نوفلو | Novloo: روايات فلسفية
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

أنتِ الأمان نور

"إلى صديقتي… لم أكن يومًا أبحث عن الأمان، ولم أتخيل أن أجده صدفة في طريق قلبي. كنت أظن أن الأمان شيء بعيد، شيء نبحث عنه طويلًا بين الناس والأيام، لكنني اكتشفت معكِ أن بعض النِعَم لا نبحث عنها… بل يرسلها الله إلينا في الوقت الذي تكون فيه قلوبنا في أمسّ الحاجة إليها. حين عرفتكِ، أدركت أن بعض اللقاءات ليست مجرد صدفة عابرة،

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

الرسالة الأخيرة: الفصل الأول

جاري التحميل...

الرسالة الأخيرة

هل ذنوب الماضي تمحو أخطاء المستقبل

تحميل الفصول...
المؤلف

كانت أصوات الصراخ تخترق أذنيها كالسكاكين. كان الدخان خانقًا، والحرارة تجعل جلدها يحترق كالنار. كانت تتراجع بخطوات متعثرة داخل المبنى، وعيناها تبحثان بيأس عن أخيها.
وفجأة سمعت صوتًا صغيرًا، صوتًا تعرفه جيدًا، ينادي:
«نور! هنا!»
التفتت سريعًا نحو مصدر الصوت، فرأت أخاها واقفًا بالقرب من باب شبه منهار، وقد ارتسم الخوف على وجهه، وانهمرت الدموع على خديه. مدت يدها نحوه وهي تقول محاولة طمأنته:
«لا تخف، أنا هنا!»
لكن قبل أن تصل إليه، اهتزت الأرض تحت قدميها، وانفجار صغير أسقط جزءًا من السقف فوقه.
صرخت بأعلى صوتها:
«لااا!»
وحاولت أن تزحف نحوه، لكن النار كانت أسرع منها. اختفى أخوها وسط الدخان واللهيب.
غمرت الدموع عينيها، وكانت دقيقة واحدة كفيلة بأن تحطم قلبها إلى الأبد.
وفجأة سمعت صوتًا آخر.
كان ضعيفًا، خافتًا، لكنه موجود:
«مساعدة… هل من أحد يساعدني؟»
التفتت نحو الصوت، فلم ترَ سوى ظل صغير في زاوية الغرفة. اقتربت بحذر، وملامح الصدمة تملأ وجهها عندما رأت يوسف، الطفل الذي كان دائمًا معها. كان صغيرًا، مرعوبًا، يخفي وجهه بين كفيه.
صرخت:
«يوسف! انهض! أنا هنا!»
رفع رأسه ونظر إليها بعينين دامعتين، لكنه لم يتحرك. كانت النار تقترب أكثر، والدخان يخنق أنفاسها، لكنها مدت يدها بكل ما بقي لديها من قوة وسحبته نحوها.
في تلك اللحظة لامست النار وجهها، فأحرقته، لكنها لم تهتم. كانت تصرخ وهي تسحبه خارج المكان، بينما صدى وداع أخيها يرن في أذنيها كطعنة لا تنتهي.
               

رواية الرسالة الأخيرة

الرسالة الأخيرة
1.0

الرسالة الأخيرة

مشاهدة

قصة الرواية

هل ذنوب الماضي تمحو أخطاء المستقبل

تفاصيل العمل

التصنيف: غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
نور
مراحل وتقلبات نفسية

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

أنا الدكتور (كاملة)

جاري التحميل...

أنا الدكتور

دكتور نفسي بيستقبل حالات معقدة في عيادته في نص الليل، بس مع توالي الجلسات بيكتشف إن كل مرضاه بيربطهم سر واحد دموي. ولما بيقرر يواجههم بالحقيقة، بيكتشف الكارثة.. إن الخطر الحقيقي مش بيخبط على باب العيادة، الخطر محبوس معاه جوه عقله!

تحميل الفصول...
المؤلف

الساعة كانت عدت 12 بعد نص الليل، وصوت المطر بره كان عامل زي نقر صوابع خفيفة على شباك العيادة المقفول.. نقر مستمر، رتيب، بيوتر الأعصاب أكتر ما بيهديها.

أنا قاعد على الكرسي الجلد بتاعي، الكرسي اللي بقاله معايا سنين، جلدُه اتشقق من كتر القعدة والتفكير.. قدامي المكتب الزان القديم، وعليه كومة ملفات لمرضى، كل ملف فيهم عبارة عن بئر أسرار، حياة كاملة مدفونة بين ورقتين وكام سطر أنا كاتبهم بخط ايدي اللي بدأ يترعش مؤخراً.

قلعت النضارة وحطيتها على المكتب، وفركت عيني بظهر إيدي.. الصداع النصفي ده مش راضي يفارقني بقاله أسبوع، كأن في مسمار بيتدق في نص راسي بالظبط.. قمت وقفت، ومشيت ناحية الشباك، فتحت الستارة التقيلة شوية، وبصيت على الشارع الفاضي.. أعمدة النور بتعافر عشان تنور العتمة والضباب، وصوت العربيات البعيدة كان واصل لي مكتوم.

أنا اسمي يوسف.. دكتور يوسف.. طول عمري بؤمن إن الطب النفسي ده مش مجرد علم، ده لعنة.. إحنا مش بنعالج الناس، إحنا بنشيل شيلتهم.. بناخد السواد اللي جواهم ونحطه جوه عقلنا إحنا، وبنحاول نهضمه بدالهم.. ومع الوقت، السواد ده بيبدأ ياكل فينا إحنا شخصياً.

سمعت صوت خبط خفيف على باب المكتب.

يوسف: ادخل.

الباب اتفتح ببطء، ودخلت سعاد الممرضة.. ست في أواخر الأربعينات، وشها طيب بس ملامحها دايمًا جامدة، لابسة البالطو الأبيض بتاعها اللي بيفكرني بريحة المستشفيات الحكومية القديمة.. ريحة فينيك مخلوطة بخوف.

سعاد: دكتور يوسف.. الحالة الأخيرة وصلت.. أدخله ولا حضرتك تعبان وتأجله لبكرة؟

بصيت لها وأنا برجع أقعد على مكتبي، حاولت أرسم ابتسامة باهتة عشان أطمنها، بس عضلات وشي كانت متخشبة.

يوسف: لا يا سعاد.. دخليه.. كده كده مش جايلي نوم، ومفيش حد بيجي العيادة في الوقت ده غير وهو جايب معاه مصيبة مش قادر ينام بيها.. دخليه وتقدري تروحي إنتي لو عايزة.

سعاد: لا يا دكتور.. أنا موجودة لحد ما تخلص.. حضرتك عارف التعليمات.

الجملة دي استوقفتني للحظة.. تعليمات؟.. تعليمات مين؟.. هي قصدها تعليمات النقابة ولا مواعيد العمل؟.. مفكرتش كتير، الصداع كان مخلي تركيزي مش في أحسن حالاته.. شاورتلها براسي إنها تدخله.

خرجت وقفلت الباب وراها.. وأنا قعدت أظبط الورق اللي قدامي، وأجهز القلم.. غمضت عيني وخدت نفس عميق.. ريحة العيادة غريبة النهاردة.. ريحة رطوبة وعفن خفيف كأننا في بدروم مش في دور رابع.. يمكن عشان المطر والشتا.

الباب اتفتح تاني، ودخل كمال.

كمال ده شاب في التلاتينات، شكله كان يدي إنه موظف بنك أو محاسب شاطر، بدلة كحلي مكويه، وشعر متسرح بعناية، بس عينيه.. عينيه هي اللي فضحاه.. عينيه كانت بتلف في الأوضة بسرعة رهيبة كأنها رادار بيدور على قنبلة.. وشه شاحب، لونه زي لون الورق الأصفر القديم، وعرق بارد مالي جبينه رغم إن الجو تلج.

قعد قدامي من غير ما يسلم، وحط شنطة جلد كانت في إيده على الأرض جنبه، وفضل ماسك إيد الشنطة كأنها طوق النجاة الوحيد ليه.

ساد الصمت دقيقة كاملة.. أنا متعود على الصمت ده.. المريض دايمًا بيحتاج وقت عشان يجمع شجاعته ويرمي أول طوبة في بحر الكلام.

أنا فضلت باصص له، بتابعه بعيني.. حركة رجله اللي بتتهز بسرعة تحت المكتب، صوابعه اللي بتفرك في بعضها لحد ما الجلد احمر، الطريقة اللي بيبص بيها على زوايا الأوضة المظلمة.

يوسف: أهلاً يا أستاذ كمال.. أنا دكتور يوسف.. تحب تشرب حاجة الأول ولا نبدأ؟

كمال انتفض في مكانه أول ما سمع صوتي، كأني ضربته بكرباج.. بص لي وعينيه واسعة ومفنجلة، وصوته خرج مخنوق ومبحوح.

كمال: مفيش وقت للشرب يا دكتور.. مفيش وقت لأي حاجة.. هما عارفين إني هنا.. أنا متأكد إنهم شافوني وأنا طالع.

يوسف: هما مين يا كمال؟.. مين اللي بيطاردك؟

كمال مال بجسمه لقدام، وقرب وشه مني، ووطى صوته لدرجة الهمس، كأنه خايف الحيطان تسمعه.

كمال: الظلال.. مش بشر يا دكتور.. دول مش بشر.. أنا بقالي شهر مش بنام.. كل ما أغمض عيني أشوفهم واقفين عند طرف السرير.. طوال جداً، وملهمش ملامح، ولابسين بالطو أسود طويل.. بيفضلوا باصين لي من غير ما يتحركوا.. بس أنا سامع صوت أنفاسهم.. صوت زي الفحيح.

أنا بدأت أكتب ملاحظات سريعة في النوته اللي قدامي.. هلاوس بصرية وسمعية.. بارانويا اضطهادية شديدة.. بس الغريب إن وصفه كان دقيق بشكل مرعب.. لدرجة إني حسيت بقشعريرة باردة مشيت في ضهري.

يوسف: طيب يا كمال.. إنت شايف إنهم عايزين منك إيه؟.. وليه إنت بالذات؟

كمال بلع ريقه بصعوبة، وبص ناحية الباب المقفول بخوف، وبعدين رجع بص لي وعينيه دمعت.

كمال: عشان أنا شفتهم.. غلطتي إني شفتهم وهما بيعملوا العملية.. كنت راجع متأخر من الشغل، ولقيتهم في الجراج.. كانوا بيخرجوا حاجة من شنطة عربية.. حاجة ملفوفة في ملاية بيضا وعليها دم.. أنا حاولت أجري بس واحد فيهم لف وبص لي.. وشه كان فاضي.. ممسوح يا دكتور! مفيش عين ولا مناخير ولا بق.. جلد بس.. ومن ساعتها وهما ورايا.

قصته كانت تبان خيالية، típica لحالات الفصام.. بس نبرة صوته، ورعشة إيده، والرعب الحقيقي اللي مالي كيانه، خلوني أشك للحظة.. هو فعلاً مريض؟ ولا شاف حاجة حقيقية وعقله ترجمها بالشكل ده عشان يهرب من الصدمة؟

قمت من مكاني ورحت ناحية الكولدير عشان أصبله كوباية مية، حسيت إنه محتاج يهدى شوية عشان أعرف أخد منه تفاصيل أكتر.. المية كانت بتنزل في الكوباية بصوت عالي في سكون الليل ده.

وأنا بملأ الكوباية، بصيت في المرايا الصغيرة اللي متعلقة فوق الحوض.. ولمحت انعكاس كمال وهو قاعد ورايا.. بس لاحظت حاجة غريبة.. كمال مكنش باصص لي.. كمال كان باصص على زاوية المكتب الفاضية اللي ورايا، وعينيه مثبتة على نقطة معينة في الفراغ، وبوقه بيتحرك كأنه بيكلم حد.. بس مكنش فيه صوت.

رجعت له بالكوباية، وحطيتها قدامه.

يوسف: اشرب يا كمال.. مفيش حد هنا غيري وغيرك.. العيادة أمان، والباب مقفول.. ومفيش حد يقدر يدخل من غير إذني.

كمال مسك الكوباية، وإيده بتترعش لدرجة إن المية اتدلق شوية منها على بنطلونه.. شرب بوق كبير، وخد نفس عميق.. وبعدين بص لي بنظرة غريبة.. نظرة فيها شفقة.. أيوه، هو كان بيبص لي أنا بشفقة!

كمال: دكتور يوسف.. إنت فاكر إن الباب المقفول هيمنعهم؟.. إنت فاكر إنك في أمان هنا؟.. هما مش بييجوا من بره يا دكتور.. هما بييجوا من جوه.

يوسف: تقصد إيه بـ من جوه؟.. قصدك من عقلك؟

كمال ضحك ضحكة هيستيرية قصيرة، صوتها كان مزعج جداً.

كمال: عقلي؟.. يا ريتهم كانوا في عقلي.. كنت خدت برشامة ونمت وارتحت.. لا يا دكتور.. هما بييجوا من جوه الأماكن اللي إحنا ناسيينها.. من الزوايا اللي النور مش بيوصلها.. بص وراك كده.

أنا لا إرادياً لفيت وبصيت ورايا ناحية الزاوية اللي كان بيبص عليها من شوية.. الزاوية كانت ضلمة وفيها ضل دولاب الملفات.. مفيش حاجة غريبة.. رفعت حاجبي وبصيت له تاني باستنكار، عشان أثبتله إن دي كلها تهيؤات.

يوسف: مفيش حاجة يا كمال.. ده مجرد ضل الدولاب.. إنت محتاج ترتاح، أنا هكتبلك على مهدئ قوي هيساعدك تنام النهاردة، ومن بكرة هنبدأ جلسات علاج مكثفة.

بدأت أكتب الروشتة.. بس فجأة، النور في العيادة بدأ يرعش.. اللمبة اللي فوقينا بدأت تعمل صوت زززز وتطفي وتنور بسرعة.. حسيت ببرودة مفاجئة ملت المكان، برودة خلت النفس اللي خارج من بوقي يبان زي الدخان.

كمال قام وقف مرة واحدة، والكرسي وقع وراه وعمل صوت خبطة قوية.. وشه بقى أصفر زي الليمونة، وشاور بصباعه المرتعش ناحية شباك العيادة.

