يوما ما .. الفصل الرابع
الفصل الرابع
.........
بعد انتهائي رحت أعد الطاولة و أنا اغني بشجن مع صوت فيروز في اغنية سألتك حبيبي المنبعثة من الراديو القديم.
فأنا لا طالما عشقت فيروز و الأغاني العربية القديمة ، لطالما عشقتها وعشقت معها كل ما هو كلاسيكي و قديم ، الأشعار .. الموسيقى.. و الأشخاص .. و حتى الحب نفسه, فالحب قديما كان يقتصر على تلك الرسائل المكتوبة بحروف اللهفة لتكون شاهدة على حكايات الحب جميعها، السعيدة منها و التعيسة، الخيالية منها و الواقعية.. كأنه الشاهد الوحيد على جريمة تسمى " الحب " .
تلك الرسالة التي ما ان يفتحها العاشق حتى تلمسه تلك الرائحة المليئة بالشجن و الحنين ، فتُقرأ تلك الكلمات بالقلب قبل العين، فتكتمل الجريمة ما ان تصل المشاعر و تستقر في المكان الذي تنتمي إليه من الاول ،فيسكت العقل و يسكت كل شيء، إلا واحد لا شريك له ، واحد له كل الحق في الكلام، واحد هو مخطط الجريمة الكاملة و هو المسبب و السبب الوحيد الذي تحيا به الحياة.
فالعاشق يعد على اصابع يديه و قدميه و الثواني و الدقائق و الساعات و حتى أشهر لرؤية وجه من نبض له القلب عشقا لمدة لا تتعدى دقيقة .. ثواني و ساعات و أشهر من الشوق و الانتظار لتلك الدقيقة.. دقيقة يتجدد فيها الحب مع سيمفونية عالية يلحنها القلب .
هكذا كانت معادلة حب الزمن الجميل .
اما حب الحاضر فهو شيء آخر، شيء بعيد كل البعد عن الجمال و الحنين، تلك الرائحة التي دخلت عليها تكنولوجيا الهاتف لتقلص المسافات البعيدة ،والتي استولت على رائحة الشوق .. لا وجود للعد، و لا للانتظار، و لا للحب، العد ذهب مع ذهاب الحب و الشوق ذهب مع ذهاب الانتظار المؤلم ، فكل شيء متاح في هذا الزمن حتى الرسائل الورقية اختفت و تم استبدالها بذلك الجهاز الذي يسمى الهاتف و الذي جعل الحب يتنفس أنفاسه الأخيرة و يحتضر تحت ما يسمى تكنولوجيا.
و كما كان الحال فقد استوطن على الحب و جعله روتيني مليء بالملل.
فالحب يكمن في حماسة البدايات و ذكاء المسافة ، أن تجعل كل شيء في وقته جميلا و ذو قيمة ، أن لا تتحمس كثيرا فتفقده و ألا تقترب كثيرا فتحترق ، و ألا تبتعد كثيرا فتنطفئ.
في المنتصف بين حماسة التوهج و الإنطفاء .
انتهيت من اعداد الطاولة ثم ذهبت و وقفت أمام النافذة و أنا أستمع إلى صوت قطرات المطر و هبوب الرياح القوية، فانتبهت الى رجل غريب مار يهمهم بكلمات غير مفهومة ، غير مبالي لا بالمطر و لا بالرياح و لا حتى بالقطط التي تحوم حوله طلبا الطعام، غريب أمر هذا الرجل كيف أنه غير مبالي هكذا ، أم أنه فقد الشعور بكل من حوله؟ فحتى تلك القطرات لم ترحمه و جعلت من الرياح بردا هز أوصاله هزا. مسكين اتمنى ان يجد مكان يحتمي فيه .
فصرفت نظري لأضواء السيارات العابرة التي تأتي و تذهب غير عابئة بالسيول القوية و لا الرياح العاتية ، و أنا أشاهدها و أتمنى من كل قلبي ان تكون احداهما سيارة والديَّ.. فابتعدت من أمام النافذة، و رحت أشغل نفسي بتنظيف و ترتيب البيت محاولة مني لعدم التفكير.
