استسلام تكتيكي خير من هزيمة مدوية: السايكوباتي الذي بداخلي
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

استسلام تكتيكي خير من هزيمة مدوية: السايكوباتي الذي بداخلي

جاري التحميل...

استسلام تكتيكي خير من هزيمة مدوية

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

["تبخرت مشاعرنا تحت شمس الزمان القاسية، تاركةً وراءها جرحًا لا يندمل.. جرحًا اسمه 'كنتُ بريئًا' "–(7-1)]

المكان هادئٌ ظاهريًا، لا يشوبه حتى طنين بعوضة، لكن الأفكار المتلاطمة في رأسه كانت تُصدر ضجيجًا يفوق أي صراخ، وتُفتِّت السكون المزيف المسيطر على المشهد. لم يكن غبيًّا أو ساذجًا ليَرضخ أمام خيارٍ مُغلَّف بالاستسلام ينعته البؤساء بالمصادفة.

كانت الأوراق متناثرة على الطاولة أمامه، وعيناه تجوبان كل تفصيلة بلا كلل، رغم الإرهاق الذي أخذ يجهز ببطء على بدنه، وعيناه اللتان كانتا تُقاومان الانغلاق بكوب جديد من القهوة. إلا أنه عزم على عدم مفارقة مكتبه حتى يجد الرابط بين اسم ذلك المختل وهذه القضية. كان الأمر أشبه بمحاولة الربط بين حروب الشرق الأوسط وثقب الأوزون… لا شيء واضح، ولا طيف رابط.

في أول جريمة قتل ارتكبها المجرم، كان عمر أليكس ست سنوات. جميع الضحايا لا تربطهم به أي علاقة، قريبة كانت أم بعيدة، عدا الضحية الأخيرة، والتي أثبت تقرير الطبيب الشرعي أنه لم يُقتل في المرسى، بل تم الإنهاء عليه في مكان آخر، ثم نُقِل إلى حيث وُجد. وفي الوقت المحدد للوفاة، كان أليكس محتجزًا في قسم الشرطة.

أطلق إيليان زفرةً طويلة، وهو يضم رأسه بين كفيه، وكأنه يحاول منع نفسه من الانجراف، وكبح اليأس عن التسلل إلى عقله. أفاقه من حالته صوت رنين هاتفه، فتفحّص هوية المتصل بطرف عينه، قبل أن يمد ذراعه ويلتقط الهاتف مجيبًا:

"إن لم تكن تملك أي جديد، فوفِّر وقتي وأغلق الخط من الآن."

جاءه الرد من الطرف الآخر، الذي قال بنبرة تضج بالحماس:

"على رسلك يا صديقي، لا تكن متسرعًا هكذا، فالعجلة في هذه المهنة عدوٌّ صامت قادر على الفتك بك عند أول خطأ."

أطبق إيليان جفنيه، وعاد بظهره إلى الوراء، ماسحًا وجهه بكفّه في محاولة لكبح غضبه. لما طال صمته، أكمل الطرف الآخر حديثه:

"حسنًا، لا بأس… سأخبرك قبل أن تنفجر في وجهي. في أثناء بحثي خلف الاسم الذي أرسلته لي صباحًا، لم أجد أي معلومات مريبة. صحيح أن الشاب مفتعلُ مصائبَ من الدرجة الأولى، إلا أن جميعها تُعدّ تافهة، ولا ترتقي لأن تُقرَن بذاك القاتل..."

"ميشيل، هل ستُلقي ما بجعبتك، أم عليّ أن أغلق الخط في وجهك كما أفعل كل مرة؟"

هتف إيليان بحنق وملامح مكفهرّة، وصبره يوشك على النفاد. فضحك الآخر ضحكة قصيرة، ثم تابع بنبرة أقل حماسة:

"لا يوجد شيء يربطه بشكل مباشر بهذه القضية، لكنني عثرت على معلومة مثيرة للشكوك قليلًا… هل تعرف كيف توفي آدم وكاثرين، والدا أليكس؟"

"كيف؟…"

"حريق… حريقٌ اندلع في منزلهم وحوّل كل شيء إلى رماد. لم ينجُ أحد من تلك الحادثة سوى أليكس، الذي كان طفلًا حينها. دُوِّن أنه قفز من إحدى النوافذ، وعثرت عليه فرق الإنقاذ بعد ساعات، يتأرجح بين الوعي واللاوعي."