كمال: وصلوا.. أنا قولتلك.. وصلوا!

بصيت ناحية الشباك.. وقلبي دق دقة قوية وجعت لي صدري.. الستارة كانت مفتوحة حتة صغيرة زي ما سيبتها.. ومن ورا الازاز المبلول بالمطر.. شوفت وش.. وش لازق في الازاز من بره.. في الدور الرابع!

الوش كان ملوش ملامح.. جلد أبيض مشدود.. مفيش عيون، مفيش أنف، مفيش فم.. بس كان بيبص لينا.. والأرعب من كده.. إن كف إيده كان محطوط على الازاز.. وكأنه بيحاول يفتح الشباك.

أنا قمت وقفت واتسمرت مكاني.. دي مش هلاوس.. أنا شايفه بعيني.. ده حقيقي!

يوسف: إيه ده؟!

قبل ما أتحرك أو أعمل أي رد فعل، النور قطع خالص.. العيادة غرقت في ضلمة كحل.. مفيش غير ضوء عمود النور اللي في الشارع هو اللي داخل من الشباك وراسم ضل الوش المرعب ده على الحيطة ورانا.

سمعت صوت كمال وهو بيصرخ صرخة مكتومة، وبعدها صوت حاجه بتقع واحتكاك سريع كأن حد بيشده.. وصوت همس.. همس قريب جداً من ودني أنا شخصياً.. صوت بيقول جملة واحدة كررت نفسها في دماغي ألف مرة:

إنت اللي فتحت الباب.. يا يوسف.

حاولت أتحرك، أحسس على المكتب عشان ألاقي موبايلي وأنور الكشاف.. إيدي خبطت في الدواية، وسمعت صوت إزاز بيتكسر.. صرخت بصوت عالي:

يوسف: سعاد!! يا سعاااااد!! هاتي كشاف بسرعة!

باب المكتب اتفتح بعنف، والنور جه فجأة.. وكأنه كان مستني اللحظة دي.

سعاد كانت واقفة عند الباب، وفي إيدها كشاف طوارئ.. بس وشها كان عليه تعبير غريب.. مش خوف ولا قلق.. كان تعبير استغراب.

بصيت حواليا بسرعة.. كمال مش موجود.. الكرسي اللي كان قاعد عليه مكانه ومعدول.. كوباية المية اللي شرب منها.. ناشفة تماماً ونضيفة كأن محدش لمسها.

جريت ناحية الشباك.. مفيش حد بره.. ومستحيل حد يكون واقف في الهوا في الدور الرابع.. بصيت لسعاد وأنا بلهث وعرقي بينقط على الأرض.

يوسف: هو راح فين؟.. المريض.. كمال.. خرج منين؟ إنتي شوفتيه وهو خارج؟

سعاد بصت لي بصمت طويل.. وبعدين بصت للكرسي الفاضي قدامي، ورجعت بصت في عيني بنظرة خلت الدم يتجمد في عروقي.. نظرة شككتني في كل حاجة حصلت في العشر دقايق اللي فاتوا.

سعاد: مريض إيه يا دكتور؟.. حضرتك محدش دخلك من ساعة ما جيت.. حضرتك قاعد لوحدك بقالك ساعتين بتكلم نفسك!

يوسف: إنتي بتقولي إيه يا ولية إنتي؟.. كمال كان لسه قاعد هنا.. والشنطة بتاعته..

بصيت على الأرض جنب الكرسي.. مفيش شنطة.. مفيش أثر لأي حد.. حتى ريحة العرق والخوف اللي كانت مالية المكان اختفت، ورجعت ريحة الفينيك والورق القديم.

حطيت إيدي على راسي اللي هينفجر من الألم.. أنا متأكد إني شفته.. أنا سمعته.. أنا شفت الوش اللي على الشباك!

سعاد قربت مني بخطوات هادية، ومسكت دراعي بحنية مبالغ فيها، زي ما تكون بتتعامل مع طفل صغير تايه.

سعاد: دكتور يوسف.. حضرتك نسيت تاخد الدوا بتاعك النهاردة.. مش كده؟

الكلمة رنت في ودني.. الدوا بتاعك.. بصيت لها وأنا مش مستوعب.. أنا الدكتور هنا.. أنا اللي بكتب الدوا.. أنا مش باخد دوا!

بس قبل ما أرد، عيني وقعت على مكتبي.. على النوته اللي كنت بكتب فيها ملاحظاتي ورا كمال.. النوته كانت مفتوحة.. والصفحة بيضا تماماً.. مفيش ولا كلمة مكتوبة.. بس كان فيه رسمة واحدة في نص الصفحة، مرسومة بخط مرتعش وعصبي..

رسمة لوش ملوش ملامح.. وتحته مكتوب بخطي أنا جملة واحدة بس: أنا عارف إنك شايفني.

فضلت باصص للرسمة اللي في النوته لدقايق مرت عليا كأنها سنين.. الورقة كانت بتترعش بين صوابعي، والخط المهزوز اللي مكتوب بيه جملة أنا عارف إنك شايفني كان بيحسسني إن الحروف بتتحرك، بتزحف على الورقة زي الدود الأسود.. رميت النوته على المكتب بعنف لدرجة إنها زحفت ووقعت على الأرض، وصوت ارتطامها بالباركيه عمل صدى في الأوضة الفاضية.

سعاد كانت لسه واقفة، مادّة إيدها بكباية مية وقرص دواء صغير لونه أزرق.. نفس القرص اللي بقالي شهور بحاول أتجنبه.

سعاد: خد ده يا دكتور.. هيريح أعصابك.. حضرتك مجهد زيادة عن اللزوم، والخيال بيلعب بدماغك لما بتسهر كتير.

بصيت لها بغضب مكتوم، كنت عايز أزعق، عايز أقولها إني مش مجنون، إن كمال كان هنا، وإن ريحة خوفه لسه لازقة في مناخيري.. بس لما بصيت في المرايا اللي وراها، شوفت وشي.. وشي كان شاحب لدرجة الموت، وعيني حمرا ومحتقنة بالدم، وشعري منكوش كأني كنت في خناقة.. شكلي مكنش يدي دكتور خالص.. شكلي كان يدي مريض هربان من عنبر المجانين.

خطفت القرص من إيدها وبلعته من غير مية.. طعمه المر لزق في حلقي، وحسيت بيه بينزل في زوري زي جمرة نار صغيرة.. شاورتلها تخرج.

يوسف: روحي إنتي يا سعاد.. شوفي شغلك بره.. أنا محتاج أكون لوحدي خمس دقايق.

هي مردتش، بس بصت لي نفس البصة اللي كلها شفقة ممزوجة بحذر، ولفت وخرجت.. قفلت الباب وراها بهدوء مستفز.

قعدت مكاني، ورجعت ضهري لورا.. حاولت أنظم نفسي.. (شهيق.. زفير).. صوت المطر بره كان زاد، بقى عامل زي طلقات بتضرب في الشباك.. قمت وقفت ومشيت ناحية الشباك تاني، بس المرة دي كنت خايف.. خايف أبص وأشوف الوش الممسوح تاني.. بس لما بصيت، ملقيتش غير سواد الليل وانعكاس وشي أنا على الزجاج المبلول.

وفجأة.. سمعت صوت خبط.. بس مش على باب المكتب.. الصوت كان جاي من باب العيادة الخارجي.. خبط قوي، عنيف، كأن حد بيحاول يكسر الباب مش بيخبط عليه.. وبعدين سمعت صوت سعاد وهي بتحاول تمنع حد، وصوت راجل أجش وعالي بيزعق.

الراجل: بقولك وسعي من طريقي يا ست إنتي!.. أنا عارف إنه جوه.. لازم أقابله دلوقتي حالاً وإلا ههد المكان ده فوق دماغكم!

قبل ما أتحرك، فتح باب مكتبي برجله.. رفسه خلت الباب يرزع في الحيطة لدرجة إن برواز الشهادة بتاعة الدكتوراه بتاعتي مال واتعوج.

دخل سيد.. كتلة عضلات متحركة، لابس قميص كاروهات مفتوح أزراره ومبين صدره المشعر، ودراعاته مليانة وشوم باهتة قديمة.. وشه كان عبارة عن خريطة من الندوب والجروح القديمة، وعينيه كانت بتطق شرار.. مش خوف زي كمال.. لأ.. ده غضب صافي.. غضب أعمى.

سعاد كانت وراه بتحاول تمسكه من دراعه، بس هو نفضها زي ما بينفض دبانة.

سيد: إنت الدكتور يوسف؟

صوته كان غليظ، خارج من حنجرة مدخنة بامتياز.. ريحة سجاير رخيصة وعرق نفاذ ملت الأوضة فوراً، وغطت على أي ريحة تانية.

شاورت لسعاد إنها تخرج وتقفل الباب.. كنت حاسس بخوف، بس المرة دي مش خوف من المجهول، خوف مادي ملموس من الراجل اللي ممكن يكسر عضمي بإيد واحدة ده.. حاولت أتقمص دور الدكتور الرزين.

يوسف: أيوه أنا دكتور يوسف.. اتفضل اقعد يا أستاذ سيد.. وإهدا لو سمحت، مفيش داعي للعنف ده.

سيد قرب من المكتب، وحط إيديه الاتنين عليه وسند بجسمه كله لقدام.. خشب المكتب أصدر أنين تحت تقله.. بص في عيني بتحدي.

سيد: العنف؟.. إنت لسه شوفت عنف؟.. أنا جاي لك عشان العنف ده هو اللي ممشيني.. هو اللي سايقني.. أنا حاسس بنار جوه صدري يا دكتور.. نار بتخليني عايز أكسر أي حاجة قدامي.. أي حد يبص لي بس بصه مش عاجباني، بكون عايز أطلع عينيه في إيدي.

قعد على الكرسي بتقل، الكرسي اللي كان قاعد عليه كمال من شوية.. بس سيد مكنش بيتهز.. سيد كان قاعد ثابت زي الصخرة، بس صوابعه كانت بتضغط على مسند الكرسي لدرجة إن جلد المسند اتقطع تحت ضوافره السودا.

يوسف: النار دي.. بتجيلك إمتى بالظبط؟

سيد ضحك بسخرية، وطلع علبة سجاير مكرمشة من جيبه وولع سيجارة من غير ما يستأذن.. الدخان التقيل طلع من بوقه وعمل سحابة بيني وبينه.

سيد: مبتجيش ومبتروحش.. هي عايشة معايا.. نايمة صاحية معايا.. بس المشكلة في الصوت.. الصوت اللي بيوسوس لي لما الدم بيغلي في عروقي.

يوسف: صوت مين؟

سيد سكت لحظة، وبص للسيجارة اللي في إيده كأنه بيكلمها.

سيد: صوتي أنا.. بس مش أنا.. صوت بيطلع من حتة ضلمة جوه دماغي.. بيقولي اضرب.. كسر.. موت.. إمبارح كنت راكب ميكروباص، السواق شتم حد.. لقيت نفسي مسكته من رقبته وكنت هخنقه.. لولا الناس حاشتني كان زمانه مات في إيدي.. أنا مش عارف أوقف إيدي يا دكتور.. إيدي بتتحرك لوحدها.. كأنها مش بتاعتي.

بدأت أكتب وراه.. نوبات غضب غير مسيطر عليها.. انفصام محتمل.. ميول عدوانية.. بس وأنا بكتب، حسيت بحاجة غريبة.. القلم في إيدي ضغطت عليه جامد لدرجة إنه خرم الورقة.. حسيت بسخونة طالعة من صدري أنا.. شعور مألوف.. شعور الغضب المكتوم اللي سيد بيوصفه، أنا عارفه كويس!

رفعت عيني وبصيت لـ سيد.. لقيته بيبص لي بتركيز غريب.. النظرة العدوانية اختفت، وحل مكانها نظرة تواطؤ.. كأنه عارف سر عني.

سيد: إنت عارف أنا بتكلم عن إيه.. صح يا دكتور؟.. إنت جربت الشعور ده.. لما تكون عايز تسكت حد للأبد عشان صوته بيستفزك.

بلعت ريقي بصعوبة، وحسيت إن الكرافتة خانقاني، فكيت الزرار اللي فوق.

يوسف: أنا هنا عشان أسمعك إنت يا سيد.. مش عشان أتكلم عن نفسي.. حالتك محتاجة تنظيم انفعالات و...

سيد قاطعني بصوت حاد، وضرب بإيده على المكتب خبطة خلتني أنتفض.

سيد: متسمعنيش كلمتين من الكتب!.. أنا شايفها في عينك!.. شوفتك وإنت بتبص للممرضة بتاعتك لما دخلت.. شوفتك وإنت ماسك القلم دلوقتي وهتفعصه في إيدك.. إحنا زي بعض.. الوحش اللي جوايا، هو نفسه اللي جواك.. بس أنا بطلعه، إنت بتحبسه.. واللي بيتحبس ده.. لما بينفجر بيبقى أوحش بكتير.

كلامه وترني.. وترني جداً.. حسيت إنه بيكشفني.. بيعريني قدام نفسي.. قمت وقفت عشان أنهي الجلسة.

يوسف: الجلسة انتهت يا سيد.. أنا هكتبلك تحويل لمستشفى أمراض عقلية.. حالتك تستدعي حجز فوري.. إنت خطر على نفسك وعلى المجتمع.

سيد قام وقف هو كمان، بس ببطء مرعب.. وبدأ يقرب مني، ولف حوالين المكتب.. أنا رجعت لورا لحد ما ضهري خبط في الحيطة.. مكنش فيه مهرب.

وقف قدامي، كان أطول مني وأعرض.. ريحة السجاير والعرق كتمت نفسي.. قرب وشه من وشي، وشاور بصباعه الخشن على صدري، مكان قلبي بالظبط.

سيد: أنا مش هروح في حتة.. أنا هفضل هنا.. لحد ما تعترف.. لحد ما تفتكر إنت عملت إيه بإيدك دي.. فاكر ليلة المطر من عشر سنين؟.. فاكر الكلب اللي كان بيعوي تحت شباكك ومكنش مخليك عارف تذاكر؟.. فاكر عملت فيه إيه؟

الدم هرب من جسمي كله.. الذكرى دي مدفونة.. مدفونة في أعمق حتة في ذاكرتي ومحدش يعرفها غيري.. أنا فعلاً نزلت ليلتها.. وكنت ماسك حتة حديدة.. والكلب سكت.. سكت للأبد.