و بعدها لم أشعر الا و انا احمل هاتفي و أتصل بأمي ، فإذا به يرن و أنا أنتظر و أتمنى أن يجيبني الصوت المحبب لقلبي فإذا بأمنيتي تجاب و سمعت صوتا يعادل صوت أجمل الأشياء :
- زهرتي.
- أمي لماذا تأخرتما ! إنها السابعة مساءا . قلتها بصوت حاولت جاهدة اظهاره طبيعيا قدر المستطاع.
- أعلم يا توليب فأنا و والدك كنا في الشركة و كان لدينا عمل ضروري و نحن في طريقنا .
- اااه اذا سأنتظركما على العشاء يا امي لا تتأخرا ، و ابلغي سلامي لأبي .
- حسنا يا زهرتي اهتمي بنفسك و كوني بخير.
- حسنا يا امي و قودا بحذر فالمطر شديد.
***
ان أكثر الأشياء ارباكا هي متابعة دقات الساعة وهي تتحرك بحركة رتيبة روتينية تتابعها و أنت تنتظر المجهول, فتنتظر و تتمنى أن يظهر لك اي منفذ ليخرجك من افكارك التي تتدفق كتدفق المياه الجارية.
فمنذ حديثي مع امي و أنا تارة أتابع دقات الساعة و تارة اخرى النافذة المطلة على الطريق، و بين هذا و ذاك انقضت ساعة و دقيقة، فدوامة القلق و الأفكار السيئة بدأت تعصف بعقلي وصولا لقلبي، فأبت أن تفارقني كظلي الملتصق ، فحملت هاتفي و اتصلت بأمي فإذا بها تلك الغبية تخبرني أن الهاتف خارج نطاق التغطية، حسنا! ربما فصل شاحنه و انطفأ، سأتصل بأبي ، لكن تلك الغبية أخبرتني نفس الجواب . اهدئي يا توليب ! حتما من الممكن أنه انطفئ أو هما في مكان لا يوجد به تغطية و من الممكن أن عملا آخر مهم قد طرأ ، لا تقلقي ،لكن هيهات فكلماتي لم تستطع مواساة قلبي فكان وقعها أشبه بالتحدث لشخص أصم، لماذا تأخرا؟!
فمن المفترض أن يتصلا و يخبرانني ، فأخذت الأفكار تعمل عمل السحر داخلي تأتي و تذهب دون مفارقتي و سيئها أكثر من جيدها.. فكانت القشة التي أفاضت قلقي حين وصلت لنهاية الأفكار بحدوث شيء لهما، فطفقت لبالي فكرة أن أذهب إلى هناك ، لكنني استبعدتها اولا خشية ان يأتيا و لا يجدانني و ثانيا لسوء الطقس و غزارة مطره .
يا إلهي ما العمل أكاد اجن !
فأنا لا أعلم كم مر من الوقت و أنا في مكاني لا اتحرك وحدها افكاري من كانت تجوب و تعصف داخلي, هل مرت دقيقة أم ساعة ؟ لماذا أشعر ان الوقت يمر ببطيء؟ و لماذا أشعر أن الدقائق ساعات و أن الساعات أشهر، و الأشهر أعوام فما بالي و ما بال الوقت لا يمر و أنا على حافة الجنون لا أتقدم و لا أتراجع في المنتصف لا أدري ماذا أفعل.
كل شيء أصبح باهت و عقلي يدور و يدور دون التريث لثانية، و جميع الأحداث تقفز الى ذهني دون أن تعطيني فرصة للتنفس, في المنتصف أنا تحاوطني أفكاري و أسئلتي البعيدة مع عقلي المضطرب الذي كاد يأخذني لحافة الجنون لولا أنني استجمعت شتات نفسي ، فأنا لم و لن أستسلم لها .
فعادت لي تلك الفكرة الأولى في الخروج و البحث عنهما، لا أعلم أين بالضبط لكنني يجب أن أفعل شيء فأنا لن أقف مكتوفة الأيدي !
