لا أعرفني: الفصل الأول
الفصل الأول
أصعب المعارك ليست تلك التي نخوضها ضد الآخرين، ولا تلك التي ننتصر فيها أو ننكسر أمام العالم… بل تلك اللحظة الصامتة التي نقف فيها وجهاً لوجه أمام أنفسنا، بلا أقنعة، بلا مبرّرات، بلا مهرب. حين نحدّق في المرآة، فلا نرى سوى غريب يحدّق فينا، يردّد صدى أسئلتنا القديمة: من أنا؟ كيف وصلتُ إلى هنا؟ ولماذا لا أجد في وجهي سوى ملامح لا أعرفها؟ إنها معركة لا دماء فيها، لكنها تترك في الروح جروحًا لا تندمل.
الفصل الأول:
استيقظت فجأة.
لا شيء مألوف. لا السرير، ولا الغرفة، ولا حتى اليد التي رفعتها أمام وجهها.
كانت أناملها طويلة، مدهونة بطلاء أظافر أحمر. لم تفهم… هي لا تفعل هذا. أو هكذا كانت تعتقد.
نهضت ببطء، واقتربت من المرآة المعلقة على الجدار المقابل.
توقّفت.
وجهٌ لا تعرفه.
امرأة في أواخر العشرينيات، بشامة صغيرة أسفل الخد الأيسر، بعينين واسعتين فيهما شيء غريب… شيء لا يشبهها.
شهقت همسًا:
"من هذه؟"
الباب انفتح فجأة، ودخل رجل يحمل كوبًا من القهوة.
بدا مألوفًا… قليلًا. كأنها رأته في حلمٍ ما، ثم نسيته.
ابتسم لها بحنان مرتبك، وقال:
"أخيرًا استيقظتِ… كنت خائفًا ألا تفتحي عينيك مجددًا."
لم تُجب.
ظلّت تنظر إليه، متصلّبة الجسد، متسارعة الأنفاس.
اقترب منها، جلس على طرف السرير، وقال بصوت منخفض:
أعرف أنكِ مشوشة… الأمر طبيعي. الطبيب قال إن ذاكرتك قد تستغرق وقتًا لتعود.
نظرت إليه، ثم أشارت إلى وجهها في المرآة:
هذا ليس وجهي.
صمت.
ثم قال، دون أن يغيّر نبرة صوته:
"بل هو. فقط… لا تتذكّرين بعد."
و… اسمي؟
"ريما. اسمكِ ريما عبد الرازق."
هزّت رأسها ببطء، كأنها ترفض الواقع وهمسها:
أنا لست ريما.
راقبها لحظة، ثم ابتسم من جديد، ووضع الكوب على الطاولة:
سأحضّر الفطور. وعندما تنتهين من الاستحمام… نتحدث بهدوء.
ثم خرج، وأغلق الباب خلفه.
وحدها في الغرفة، حدّقت مرة أخرى في المرآة.
لم يكن الأمر أنها لا تتذكّر…
بل كانت متأكدة.
هذا… ليس جسدها.
فتحت خزانة الملابس، ببطء.
صفٌّ من الفساتين الأنيقة، الألوان مرتبة بعناية، والعطور مصطفّة على الرف العلوي.
كل شيء بدا مرتبًا... أكثر من اللازم.
كما لو كان معروضًا في واجهة لا تُمس.
سحبت أحد الفساتين، وتفحّصته. لا تعرف هذا الذوق. لا تحب اللون الوردي أصلًا.
ولكن يدها، هذه اليد الغريبة, لامسته بألفةٍ أربكتها, كأن أصابعها تعرفه دون أن تعرف هي السبب.
في الحمام، نظرت إلى الفرشاة الموضوعة على الرف.
شعر أسود طويل علق بها.
هل هذا شعري؟
تساءلت، وهي تلمس رأسها، تتحقق من النعومة، من الطول، من وجود الشامة ذاتها التي رأتها في المرآة.
دلفت تحت الماء الدافئ، علّه يغسل كل هذا الوهم.
لكن الغربة كانت أعمق من أن تُغسل… كانت تسري في عظامها.
كل ملمس، كل رائحة، كل حركة… لا تُشبهها.
بعد دقائق، ارتدت ملابس بسيطة وجدتها فوق الكرسي، ثم جلست على طرف السرير تحدّق في الهاتف.
هاتف "ريما".
صورة شاشة القفل كانت لها — أو لتلك المرأة ذات الشامة.
نمط القفل فتح بسهولة… أصابعها حافظت عليه.
يدها تعرف… أكثر مما يعرف عقلها.
بدأت تتصفّح معرض الصور.
كل الصور لها مع ذلك الرجل، في مناسبات، في رحلات، في لحظات ضاحكة.
تبدو سعيدة.
لكنها لم تشعر بشيء.
لا دفء. لا ذكرى. لا صدى.
رفعت عينيها، وقد بدأت الغرفة تدور بها.
هل هي فاقدة للذاكرة؟
أم سجينة داخل حياة لا تخصها؟
كان هناك خيط يتسلل إليها، فكرة مزعجة لم تفصح عن نفسها بعد.
ثم سُمِع طَرق خفيف على الباب.
—ريما، الفطور جاهز.
صوت الرجل من خلف الباب.
رفعت عينيها نحو المرآة للمرة الثالثة.
ابتسمت في الانعكاس ابتسامة خافتة.
لكن شفتيها… لم تتحرّكا!
يتبع....