يوسف: إنت.. إنت عرفت ده منين؟

سيد ابتسم ابتسامة صفرا كشفت عن سنانه المسوسة.

سيد: قولتلك.. أنا الصوت اللي جوه دماغك.. أنا الغضب اللي إنت خايف منه.

وفجأة، سيد مد إيده وبسرعة البرق طبق كفوفه حوالين رقبتي.. صوابعه كانت قوية زي الكماشة.. ضغط بكل عزم فيه.. النفس اتقطع عني.. حاولت أزقه، حاولت أضرب إيده، بس كان زي الجبل مبيتحركش.. عيني بدأت تزغلل، ووش سيد بدأ يبعد ويسود، وصوت ضحكته المبحوحة كان آخر حاجة سمعتها قبل ما الدنيا تضلم تماماً.

***

فتحت عيني بصعوبة.. كنت نايم على الأرض ورا المكتب.. زوري كان بيحرقني جداً.. قمت وأنا بكح وبمسك رقبتي.. حاولت أخد نفسي، الهوا كان بيدخل بصعوبة كأن زوري مجروح.

بصيت حواليا.. المكتب فاضي.. الكرسي مقلوب.. ورق الملفات في كل حتة.. وسيد مش موجود.

قمت بصعوبة وسندت على الحيطة.. رجلي كانت شايلاني بالعافية.. مشيت ناحية المرايا اللي فوق الحوض عشان أشوف رقبتي.. كنت حاسس بألم فظيع مكان الخنق.

ولما بصيت في المرايا.. اتسمرت.. الرعب تملكني أكتر من أي وقت فات.

كان فيه كدمات زرقا وحمرا حوالين رقبتي.. آثار صوابع واضحة وضوح الشمس.. حد فعلاً خنقني وحاول يموتني.. بس الصدمة مكنتش في الكدمات.. الصدمة كانت في شكل الكدمات.

رفعت إيدي المرتعشة، وحطيتها على رقبتي.. وطبقت صوابعي فوق الكدمات بالظبط..

صوابعي.. أنا.. طابقت الكدمات بالمللي.. مكان الإبهام.. مكان السبابة.. زاوية الضغط.. كل حاجة كانت بتقول حقيقة واحدة مستحيلة.

أنا اللي كنت بخنق نفسي.. وبكل قوتي.

ساعتها بس، لمحت حاجة على المكتب وسط الورق المتنطور.. ورقة بيضا تانية من النوته بتاعتي.. مكتوب عليها بخط عريض، ومضغوط عليه لدرجة إن الورقة مقطوعة:

ارتحت لما طلعته؟.. الدور على اللي جاي.. جهز نفسك للندم.

والباب خبط تالت مرة.

قمت من قدام المرايا وأنا حاسس إن رجلي مش شيالاني.. الكدمات اللي على رقبتي كانت بتوجعني مع كل بلعة ريق، وكأن فيه طوق حديد سخن ملفوف حوالين زوري.

قفلت زراير القميص لحد آخر زرار عشان أداري العلامات الزرقا، وربطت الكرافتة بإيد بترتعش.. بصيت على المكتب المقلوب، وبدأت أعدله بسرعة.. لميت الورق، وعدلت الكراسي.. كنت بحاول أمسح أي أثر للي حصل، كأني لو رتبت الأوضة، عقلي كمان هيترتب واللي حصل ده هيتمسح من الذاكرة.

بس وأنا بوطي عشان أجيب ورقة وقعت تحت المكتب، شميت ريحة.. ريحة نفاذة وقوية لدرجة إنها خلتني أغمض عيني وأرجع بالذاكرة عشر سنين لورا في ثانية واحدة.

ريحة ياسمين.. عطر رخيص وقديم، بس مميز جداً.. الريحة كانت جاية من ناحية الباب.

الباب خبط.

المرة دي الخبط مكنش مرعوب زي كمال، ولا عنيف زي سيد.. الخبط كان ضعيف، ومتردد.. خبطة واحدة كل كام ثانية، كأن اللي ورا الباب مش عايز يدخل، أو معندوش طاقة يرفع إيده.

يوسف: ادخل.

صوتي طلع مخنوق ومشرخ.

الباب اتفتح ببطء شديد، ودخلت حنان.. ست في الخمسينات، لابسة عباية سودا وطرحة سودا.. وشها كان جميل زمان، بس الحزن حفر فيه خطوط عميقة.. عيونها دبلانة ومحاطة بهالات سودا زي الفحم، وكأنها منامتش من يوم ما اتولدت.. وكانت شايلة في حضنها لفة صغيرة ملفوفة في شال صوف أبيض.

أول ما دخلت، ريحة الياسمين ملت الأوضة كلها، وغطت على ريحة الفينيك والسجاير.. الريحة دي كانت بتخنقني، بتفكرني بحاجة أنا دافنها في مقابر النسيان.

حنان مشيت بخطوات تقيلة، وقعدت على الكرسي قدامي من غير ما تتكلم.. فضلت باصة للأرض، وضامة اللفة اللي في حضنها كأنها أغلى حاجة في الدنيا.

سعاد دخلت وراها، وبصت لي بنظرة طويلة.. نظرة فيها عتاب.. وكأنها بتقولي أنا حذرتك.

يوسف: خلاص يا سعاد.. سيبنا لوحدنا وهاتي ليمون للمدام.

سعاد خرجت، وفضلت أنا وحنان.. وصوت المطر اللي بره بدأ يهدى ويتحول لصوت نقط بطيئة بتنزل في ماسورة مكسورة..

يوسف: أهلاً يا مدام حنان.. أنا تحت أمرك.. مالك؟ وإيه اللي في حضنك ده؟

حنان رفعت راسها ببطء، وبصت في عيني.. نظرتها كانت مليانة انكسار.. انكسار يوجع القلب.

حنان: اللي في حضني ده أمل.. بنتي.. أو اللي فضل منها.

يوسف: بنتك؟.. هي تعبانة؟.. بس أنا دكتور نفسي يا مدام، لو بنتك محتاجة دكتور أطفال أنا ممكن أحولك لزميل.

حنان ابتسمت ابتسامة مريرة، وهزت راسها بالنفي.

حنان: هي مش محتاجة دكتور أطفال.. هي محتاجة عدل.. محتاجة حقها اللي ضاع.. وأنا جيتلك عشان إنت الوحيد اللي عارف مكان حقها فين.

كلامها بدأ يقلقني.. دي مش مريضة عادية.. طريقتها في الكلام، الريحة، الملامح المألوفة دي.. أنا شوفت الست دي فين قبل كده؟

يوسف: أنا مش فاهم حضرتك تقصدي إيه.. حق إيه؟.. وإنتي تعرفيني منين؟

حنان بدأت تهز اللفة اللي في حضنها كأنها بتنيم طفل، وبدأت تدندن بصوت واطي ومبحوح.. لحن كئيب ومقبض.. وفجأة سكتت وقالت بصوت هادي ومرعب:

حنان: فاكر العنبر رقم 4 يا دكتور يوسف؟.. فاكر الليلة اللي الكهربا قطعت فيها في المستشفى الجامعي؟.. فاكر البنت اللي دخلت العمليات للزايدة، وخرجت جثة؟

حسيت بضربة قوية في صدري.. الدم هرب من وشي.. الاسم، والمكان، والتفاصيل.. دي الكارثة اللي دمرت مستقبلي كجراح وحولتني للطب النفسي.. دي الغلطة اللي بسببي بنت ماتت.. البنت دي كان اسمها أمل.

يوسف: إنتي.. إنتي مين؟.. ومين قالك الكلام ده؟

حنان قامت وقفت، وقربت من المكتب.. وحطت اللفة اللي في إيدها على مكتبي.. الشال الأبيض كان عليه بقع صفرا قديمة.

حنان: أنا أمها.. أنا اللي بوست إيدك يومها عشان تنقذها، وإنت قولتلي متقلقيش دي عملية بسيطة.. أنا اللي وقفت ورا باب العمليات وسمعتك وإنت بتزعق للممرضين وبتقولهم النزيف مش بيقف.. أنا اللي شوفتك وإنت خارج بتجري وهربان من نظراتنا.

أنا رجعت بضهري لورا، وجسمي كله بدأ يتنفض.. العرق بدأ ينزل على وشي زي المطر.. الذكرى هجمت عليا بكل قسوتها.. صوت جهاز القلب وهو بيصفر.. (بيييييييييييب).. الدم اللي كان مغرق الملاية.. وش البنت الصغيرة اللي فارقت الحياة تحت إيدي.

يوسف: دي كانت حادثة.. قضاء وقدر.. أنا عملت اللي عليا.. أنا حاولت أنقذها!

حنان صرخت في وشي.. صرخة هزت أركان العيادة، وخلت اللمبة اللي فوقينا تفرقع وتنزل بودرة إزاز علينا.

حنان: كداب!!.. إنت كنت سهران طول الليل.. كنت شارب.. إيدك كانت بتترعش وإنت ماسك المشرط.. إنت قتلتها باستهتارك.. ودلوقتي جاي تعمل دكتور وتصلح عقول الناس وإنت عقلك خربان؟ وإنت ضميرك ميت؟

مدت إيدها للشال اللي على المكتب وفتحته..

أنا كنت متوقع أشوف جثة طفل، أو دمية.. لكن اللي شفته كان أبشع بكتير.

جوة الشال، كان فيه إيد.. كف إيد مقطوعة ومتحنطة.. ولونها أزرق غامق.. وفي الصباع البنصر.. كان فيه دبلة فضة.. دبلتي أنا!!

بصيت لإيدي الشمال بسرعة.. صباعي موجود، والدبلة فيه.. رجعت بصيت للإيد المقطوعة اللي على المكتب.. نفس الشكل، نفس الوحمة الصغيرة على ظهر الكف، ونفس الدبلة المحفورة عليها اسمي.

يوسف: إيه ده؟.. دي إيد مين؟

حنان بصت للإيد المقطوعة بحنية، وملست عليها.

حنان: دي إيد المجرم.. دي الإيد اللي قتلت بنتي.. أنا قطعتها عشان متأذيش حد تاني.. ودلوقتي.. جه وقت الحساب.

وفجأة، الأوضة بدأت تتغير.. حيطان العيادة بدأت تبهت وتتحول للون الأخضر البارد.. لون سيراميك غرف العمليات.. المكتب اللي قدامي اتحول لترابيزة عمليات معدنية.. والورق تحول لملايات ملطخة بالدم.

صوت البيييييب المستمر بتاع جهاز القلب ملى ودني.. وريحة الياسمين اختفت وحل مكانها ريحة بنج ومطهرات قوية.

بصيت لحنان.. ملقيتهاش حنان.. لقيتها لابسة ماسك جراحي، ولبس عمليات أزرق.. وماسكة في إيدها مشرط بيلمع تحت ضوء كشاف العمليات القوي اللي ظهر فجأة فوق راسي.

يوسف: إيه اللي بيحصل؟.. أنا فين؟.. سعاااااد!!

الست اللي كانت حنان قربت مني، وعينها بتلمع بنظرة انتقام.. ورفعت المشرط.

حنان (بصوت يوسف): إنت لازم تدفع التمن.. الإيد اللي غلطت لازم تتقطع.

حاولت أقوم أجري، بس اكتشفت إني مربوط.. مربوط في الكرسي بتاعي بأحزمة جلد.. زي أحزمة مرضى الهياج العصبي.. حاولت أصرخ، بس صوتي مطلعش.

المشرط نزل بسرعة ناحية إيدي الشمال.. غمضت عيني وصرخت صرخة مكتومة..

***

فتحت عيني..

الهدوء رجع.. صوت المطر الخفيف.. والضوء الأصفر الخافت بتاع العيادة.

أنا قاعد على مكتبي.. مفيش حنان.. مفيش غرفة عمليات.. مفيش إيد مقطوعة.

بس المرة دي.. أنا كنت بعيط.. دموعي كانت نازلة مغرقة وشي.. دموع سخنة وحقيقية.. وشعور بالندم والوجع في قلبي كأن حد عصر قلبي بإيده.

مسحت دموعي بظهر إيدي.. وبصيت على المكتب.

كان فيه كارت صغير.. كارت دعوة فرح قديم ومبلول ميه.. مسكته وقريت الاسم اللي فيه.

حفل زفاف الأستاذ يوسف.. والأنسة أمل.

الكارت وقع من إيدي.. أمل مكنتش مريضة ماتت.. أمل كانت خطيبتي.. خطيبتي اللي ماتت في حادثة وأنا سايق العربية.. وأنا اللي كنت السبب.. أنا اللي قتلت حبيبتي!!

دماغي لفت.. الذكريات بتدخل في بعض.. مين المريض؟ ومين خطيبتي؟ ومين اللي مات في العمليات؟.. أنا عقلي بيلعب بيا.. الأحداث بتتداخل.

قمت وقفت وأنا دايخ.. لازم أخرج من هنا.. لازم أشم هوا.. العيادة دي ملعونة.

جريت ناحية باب المكتب وفتحته عشان أخرج لصالة الانتظار وأشوف سعاد.. بس أول ما فتحت الباب.. اتسمرت مكاني والرعب شلني تماماً.

مفيش صالة انتظار.

مفيش كراسي، ولا مكتب سكرتارية، ولا باب العيادة الخارجي.

أول ما فتحت الباب.. لقيت طرقة طويلة جداً.. ضيقة، ومظلمة.. وأرضيتها مليانة مية وموحلة.. وعلى الحيطان بتاعتها، فيه أبواب كتير مقفولة.. أبواب حديد زي أبواب الزنازين.

وفي آخر الطرقة البعيدة دي.. كان فيه شخص واقف.. لابس بالطو أبيض.. ومديني ضهره.

صوت سعاد جه من ورايا، من جوه المكتب، بس الصوت كان مختلف المرة دي.. كان صوتي أنا بس مسجّل.

سعاد (بصوت يوسف): المريض رقم 4 هرب من العنبر.. بلغوا الأمن.

بصيت ورايا في المكتب.. ملقيتش مكتب.. لقيت زنزانة مبطنة بالجلد.. وأنا واقف على بابها.

والشخص اللي واقف في آخر الطرقة لف وبص لي..

