روايه الأصفاد الجاثمة (الفصل الثاني)
الفصل الثاني
بعض الأصوات تظل عالقة في الذهن، حتى بعد أن تصمت. بعض التحذيرات، مهما بدت تافهة، تترك أثرًا لا يُمحى. هناك لحظات نمر بها دون أن ندرك أنها البداية… بداية شيء لا يمكن إيقافه.
الفصل الثاني
مرّ يومان، ولم يتلقَّ آمِن أي مكالمات جديدة.
حاول أن يقنع نفسه أن الأمر انتهى، مجرد مصادفة غريبة، لكن عقله لم يتركه في سلام. كان ينتظر... يترقب… يشعر أن الهاتف قد يرن في أي لحظة.
وفي الليلة الثالثة، تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، كأن الزمن يعيد نفسه...
رن الهاتف.
كان مستلقيًا في سريره، مستيقظًا رغم الإرهاق. لم يقفز هذه المرة، لم يتردد كما حدث من قبل. بل رفع الهاتف مباشرةً وأجاب، وكأنه كان ينتظر هذا الاتصال طوال الليل.
وجاءه الصوت، بنفس النبرة الحذرة، لكنه كان أكثر حدة هذه المرة:
غدًا، لا تفتح الباب لأي شخص. مهما حدث، لا تفعل.
اتسعت عينا آمِن. قلبه بدأ ينبض بعنف.
لا أفتح الباب؟ لمن؟ لماذا؟
لكن المكالمة أُغلقت قبل أن يحصل على أي إجابات.
استيقظ آمِن، يشعر بثقل غريب في صدره.
مجرد تحذير سخيف، لا يوجد سبب يدفعني لتصديقه.
لكن كلما مرّ الوقت، بدأ جسده يتصرف عكس ما يقول عقله. كان يتوتر كلما سمع صوتًا خارج باب شقته، يتشنج عندما تقترب خطوات من الممر.
ثم، بعد الظهيرة بقليل، دوّى صوت جرس الباب.
تجمد مكانه.
تسلل إليه خوف لم يفهم سببه. كان عليه ببساطة أن ينهض ويفتح الباب، لكنه لم يستطع.
رن الجرس مرة أخرى.
شعر بوخز في أطرافه، كأن كهرباء تسري في جسده. لم يجرؤ حتى على الاقتراب من الباب والنظر من العين السحرية. ماذا لو كان هناك شخص ما؟ ماذا لو...؟
توقف الجرس. تبعه صمت ثقيل.
حاول أن يأخذ نفسًا عميقًا، لكن الهواء كان ثقيلًا في صدره.
لقد استمع للتحذير. لكنه لا يعرف لماذا... أو إلى متى؟
جاءت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. الهاتف لم يرن.
لكن آمِن لم يكن قادرًا على النوم، جسده متوتر كوتر مشدود.
جلس على سريره، يحدق في الهاتف، ينتظر. لكنه لم يرن.
ماذا لو كان عليّ أن أتصل أنا؟
انتفض لهذه الفكرة. لا، هذا جنون! مابك يا آمن؟ أفِق!
لكنه لم يشعر بالراحة. هناك شعور ثقيل يضغط على صدره، إحساس بأنه نسي شيئًا، أو أنه على وشك ارتكاب خطأ فادح.
وفجأة، سمع طرقًا خفيفًا على بابه مرة ثانية.
تسمر مكانه.
لم يكن جرس الباب، لم يكن أحد ينادي باسمه، فقط… طرقات ناعمة، بالكاد مسموعة، كأن الطارق لا يريد أن يُسمع.
جلس في مكانه بلا حراك، أنفاسه ضحلة، عرق بارد يسيل على جبينه.
"لا تفتح الباب. مهما حدث"
كرر الكلمات في رأسه، كما لو كانت تعويذة تحميه.
ظل جالسًا هكذا لدقائق، يحدق في الباب كأنه يتوقع أن يتحرك من تلقاء نفسه.
ثم... توقف الطرق.
مرّت لحظات من الصمت، ثم سمع صوت خطوات تتراجع ببطء في الممر.
لم يجرؤ على التحرك، لم يقترب حتى من العين السحرية.
لكن شيئًا ما بداخله أخبره أنه إذا فتح الباب الآن… فلن يمر الأمر بسلام!
ظل جالسًا عينيه مفتوحتان على اتساعهما، يراقب الباب دون أن يرمش.
في داخله، كان يعلم أن الأمور لم تعد مجرد تحذيرات عابرة.
هناك شيء ما يلاحقه الآن. .