خطة مثالية - لعنة أرجِمديُس
خطة مثالية
لم يكن الشر يومًا حكرًا على البشر... بل تسلل إلى كل المخلوقات، الحيوانات، الجن، وحتى ما هو أعتى. لكن، حين تتجاوز اللعنة حدود المعقول، يبقى السؤال: هل سينتصر الظلام أخيرًا؟ أم أن للخير سلاحًا خفيًا لم يُكشف بعد؟ اكتشف ذلك في لعنة أرجِمديُس، حيث لا شيء كما يبدو! لعنة أرجِمديُس
الفصل الأول" خطة مثالية"
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم
صلوا على نبي الرحمة
______________________________________
داخل إحدى الممالك، نرى مملكة جميلة تُسحرك منذ الوهلة الأولى، كل شيءٍ بها يجذبك لتقع تحت سحرها دون وعي، وهذه المملكة هي "مملكة سِمديُس" نبصر نافورة مياه عملاقة تنثر المياه بشكل مذهل، تأخذ هيئة فتاة بأجنحة.
عندما تُطالعها تعتقد أنها تستعد للتحليق في سماءٍ واسعة الأفق، تجلس فتاة شاردة أمام النافورة، تغرق داخل دوامة عقلها، عند النظر إليها تعتقد أنك وقعت داخل أعماق البحار، تبصر أمامك حورية بحر فاتنة.
هذه الفتاة التي تضع التاج الفضي فوق خصلاتها الذهبية التي تتمايل مِن فعل الهواء، هي الأميرة" مياسين"، ابنة الملك "سيفاك"، ملك مملكة الجِن العلوي.
تنظر نحو المياه المتساقطة بمقلتيها الزرقاوين اللتين تُنافسان المحيط بكل جدارة، هزت رأسها بدلال وتنهدت بضيق، ثم همست بصوتٍ رقيق:
_ أوه يا إلهي، لماذا قد خُلقت جنية؟
صمتت وهي تزيح خصلاتها المشاكسة بانزعاج:
_ حياة الجنيات ليست جميلة ولا غاية في السهولة أبدًا، أنا أريد أن أكون بشرية، أريد السفر مثل البشر، أريد أن أحب بشريًا وهو يحبني كثيرًا.
توقفت وزفرت بضيق قبل أن تردف بغضب عميق:
_ ولكن هذا مستحيل بفضل تلك القوانين الغبية التي تكمكم أنفاسي! حقًا، لماذا وُضعت هذه القوانين الغبية؟
صمتت فجأة وهي تتشدق بسعادة غبية:
_ أوه، انظري يا مياسين، لقد خُلقت القوانين لكسرها، وها أنا هُنا الآن لكي أكسر هذه القوانين الغبية! سأذهب إلى الأرض وأحيا مثل البشر وأحب أيضًا أوه، إن الأمر يبدو مذهلًا حقًا وممتعًا كذلك! سيكون هذا أكثر شيء جنوني أفعله.
تنهدت بحزن يرفرف فوق عينيها، جلست مجددًا على العشب الأخضر بخذلان:
_ ولكن، ماذا عن أبي وشقيقتي؟ أوه، مياسين، سوف يكون كل شيء بخير، وشقيقتي أُوره لا تحبني كثيرًا، ولا أعلم لماذا.
همست بذلك بحزن عميق يتسلل إلى قلبها لينتشر به بكل وقاحة، ثم أخذت تنهَر ذاتها قائلةً:
_ لا، توقفي عن الهذيان يا مياسين، وضَعي خطة جيدة لكي تتسللي إلى الأرض... هل سيكون أبي بخير بدوني؟... أوه، عليَّ أن أتوقف، سيكون بخير، أُوره سوف تهتم به.
نهضت تسير بعد صراعها مع عقلها، تخطو خطوات شبه راكضة بحماس نحو غرفتها، في الممر العملاق توقفت "مياسين" عن السير عندما وجدت أحدًا يقطع طريقها.
وكان ذلك الأحد هو الحارس، بل ذلك الحارس المخيف الذي يثير الرعب داخلك عند النظر إليه، بعينيه البيضاء وأجنحته السوداء العملاقة.
رفعت "مياسين" رأسها لأجل النظر إلى وجهه الشاحب، لأنه طويل القامة مثل نسله الذي يمتاز بالطول والخصلات المجعدة البيضاء.