كان يوسف.. أنا.. بس لابس لبس دكتور نضيف ومكوي، وبيبتسم لي بابتسامة خبيثة وشيطانية.. وشاورلي بإيده إني أقرب.

يوسف (النسخة التانية): أهلاً بيك في الحقيقة.. الجلسة لسه مخلصتش.

والباب اللي ورايا اتقفل لوحده.. والطرقة بدأت تطول وتطول.

جريت.. جريت بكل طاقتي ناحية يوسف التاني اللي واقف في آخر الطرقة.. كنت بجري في الطين والمية، ورجلي بتتقل مع كل خطوة كأني بجري في حلم.. صوت أنفاسي كان عالي ومسموع، بيتردد صداه في الطرقة الطويلة اللي ملهاش نهاية.

يوسف: استنى!!.. إنت مين؟.. وديتني فين؟

كل ما أقرب منه، الطرقة تطول أكتر.. الأبواب الحديد اللي على الجناب بدأت تتهز بعنف، وأيادي كتير بدأت تخرج من فتحات الشبابيك الصغيرة اللي في الأبواب.. أيادي شاحبة، وأيادي محروقة، وأيادي مليانة دم.. كلهم بيحاولوا يمسكوني وأنا بجري.. وأصوات صريخ وعياط واستغاثات ملت ودني.

الحقنا يا دكتور.. خرجنا من هنا.. النار بتاكلنا.. الظلال بتموتنا.

أنا كنت سادد ودني بإيديا وبصرخ عشان أغطي على صوتهم.. وفجأة.. يوسف التاني وقف، ولف لي ببطء.. وشه كان هادي ومبتسم، ابتسامة باردة ومستفزة.. وشاور على باب خشب قديم كان موجود فجأة على يميني.

يوسف (النسخة التانية): الحل جوه.. ادخل واواجههم لوحدك.

وبمجرد ما كمل جملته.. انفجر.. جسمه اتحول لدخان أسود، واختفى في الهوا.. متبقاش غير الباب الخشب القديم.

وقفت قدام الباب وأنا بلهث.. قلبي كان بيدق زي الطبول الأفريقية.. مسكت المقبض النحاس البارد، ولفيته.. الباب اتفتح بصوت تزييق مزعج.

دخلت.. والأرضية تحتي اتحولت من طين لباركيه ناعم.. دي كانت العيادة تاني.. بس المرة دي كانت مختلفة.. كانت واسعة جداً، أكبر من الطبيعي بعشر مرات.. والحيطان كلها.. كلها مرايا.

مئات المرايا مغطية الحيطان والسقف.. وفي كل مرايا، كنت شايف انعكاسي.. يوسف الواقف المبهدل، بقميصه المقطوع وكرافتته المفكوكة.

بس لما ركزت في المرايا.. اكتشفت الكارثة.

الانعكاسات مكنتش بتتحرك معايا.. الانعكاسات كانت واقفة بتبص لي.. وكل واحد فيهم كان ليه تعبير مختلف عن التاني.

مشيت ببطء وسط القاعة الغريبة دي.. وقفت قدام مرايا كبيرة في النص.

الانعكاس اللي فيها مكنش يوسف الدكتور.. كان يوسف، بس عينيه بتلف في المكان برعب، وعرقان، وماسك شنطة في إيده.. ده كان كمال!

يوسف (للمرايا): إنت بتعمل إيه هنا؟.. كمال؟

الانعكاس رد عليا.. بس شفايفه مكنتش بتتحرك.. الصوت كان بيطلع جوه دماغي مباشرة.

كمال (الانعكاس): أنا مش كمال.. أنا خوفك.. أنا الرعب اللي إنت عايش فيه بقالك سنين ومخبي نفسك ورا بالطو الدكتور.. إنت اللي بتشوف الظلال يا يوسف.. إنت اللي بتخاف تنام لوحدك.

رجعت لورا خطوة.. خبطت في مرايا تانية ورايا.. لفيت وبصيت فيها بسرعة.

الانعكاس المرة دي كان مكشر، وشه أحمر من الغضب، وعروق رقبته نافرة.. ومولع سيجارة.. ده كان سيد!

سيد (الانعكاس): وأنا غضبك.. أنا الشيطان اللي بيطلع لما حد بيدوس لك على طرف.. فاكر لما ضربت زميلك في المدرسة لحد ما عينه طارت؟.. فاكر لما كسرت دراع خطيبتك عشان عارضتك في كلمة؟.. أنا كنت إيدك ساعتها.

يوسف صرخ ومسك راسه بإيديه الاتنين: أخرسوا!!.. كدابين.. أنا دكتور محترم.. أنا بعالج الناس.. أنا مش مجرم!

فجأة، كل المرايا بدأت تطلع صوت واحد.. صوت بكا طفل.. صوت عياط مكتوم ومقهور.

جريت ناحية مصدر الصوت.. لقيت مرايا مكسورة ومرمية في الزاوية.. قربت منها وبصيت فيها.

شوفت نفسي.. بس كنت لابس أسود.. وعيني دبلانة.. وشايل لفة بيضا في حضني.. حنان!

حنان (الانعكاس): إنت قتلتنا كلنا يا يوسف.. قتلت أمل بإهمالك.. وقتلت البراءة اللي جواك.. إنت مش بتعالجنا.. إنت حبستنا.. حبستنا جوه عقلك المريض وسميتنا مرضى عشان تبرر وجودنا.. بس إحنا مش مرضى.. إحنا إنت.

يوسف: لا!!.. مستحيل.. أمل ماتت في حادثة.. أنا ماليش ذنب.. أنا كنت بحاول أنقذها!

وفجأة.. المرايا كلها بدأت تتشقق.. صوت طرقعة الإزاز كان عالي ومرعب.. الشروخ بدأت ترسم شكل وش.. الوش اللي ملوش ملامح اللي شفته على الشباك في الأول.

النور بدأ يقطع ويرجع بسرعة جنونية.. (فلاشات سريعة).. ضلمة.. نور.. ضلمة.. نور.

وفي كل مرة النور بيجي، كنت بشوفهم بيقربوا مني.. الانعكاسات خرجت من المرايا.. كمال، وسيد، وحنان.. وكمان ناس تانية معرفهمش.. طفل صغير بيعيط، راجل عجوز بيضحك، ست بتصرخ.. كلهم نسخ مني.. كلهم بوشي أنا، بس بتعبيرات مختلفة.

حاصروني في النص.. دايرة مقفولة من البشر اللي هما أنا.

كمال مسك دراعي اليمين.. وسيد مسك دراعي الشمال.. وحنان مسكت راسي بين إيديها.

سيد (بيصرخ في وشي): اعترف!!.. قول الحقيقة عشان ترتاح.. قول إنك مش دكتور!

يوسف: أبعدوا عني!!.. سعاااااد!!.. الأمن!!

حسيت بوجع فظيع.. كأن جسمي بيتمزع.. سيد كان بيضغط على رقبتي.. نفس الخنقة اللي حسيتها في المكتب.. بس المرة دي كانت حقيقية.. النفس بيضيع.. الدنيا بتسود.

وفجأة.. سمعت صوت صفارة إنذار عالية جداً.. وصوت أبواب حديد بتتفتح بعنف.. ونور كشافات قوي ضرب في عيني عماني.

الأصوات اللي حواليا بدأت تتلاشى.. كمال وسيد وحنان بدأوا يسيحوا زي الشمع.. ورجعوا تاني مجرد خيالات في دماغي.

حسيت بإيدين قوية بتمسكني.. مش أيادي أشباح.. أيادي بشر حقيقيين.. أيادي خشنة وقوية.

الممرض 1: امسكه كويس من رجله!.. هات الحقنة بسرعة!

الممرض 2: ده في حالة هياج كاملة.. زود الجرعة يا دكتور!

فتحت عيني بصعوبة.. الرؤية كانت مشوشة.. أنا مش في العيادة.. ولا في قاعة مرايا.

أنا في أوضة صغيرة.. حيطانها مبطنة بجلد رمادي.. زنزانة انفرادية.

أنا مرمي على الأرض، وفيه اتنين ممرضين ضخام البنية مكتفيني.. واحد قاعد فوق صدري ومثبت دراعاتي، والتاني بيمسك رجلي.

وفوق راسي.. واقف شخص لابس بالطو أبيض نضيف.. وماسك حقنة وبيرجها عشان يفرغ الهوا منها.

حاولت أركز في ملامحه.. حاولت أشوف مين الدكتور ده.. هل هو يوسف التاني؟

الدكتور وطى عليا، وضربني على خدي بخفة عشان أصحصح.

الدكتور: اهدى يا بطل.. اهدى يا يوسف.. النوبة كانت شديدة المرة دي.

بصيت له بذهول.. ده مش أنا.. ده راجل غريب.. ده الدكتور الحقيقي!

يوسف (بصوت مخنوق وتعبان): أنا فين؟.. فين كمال؟.. فين عيادتي؟

الدكتور بص للممرضين وهز راسه بأسف، وغرز الحقنة في دراعي.

الدكتور: مفيش عيادة يا يوسف.. إنت هنا في مستشفى العباسية بقالك خمس سنين.. كمال وسيد وحنان دول الشخصيات اللي إنت ألفتهم وعايش معاهم.. إنت المريض يا يوسف.. مش الدكتور.

المادة اللي في الحقنة بدأت تمشي في عروقي.. نار باردة خدرت جسمي كله.. عضلاتي ارتخت غصب عني.. جفوني تقلت.

بس قبل ما أغيب عن الوعي.. لمحت سعاد واقفة عند باب الزنزانة.. بس مكنتش لابسة لبس ممرضة.. كانت لابسة لبس عاملة نظافة، وماسكة جردل وممسحة.

بصت لي بحزن، وقالت بصوت واطي للدكتور:

سعاد: صعبان عليا أوي يا دكتور مجدي.. كل ليلة يعيش نفس الكابوس، ويفتكر إنه دكتور، ويعالج نفسه.

دكتور مجدي اتنهد وقفل ملف كان في إيده.. ملف مكتوب عليه من بره بخط كبير وأحمر: الحالة: يوسف.. التشخيص: اضطراب الهوية التفارقي (تعدد شخصيات) - خطر جداً.

غمضت عيني.. والضلمة بلعتني.. بس في وسط الضلمة دي.. سمعت صوتي أنا.. صوت يوسف الدكتور.. بيوشوش في ودني ويقول:

متصدقهمش.. هما اللي مجانين.. إحنا بس محتاجين نخلص الجلسة الأخيرة.. الجلسة الخامسة هي الحل.

الهدوء.. مفيش صوت غير صوت طنين في ودني عامل زي صوت دبانة محبوسة في برطمان.. فتحت عيني بتقل، جفوني كانت لازقة فبعض كأن عليها صمغ.. أول حاجة شفتها كانت السقف.. سقف رمادي، مقشر، وفيه بقع رطوبة عاملة أشكال غريبة.. مش سقف عيادتي الأبيض النضيف.

حاولت أرفع إيدي عشان أمسح عيني.. معرفتش.. إيدي كانت لازقة في جسمي.. حاولت أحرك رجلي.. مربوطة بحزام جلد في السرير الحديد اللي أنا نايم عليه.

أنا لابس قميص.. بس مش قميصي الكلاسيك.. ده قميص بأكمام طويلة أوي، والأكمام ملفوفة ومربوطة ورا ضهري.. القميص المجنون زي ما بيسموه.

ريحة المكان كانت مقرفة.. ريحة منظفات رخيصة، وبول قديم، ويأس.. دي ريحة العنبر.

سمعت صوت الباب الحديد بيتفتح بصوت صرير يوجع السنان.. ودخل دكتور مجدي.. الراجل اللي بيدعي إنه دكتوري.. كان ماسك ملف في إيده، وباصصلي بنظرة انتصار هادية.. نظرة الصياد اللي أخيراً وقع الفريسة في الفخ.

مجدي سحب كرسي معدن وقعد جنبي، وحط رجل على رجل.

مجدي: صباح الخير يا يوسف.. أو مساء الخير، مش هتفرق كتير هنا.. المهم إنك فقت.. الحقنة كانت شديدة شوية المرة دي، بس كان لازم منها.. كنت بتأذي نفسك.

بصيت له وأنا بحاول أجمع شتات عقلي.. صوتي طلع مبحوح وضعيف، كأني مكنتش بتكلم بقالي سنة.

يوسف: فكني يا مجدي.. اللعبة دي باخت.. أنا عندي عيادة لازم أفتحها، ومرضى مستنيين.

مجدي اتنهد بأسف، وفتح الملف اللي في إيده وبدأ يقلب في الورق ببرود.

مجدي: لسه مصمم؟.. يا ابني إحنا بقالنا 5 سنين بنلف في الدايرة دي.. إنت مهندس زراعي يا يوسف.. عمرك ما كنت دكتور.. أمل الله يرحمها كانت خطيبتك فعلاً، وماتت في حادثة عربية إنت كنت سايقها.. الصدمة خليتك ترفض الواقع، واخترعت شخصية الدكتور عشان تعالج نفسك من الذنب.. وشخصيات كمال وسيد وحنان دول مجرد أعراض لحالتك.. كمال هو خوفك، وسيد هو غضبك، وحنان هي حزنك.

كلامه كان مرتب.. منطقي.. أي حد يسمعه يصدقه.. بس أنا كنت شايف اللي هو مش شايفه.

أنا دكتور نفسي.. وخبرتي بتخليني أقرأ لغة الجسد.. مجدي كان بيلعب في دبلته بتوتر.. عينه كانت بترف كل شوية.. وكان بيتجنب يبص في عيني مباشرة لفترة طويلة.. دي علامات كدب.. أو علامات خوف.

ابتسمت.. ابتسامة جانبية خلت مجدي يقلق ويعدل قعدته.

يوسف: تحليل هايل يا دكتور مجدي.. بس قولي.. لو أنا المريض، ليه إنت اللي بتترعش؟.. ليه خايف مني وأنا مربوط؟

مجدي: أنا مش خايف منك يا يوسف.. أنا خايف عليك.

