عرش الظل | عيون في الضباب
عيون في الضباب
.........
لم يكن قلب الوادي مكانًا يُدخله أحد بإرادته، بل يُستدعى إليه. كلما تعمّق آزرائيل في المدينة، كانت الممرات تفتح له وحده وتغلق خلفه، كأن الوادي يبتلعه تدريجيًا.
الضباب هناك لم يكن بخارًا… بل ذاكرة. كل خطوة كان يخطوها، تهمس له بصور من طفولته، من أول ليلة سمع فيها الظل، ومن وجه ليورا وسط النيران.
توقف فجأة.
لم يكن وحده.
شعر بنبضة مختلفة خلفه، نبضة ليست من الجن، ولا من الظل. نبضة دافئة… بشرية.
دون أن يلتفت، قال بهدوء:
"الخوف لا يناسبكِ يا ابنة النور."
تجمدت الحركة خلفه، ثم خرجت ليورا من بين الضباب. عباءتها البيضاء لم تعد نقية كما كانت، بل مغطاة بغبار الطريق، وعيناها الذهبيتان ثابتتان رغم التعب.
"لم أتبعك لأوقفك،" قالت بصوت منخفض، "بل لأفهمك."
نظر إليها للحظة طويلة، ثم استدار دون تعليق وأكمل السير. لم يأمرها بالرحيل… ولم يدعها للبقاء.
وهنا انشق الضباب.
ارتفعت الأرض أمامهما، وتشكلت منها منصة سوداء واسعة، وفي مركزها وقف ملك الجن. هذه المرة لم يختبئ خلف الغموض؛ كان واضحًا، ثقيل الحضور، قرناه يشتعلان بضوء أزرق بارد، وعيناه أعمق من أي ظلام عرفه آزرائيل.
ترددت أصداء صوته في الفراغ:
"سيد الظلال… وتابعته قطعة من النور."
لم تنحني ليورا، رغم أن الهواء صار أثقل.
أما آزرائيل، فبقي واقفًا بثبات، لكن ظله خلفه كان مضطربًا.
قال الملك:
"أنت تحمل قوة ليست لك بالكامل، وهي تحمل نورًا لا تفهمه بعد. وجودكما هنا… ليس صدفة."
رد آزرائيل بنبرة جامدة:
"لم آتِ لنبوءة. جئت لأعرف الحقيقة."
اقترب ملك الجن خطوة، فاهتزت المنصة تحت أقدامهما.
"الحقيقة بسيطة. الظل الذي يسكنك ليس هبة… بل ختم."
ساد الصمت.
ثم مد الملك يده فجأة نحو صدر آزرائيل، فتجمد الظل في مكانه، وكأنه شُلّ. صرخة غير مسموعة خرجت من داخله، لا من فمه، بل من روحه.
ليورا اندفعت خطوة للأمام دون تفكير، واندفع من جسدها نور ذهبي اخترق الضباب للحظة قصيرة.
اصطدم النور بالظل.
اهتز المكان كله.
نظر ملك الجن إلى ليورا باهتمام حقيقي لأول مرة.
"النور لا يحارب الظلام هنا… بل يكشفه."
ثم وجّه نظره إلى آزرائيل:
"إن أردت أن تكون سيد الظلام بحق، فعليك أن تتحرر منه أولًا."
شدّ قبضته، فانفصل الظل عن جسد آزرائيل للحظة، متجسدًا أمامه ككيان أسود ضخم، بلا ملامح… لكنه يشبهه.
كان يرى نفسه… لكن بصورة مشوهة، أقدم، أشرس.
قال الكيان بصوت مطابق لصوته:
"أنا لست سجنك… أنا حقيقتك."
ارتجفت يد ليورا، لكنها لم تتراجع.
همست: "اختر."
لم تكن المواجهة بينه وبين ملك الجن فقط…
بل بينه وبين ما أصبح عليه.
تقدم آزرائيل خطوة نحو ظله المنفصل، وعيناه الفضيّتان تلمعان بلا خوف.
"إن كنت حقيقتي… فسأعيد تشكيلك بيدي."
وهنا… ابتسم ملك الجن.
المعركة لم تبدأ بعد، لكنها أصبحت حتمية.