فنهضت و ارتديت ملابسي و حملت المظلة و خرجت للبحث ، نعم خرجت في الليل أمشي في الطرقات الكئيبة التي كانت خالية من أي كائن حي ، وحدها القطرات من كانت ترتطم بها و بمظلتي برفق، فلم أعلم إلى أين أذهب بالتحديد، لكن الذي أعلمه أنني لو بقيت دقيقة واحدة سأفقد عقلي من التفكير ، فرحت أجوب الطرقات الخالية ليلا علي أجدهما ، مشيت و مشيت حتى وجدت نفسي أمام مركز الشرطة ، فرحت أفكر هل أقدم بلاغ أم لا ؟ فحسمت أمري و دخلت يجب أن أفعل شيئا ما!.
***
-مرحبا أود أن أقدم بلاغ اختفاء .
قلتها و أنا بالكاد أستطيع التقاط أنفاسي ، و بالكاد أيضا أحافظ على هدوئي وعلى نبضات قلبي ،فسمعت صوت رجل يقارب للخمسين يتمتم :
- من الذي ستبلغين عنه ؟
- سأبلغ عن اختفاء والديَّ ، أرجوك يا سيدي أن تساعدني فأنا لا أعرف ما الذي أفعله أو سأفعله.
هنا فقدت رباط جشأي و بدأت أتحدث بهيستيرية ،لا أعلم لماذا لكنني أشعر أن شيء سيئ قد حصل لهما.
- يا آنسة اهدئي ارجوكِ و أخبريني لماذا تريدين التبليغ عنهما . فشرعت احكي له منذ لحظة تحدثي معهما وصولا لهنا.
- اسمعي يا آنسة من المحتمل ان يكونا قد تأخرا بسبب زحمة المرور أو ان لهما طريق آخر لا تقلقي .
- أنا أعلم لأنني وضعت كافة الاحتمالات الممكنة ، لكن لماذا هاتفهما مغلق ؟ أنا أعلم والديَّ فهما دائما يتصلان ليطمئناني فهما يعلمان انني حساسة و قلقة جدا فعقلي لا يكف عن تأليف مشاهد سيئة ، عوضا عن انني خائفة عليهما ، فماذا تريدني ان أفعل ، فهذا هو الحل الوحيد الذي وجدته امامي .
- أنا اعلم يا انسة انك خائفة، فمن الممكن ان يكونا في مكان لا يوجد فيه تغطية ، فكل شيء وارد الآن لكن اعلمي اننا لا نستطيع تقديم بلاغ و التحرك الا بعد مرور ٢٤ ساعة هذه هي القواعد.
فأطرقت رأسي بأسى و أنا أشعر أنني سأبكي في اي لحظة.
- لا تقلقي يا أنسة سيكونان بخير ، اعطيني رقم هاتفك و اذا حدث شيء سأتصل بك .
فخرجت و أنا أجر أذيال الخيبة في طريقي للمنزل ، منكسة الرأس و دموعي تهدد بالسقوط و ما زادها الا المطر الغزير الذي يرتطم بالمظلة بقوة ، فرفعت رأسي للسماء و بحركة سريعة و برضى تام أنزلت مظلتي و المطر يربت على رأسي كأنه يخبرني بأنني لست وحدي و أنه لأجلي ، صحيح بأنني ابدو كالمختلة تماما لكن شعور بأنه هناك من معي رغم غربة الطريق و برده أشعرني لا اراديا بالدفء , فالبرغم من البرد القارص و الرياح القوية إلا أنني كنت ممتنة لأن الطقس و على الأقل يشبهني.
دخلت للمنزل و المطر كان قد نال مني, فذهبت مسرعة لأغير ملابسي و لمحت المائدة و الارز الذي طبخته لأول مرة و قلبي يواصل انقباضاته, و الخوف كان قد تمكن مني كل التمكن فلم أعد أعرف هل اصدقه ام افنده ككل مرة .
لكن هذه المرة كان هناك شيء داخلي يخبرني أن هذه المرة مختلفة .. حتما مختلفة .
ثم ذهبت الى مكاني المفضل في غرفتي و الذي اطل عليه على الشارع الكئيب اترقب و افند كل دقة في قلبي و أنا أتابع بعينين ملتاعتين اثرهما المختفي و كلي انتظار لكن ما الذي أنتظره بالتحديد؟ امي و ابي ؟ ام فرحة رؤيتهما ؟ام ارتياح عدم تحقق شعوري المقلق ؟ ام عذاب سيغير حياتي و يقلبها رأسا على عقب ؟ .