تشنّجت عضلات فكّ إيليان، وسحب مقعده للأمام، متكئًا بمرفقيه على الطاولة، ثم سأل بصوت أكثر حدّةٍ يشوبه شيء من الريبة:

"حادث؟ هل أنت واثق من هذه التفصيلة؟ أعني، ما السبب الذي حدّده التقرير كمصدرٍ للحريق؟"

أخذ ميشيل نفسًا، وقلب الأوراق بين يديه، ثم أجاب:

"ذُكر هنا أن الحريق ناتج عن ماسٍ كهربائي اندلع من غرفة الأبوين، لذلك لم يتمكّنا من النجاة..."

قاطعه إيليان قبل أن يُتمّ جملته، وعلّق متعجبًا:

"ولم ينتبه أيٌّ منهما للنيران التي تزحف حولهما! وكيف لطفلٍ في هذا الموقف أن يفكّر في القفز والهروب، بينما المتوقع أن أول ما سيفعله هو الاندفاع نحو والديه ليحتمي بهما؟ هل ثمة شهود في هذه القضية؟"

"هناك شاهد واحد فقط، ذكر رؤيته سيارة سوداء متوقفة قرب المنزل قبيل اندلاع النيران بدقائق. لكن لم يتم تتبع السيارة، ولا التحقيق مع الشاهد حتى، وتم حفظ شهادته ضمن الملاحظات غير المؤكدة. ولاحقًا، أُغلقت القضية، وقُيّدت على أنها حادث سببه الإهمال في تفقد الوصلات الكهربائية المهترئة."

أجاب ميشيل، ولم يرد إيليان… للحظة، انسابت إليه تحليلات واستنتاجات، من الكارثي أن تكون حقيقية، لكنها تستحق السعي خلفها. كان حدسه يخبره أن أليكس يخفي لغزًا قادرًا على قلب مسار كل شيء، لكن، وكالعادة، ينقصه الدليل على ذلك.

ارتكز بكفّه على الطاولة، ثم همّ بالوقوف محاولًا استعادة صحوه. أغلق الخط مع ميشيل بعد أن طالبه بالسعي خلف هذا الأمر، ومحاولة العثور على الشاهد الذي دُثرت أقواله بطريقة بدت متعمّدة بالنسبة لإيليان. كان يود أن يُتابع تقفّي أثر هذا الأمر، إلا أن جسده، الذي كان على شفير الانهيار، عارض إرادته مرغمًا إيّاه على التقاط حاجياته من فوق الطاولة، قبل أن يغادر قاصدًا منزله، ملتمسًا استراحة قصيرة قبل أن يعاود الولوج إلى ساحة القتال.

.........................................................................

في جوف العربة، جلس أليكس وديريك في المقعد الأمامي، بينما كانت صوفيا تجلس في الخلف تحتضن شقيقيها بذراعيها كأنها تحاول حجب العالم عنهما. التزمت الصمت كأنه حصنها الأخير، فيما انطلقت السيارة تشق عباب الطريق المظلم.

رمق ديريك أليكس بنظرة خاطفة، وقد أدرك الشرود المتربص في ملامحه، فسأله دون أن يحرّك وجهه عن الطريق:

"ما بك؟ أهناك ما يقلقك؟"

لم يُجبه أليكس على الفور، بل صمت لحظة كأنه يُنقّب في أعماقه عن جواب، ثم قال بصوت خافت:

"لا شيء... فقط صوته يزعجني..."

قطب ديريك حاجبيه متسائلًا:

"صوت من؟ أتقصد مناغاة الرضيع؟"

لم ينبس أليكس بكلمة، بل عاد ليحدق في اللاشيء وكأن ذهنه قد علق بمكان آخر عجز سؤال ديريك عن إدراكه. وبعد مسافة من السكون المعلّق، مال سام بجسده الصغير نحو أخته، وهمس:

"أشعر بالظمأ يا صوفيا..."

كادت صوفيا أن تطلب منه الانتظار، غير أن أليكس قطع صمت اللحظة، والتفت نحو ديريك قائلًا:

"قف عند أول متجر نصادفه لنشتري الماء للصبي."