يوسف: كداب!.. إنت خايف لأنك عارف إني بدأت أشوف الحقيقة.. إنتوا اللي حابسينني هنا.. إنتوا اللي عايزين تمنعوني أمارس شغلي.. الظلال اللي كمال كان بيشوفها.. دول إنتوا.. الممرضين بتوعك اللي بييجوا بالليل يخدروني.. والوش اللي ملوش ملامح.. ده كان وشي أنا وأنا بحاول أشوف نفسي في المرايا وإنتوا مغطيينها.

مجدي قفل الملف بعنف، ووشه احمر.

مجدي: كفاية خرافات بقى!.. إنت لازم تواجه الحقيقة عشان تخف.. مفيش مؤامرة.. مفيش عيادة.. مفيش غيري وغيرك والعنبر ده.. خد الدوا بتاعك وخليك عاقل.

طلع حقنة تانية من جيبه.. نفس السائل الشفاف اللي بيحرق العروق.

في اللحظة دي.. حسيت بحاجة طقت جوه دماغي.. بس المرة دي مش صوت حاجة بتتكسر.. ده كان صوت قفل بيتفتح.

الصوت اللي كان بيجيلي زمان.. صوت الدكتور اللي جوايا.. اتكلم بوضوح، بصوت قوي ورنان، غطى على صوت مجدي وعلى صوت العالم كله.

الصوت الداخلي: هو المريض يا يوسف.. مش إنت.. هو اللي محتاج علاج.. هو عايش في إنكار.. شخص بيحبس الناس الأصحاء ويقنعهم إنهم مجانين.. دي حالة نادرة من متلازمة مونخهاوزن بالوكالة.. هو بيستمد قوته من ضعفك.. الحل الوحيد هو الجلسة الخامسة.. لازم تعالجه.. عالجه دلوقتي!

غمضت عيني.. وخدت نفس عميق.. ريحة العنبر اختفت.. وبدأت أشم ريحة الفينيك والياسمين والسجاير.. عيادتي رجعت.. أنا في مكتبي.. والراجل اللي قدامي ده مش سجاني.. ده مريض جديد.

فتحت عيني.. بس المرة دي النظرة اختلفت تماماً.. الرعب والضعف اختفوا.. وحل مكانهم نظرة ثاقبة، باردة، ومسيطرة.. نظرة الدكتور.

بصيت لمجدي.. هو حاس بالتغيير.. شاف حاجة في عيني خلته يجمد مكانه والحقنة في إيده.

يوسف (بصوت هادي وواثق): اقعد يا مجدي.. واقف ليه؟.. استريح.. حالتك صعبة، بس مش ميؤس منها.

مجدي: إنت بتقول إيه؟.. يوسف فوق لنفسك!

يوسف: يوسف مين؟.. أنا الدكتور يوسف.. وإنت المريض رقم 5.. الملف بتاعك قدامي أهو.

بصيت للملف اللي في إيد مجدي.. بس أنا مكنتش شايف ملف مستشفى.. أنا كنت شايف نوتة ملاحظاتي الجلد القديمة.. ومكتوب فيها اسم مجدي - حالة ذهان وهلاوس السلطة.

بدأت أحرك إيدي المربوطة.. بس الغريبة إن الحبال مفكتش.. الحبال اختفت.. أو بالأصح، عقلي قرر إنها مش موجودة.. أنا حر.. أنا دكتور حر في عيادته.

قمت وقفت من على السرير (اللي في عقلي بقى مكتبي).. مجدي رجع لورا بخوف حقيقي المرة دي.. الكرسي وقع وراه.

مجدي: يا أمن!!.. يا تمريض!!.. الحالة هاجت!

يوسف: محدش هيدخل يا مجدي.. قولتلك قبل كده.. الباب مقفول، ومحدش يقدر يدخل من غير إذني.. إحنا لوحدنا.. أنا وإنت.. والحقيقة.

بدأت أقرب منه ببطء.. خطوة.. خطوة.. كل خطوة كنت بفتكر فيها جزء من نفسي.. كمال (الخوف) بقى هو حذري.. سيد (الغضب) بقى هو قوتي.. حنان (الحزن) بقت هي تعاطفي.. كل الشخصيات اندمجت فيا.. أنا بقيت الكيان الكامل.

مجدي كان بيحاول يفتح باب الزنزانة، بس الباب كان معلق.. أو هو من رعبه مش عارف يفتحه.

يوسف: بتهرب ليه؟.. العلاج بيوجع في الأول.. بس النتيجة مضمونة.. إنت مقتنع إنك دكتور في مستشفى.. وإن دي زنزانة.. بس دي كلها أوهام عقلك بيخلقها عشان يهرب من حقيقة إنك قتلت مراتك.. مش كده يا مجدي؟

مجدي اتسمر مكانه.. وبص لي بذهول.. إنت عرفت منين؟.

طبعاً أنا معرفش.. أنا بألف.. بس في الطب النفسي، كل واحد عنده سر مدفون.. ولو ضربت في الضلمة، ممكن تصيب.. ورد فعله أكد لي إني أصبت.

يوسف: شوفت؟.. أنا عارف كل حاجة.. أنا الدكتور.. ودوري إني أخلصك من الألم ده.

قربت منه.. وبحركة سريعة ومفاجئة، خطفت الحقنة من إيده.. كانت مليانة مهدئ للأعصاب.. بس بالنسبة لمجدي، دي كانت سلاحه الوحيد.

مسكته من ياقة البالطو بتاعه.. كان بيترعش زي ورقة الشجر.. بصيت في عينه بعمق، لدرجة إنه مقدرش يرمش.

يوسف: قولي يا مجدي.. مين الدكتور هنا؟.. ومين المريض؟

مجدي (بصوت باكي): أنا الدكتور.. إنت يوسف المريض.. سيبني!

هزيت راسي بأسف.

يوسف: لسه في مرحلة الإنكار.. يبقى لازم ندي الجرعة المكثفة.

غرزت الحقنة في رقبته.. مجدي صرخ وحاول يزقني، بس أنا كنت أقوى.. أنا كنت واخد قوة سيد.. ضغطت المكبس للآخر.. السائل كله دخل في جسمه.

مجدي وقع على الأرض.. بيحاول ياخد نفسه.. عينه بدأت تتقل.. وبدأ يفقد الوعي.

وقفت فوقه، وعدلت ياقة قميصي.. وبصيت حواليا.. حيطان الزنزانة بدأت تسيح وتتشكل من جديد.. السقف الرمادي بقى أبيض.. السرير الحديد بقى شزلونج مريح.. والباب الحديد بقى باب خشب زان فخم.

أنا رجعت عيادتي.. والمرة دي، للأبد.

الباب خبط.

مشيت بخطوات واثقة، وفتحت الباب.. كانت سعاد.. لابسة البالطو الأبيض بتاعها، وبتبتسم لي.

سعاد: دكتور يوسف.. الحالة الجديدة وصلت.. أدخله؟

بصيت ورايا على الأرض.. مجدي كان اختفى.. أو يمكن تحول لملف جديد على مكتبي.. مش مهم.. المهم إن النظام رجع.

يوسف: دخليه يا سعاد.. أنا جاهز.. أنا حاسس إني في أحسن حالاتي.

سعاد دخلت المريض الجديد.. شاب صغير، خايف، وبيبص حواليه بقلق.

قعدت على مكتبي، ومسكت قلمي.. وفتحت صفحة جديدة بيضا في النوتة.

يوسف: أهلاً بيك.. متخافش.. إنت هنا في أمان.. أنا دكتور يوسف.. وهسمعك لحد ما نلاقي الحل.. أحكيلي.. إيه اللي مخوفك؟

المريض بدأ يتكلم.. وأنا بدأت أكتب.. وصوت المطر بره كان بيغسل الشوارع.. وبيغسل ذاكرتي من أي حاجة غير الحقيقة اللي أنا خلقتها لنفسي.

أنا الدكتور.. وهفضل الدكتور.. وللأبد.

تمت.
               

رواية أنا الدكتور

أنا الدكتور
6.7

أنا الدكتور

مشاهدة

قصة الرواية

دكتور نفسي بيستقبل حالات معقدة في عيادته في نص الليل، بس مع توالي الجلسات بيكتشف إن كل مرضاه بيربطهم سر واحد دموي. ولما بيقرر يواجههم بالحقيقة، بيكتشف الكارثة.. إن الخطر الحقيقي مش بيخبط على باب العيادة، الخطر محبوس معاه جوه عقله!

تفاصيل العمل

التصنيف: غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مكتملة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
.....
.....

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

رواية سايكو

سايكو
2.3

سايكو

مشاهدة

قصة الرواية

دارك رومانس استيقظتُ وفي فمي طعم الدم، وفي عقلي صرخة امرأة لا أعرفها. يقولون إن الكوابيس تنتهي حين نفتح أعيننا، لكن كابوسي بدأ لحظة استيقاظي. غرفة موصدة، جسد بارد لفتاة لم أرها من قبل، وسؤال ينهش جدران رأسي كالمسمار: كيف وصلت إلى هنا؟ بينما يطاردني طيف تلك المرأة المقيدة في قصري القديم، أجد نفسي عالقاً في لعبة لا أعرف قواعدها. هل أنا القاتل الذي يهرب من نفسه؟ أم أن هناك شيئاً شيطانياً يسكن ظلي؟ مع كل دقة ساعة، يذوب الخيط الرفيع بين الحقيقة والجنون.. والهرب لم يعد خياراً، لأن الجريمة تسكن غرفتي."

تفاصيل العمل

التصنيف: للبالغين - غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
طارق
مهندس كومبيوتر عبقري
اسم الشخصية
ياسمين
زميلة طارق فى العمل وتحبه سرا

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

رواية ممنوع الاقتراب

ممنوع الاقتراب
2.0

ممنوع الاقتراب

مشاهدة

قصة الرواية

ثمّة أبواب لا تُفتح إلا حين يختار الظلام أن يهمس بأسراره، وثمّة أسئلة لا تُطرح إلا حين تستفيق الأرواح على لغز لا يفهمه سوى القليل.

تفاصيل العمل

التصنيف: غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
.....
.....

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

استسلام تكتيكي خير من هزيمة مدوية: السايكوباتي الذي بداخلي

جاري التحميل...

استسلام تكتيكي خير من هزيمة مدوية

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

["تبخرت مشاعرنا تحت شمس الزمان القاسية، تاركةً وراءها جرحًا لا يندمل.. جرحًا اسمه 'كنتُ بريئًا' "–(7-1)]

المكان هادئٌ ظاهريًا، لا يشوبه حتى طنين بعوضة، لكن الأفكار المتلاطمة في رأسه كانت تُصدر ضجيجًا يفوق أي صراخ، وتُفتِّت السكون المزيف المسيطر على المشهد. لم يكن غبيًّا أو ساذجًا ليَرضخ أمام خيارٍ مُغلَّف بالاستسلام ينعته البؤساء بالمصادفة.

كانت الأوراق متناثرة على الطاولة أمامه، وعيناه تجوبان كل تفصيلة بلا كلل، رغم الإرهاق الذي أخذ يجهز ببطء على بدنه، وعيناه اللتان كانتا تُقاومان الانغلاق بكوب جديد من القهوة. إلا أنه عزم على عدم مفارقة مكتبه حتى يجد الرابط بين اسم ذلك المختل وهذه القضية. كان الأمر أشبه بمحاولة الربط بين حروب الشرق الأوسط وثقب الأوزون… لا شيء واضح، ولا طيف رابط.

في أول جريمة قتل ارتكبها المجرم، كان عمر أليكس ست سنوات. جميع الضحايا لا تربطهم به أي علاقة، قريبة كانت أم بعيدة، عدا الضحية الأخيرة، والتي أثبت تقرير الطبيب الشرعي أنه لم يُقتل في المرسى، بل تم الإنهاء عليه في مكان آخر، ثم نُقِل إلى حيث وُجد. وفي الوقت المحدد للوفاة، كان أليكس محتجزًا في قسم الشرطة.

أطلق إيليان زفرةً طويلة، وهو يضم رأسه بين كفيه، وكأنه يحاول منع نفسه من الانجراف، وكبح اليأس عن التسلل إلى عقله. أفاقه من حالته صوت رنين هاتفه، فتفحّص هوية المتصل بطرف عينه، قبل أن يمد ذراعه ويلتقط الهاتف مجيبًا:

"إن لم تكن تملك أي جديد، فوفِّر وقتي وأغلق الخط من الآن."

جاءه الرد من الطرف الآخر، الذي قال بنبرة تضج بالحماس:

"على رسلك يا صديقي، لا تكن متسرعًا هكذا، فالعجلة في هذه المهنة عدوٌّ صامت قادر على الفتك بك عند أول خطأ."

أطبق إيليان جفنيه، وعاد بظهره إلى الوراء، ماسحًا وجهه بكفّه في محاولة لكبح غضبه. لما طال صمته، أكمل الطرف الآخر حديثه:

"حسنًا، لا بأس… سأخبرك قبل أن تنفجر في وجهي. في أثناء بحثي خلف الاسم الذي أرسلته لي صباحًا، لم أجد أي معلومات مريبة. صحيح أن الشاب مفتعلُ مصائبَ من الدرجة الأولى، إلا أن جميعها تُعدّ تافهة، ولا ترتقي لأن تُقرَن بذاك القاتل..."

"ميشيل، هل ستُلقي ما بجعبتك، أم عليّ أن أغلق الخط في وجهك كما أفعل كل مرة؟"

هتف إيليان بحنق وملامح مكفهرّة، وصبره يوشك على النفاد. فضحك الآخر ضحكة قصيرة، ثم تابع بنبرة أقل حماسة:

"لا يوجد شيء يربطه بشكل مباشر بهذه القضية، لكنني عثرت على معلومة مثيرة للشكوك قليلًا… هل تعرف كيف توفي آدم وكاثرين، والدا أليكس؟"

"كيف؟…"

"حريق… حريقٌ اندلع في منزلهم وحوّل كل شيء إلى رماد. لم ينجُ أحد من تلك الحادثة سوى أليكس، الذي كان طفلًا حينها. دُوِّن أنه قفز من إحدى النوافذ، وعثرت عليه فرق الإنقاذ بعد ساعات، يتأرجح بين الوعي واللاوعي."