صدح صوته ينبعث بكل غلاظة وهو ينظر إليها ببرود عميق يشبه برود القطب:
_ إلى أين أنتِ ذاهبة، أيتها الأميرة؟
_ أين أذهب أو متى أذهب لا يعنيك، كوزيلس! ولا تتجرأ على قطع سيري مرة أخرى أو تتحدثُ معي بهذه النبرة مجددًا! أنا الأميرة هنا، ولستُ خادمة تعمل لديك.
نطقت "مياسين" بغضب عميق يشع مِن داخل محيطاتها العاصفة، فهي تبغض هذا الحارس كثيرًا، ولا تعلم لماذا، لكن كل ما تشعر به نحوه هو عدم الثقة، لا تطيق النظر إلى وجهه القبيح بنظرها.
_ لا، أنا لي شأن يا أميرة، فوالدكِ الملك سيفاك قد جعلني الحارس الشخصي لكِ، ولذلك لحمايتكِ، وخصوصًا لأنكِ الملكة المستقبلية لمملكة سِمديُس. أنسيتِ هذا؟
صاحت "مياسين" بغضب قاتل قبل أن تستدير لإكمال سيرها:
_ أنا لا أريد أن أكون ملكة مطلقًا، وأنتم تعلمون لماذا! أنا ذاهبة إلى غرفتي ولا أريد سماع أي ضوضاء، أتفهم يا كوزيلس؟ ولا تتواقح مرة أخرى وتقف في طريقي هكذا.
انحنى "كوزيلس" معتذرًا بكل برود، والغموض يتراقص داخل عينيه:
_ أعتذر يا أميرة على وقاحتي، ولا تقلقي، لن تستمعي إلى أي ضوضاء تزعجكِ مطلقًا.
رحل بخطوات مسرعة لكي يُخبر الملك بما حدث منذ قليل، بينما في زاوية مظلمة، كانت هناك أعين تتابع كل ما حدث بحقد يشع قبل أن يهمس صاحبها بصوتٍ يتراقص الشر فيه بكل تلذذ:
_ سينتهي كل هذا، هذه المملكة من حقي أنا فقط.
نبس صاحب الوشاح الأسود المتطاير، المتخفي به، تلك الكلمات الصغيرة بكراهية كبيرة، ثم ذهب مسرعًا.
ماذا بكِ يا سِمديُس؟ وماذا سيحدث أكثر بكِ؟ هذه نبذة صغيرة عن ما يدور داخلها في الخفاء.
••••
داخل كوكبنا العزيز، كوكب الأرض الجميل، وتحديدًا داخل مدينة القاهرة، نرى منزلًا صغيرًا لكنه مليء بالدفء والحب الذي نريد جميعًا أن نشعر به داخل منازلنا الحبيبة.
في غرفة تمتاز باللون الأبيض، حيث كل شيء بها أبيض اللون عدا الخزانة السوداء المليئة بالثياب السوداء، كان هناك فراش صغير الحجم يرقد عليه شخص نائم بعمق، يظهر على وجهه الألم، وأسفل مقلتيه لون أسود يذكرنا بدب الباندا.
تسلل شخص ما إلى الغرفة بكل حذر، طفل صغير الحجم، ينظر بترقب بعينيه الزرقاوين وخصلاته السوداء المجعدة القصيرة التي تتساقط على وجهه اللطيف، يسير ببطء كبير ويحمل بين يديه كوبًا من الماء المثلج، قام المشاكس الصغير بإلقاء الماء على وجه النائم ليقوم منفزعًا، يصرخ بصوتٍ مزعج بلا وعي، وجسده ينتفض بعنف:
_ الحقوني! بغرق! بغرق! يا ناس، البحر هيغرق القاهرة! التلفون! هاتوا التلفون من التلاجة! لا، يا ماما، الحقيني! خلي أحمد الغول يغرق عادي!
دقيقة واحدة فقط جعلته يجلس بهدوء مريب وهو يستوعب ما حدث معه منذ قليل، هذا أحد مقالب شقيقه الأحمق الصغير، استمع إلى صوت ضحكات شقيقه الماكر يقهقه بمشاغبة.
نهض مِن الفراش يركض بغضب خلف ذلك القصير المزعج:
_ بقى أنتَ يا حيوان تصحيني كل يوم على كده؟!
خد ياض، أنت حالف تجبلي صرع كل يوم، هو مين فينا الكبير هنا، أنا ولا أنت؟
صاح بتساؤل أبله وهو يرمقه بانزعاج، بينما صاح الصغير بمشاكسة يضحك ويحرك حاجبيه بعدما اختبأ خلف الأريكة:
_ أنتَ طبعًا يا أريان، يا رينو يا قمر أنتَ.
