فصل برج الصمت | أثيرالس ( عهد الكريستال المفقود)
برج الصمت
.........
كان "برج الصمت" يقف كخنجر أسود طعن خاصرة السماء، يقع في وسط "سهول الرماد" حيث لا تنبت عشبة ولا يغرد طير. جدرانه ليست مبنية من حجر، بل من مادة "الأوبسيديان" الملعونة التي تمتص الصوت والضوء. كلما اقتربت تولين منه، شعرت بثقل في صدرها، وكأن الهواء نفسه يرفض أن يُنقل عبره أي اهتزاز.
بينما كانت تولين مختبئة خلف صخرة رماديه همست لزجل قائلة: "يا فتاح يا عليم.. هذا المكان كئيب لدرجة تجعل الغراب يشعر بالتفاؤل!". كانت عيناها الفضيتان تمسحان المداخل، حيث كان يقف حراس "الصمت"؛ كائنات ضخمة ترتدي دروعاً صلبة، وجوههم مغطاة بأقنعة معدنية ليس لها أفواه، يحملون رماحاً تنتهي برؤوس من الكريستال الأسود.
لم تكن تولين من النوع الذي يندفع بتهور أعمى، فالمرح لا يعني الغباء. أخرجت من حقيبتها "قارورة الصدى المنعكس"، وهي أداة نادرة تجمع أصوات الطبيعة. فتحتها قليلاً، فانبعث منها صوت "انهيار صخري" وهمي في الجهة الشرقية من البرج.
ارتبك الحراس، وتحركت كتلتان ضخمتان منهم نحو مصدر الصوت. في تلك اللحظة، انطلقت آريا كالبرق، قفزت فوق السور المنخفض بخفة قطة برية، وتسللت عبر نافذة ضيقة تؤدي إلى الدهاليز السفلية.
"هيا يا تولين، تذكري دروس المعلم: (الخفة في القدم، واليقين في القلب)،" قالت لنفسها وهي تبتسم رغم دقات قلبها المتسارعة.
كان الممر طويلاً و مظلماً في داخل البرج، والجدران تهمس بأصوات مخنوقة. كانت هذه هي "الأصوات المسجونة"؛ صلوات، أغاني أطفال، وضحكات سلبها مورغوث من البشر ليغذي بها قوته.
فجأة، اعترض طريقها حارس لم يذهب مع الآخرين. كان يقف أمام بوابة حديدية ضخمة. لم يكن هناك مجال للتراجع. استلت تولين رمحها، لكنها لم تهاجمه مباشرة. وبدلاً من ذلك، قامت بضرب نعل حذائها بالأرض بنمط معين، فحدث رنين ترددي هز خوذة الحارس.
"أهلاً بك في حفلة لم تكن تتوقعها!" صرخت تولين وهي تقفز فوق رأس الحارس، مستخدمة رمحها كركيزة، لتسدد له ركلة قوية في ظهره أطاحت به أرضاً. وقبل أن يصدر أي صوت، وضعت يدها على درعه وأطلقت "نغمة السكون"، فجمدت حركته تماماً.
"اعتذر يا سيد (بلا فم)، لكن لدي موعد مع بعض السجناء!"
خلف البوابة الحديدية، وجدت تولين قاعة واسعة معلقاً في سقفها "كريستال النسيان" الكبير. كان يمتص الأصوات من زنزانات صغيرة تحيط بالقاعة. في إحدى الزنزانات، رأت شاباً هزيلاً، لكن عينيه كانتا تشتعلان بتحدٍ غريب.
"من أنتِ؟" سألها الشاب بصوت مبحوح. "هل أنتِ وهمٌ آخر من أوهام هذا المكان؟"
ضحكت تولين وهي تقطع قضبان الزنزانة بضربة مركزة من رمحها. "وهم؟ هل رأيت وهماً يملك مثل هذه الابتسامة الجميلة؟ أنا تولين، جئت لأعيد لك صوتك، ولأحطم هذا البرج القبيح."
قال الشاب وهو يخرج بصعوبة: "أنا كايل، حارس الأوتار.. لقد حذرنا من هذا اليوم، لكن الكبر أعماهم. مورغوث لا يريد البرج، يريد (التردد الأول) الموجود في قلبك يا تولين."
توقفت تولين ونظرت إليه بجدية: "قلبي ملك لخالقه، ولا مكان فيه لخوف أو لعدم. والآن، ساعدني لنحطم هذا الكريستال الأسود، فالعالم يحتاج لسماع أغنية الفجر."
بدأت تولين وكايل بالتعاون. هو يحدد نقاط الضعف في اهتزاز الكريستال، وهي تطلق "نغمات الحق" من حنجرتها ومن رمحها. بدأ البرج يهتز، والصدوع تظهر في الأوبسيديان.
صرخت تولين قائلة: "سبحان من جعل في الضعف قوة!" وهي تطلق الضربة القاضية. انفجر الكريستال الأسود، وتدفقت الأصوات المسجونة كشلال من الضوء الملون، ملأت المكان بضجيج جميل من الحياة.
لكن الانتصار لم يكتمل، فقد سمعت صوتاً يأتي من كل مكان ومن لا مكان، صوتاً بارداً كالقبر:
"تولين.. لقد حطمتِ القفص، لكنكِ أطلقتِ سراح الوحش الذي يسكن بداخله."
انهار سقف القاعة، وظهر ظل ضخم لمورغوث يتشكل في الأفق. نظرت تولين إلى كايل، ثم إلى السماء، وقالت بشجاعة لا تلين:
"ليكن ما يكون.. فالحق أبلج، والباطل لجلج. والرحلة ما زالت في بدايتها!."