قطع حينها شرودي صوت الهاتف فحملته بلهفة متوقعة أنهما والدي فرأيت أن الرقم غير مسجل ، فتعجبت للحظة لأنه نادرا ما يتصل بي رقم غير مسجل .
-الوو!
- هل معي ابنة السيدة ياسمين و فخر الدين ؟
فأجبت و التعجب و الخوف قد طغى على صوتي و جعله مهتزا هامسا:
- نعم أنا هي ، لكن من انت ؟
-لقد أخبرتك أنه إذا حدث شيئا لوالديك سأتصل بك .
فتذكرت ذلك الشرطي الذي أعطيته رقمي ، فقلت بلهفة و قلق بنفس الوقت :
- اااا اذا انت هو الشرطي من المرة الماضية ، هل لديك اخبار عن والدَّي ؟.
فسكت لبرهة قبل أن يقول ما كانت دقات قلبي تخبرني به :
-يؤسفني أن أخبرك أنه حدث لهما حادث مرور و هما الآن في العناية المركزة .
و بعدها فقدت الإحساس بكل شيء ، لم أشعر لا بصوت الرجل في الهاتف و لا بقلبي ، و لا بصوت الرياح و الأمطار لم أشعر بشيء إلا و الأرض تميد بي و بظلام يحيط بي من كل جانب و بصوت ذلك الشرطي يتردد من بعيد .
- آنستي هل أنت بخير .؟!
***
شعاع شمس لطيف تسلل ببطء و أخذ يداعب وجهي برفق ، ففتحت عيني قليلا و اذا بصداع قوي يداهمني و بألم حاد في رقبتي وفي ظهري ، فتحاملت على نفسي و نهضت و أنا لا أتذكر أي شيء ، فتساءلت أين انا؟ و لماذا أنا نائمة هنا؟, فتذكرت ذلك الكابوس الذي راودني ليلة أمس، و الذي كان قريبا للواقع أكثر من كونه حلم.
فلمحت المكان حولي فإذا بي أجد اول أرز طبخته في حياتي و الذي كان في الحلم ولاحظت أن ملابسي نفسها أيضا ، لحظة واحدة ! ..هل يعقل أن ؟!! ، فنظرت للهاتف المنطفئ بجانبي و حملته فإذا ببطاريته نفذت ، فذهبت سريعا و وضعته على الشاحن لأتأكد إذا كان الكابوس حقيقة أم لا، فذهبت إلى قائمة الاتصال، لأجد أن آخر من اتصل بي كان رقم غير مسجل و عدد المكالمات منه تجاوزت العشرة فعاودت الاتصال به و بأيدي مرتعشة ضغطت على زر الاتصال و كلي ترقب و انتظار فاذا بصوت رجل اجش يقول لي :
- آنستي هل أنت بخير ؟
- من أنت؟! .. هل تعرفني ؟
- اهدئي قليلا و اسمعيني هل تتذكرين ماذا حدث بالأمس؟
- هل هناك شيء يجب أن أتذكره و الأهم من أين أتيت برقم هاتفي ؟
- آنستي هل تتذكرين الشرطي الذي أتيت إليه للإبلاغ عن والديك ؟
فرحت أسترجع ذاكرتي فبدأت الصورة تتضح شيئا فشيئا و الكابوس بدأ تجسد أمامي فقلت بصوت مهزوز و مرتعش :
- هل تخبرني أن و الد...
- للأسف حالتهما خطيرة و هما الآن في العناية المركزة ، أنا أعلم أنك في صدمة الآن، لكن إهدئي قليلا .
ما الذي يقوله هذا المعتوه، كيف يخبرني أن أهدأ ؟! ، كيف يخبرني و عقلي لحد الساعة لم يتقبل الفكرة بعد ؟ كيف و هما الوحيدان المتبقيان لي و الآن يصارعان الموت و الحياة ، كيف يخبرني هذا الغبي أن أهدأ و قلبي يأبى الهدوء .
لكنني في الاخير تحاملت على نفسي و صمدت أمام الأهوال التي ضربت قلبي دفعة واحدة فلملمت شتات روحي و قلت له بصوت خالي من الحياة :
- في أي مستشفى ؟.