تشنّجت عضلات فكّ إيليان، وسحب مقعده للأمام، متكئًا بمرفقيه على الطاولة، ثم سأل بصوت أكثر حدّةٍ يشوبه شيء من الريبة:

"حادث؟ هل أنت واثق من هذه التفصيلة؟ أعني، ما السبب الذي حدّده التقرير كمصدرٍ للحريق؟"

أخذ ميشيل نفسًا، وقلب الأوراق بين يديه، ثم أجاب:

"ذُكر هنا أن الحريق ناتج عن ماسٍ كهربائي اندلع من غرفة الأبوين، لذلك لم يتمكّنا من النجاة..."

قاطعه إيليان قبل أن يُتمّ جملته، وعلّق متعجبًا:

"ولم ينتبه أيٌّ منهما للنيران التي تزحف حولهما! وكيف لطفلٍ في هذا الموقف أن يفكّر في القفز والهروب، بينما المتوقع أن أول ما سيفعله هو الاندفاع نحو والديه ليحتمي بهما؟ هل ثمة شهود في هذه القضية؟"

"هناك شاهد واحد فقط، ذكر رؤيته سيارة سوداء متوقفة قرب المنزل قبيل اندلاع النيران بدقائق. لكن لم يتم تتبع السيارة، ولا التحقيق مع الشاهد حتى، وتم حفظ شهادته ضمن الملاحظات غير المؤكدة. ولاحقًا، أُغلقت القضية، وقُيّدت على أنها حادث سببه الإهمال في تفقد الوصلات الكهربائية المهترئة."

أجاب ميشيل، ولم يرد إيليان… للحظة، انسابت إليه تحليلات واستنتاجات، من الكارثي أن تكون حقيقية، لكنها تستحق السعي خلفها. كان حدسه يخبره أن أليكس يخفي لغزًا قادرًا على قلب مسار كل شيء، لكن، وكالعادة، ينقصه الدليل على ذلك.

ارتكز بكفّه على الطاولة، ثم همّ بالوقوف محاولًا استعادة صحوه. أغلق الخط مع ميشيل بعد أن طالبه بالسعي خلف هذا الأمر، ومحاولة العثور على الشاهد الذي دُثرت أقواله بطريقة بدت متعمّدة بالنسبة لإيليان. كان يود أن يُتابع تقفّي أثر هذا الأمر، إلا أن جسده، الذي كان على شفير الانهيار، عارض إرادته مرغمًا إيّاه على التقاط حاجياته من فوق الطاولة، قبل أن يغادر قاصدًا منزله، ملتمسًا استراحة قصيرة قبل أن يعاود الولوج إلى ساحة القتال.

.........................................................................

في جوف العربة، جلس أليكس وديريك في المقعد الأمامي، بينما كانت صوفيا تجلس في الخلف تحتضن شقيقيها بذراعيها كأنها تحاول حجب العالم عنهما. التزمت الصمت كأنه حصنها الأخير، فيما انطلقت السيارة تشق عباب الطريق المظلم.

رمق ديريك أليكس بنظرة خاطفة، وقد أدرك الشرود المتربص في ملامحه، فسأله دون أن يحرّك وجهه عن الطريق:

"ما بك؟ أهناك ما يقلقك؟"

لم يُجبه أليكس على الفور، بل صمت لحظة كأنه يُنقّب في أعماقه عن جواب، ثم قال بصوت خافت:

"لا شيء... فقط صوته يزعجني..."

قطب ديريك حاجبيه متسائلًا:

"صوت من؟ أتقصد مناغاة الرضيع؟"

لم ينبس أليكس بكلمة، بل عاد ليحدق في اللاشيء وكأن ذهنه قد علق بمكان آخر عجز سؤال ديريك عن إدراكه. وبعد مسافة من السكون المعلّق، مال سام بجسده الصغير نحو أخته، وهمس:

"أشعر بالظمأ يا صوفيا..."

كادت صوفيا أن تطلب منه الانتظار، غير أن أليكس قطع صمت اللحظة، والتفت نحو ديريك قائلًا:

"قف عند أول متجر نصادفه لنشتري الماء للصبي."

أومأ ديريك، وما لبث أن أوقف السيارة بمحاذاة محطة وقود بها متجر صغير على حافة الطريق. ترجّل بصحبة سام، الذي استأذن من صوفيا أن يذهب إلى دورة المياه الخاصة بالمتجر، فسمحت له على مضض. ظل الباقون في صمتٍ لا يشوبه غير هدير المحرك، حتى تحدّث أليكس فجأة دون أن يلتفت:

"السلاح... لم يكن حقيقيًا."

جفلت صوفيا وتعلّقت عيناها بمرآة السيارة، تراقب انعكاس وجهه. لم يكن يلتفت نحوها، لكن ملامحه لم تكن ساخرة، بل ساكنة، جادة.

"عفوًا؟"

قالت أخيرًا ونبرتها تجمع بين الذهول والاستياء والصدمة، فتابع الآخر:

"السلاح كان مزيّفًا. يصدر صوتًا فقط... أي لا ينتج عنه ضرر. أردت فقط جعلك تستمعين لما أقوله."

"وتحسب هذا مبررًا؟!"

رفعت صوتها قليلًا وتخللت نبرتها لفحة غضب، مكملةً:

"هل في ظنك أن انعدام الرصاص يخفف من فداحة ما فعلته؟ لقد أرعبتني! ظننتُ لوهلة أن حياتي انتهت. تخيلت أخواي غارقين في دمائهما!"

"أتفهم غضبك... وأتفهم خوفك. لكن كان أمامي خياران: إما أن أغادر دون أن ألتفت، وأنا على يقين أنهم سيعودون لقتلك، أو أن أتدخل وأدفعك للاستماع ولو بالقوة."

"قوة؟ أنت غريب عني! لم أرَك سوى قبل ساعات، وتظن أن لك الحق في إرغامي على شيء؟"

التفت نحوها أخيرًا، بعينين ثابتتين وملامح باردة، واسترسل مبررًا:

"لا، لا أظن أن لي الحق. لكني رأيت ما لم تريه بعد. الأمر برمته ليس كما يبدو... وبقاءك في ذاك المكان وعدم الإنصياع لكلامي كان سيدمر كل شيء، وأولهم أنتم. أردتك فقط أن تتوقفي، أن تنصتي وتتفهمي، وبعدها لكِ القرار."

تأمّلته، وقد ارتبك شيء في أعماقها، لكن ملامحها بقيت صلبة، جافة، تعيد التفكير في كل حرف قبل الإفراج عنه، حتى سألت في النهاية:

"وما الذي تريده مني إذًا؟ أن أرضخ إليك؟ أن أصدقك وأنا لا أدري ماهية نواياك الحقيقية؟"

"أريدك أن تمنحيني فرصة واحدة. لا أكثر. أن نبقى في الطريق ذاته لمدة قصيرة، نتابع ما بدأناه الليلة. وإن اتضح لك في أي لحظة أنني السيئ في هذه الحكاية فاتركيني. لكن فكري الآن جيدًا في نفسك وأخويكِ... وتيقّني أن لا أمان لكم الآن سوى داخل حدود قصري."

سادت لحظة صمت جديدة. كانت تفكر. قلبها يريد التراجع، لكنه ليس من يقودها، وعقلها كان يطرح تساؤلات لا نهائية، لأنه في ظل هذا كله، شيئًا ما من حديثه بدا واقعيًّا على نحوٍ لا يمكن تجاهله. بعد تمعّنٍ قالت أخيرًا بنبرة ثابتة:

"موافقة... ولكن لديّ شرط."

"اذكريه." 

"لا تكرّر ما فعلت. لا سلاح، لا تهديد، لا مسرحيات رخيصة. إن كنت تريدني أن أستمع، فاجعل من نفسك شخصًا جديرًا بالاستماع."

أومأ ببطء، وقال:

"هذا عادل نوعًا ما... لكِ ذلك."

قُطع حديثهم فور عودة ديريك حاملًا الماء، وسام يخطو بجانبه. عادا أدراجهما، ثم انطلقت العجلات من جديد نحو القصر.

.........................................................................

كان البهو العريض مضاءً بمصابيح كسيوفٍ تقطع ظلمة الليل. وقفت سيرينا بجانب جوليا، فيما جلس آرسين وسارة في المقاعد الخلفية، وكلّ عين منهم تراقب القادمين بنظرة يختلط فيها الترقّب بالشك. وقبل أن تندفع جوليا بأسئلتها، رفع أليكس صوته مناديًا على مدبّرة القصر:

"سيدة ميلر... اصطحبي صديقنا الصغير وقدّمي له شيئًا يأكله."

والتفت نحو سيرينا طالبًا بلطف:

"سيري، كما شرحتُ لكِ عبر الهاتف، استضيفي صوفيا والرضيع في غرفتك هذه الليلة. بحلول الغد نكون قد أعددنا غرفة أخرى من أجلها، وأهتمي بها جيدًا من أجلي، أيمكن؟."

"لا تعتل همًا يا أخي، دع الأمر لي." 

أجابت بتفهم فربت على كتفها بابتسامة زينت محياه كتعبير عن إمتنانه، ثم وجّه حديثه لديريك مكملًا:

"ليمكث الصبي في غرفتك، أخبر السيدة ميلر لتوجّهه للغرفة بعد أن ينهي طعامه، ثم اتبعني إلى غرفة المكتب، فعمي ينتظرنا هناك."

أومأ ديريك، وامتثلت سيرينا ورافقت صوفيا برفق إلى الأعلى وهي تحاول تبادل أطراف الحديث معها، لكن قبل أن يختفوا من المشهد، التفتت سارة نحو أليكس، وعيناها تشعّان بلهيبٍ خفي من شكٍّ ممزوجٍ بغيرة لا تُخفى. ظلّت تحدّق فيه طويلًا، ثم تمتمت كمن تُحدّث ظلها:

"تُرى، هل هذه من ترفضني بسببها؟"

شعرت بانقباض في صدرها، وحرارة تجري في عروقها، فالواقع متجلٍّ غير قابل للإنكار... لقد رأت في اهتمامه بتلك الفتاة ما حجبه عنها هي، لا يهمها السبب، لكن الحقيقة التي نُسجت من وحي عقلها أضرمت النيران بقلبها.

ولجت سيرينا غرفتها، تتبعها صوفيا التي كانت تحمل أخاها الرضيع، معلّقة على ظهرها حقيبة تحوي حاجياتهم. وقفت بجانب الباب من الداخل، وقد تخلّلها مزيج من عدم الاطمئنان والغربة. لاحظت سيرينا حالة صوفيا، فابتسمت بخفة وهي تسحب يدها وتجلسها بجانبها على طرف السرير الذي اتخذ مستقرّه في منتصف الغرفة.

"أعرف أنكِ قد تكونين غير مرتاحة بعض الشيء، وبالتأكيد تشعرين بالاضطراب والخوف... أخبرني أخي أنهم قتلوا أباكِ ويريدون إلحاق السوء بكِ أيضًا، لا أعرف لماذا قد يفعل شخص شيئًا كهذا، ولكن... إنه أمر مريع وحقًا أشعر بالأسف تجاه كل ما يحدث لكم، لذلك أتمنى منكِ أن تعتبريني صديقة، ولا تخجلي من طلب أي شيء مني."

أومأت صوفيا دون أن تتحرك شفتاها بكلمة، واكتفت بالرد بابتسامة مهتزة ونظرة امتنان. مالت سيرينا بجزعها تنظر إلى الصغير وتتأمل ملامحه البريئة التي لم تعكّر شرور الدنيا صفوها بعد.

"هل يمكنني أن أحمله؟ أقصد... ريثما تبدّلين ثيابك وتعودين."

نظرت صوفيا لشقيقها بتردد لحظي، ثم مدّت يدها به نحو سيرينا التي التقطته بحذر شديد، وقد انفرجت شفتاها ببسمة واسعة:

"يا إلهي! إنه شيء صغير ولطيف للغاية. ما اسمه؟"

"جين، عمره خمسة أشهر الآن."

قالت صوفيا وهي تقف قبالة سيرينا وتمسك حقيبتها:

"أستأذنكِ أن ترشديني إلى مكان الحمّام."

التفتت سيرينا وهي تشير لها نحو باب في نهاية الغرفة:

"يوجد واحد في كل غرفة، وهذا خاصّتنا. اذهبي ولا تحملي همّ جين، سأعتني به جيدًا."

تقدمت صوفيا بضع خطوات وعيناها معلقتان بالصغير، ثم أخذت نفسًا عميقًا وهمست لنفسها أن تهدأ وتخفف من حدة قلقها، بالنهاية لن تغيب سوى دقائق معدودة، ثم حسمت أمرها وتابعت طريقها بثقلٍ أخف قليلًا.

.........................................................................

قُبيل الفجر بدقائق، كان جميع سكان القصر قد ارتموا في أحضان أسرّتهم، وكسى الصمت أروقة نفوسهم، غافلًا عن طرقات تضرب أبواب غرف قلوبهم المضرمة.

وقف أليكس في شرفة غرفته يطالع السماء ونجومها المشتعلة كروحه تمامًا. عتمة الليل أخفقت في إخفاء وهج مشاعره المضطربة، فاليوم، كأقرانه السابقين، غادره النوم، فقرّر الأرق ألا يتركه وحيدًا، والقمر كالمعتاد كان يمثّل دور الشاهد الصامت ببراعة.

ما كاد يغرق في سرابه الذهني، حتى أعاده طرق الباب إلى شاطئ الواقع.

"لا شكّ أنه ديريك..."

قال في نفسه، قبل أن يسمح للطارق بالدخول دون أن يلتفت خلفه، لكن سكوت الزائر دفعه للنظر خلفه...

"أهذا أنت! ما الذي جاء بك إلى هنا؟ ألا يفترض بك أن تكون في سريرك الآن؟"

ناظره سام بتردد، قبل أن يقترب ببطء منه، واجدًا لنفسه مستقرًا بجوار أليكس تمامًا، ثم، وبثقة لا تليق مع عمره الصغير:

"أريد أن أتحدث معك عن ما حدث... وعن بقائنا هنا أيضًا، فبصراحة، أنا لا أشعر بالراحة تجاهك، ولا أأمن على أختي وشقيقي في منزل غرباء عرفناهم اليوم فقط، ولولا أنني أثق بصوفيا لعارضت قرارها بترك منزلنا والمكوث هنا."