أومأ ديريك، وما لبث أن أوقف السيارة بمحاذاة محطة وقود بها متجر صغير على حافة الطريق. ترجّل بصحبة سام، الذي استأذن من صوفيا أن يذهب إلى دورة المياه الخاصة بالمتجر، فسمحت له على مضض. ظل الباقون في صمتٍ لا يشوبه غير هدير المحرك، حتى تحدّث أليكس فجأة دون أن يلتفت:

"السلاح... لم يكن حقيقيًا."

جفلت صوفيا وتعلّقت عيناها بمرآة السيارة، تراقب انعكاس وجهه. لم يكن يلتفت نحوها، لكن ملامحه لم تكن ساخرة، بل ساكنة، جادة.

"عفوًا؟"

قالت أخيرًا ونبرتها تجمع بين الذهول والاستياء والصدمة، فتابع الآخر:

"السلاح كان مزيّفًا. يصدر صوتًا فقط... أي لا ينتج عنه ضرر. أردت فقط جعلك تستمعين لما أقوله."

"وتحسب هذا مبررًا؟!"

رفعت صوتها قليلًا وتخللت نبرتها لفحة غضب، مكملةً:

"هل في ظنك أن انعدام الرصاص يخفف من فداحة ما فعلته؟ لقد أرعبتني! ظننتُ لوهلة أن حياتي انتهت. تخيلت أخواي غارقين في دمائهما!"

"أتفهم غضبك... وأتفهم خوفك. لكن كان أمامي خياران: إما أن أغادر دون أن ألتفت، وأنا على يقين أنهم سيعودون لقتلك، أو أن أتدخل وأدفعك للاستماع ولو بالقوة."

"قوة؟ أنت غريب عني! لم أرَك سوى قبل ساعات، وتظن أن لك الحق في إرغامي على شيء؟"

التفت نحوها أخيرًا، بعينين ثابتتين وملامح باردة، واسترسل مبررًا:

"لا، لا أظن أن لي الحق. لكني رأيت ما لم تريه بعد. الأمر برمته ليس كما يبدو... وبقاءك في ذاك المكان وعدم الإنصياع لكلامي كان سيدمر كل شيء، وأولهم أنتم. أردتك فقط أن تتوقفي، أن تنصتي وتتفهمي، وبعدها لكِ القرار."

تأمّلته، وقد ارتبك شيء في أعماقها، لكن ملامحها بقيت صلبة، جافة، تعيد التفكير في كل حرف قبل الإفراج عنه، حتى سألت في النهاية:

"وما الذي تريده مني إذًا؟ أن أرضخ إليك؟ أن أصدقك وأنا لا أدري ماهية نواياك الحقيقية؟"

"أريدك أن تمنحيني فرصة واحدة. لا أكثر. أن نبقى في الطريق ذاته لمدة قصيرة، نتابع ما بدأناه الليلة. وإن اتضح لك في أي لحظة أنني السيئ في هذه الحكاية فاتركيني. لكن فكري الآن جيدًا في نفسك وأخويكِ... وتيقّني أن لا أمان لكم الآن سوى داخل حدود قصري."

سادت لحظة صمت جديدة. كانت تفكر. قلبها يريد التراجع، لكنه ليس من يقودها، وعقلها كان يطرح تساؤلات لا نهائية، لأنه في ظل هذا كله، شيئًا ما من حديثه بدا واقعيًّا على نحوٍ لا يمكن تجاهله. بعد تمعّنٍ قالت أخيرًا بنبرة ثابتة:

"موافقة... ولكن لديّ شرط."

"اذكريه." 

"لا تكرّر ما فعلت. لا سلاح، لا تهديد، لا مسرحيات رخيصة. إن كنت تريدني أن أستمع، فاجعل من نفسك شخصًا جديرًا بالاستماع."

أومأ ببطء، وقال:

"هذا عادل نوعًا ما... لكِ ذلك."

قُطع حديثهم فور عودة ديريك حاملًا الماء، وسام يخطو بجانبه. عادا أدراجهما، ثم انطلقت العجلات من جديد نحو القصر.

.........................................................................