أمسك "أريان" بالوسادة واقترب مِن الصغير وقام بضربه بها برفق:
_ سبحان الله، طب ما أنتَ عارف أهو، بتقرفني ليه بقى، ها؟ ولا هو أنتَ ميحلّش صباحك غير لما تقرفني في نومي وتصحيني مفزوع كده؟
صمتَ قليلًا قبل أن يردف ببكاء مصطنع:
_ ده أنا ما صدقت أخلص من أحمد الغول، ده لو مستعبدني مش هيعمل فيا كده، آه والله حرام ده، أنا مهندس محترم مشغلني دليفري الشركة عشان معنديش واسطة، روح يا أريان هات الملف، روح يا أريان هات الشاي! إيه يا ناس ده، أنا داخل هندسة مخصوص عشان كلمة "بشمهندس" دي.
صمتَ يزيل دموعه الوهمية وهو يكمل بثرثرة، يشير بيديه الاثنتين في الهواء:
_ فين احترام المهندس؟ ها، راح فين؟ ولا أنا على حظي الاحترام هاجر؟
اقترب الصغير وقام بالتمسيد على ذراعي شقيقه برفق وهو يردف بمرح:
_ معلش ياخويا، ربنا على الظالم والمفتري، تبقى بشمهندس قد الدنيا ومحترم كمان ويشغلك ويعمل فيك كده؟! إخص.
ابتعد "أريان" عن شقيقه يطالعه بغضب حينما استشعر السخرية من أحزانه:
_ أنتَ بتتريق على أحزاني يا شبر ونص؟ طب تعالى هنا بقى، مش هسيبك غير لما أعلقك على باب البيت وكل اللي رايح واللي جاي يضحك عليك.
أخذ يركض وراءه مرةً أخرى وصوت صراخ شقيقه المشاغب يرتفع، ثبتت أقدام "أريان" وهو يستمع إلى صوت والدته تحدثهم بغضب:
_ أريان! سيف! إيه اللي بيحصل ده؟ بتجري ورا سيف ليه يا أريان؟
صاحت بتساؤل وهي ترمقهما بغضب يظهر من مقلتيها البُنية اللون، وخصُلاتها السوداء القصيرة تتساقط من فعل الهواء.
منذ الوهلة الأولى، تعتقد أنها امرأة ثلاثينية، وليس على مشارف إكمال الخامسة والأربعين من عمرها، وجهها يشع منه اللطف والهدوء، وتشعر بالسكينة حينما تغرق داخل عينيها البنية الجذابة.
اقترب "أريان" بغضب، يقف أمام الطاولة وهو يطالع "سيف"، شقيقه الذي بالكاد يصل إلى نصف ركبتيه، ويشير إليه:
_ سيف يا ماما غرقني ميه متلجة زي كل يوم، وملحقتش أنام شوية! حرام والله اللي بيحصل فيا ده.
_ على فكرة، ماما هي اللي قالتلي أصحيك أصلاً.
صمت يهمس بدهاء وهو يتصنع الحزن على وجهه الطيف، وجنتيه الحمراوين:
_ وأنا فضلت أصحيك بقالي ساعة، وأنتَ ولا هنا، وآخر لما زهقت رشيت عليك شوية ميه صغيرين يمكن تصحى... بقى دي جزاتي بقى؟ ده أخرة المعروف، صحيح، خيرًا تعمل شرًا تلقى.
أنهى حديثه وذهب مسرعًا إلى غرفته وهو يبتسم بمكر، تركه خلفه "أريان"، جحظت مقلتيه بذهول:
_ بقى ده طفل عنده ست سنين ده؟ ده راجل عجوز في هيئة طفل.
استدار ينظر إلى والدته يصيح باستنكار:
_ أنتِ كنتِ بتفكري في إيه وأنتِ حامل فيه يا ماما؟ ده مش طفل طبيعي والله، ده رجل عجوز! شوفتي قلب الطربيزة عليا إزاي؟ ده طلعني أنا اللي غلطان في الآخر! ده وهو بالحجم الصعلوك ده بيعمل فيا كل ده، أمال لما يكبر شوية هيعمل إيه فيا؟!
ضحكت والدته بصوتٍ رقيق، تقترب منه:
_ يا حبيبي، دي مش أول مرة، وبعدين يا أريان، هو كل يوم بيغرقك كده؟ مش جديد يعني الكلام ده، وبيحصل نفس الموال كل يوم! وبعدين، أخوك سيف بيحب يهزر معاك، وأنتَ عارف كده كويس، صح؟
_ أيوه يا ماما، بس مش كده! أنا معرفتش أنام ساعتين على بعض من اللي بيحصل فيا في الشركة المنيلة دي، وحضرتك عارفة كده.