خرجت ابتسامة حائرة من وجه أليكس، ثم غادر تاركًا سام للحظات قبل أن يعود حاملًا كرسيّين، وضعهما قبالة بعضهما، وأشار له بالجلوس، ثم قال:

"لا أعرف كيف يمكنني أن أشرح لك هذا، ولكن... سأحدثك كرجل مسؤول قادر على استيعاب ما سيسمع. سأقول لك كل شيء، وأترك لك القرار في النهاية، إما أن تظل هنا أو أن تأخذ أشقاءك وتغادر."

ظهر التشتت على ملامح الصغير، ولكن عقله توقّف عند جملة: "كرجل مسؤول"، نوعًا ما، استطاع أليكس بهذه العبارة بثّ الثقة في نفسه، فانتصب ظهره، وانعكست الثقة على محيّاه. أكمل أليكس:

"لي ثأر قديم مع من أنهى حياة أبيك... سلب منكم فردًا وسلب مني حياة... والوضع الآن حرج قليلًا، فهم يسعون خلف أختك لأنها رأت وجوه بعضهم، وما حدث في منزلكم البارحة كان محض إنذار منهم لنا."

سادت لحظة من الصمت، كأنها خُلقت لتثقل كاهل الفتى الصغير، الذي سأل بنبرة مترددة:

"إذًا، نحن في خطر؟"

"واقعيًا، نعم. ولكن لا تخشَ شيئًا، لن يصل إليكم أحد ما دمتم في حمايتي."

تأمل سام وجه أليكس الصارم بعض الشيء يتحرى به شيئًا يبرهن على صدق كلامه حتى قال مستفهمًا:

"ولكن... لمَ لا تُبلغ الشرطة وتدعهم يمسكون بأولئك الرجال؟"

أطرق أليكس برأسه، وقال بنبرة حازمة لا تخلو من الحذر:

"لستَ مضطرًّا لمعرفة أي من ذلك الآن... ولكن بالتأكيد، يومًا ما، سيحين الوقت لتفهم."

ساد بينهما سكون خفيف، قبل أن يقطعه سام بسؤالٍ آخر:

"وماذا عن مدرستي؟ ألن أذهب إليها؟"

هزّ أليكس رأسه نافيًا:

"لا، لن تذهب إليها. ستلتحق بمدرسة أخرى مؤقتًا، ولا تقلق إنها أفضل من سابقتها، بالإضافة إلى أن عمي من يمتلكها، لذلك سأكون مطمئنًّا عليك هناك."

بدت الحيرة على وجه سام، ثم تغيّرت تعابيره إلى الضيق، ورفع وجهه لتتقابل بنيّتاه بزرقاوتي أليكس، وتابع:

"وماذا عن تدريبات كرة القدم؟"

تنهد أليكس قليلًا، وأراح ظهره للخلف وهو يجيب:

"عليك أن تتخلى مؤقتًا عن تدريب الكرة يا مارادونا، فيجب أن نحدّ من أماكن حركتكم حتى تستقر الأوضاع."

قطّب سام حاجبيه، وقال بحزن وهو يعبث بأنامله في طرف سترته:

"ولكن لا يمكنني الامتناع عن التدريب لفترة طويلة، فحينها سيتراجع مستواي! لا أحب أن أكون غير مراعي أو شكّاء، ولكن على الأقل جد لي بدائل... أيمكنني اللعب هنا في حديقة القصر؟ معك مثلًا؟"

سكنت تعابير أليكس قليلًا، ثم قلب عينيه وأجابه بنبرة خافتة وكأنه يُسَارِره:

"يؤسفني أن أخبرك أنني لا أستطيع ذلك... كان لدي خلل صحي وأنا صغير يمنعني من بذل مجهود بدني، لذلك لا أمتلك أدنى مهارات اللعب، مشاركتي إياك ستقلل مستواك لا العكس."

نظر إليه سام بعينين واسعتين، وقال ببعض من الشفقة الفطرية:

"لم تلعب قط وأنت طفل؟"

ابتسم أليكس على براءة الصبي وتعاطفه السريع معه، وأجابه:

"لا، لم أفعل. ولكن لا تحزن بشأني، فعوضًا عن اللعب حصلت على أشياء كثيرة لم يكن ليحلم بها أي شخص من أقراني، بالإضافة إلى أنني شخص لوجيستي، مُحب للإدارة أكثر من التنفيذ، لذلك لم أتأثر بالأمر كثيرًا."

"إذًا، تحب وضع الخطط ولا تحب بذل مجهود؟"

ردّ أليكس بإيماءة فيها شيء من المرح:

"بالضبط... ليكن، إن أردت اللعب، فديريك سيشاركك، ولكن انتبه! هو ليس سهل الهزيمة، فقد كان مهاجم فريقه."

أشرق وجه سام وهو يستفسر بسعادة:

"وهل ستشاهدنا ونحن نلعب؟"

قال أليكس بنبرة فيها جمود رقيق:

"إن كنت متفرغًا... ربما."

أردف سام بحماس:

"وإن فزتُ، ما المكافأة التي سأحصل عليها؟"

تظاهر أليكس بالتفكير للحظة، ثم وقف ونظر إلى الأفق مجيبًا بنبرة صادقة:

"اطلب حينها ما تشاء، لأكن صادقًا معك، لا أمتلك أدنى فكرة عن ماهية المكافأة التي تناسب صبيًّا في العاشرة."

انطلقت ضحكة نقية من صدر الصغير، ثم نهض واقفًا وهو يقول بثقة:

"حسنًا، اتفقنا! سأفكر في مكافأتي من الآن، لأنني واثق من الفوز... ولكن حاليًا سأعود إلى فراشي قبل أن تستيقظ أختي وتبحث عني، لأنه إن لم تجدني، ستظن أنك اختطفتني لا محالة، ولا أخفيك سرًّا... قد أخبرتني ألا أثق بك بتاتًا. لكنك لا تبدو بذلك السوء برأيي."

غادر كرسيه وتقدّم نحو الباب، ثم التفت ولوّح لأليكس قبل أن يخرج تمامًا ويغلق الباب خلفه، لتعود الأفكار السوداوية وكوابيس اليقظة لمهاجمة أليكس من جديد.
               

رواية لا أعرفني

لا أعرفني
2.5

لا أعرفني

مشاهدة

قصة الرواية

أصعب المعارك ليست تلك التي نخوضها ضد الآخرين، ولا تلك التي ننتصر فيها أو ننكسر أمام العالم… بل تلك اللحظة الصامتة التي نقف فيها وجهاً لوجه أمام أنفسنا، بلا أقنعة، بلا مبرّرات، بلا مهرب. حين نحدّق في المرآة، فلا نرى سوى غريب يحدّق فينا، يردّد صدى أسئلتنا القديمة: من أنا؟ كيف وصلتُ إلى هنا؟ ولماذا لا أجد في وجهي سوى ملامح لا أعرفها؟ إنها معركة لا دماء فيها، لكنها تترك في الروح جروحًا لا تندمل.

تفاصيل العمل

التصنيف: غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
ريما
........

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

بين الحقيقة والوهم: البداية

جاري التحميل...

البداية

في قلب محيط لا يرحم، حيث يختفي الأفق بين السماء والماء، كانت هناك جزيرة لم يرسمها أحد على الخرائط. لم تكن كأي مكان آخر؛ كانت جزيرة تنادي أولئك الذين أثقلتهم الحياة، الذين يعيشون أسرى لخيالاتهم وأوجاعهم. يقال إن من يصل إليها لا يعود كما كان. البعض وصفها بأنها ملاذٌ للأحلام، والبعض الآخر قال إنها سجنٌ للنفوس. كل ما كان يُعرف عنها أنها تكشف الأسرار، لا الأسرار التي تُقال، بل تلك التي تُدفن عميقًا في الصدور. لم تكن تظهر لأي أحد. كان عليها أن تختار زوارها بعناية.

تحميل الفصول...
المؤلف

الفصل الأول

استيقظت سارة على صوت المنبه الذي لم تعد تهتم بإيقافه. كانت تستلقي في سريرها، تحدق في السقف المليء ببقع الطلاء التي كانت تتخيلها نجومًا عندما كانت طفلة. ضوء الصباح يتسلل عبر ستائر النافذة، يلقي بظلال خافتة على جدران شقتها الصغيرة. كانت تلك اللحظة التي تسبق الاستيقاظ الكامل؛ اللحظة التي تشعر فيها بالثقل الحقيقي لحياتها.

دفعت نفسها ببطء خارج السرير، ووقفت أمام المرآة. كانت عيناها غارقتين في الهالات السوداء، وشعرها متشابكًا كأنها خاضت معركة في نومها. نظرت إلى صورتها المنعكسة وتساءلت: "متى أصبحت هكذا؟"

الشقة نفسها كانت شاهدة على نجاحها وانكسارها. جدرانها مغطاة بصور قديمة من حفلات توقيع كتبها، وشهادات تقدير حصلت عليها في بداية مسيرتها. طاولة مكتبها الخشبية كانت مغطاة بأوراق فارغة، إلى جانب جهاز كمبيوتر محمول قديم لم يُفتح منذ أشهر.

جلست على الأريكة بجانب النافذة، حيث كانت معتادة على شرب قهوتها. كان هذا هو المكان الذي كتبت فيه أشهر رواياتها، تلك الروايات التي جعلت اسمها يتردد في كل زاوية. لكنها الآن، لم تعد كذلك.

نشأت سارة في منزل بسيط في إحدى الضواحي الهادئة. كانت الطفلة الوحيدة لوالديها، ووجدت في الكتب عالمًا بديلًا عن الواقع الذي شعرت فيه دائمًا بالغربة. والدها الذي كان مدرسًا، كان يشجعها على القراءة ويملأ رفوف غرفتها بكتب كلاسيكية وأخرى خيالية. أما والدتها الممرضة، فكانت تلومها أحيانًا على انعزالها: "لماذا لا تخرجين للعب مع الأطفال الآخرين؟ الحياة ليست كلها كتبًا."

لكنها كانت تجد السعادة بين صفحات الروايات. كتبت أول قصة قصيرة لها عندما كانت في الثانية عشرة، قصة عن فتاة صغيرة تجد مفتاحًا لعالم سحري. أظهرت القصة لوالدها، الذي قرأها بصوت مرتفع وأثنى عليها. كانت تلك المرة الأولى التي شعرت فيها أن لديها موهبة حقيقية.

كبرت وبدأت تكتب بشغف. نُشرت روايتها الأولى وهي في الثالثة والعشرين، وحققت نجاحًا فوريًا. أصبحت فجأة واحدة من أبرز الأصوات الأدبية في جيلها. في كل مقابلة، كان الصحفيون يسألونها: "ما سر الإلهام؟" وكانت تجيب بابتسامة واثقة: "الكتابة بالنسبة لي حياة. لا أستطيع أن أتخيل يومي بدونها."

لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا. خلف كل رواية ناجحة كانت هناك ليالٍ طويلة من القلق، وساعات من الشك في النفس. مع مرور الوقت، بدأ هذا القلق يلتهمها. شعرت بأنها تعيش في سباق دائم لإرضاء توقعات القراء والنقاد.

بعد نشر روايتها الثالثة، بدأت تشعر بفراغ غريب. رغم أن الرواية لاقت استحسانًا كبيرًا، إلا أنها شعرت بأنها لم تقدم شيئًا جديدًا. توقفت عن الكتابة، معتقدة أن استراحة قصيرة ستُعيد لها شغفها. لكن الاستراحة امتدت، وأصبحت الكلمات تهرب منها أكثر فأكثر.

عادت إلى مكتبها هذا الصباح، وجلست أمام الورقة البيضاء. أمسكت القلم بيدٍ مرتعشة، وحاولت كتابة أي شيء. كتبت جملة واحدة: "كان هناك امرأة تبحث عن شيء ضائع في قلبها." ثم توقفت. شعرت أن الكلمات لا تنتمي لها.

دفعت الكرسي إلى الخلف ونهضت، متوجهة إلى رف الكتب. سحبت كتابًا قديمًا قرأته في طفولتها، كتاب جعلها تحلم بأن تكون كاتبة يومًا ما. تصفحت الصفحات، لكن السطور التي كانت تلهمها في الماضي لم تعد تثير أي شعور الآن.

بينما كانت تسير في شقتها، لاحظت ظرفًا صغيرًا على الأرض، وكأنه انزلق من تحت الباب. انحنت لتلتقطه، وتفحصته بحذر. كان الظرف مصنوعًا من ورق فاخر، وعليه اسمها مكتوب بخط أنيق. فتحته لتجد بداخله دعوة:
"ندعوكِ إلى جزيرة الخيال، السفينة تنتظرك غدًا عند الميناء. هذه فرصة لا تأتي سوى مرة واحدة."

قرأت الدعوة مرة أخرى، ولم تستطع فهم كيف وصلت إليها. جلست على الأريكة، وهي تحمل الورقة بين يديها. "جزيرة؟ أي جزيرة؟"

في البداية، فكرت في تجاهل الأمر. ربما كانت مزحة. لكنها شعرت بشيء داخلها يتحرك. ربما هو الأمل، أو مجرد فضول. لكنها فكرت: "ما الذي لديّ لأخسره؟ حياتي متوقفة بالفعل."

----------------------

2-

استيقظ أحمد من نومه على صوت الهاتف المحمول يرن على المنضدة بجانب سريره. نظر إلى الشاشة، كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحًا. رسالة من مساعده: "اجتماع اليوم في العاشرة، لا تنسَ."

أغمض عينيه مجددًا، متثاقلًا. لم يكن النوم ملاذًا له منذ سنوات. كلما حاول أن يريح رأسه على الوسادة، كانت الأفكار تطارده. العمل، الأرقام، الاجتماعات، التوقعات... وكأن حياته أصبحت جدولًا ممتدًا بلا نهاية.

نهض من السرير ببطء، ومشى إلى نافذة غرفته في الطابق الثلاثين. كان المنظر مهيبًا، ناطحات السحاب تمتد أمامه، تلمع تحت ضوء شمس الصباح الباكر. من الخارج، كان أحمد يبدو كرجل وصل إلى القمة: مالك شركة كبيرة، ومليونير في الأربعين من عمره. لكن داخله، كان هناك فراغ لا يمكن لأي ثروة أن تملأه.