كان البهو العريض مضاءً بمصابيح كسيوفٍ تقطع ظلمة الليل. وقفت سيرينا بجانب جوليا، فيما جلس آرسين وسارة في المقاعد الخلفية، وكلّ عين منهم تراقب القادمين بنظرة يختلط فيها الترقّب بالشك. وقبل أن تندفع جوليا بأسئلتها، رفع أليكس صوته مناديًا على مدبّرة القصر:

"سيدة ميلر... اصطحبي صديقنا الصغير وقدّمي له شيئًا يأكله."

والتفت نحو سيرينا طالبًا بلطف:

"سيري، كما شرحتُ لكِ عبر الهاتف، استضيفي صوفيا والرضيع في غرفتك هذه الليلة. بحلول الغد نكون قد أعددنا غرفة أخرى من أجلها، وأهتمي بها جيدًا من أجلي، أيمكن؟."

"لا تعتل همًا يا أخي، دع الأمر لي." 

أجابت بتفهم فربت على كتفها بابتسامة زينت محياه كتعبير عن إمتنانه، ثم وجّه حديثه لديريك مكملًا:

"ليمكث الصبي في غرفتك، أخبر السيدة ميلر لتوجّهه للغرفة بعد أن ينهي طعامه، ثم اتبعني إلى غرفة المكتب، فعمي ينتظرنا هناك."

أومأ ديريك، وامتثلت سيرينا ورافقت صوفيا برفق إلى الأعلى وهي تحاول تبادل أطراف الحديث معها، لكن قبل أن يختفوا من المشهد، التفتت سارة نحو أليكس، وعيناها تشعّان بلهيبٍ خفي من شكٍّ ممزوجٍ بغيرة لا تُخفى. ظلّت تحدّق فيه طويلًا، ثم تمتمت كمن تُحدّث ظلها:

"تُرى، هل هذه من ترفضني بسببها؟"

شعرت بانقباض في صدرها، وحرارة تجري في عروقها، فالواقع متجلٍّ غير قابل للإنكار... لقد رأت في اهتمامه بتلك الفتاة ما حجبه عنها هي، لا يهمها السبب، لكن الحقيقة التي نُسجت من وحي عقلها أضرمت النيران بقلبها.

ولجت سيرينا غرفتها، تتبعها صوفيا التي كانت تحمل أخاها الرضيع، معلّقة على ظهرها حقيبة تحوي حاجياتهم. وقفت بجانب الباب من الداخل، وقد تخلّلها مزيج من عدم الاطمئنان والغربة. لاحظت سيرينا حالة صوفيا، فابتسمت بخفة وهي تسحب يدها وتجلسها بجانبها على طرف السرير الذي اتخذ مستقرّه في منتصف الغرفة.

"أعرف أنكِ قد تكونين غير مرتاحة بعض الشيء، وبالتأكيد تشعرين بالاضطراب والخوف... أخبرني أخي أنهم قتلوا أباكِ ويريدون إلحاق السوء بكِ أيضًا، لا أعرف لماذا قد يفعل شخص شيئًا كهذا، ولكن... إنه أمر مريع وحقًا أشعر بالأسف تجاه كل ما يحدث لكم، لذلك أتمنى منكِ أن تعتبريني صديقة، ولا تخجلي من طلب أي شيء مني."

أومأت صوفيا دون أن تتحرك شفتاها بكلمة، واكتفت بالرد بابتسامة مهتزة ونظرة امتنان. مالت سيرينا بجزعها تنظر إلى الصغير وتتأمل ملامحه البريئة التي لم تعكّر شرور الدنيا صفوها بعد.

"هل يمكنني أن أحمله؟ أقصد... ريثما تبدّلين ثيابك وتعودين."

نظرت صوفيا لشقيقها بتردد لحظي، ثم مدّت يدها به نحو سيرينا التي التقطته بحذر شديد، وقد انفرجت شفتاها ببسمة واسعة:

"يا إلهي! إنه شيء صغير ولطيف للغاية. ما اسمه؟"

"جين، عمره خمسة أشهر الآن."

قالت صوفيا وهي تقف قبالة سيرينا وتمسك حقيبتها:

"أستأذنكِ أن ترشديني إلى مكان الحمّام."

