر إلى السقف لبرهة قصيرة، محاولًا ترتيب أفكاره المتشابكة بين ما شاهده في المدينة وما حدث عند النافذة، غير أن التعب كان أقوى من محاولاته. وهكذا، ومع تراجع وعيه تدريجيًا، أغمض عينيه، واستسلم لنومٍ عميق.
كان يظنّ أنّه سيسقط في نومٍ عميق، نومٍ خالٍ من الوعي والأسئلة، غير أنّ دقائق قليلة مرّت قبل أن يستيقظ من جديد. غير أنّ هذه الاستيقاظة لم تشبه سابقاتها. توقّف عقله عن الفهم، وارتبك إدراكه، وبرز سؤال واحد يضغط على رأسه :ما الذي يحدث؟
فجأة ومن العدم وجد خليل نفسه واقفًا في زاوية من زوايا الغرفة. لكنه لم ينهض من سريره، ولم يتحرّك جسده، ومع ذلك كان قائمًا يرى المشهد بوضوح. نظر نحو السرير فرأى جسده ممدّدًا فوقه، ساكنًا، غارقًا في صمت مريب. تراجع خطوة للخلف وقد داهمه الذهول.