_ معلش يا حبيبي، استحمل، مش أنتَ بتقول إن المدير ده فاضله كام شهر ويطلع على المعاش وترتاح منه؟ استحمل شوية، وبعدين يلا روح شوف سيف قبل ما يروح المدرسة، وروح اقعد على السفرة، أنا خلاص قربت أخلص الفطار أهو.
تمتم "أريان" بعدما قام بتقبيل رأس والدته، يسير نحو غرفة "سيف":
_ حاضر يا ماما، هروح أشوف أبو شبر ونص ده قبل ما يروح المدرسة.
قالها وهو يسير ببطء إلى غرفته، ابتسمت والدته على ذلك اللقب المضحك الذي يطلقه "أريان" على شقيقه الأصغر.
_ في حد خلع راسه ولا حاجة؟
ابتسم "سيف" بسمة صغيرة قبل أن يمحوها ويدّعي الحزن:
_ لا، محدش خلع رأسه ولا حاجة، ولو سمحت، اطلع من أوضتي، عشان أنا زعلان منك دلوقتي، تعالي بعد شوية.
جلس "أريان" على الفراش جوار "سيف"، واقترب ليقبل وجنتيه ويحتضنه بمشاكسة:
_ بقى أنتَ اللي زعلان كمان يا سوسة؟ هو مش المفروض إن أنا اللي أزعل ولا إيه النظام عندك؟ ده أنا اللي استحميت بميه متلجة، حتى مش أنتَ!
نطق "سيف" بصوت طفولي، يضع يديه على وجنتيه بتفكير، ومقلتيه الاثنتان تجذبك للوقوع بهما أكثر عن ذي قبل، حيث سارق "سيف" وشقيقه لون أعين وخصلات والدهما المميزة:
_ امممم، هو المفروض آه، بس أنتَ مش بتزعل مني مهما عملت، عشان أنا أخوك الصغير اللي بتحبه، فأنا أخدت الزعل منك وزعلت بس.
_ يا روحي أنتَ، طب يلا، بما أن أنتَ مش زعلان وبتاخد زعلي، يبقى أنا وأنتَ مش زعلانين! وبعدين، لو بابا عرف إن حد فينا زعلان هيكدّرني يلا ياخويا، وأنا مش حمل تكديرة أبوك العميد زين الرفاعي! كفاية اللي حصلي في الجيش.
أردف "أريان" بمشاغبة، يحمل شقيقه لأجل تناول الإفطار، مضى الوقت وذهب كل شخص إلى غايته، ذهب "أريان" إلى عمله، وشقيقه إلى المدرسة، ووالده إلى مكتبه، ووالدته قامت بإنجاز بعض المهام في المنزل.
••••
قد حلّ الليل، وأصبحت "سِمديُس" مملكة غاية في الجمال، تلك المملكة تتميز بجمالها السحري، فهي أجمل مملكة في عالم الجِنِّ العلوي بأسره، وقد استطاع الملك "سيفاك" أن يجعل مملكته أسطورية، يتحدث الجميع عنها بدهشة وإعجاب.
داخل إحدى الغرف، حيث الأجواء الرقيقة التي تعكس روح مالكتها، امتزج الزهري بالأبيض في تناغم جذاب يأسر العيون، مرآة عملاقة تتخذ هيئة قلب وردي اللون، يجاورها فراشٌ وثيرٌ يعلو قليلًا في الهواء، وكأنه يحلّق معها في عالم الأحلام.
مضت دقائق، استطاعت خلالها "مياسين" جمع أغراضها ووضع خطةٍ محكمةٍ للهروب، والآن، حان الوقت المثالي للتنفيذ، اقتربت الأميرة من النافذة بعدما تأكدت من عدم وجود الحُراس.
همست بحماس، رغم تسلل الخوف إلى قلبها، وضعت قدمها على النافذة ووقفت عليها، ثم فردت أجنحتها البيضاء الخلّابة، مستعدةً للتحليق في الأفق.
لكن فجأة، توقفت "مياسين" بصدمة، استدارت ببطء، جسدها ينتفض هلعًا، وهمست بشحوبٍ اجتاح وجهها الأبيض:
_ أنتَ... ماذا تفعل هُنا، أوزجكان؟!... يتبع
رايكم يا بشر.
دمتم بخير
إلهام صبحي الدالي "هلايا"