ولد أحمد في أسرة متوسطة الحال. والده كان يعمل موظفًا حكوميًا، بالكاد يكفي راتبه لتلبية احتياجات الأسرة. منذ صغره، رأى أحمد كيف كان والده يعمل ليلًا ونهارًا لتأمين التعليم الجيد له ولإخوته.

"التعليم هو مفتاح النجاح، يا أحمد." كانت هذه الجملة تُقال له كل يوم تقريبًا. عندما التحق بالجامعة، اختار دراسة إدارة الأعمال. كان طالبًا مجتهدًا، دائمًا في مقدمة الصف. لكنه لم يكتفِ بالدراسة فقط؛ بدأ في تلك الفترة بيع منتجات بسيطة عبر الإنترنت لتوفير المال.

شيئًا فشيئًا، نمت أعماله. وعندما تخرج، كان لديه مشروع صغير ناجح. سرعان ما توسع المشروع، وأصبح اسمًا معروفًا في مجال ريادة الأعمال.

مع كل خطوة نحو القمة، كان يترك شيئًا خلفه. لم يكن لديه وقت للأصدقاء، والعائلة كانت آخر أولوياته. تزوج في الثلاثينيات من امرأة طموحة مثله، لكنه لم يكن حاضرًا في حياتها. بعد خمس سنوات من الزواج، انفصلا بهدوء. "لم تكن المشكلة فيك أو فيّ، بل في حياتنا التي لم يكن فيها مساحة لنا." كانت هذه كلمات زوجته عندما جمعت أغراضها من المنزل.

بعد الطلاق، غاص أكثر في عمله. بدأ يومه في السادسة صباحًا، وانتهى عند منتصف الليل. كل إنجاز جديد كان يمنحه شعورًا مؤقتًا بالرضا، لكنه كان يتلاشى سريعًا.

ذات ليلة، بينما كان يجلس وحيدًا في مكتبه، حدّق في صورة قديمة تجمعه مع والده وإخوته. لاحظ ابتسامة كانت قد اختفت من وجهه منذ سنوات. "متى كانت آخر مرة شعرت فيها بالسعادة؟" سأل نفسه، لكنه لم يجد إجابة.

في تلك الصباحات الباكرة، كان يبدأ يومه بنفس الروتين: كوب من القهوة السوداء، مكالمة مع مساعده، ثم ساعات طويلة من الاجتماعات والتخطيط. لكنه لم يعد يشعر بأي شغف تجاه ما يفعله.

بدأت صحته تتأثر. طبيبه نصحه بأخذ إجازة طويلة: "جسدك ينذر بالخطر. عليك أن تحذر." لكنه لم يكن يعرف كيف يتوقف.

في تلك الليلة، عندما عاد إلى منزله الفخم، وجد ظرفًا على طاولة البريد. لم يكن مغلفًا عاديًا؛ كان مصنوعًا من ورق فاخر، ومكتوبًا عليه بخط يد أنيق: "إلى السيد أحمد".

فتح الظرف، وقرأ الرسالة:
"ندعوك إلى جزيرة الخيال، السفينة تنتظرك غدًا في الميناء. الفرصة تأتي مرة واحدة فقط."

أعاد قراءة الرسالة أكثر من مرة. في البداية، ظن أنها إعلان تجاري أو مزحة. لكنه شعر بشيء غريب، وكأن الرسالة تخاطبه مباشرة.

جلس على الأريكة في غرفة المعيشة، يحاول أن يفهم. "جزيرة؟ ماذا يعني هذا؟" لكنه لم يكن بحاجة إلى التفكير طويلًا. رغم أنه كان دائمًا رجلًا عمليًا، إلا أن صوتًا بداخله كان يقول له: "اذهب."

في صباح اليوم التالي، حزم حقيبته. لأول مرة منذ سنوات، قرر أن يترك هاتفه المحمول وراءه. عندما وصل إلى الميناء، كان البحر هادئًا، والسفينة الصغيرة تنتظره. صعد إليها دون أن ينظر خلفه، وكأن كل ما تركه في المدينة لم يعد يعنيه.

--------------------
3-

استيقظت نورا من نوم متقطع على صوت ساعة الحائط تدق الخامسة صباحًا. كانت الغرفة غارقة في الظلام، باستثناء خيط ضوء خافت يتسلل من نافذة نصف مفتوحة. جلست على حافة السرير، تمسح عينيها المتورمتين من أثر البكاء الذي لم يتوقف منذ الليلة الماضية.

في زاوية الغرفة، كانت صورة ابنتها الصغيرة معلقة على الجدار. ابتسامتها الهادئة تطاردها حتى في أحلامها. مر عامان على الحادث، لكنها لم تستطع التعايش مع الفقدان. شعرت وكأن قلبها توقف في تلك اللحظة المروعة.

نهضت ببطء وتوجهت إلى المطبخ لتحضر كوبًا من القهوة. كانت تعلم أن يومها سيبدأ قريبًا في المستشفى، حيث يعمل الجميع لإنقاذ الأرواح، لكنها لم تعد تشعر بأي شغف تجاه مهنتها. كانت الطبيبة التي اعتادت أن تعطي المرضى الأمل، بينما فقدت أملها الخاص.

منذ طفولتها، كانت تحلم بأن تصبح طبيبة. كانت فتاة مجتهدة، تنفق ساعات طويلة بين الكتب الدراسية، لكنها دائمًا تجد وقتًا لعائلتها وأصدقائها. عندما أنهت دراستها في كلية الطب، شعرت بأنها أخيرًا تحقق حلمها.

تزوجت في منتصف العشرينيات من عمرها من رجل أحبها بصدق. بعد سنوات قليلة، أنجبا ابنتها الوحيدة، سلمى. كانت سلمى محور حياتها، طفلة مليئة بالحيوية، تملأ المنزل بالضحك والألوان.

رغم ضغوط العمل في المستشفى، كانت نورا دائمًا تجد وقتًا لابنتها. تقرأ لها القصص قبل النوم، تحضر حفلاتها المدرسية، وتشاركها كل تفاصيل يومها.

"أنتِ أفضل أم في العالم!" كانت سلمى تقول لها دائمًا، كلمات كانت تجعلها تشعر بأنها لا تحتاج إلى أي شيء آخر في الحياة.

في مساء شتوي بارد. كانت تقود السيارة عائدة إلى المنزل بعد يوم عمل طويل، وسلمى تجلس في المقعد الخلفي، تغني أغنيتها المفضلة. الطريق كان زلقًا، والرؤية كانت ضعيفة بسبب المطر.

في لحظة لم تستطع نسيانها، فقدت السيطرة على السيارة. صوت التصادم كان مدويًا، وكأنه يكسر كل شيء بداخلها. عندما فتحت عينيها بعد الحادث، كانت سلمى ملقاة بلا حراك.

لم تستطع إنقاذ ابنتها. رغم أنها طبيبة، ورغم كل ما تعلمته عن إنقاذ الأرواح، شعرت بأنها عاجزة تمامًا. "لو كنتُ انتبهت أكثر... لو كنتُ قدتُ أبطأ..." كانت هذه الأفكار تطاردها باستمرار.

بعد الحادث، عادت إلى عملها، لكنها لم تكن نفس الشخص. كانت تمر بالأيام وكأنها جسد بلا روح. أصبحت تتجنب الحديث مع المرضى، وتتجنب النظر في عيون الأطفال، لأنها كانت ترى وجه سلمى في كل مكان.

في المنزل، كانت تجلس ساعات طويلة في غرفة سلمى، تلمس ألعابها وكتبها وكأنها تحاول الإمساك بظلها. أصدقاؤها وزملاؤها حاولوا مساعدتها، لكنها أغلقت باب قلبها.

"لا يمكنكِ أن تستمري هكذا،عليكِ أن تواجهي الأمر." كانت كلمات أختها الصغيرة، لكنها كانت تعرف أن مواجهة الألم أصعب بكثير من مجرد العيش معه.

في إحدى الليالي، وبينما كانت جالسة على الأريكة تحدق في صورة ابنتها، سمعت صوت طرق خفيف على باب منزلها. عندما فتحت الباب، لم تجد أحدًا، لكن على العتبة كان هناك ظرف صغير.

التقطت الظرف ونظرت إليه بحيرة. كان مصنوعًا من ورق سميك، ومكتوبًا عليه بخط يد أنيق: "إلى السيدة نورا".

فتحت الظرف، وقرأت الدعوة:
"ندعوكِ إلى جزيرة الخيال، السفينة تنتظركِ غدًا في الميناء. هذه فرصة تأتي مرة واحدة فقط."

شعرت بشيء غريب، مزيج من الفضول والخوف. "جزيرة؟ ولمَ أنا؟ 

وضعت الرسالة جانبًا وجلست تحدق فيها. في تلك اللحظة، شعرت أن الحزن الذي تعيشه قد وصل إلى ذروته. لم تكن متأكدة مما إذا كانت مستعدة للذهاب، لكنها كانت تعلم شيئًا واحدًا: بالتأكيد لن تخسر أكثر من ذلك.

في صباح اليوم التالي، وقفت أمام المرآة، ارتدت معطفها، وأخذت صورة سلمى معها. توجهت إلى الميناء، وعندما رأت السفينة الصغيرة تنتظرها، شعرت بارتعاشة خفيفة. صعدت إلى السفينة، تجنبت النظر إلى من حولها, جلست بركن بعيد, تتطلع إلى السماء بعيونٍ شاردة.
-------------------
4-

استيقظ كريم على صوت سيارات الأجرة المزعج في الشارع الضيق تحت شقته الصغيرة. كان الضوء الخافت يتسلل من خلال الستائر الرقيقة، يضيء الجدران المتهالكة التي طُليت بلون باهت قبل سنوات.
نهض من السرير وهو يشعر بثقل الأيام التي تتكرر بلا جديد. توجه إلى المطبخ الصغير، حيث الأكواب المتسخة المتناثرة في الحوض والموقد الذي نادرًا ما يستخدم. صب لنفسه كوبًا من الشاي البارد، وأخذ رشفة منه قبل أن يجلس على الأريكة التي أصبحت مرهقة من ثقل جسده وأحلامه التي لم تتحقق.

نشأ كريم في حي شعبي يعج بالحياة والضجيج. والده كان يعمل نجارًا، رجل بسيط يكافح لتوفير قوت يومه، ووالدته كانت ربة منزل تحاول دائمًا إخفاء قلقها بابتسامة. كان هو الأكبر بين ثلاثة إخوة، وأصبحت المسؤوليات تقع على عاتقه منذ سن صغيرة.

رغم قلة الإمكانيات، كان يحلم دائمًا بأشياء أكبر من الحي الذي نشأ فيه. كان يرى نفسه في المستقبل محاطًا بالأضواء، يعتلي المسرح أمام جمهور يهتف باسمه. "سأصبح نجمًا مشهورًا يومًا ما"، كان يردد هذه العبارة أمام أصدقائه، الذين كانوا يسخرون منه أحيانًا، ويشجعونه أحيانًا أخرى.
 
بعد أن أنهى دراسته الثانوية بصعوبة، بدأ في البحث عن طريق يوصله إلى حلمه. التحق بورش تمثيل صغيرة، وشارك في أدوار ثانوية في مسرحيات محلية، لكنه لم يشعر أن أحدًا يلاحظه.

كان يقضي ساعات طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي، يشاهد النجوم ويتخيل نفسه في مكانهم. يرى صورهم على السجاد الأحمر ومقاطع الفيديو التي يظهرون فيها وسط الحشود، ويقول لنفسه: "هذا هو المكان الذي أنتمي إليه."

لكنه كان يعلم أن الطريق إلى الشهرة لم يكن سهلًا. عمل في وظائف مؤقتة ليتمكن من دفع إيجار غرفته وحضور ورش التمثيل. كان يقف لساعات طويلة في المطاعم والمقاهي، يقدم الطلبات للزبائن، وفي كل مرة يردد لنفسه: "هذا مؤقت. قريبًا ستنتهي هذه الأيام."

مع مرور الوقت، بدأت الحياة تُظهر وجهها القاسي. لم يحصل على أي فرصة حقيقية ليُظهر موهبته. في كل مرة يتقدم لتجربة أداء، كان يعود بخيبة أمل جديدة. "أنتَ بحاجة إلى خبرة أكثر"، أو "نبحث عن وجه مختلف"، كانت هذه العبارات تتكرر أمامه وكأنها لحن كئيب.

في إحدى الليالي، بينما كان يجلس وحيدًا في غرفته، فتح هاتفه وشاهد فيديو لنجم صاعد يتحدث عن رحلته إلى الشهرة. شعر بالغيرة والإحباط في آن واحد. "لماذا هو وليس أنا؟ ما الذي ينقصني؟"

بدأ الشك يتسلل إلى قلبه. ربما لم يكن موهوبًا بما يكفي. ربما لم يكن حلمه يستحق كل هذا العناء. لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: فكرة التخلي عن حلمه كانت تؤلمه أكثر من الفشل نفسه.

في صباح يوم عادي كسائر أيامه، وبينما كان يستعد للذهاب إلى وظيفته المؤقتة، وجد ظرفًا صغيرًا تحت باب غرفته. لم يكن معتادًا على تلقي أي رسائل، لذا شعر بالدهشة.

التقط الظرف وفتحه بحذر. كان مصنوعًا أيضًا من ورق فاخر، ومكتوبًا بخط يد أنيق: "إلى السيد كريم."

قرأ الرسالة بتمعن,كانت هي ذاتها التى وصلت للجميع.

حدّق فيها، وهو يشعر بمزيج من الفضول. "جزيرة؟ هل هذا حقيقي؟" لكنه شعر بشيء يجذبه رغم عدم منطقية الحدث.

جلس على حافة سريره، يفكر. حياته عالقة في دائرة من الفشل والخيبة، وربما كانت هذه فرصته للخروج منها. "إذا كان هناك شيء يمكن أن يعيد الأمل إلى حياتي، فلا بد أن أجربه."

في صباح اليوم التالي، حمل حقيبة صغيرة تحتوي على ملابسه ودفتر ملاحظاته. عندما وصل إلى الميناء، كانت السفينة تنتظره. بدت صغيرة لكنها غامضة، وكأنها بوابة لعالم آخر. صعد إلى السفينة، تاركًا خلفه المدينة التي خذلته، ومتمسكًا بحلمه الأخير!

يتبع......
               

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.