التفتت سيرينا وهي تشير لها نحو باب في نهاية الغرفة:

"يوجد واحد في كل غرفة، وهذا خاصّتنا. اذهبي ولا تحملي همّ جين، سأعتني به جيدًا."

تقدمت صوفيا بضع خطوات وعيناها معلقتان بالصغير، ثم أخذت نفسًا عميقًا وهمست لنفسها أن تهدأ وتخفف من حدة قلقها، بالنهاية لن تغيب سوى دقائق معدودة، ثم حسمت أمرها وتابعت طريقها بثقلٍ أخف قليلًا.

.........................................................................

قُبيل الفجر بدقائق، كان جميع سكان القصر قد ارتموا في أحضان أسرّتهم، وكسى الصمت أروقة نفوسهم، غافلًا عن طرقات تضرب أبواب غرف قلوبهم المضرمة.

وقف أليكس في شرفة غرفته يطالع السماء ونجومها المشتعلة كروحه تمامًا. عتمة الليل أخفقت في إخفاء وهج مشاعره المضطربة، فاليوم، كأقرانه السابقين، غادره النوم، فقرّر الأرق ألا يتركه وحيدًا، والقمر كالمعتاد كان يمثّل دور الشاهد الصامت ببراعة.

ما كاد يغرق في سرابه الذهني، حتى أعاده طرق الباب إلى شاطئ الواقع.

"لا شكّ أنه ديريك..."

قال في نفسه، قبل أن يسمح للطارق بالدخول دون أن يلتفت خلفه، لكن سكوت الزائر دفعه للنظر خلفه...

"أهذا أنت! ما الذي جاء بك إلى هنا؟ ألا يفترض بك أن تكون في سريرك الآن؟"

ناظره سام بتردد، قبل أن يقترب ببطء منه، واجدًا لنفسه مستقرًا بجوار أليكس تمامًا، ثم، وبثقة لا تليق مع عمره الصغير:

"أريد أن أتحدث معك عن ما حدث... وعن بقائنا هنا أيضًا، فبصراحة، أنا لا أشعر بالراحة تجاهك، ولا أأمن على أختي وشقيقي في منزل غرباء عرفناهم اليوم فقط، ولولا أنني أثق بصوفيا لعارضت قرارها بترك منزلنا والمكوث هنا."

خرجت ابتسامة حائرة من وجه أليكس، ثم غادر تاركًا سام للحظات قبل أن يعود حاملًا كرسيّين، وضعهما قبالة بعضهما، وأشار له بالجلوس، ثم قال:

"لا أعرف كيف يمكنني أن أشرح لك هذا، ولكن... سأحدثك كرجل مسؤول قادر على استيعاب ما سيسمع. سأقول لك كل شيء، وأترك لك القرار في النهاية، إما أن تظل هنا أو أن تأخذ أشقاءك وتغادر."

ظهر التشتت على ملامح الصغير، ولكن عقله توقّف عند جملة: "كرجل مسؤول"، نوعًا ما، استطاع أليكس بهذه العبارة بثّ الثقة في نفسه، فانتصب ظهره، وانعكست الثقة على محيّاه. أكمل أليكس:

"لي ثأر قديم مع من أنهى حياة أبيك... سلب منكم فردًا وسلب مني حياة... والوضع الآن حرج قليلًا، فهم يسعون خلف أختك لأنها رأت وجوه بعضهم، وما حدث في منزلكم البارحة كان محض إنذار منهم لنا."

سادت لحظة من الصمت، كأنها خُلقت لتثقل كاهل الفتى الصغير، الذي سأل بنبرة مترددة:

"إذًا، نحن في خطر؟"

"واقعيًا، نعم. ولكن لا تخشَ شيئًا، لن يصل إليكم أحد ما دمتم في حمايتي."

تأمل سام وجه أليكس الصارم بعض الشيء يتحرى به شيئًا يبرهن على صدق كلامه حتى قال مستفهمًا:

"ولكن... لمَ لا تُبلغ الشرطة وتدعهم يمسكون بأولئك الرجال؟"

أطرق أليكس برأسه، وقال بنبرة حازمة لا تخلو من الحذر:

"لستَ مضطرًّا لمعرفة أي من ذلك الآن... ولكن بالتأكيد، يومًا ما، سيحين الوقت لتفهم."

ساد بينهما سكون خفيف، قبل أن يقطعه سام بسؤالٍ آخر:

"وماذا عن مدرستي؟ ألن أذهب إليها؟"

هزّ أليكس رأسه نافيًا:

"لا، لن تذهب إليها. ستلتحق بمدرسة أخرى مؤقتًا، ولا تقلق إنها أفضل من سابقتها، بالإضافة إلى أن عمي من يمتلكها، لذلك سأكون مطمئنًّا عليك هناك."

بدت الحيرة على وجه سام، ثم تغيّرت تعابيره إلى الضيق، ورفع وجهه لتتقابل بنيّتاه بزرقاوتي أليكس، وتابع:

"وماذا عن تدريبات كرة القدم؟"

تنهد أليكس قليلًا، وأراح ظهره للخلف وهو يجيب:

"عليك أن تتخلى مؤقتًا عن تدريب الكرة يا مارادونا، فيجب أن نحدّ من أماكن حركتكم حتى تستقر الأوضاع."

قطّب سام حاجبيه، وقال بحزن وهو يعبث بأنامله في طرف سترته:

"ولكن لا يمكنني الامتناع عن التدريب لفترة طويلة، فحينها سيتراجع مستواي! لا أحب أن أكون غير مراعي أو شكّاء، ولكن على الأقل جد لي بدائل... أيمكنني اللعب هنا في حديقة القصر؟ معك مثلًا؟"

سكنت تعابير أليكس قليلًا، ثم قلب عينيه وأجابه بنبرة خافتة وكأنه يُسَارِره:

"يؤسفني أن أخبرك أنني لا أستطيع ذلك... كان لدي خلل صحي وأنا صغير يمنعني من بذل مجهود بدني، لذلك لا أمتلك أدنى مهارات اللعب، مشاركتي إياك ستقلل مستواك لا العكس."

نظر إليه سام بعينين واسعتين، وقال ببعض من الشفقة الفطرية:

"لم تلعب قط وأنت طفل؟"

ابتسم أليكس على براءة الصبي وتعاطفه السريع معه، وأجابه:

"لا، لم أفعل. ولكن لا تحزن بشأني، فعوضًا عن اللعب حصلت على أشياء كثيرة لم يكن ليحلم بها أي شخص من أقراني، بالإضافة إلى أنني شخص لوجيستي، مُحب للإدارة أكثر من التنفيذ، لذلك لم أتأثر بالأمر كثيرًا."

"إذًا، تحب وضع الخطط ولا تحب بذل مجهود؟"

ردّ أليكس بإيماءة فيها شيء من المرح:

"بالضبط... ليكن، إن أردت اللعب، فديريك سيشاركك، ولكن انتبه! هو ليس سهل الهزيمة، فقد كان مهاجم فريقه."

أشرق وجه سام وهو يستفسر بسعادة:

"وهل ستشاهدنا ونحن نلعب؟"

قال أليكس بنبرة فيها جمود رقيق:

"إن كنت متفرغًا... ربما."

أردف سام بحماس:

"وإن فزتُ، ما المكافأة التي سأحصل عليها؟"

تظاهر أليكس بالتفكير للحظة، ثم وقف ونظر إلى الأفق مجيبًا بنبرة صادقة:

"اطلب حينها ما تشاء، لأكن صادقًا معك، لا أمتلك أدنى فكرة عن ماهية المكافأة التي تناسب صبيًّا في العاشرة."

انطلقت ضحكة نقية من صدر الصغير، ثم نهض واقفًا وهو يقول بثقة:

"حسنًا، اتفقنا! سأفكر في مكافأتي من الآن، لأنني واثق من الفوز... ولكن حاليًا سأعود إلى فراشي قبل أن تستيقظ أختي وتبحث عني، لأنه إن لم تجدني، ستظن أنك اختطفتني لا محالة، ولا أخفيك سرًّا... قد أخبرتني ألا أثق بك بتاتًا. لكنك لا تبدو بذلك السوء برأيي."

غادر كرسيه وتقدّم نحو الباب، ثم التفت ولوّح لأليكس قبل أن يخرج تمامًا ويغلق الباب خلفه، لتعود الأفكار السوداوية وكوابيس اليقظة لمهاجمة أليكس من جديد.
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.