الفصل الثالث: ظلال الزيزفون في " هانغتشون"
الفصل الثالث
.........
في مدرسة "تشينغ هوا"، يُعد يوم الأربعاء يوماً للتدريب المكثف، لكن بالنسبة لـ "مينغ لي"، كان يوماً لسباق من نوع آخر. بمجرد أن رن جرس الحصة الأخيرة، لم تتوجه إلى النادي الرياضي أو المكتبة، بل ركضت نحو "زقاق الزهور" حيث تنتظرها والدتها المتعبة. لم تكن تعلم أن هناك عيوناً رمادية تراقبها من خلف زجاج سيارة سوداء فاخرة كانت تهم بمغادرة المدرسة.
كان "تشن يو" جالساً في المقعد الخلفي، بجانبه والده، السيد "تشن"، الذي كان يقرأ تقارير مالية بملامح جامدة.
— "سمعتُ أنك تشارك طالبة من عامة الشعب في فريق واحد،" قال والده بنبرة تخلو من أي عاطفة. "لا تجعل هذا العبث يؤثر على ترتيبك. أنت ابن عائلة تشن، والمركز الثاني بالنسبة لنا هو خسارة مهينة."
أطبق "يو" يديه بقوة حتى ابيضت مفاصله. لم يرد. كانت الكلمات تخنقه مثل طوق حديدي، والسيارة الفارهة تبدو له زنزانة متحركة. لمح "لي" وهي تجري بجدائلها المتطايرة باتجاه الأحياء القديمة، فتملكه فضول مفاجئ لمعرفة العالم الذي تصدر منه تلك الفتاة التي تجرأت على إهانة كبريائه.
بعد ساعة، وفي قلب حي "شيهي" القديم، كانت "لي" تقف أمام محل صغير تفوح منه رائحة الياسمين والزيزفون المبلل. كانت ترتدي مئزراً متسخاً بقليل من الطين، وتنسق الزهور بمهارة وسرعة. وفجأة، توقفت سيارة سوداء غريبة عن المكان أمام المحل. ترجل منها "تشن يو". كان يبدو غريباً في هذا الحي الشعبي بملابسه الأنيقة وطلته النخبوية.
تجمدت "لي" في مكانها. شعرت بإحراج طفيف وهي تراه يراقب واقعها البسيط، لكنها سرعان ما استعادت رباطة جأشها.
— "هل ضللت الطريق يا سيد تشن؟" سألت وهي تمسح يدها بخرقة قماشية.
— "كنت ماراً بالصدفة،" كذب "يو" ببرود، لكن عينيه كانت تجول في المكان، لتستقر على والدة "لي" التي كانت تسعل بجهد في الداخل.
قبل أن تجيبه، سمعا جلبة في نهاية الزقاق. كان مجموعة من موظفي البلدية ومعهم أمر بإزالة بعض المحلات القديمة لتوسيع الطريق الرئيسي. وقع قلب "لي" في قدميها؛ فهذا المحل هو مصدر رزقهما الوحيد. خرجت والدتها فزعة، وحاولت التحدث مع الموظفين، لكن أحدهم دفعها بفظاظة قائلاً: "تحركي يا امرأة، القانون لا يحمي العشوائيات".
لم تتمالك "لي" نفسها، اندفعت نحو الموظف، لكن قبل أن تصل، شعرت بظل طويل يسبقها. كان "تشن يو". وقف أمام الرجل كالسد المنيع، وبحركة باردة أخرج بطاقة تعريفية ذهبية تخص والده.
— "هذا المحل يقع ضمن منطقة نفوذ مجموعة 'تشن' العقارية،" قالها "يو" بصوت هادئ كفحيح الأفعى. "أي محاولة لهدمه قبل مراجعة الشؤون القانونية للشركة ستكلفك وظيفتك.. وربما أكثر."
ارتبك الموظفون وتراجعوا فور رؤية الشعار العائلي الشهير. غادروا وهم يتمتمون باعتذارات خائفة. ساد صمت غريب في الزقاق، تكسره فقط أنفاس والدة "لي" المتسارعة. التفتت "لي" إلى "يو"، كانت عيناها تلمعان بدموع محبوسة، لكنها لم تكن دموع انكسار، بل دموع امتنان ممزوجة بالذهول.
— "لماذا فعلت ذلك؟" همست "لي". "أنت لا تهتم بالعشوائيات، كما قلت لوالدك بالأمس."
صمت "يو" طويلاً. اقترب منها حتى لم يعد بينهما سوى شجيرة زيزفون صغيرة في أصيص فخاري. مد يده وبحركة مفاجئة أزاح خصلة شعر متمردة عن جبهتها.
— "ربما لأنني سئمت من رؤية كل شيء جميل يُهدم تحت اسم القانون،" قالها بصوت منخفض جداً، حمل لأول مرة نبرة حزن دفين. "أو ربما لأنني لا أريد أن ينطفئ بريق التحدي في عينيكِ قبل أن نهزم شانغهاي في المسابقة."
في تلك اللحظة، رأت "لي" ما خلف القناع. لم يكن "تشن يو" ذلك الفتى المغرور، بل كان فتىً يتيماً داخل ثوبه الفاخر، يبحث عن قضية يؤمن بها. مدّت يدها، ولأول مرة، لمست كمه برقة.
— "شكراً لك.. 'يو'. لقد أنقذت عالمي الصغير اليوم."
ارتجف جسد "يو" عند سماع اسمه مجرداً من ألقابه من فمها. أحس بشيء من الخزف داخل صدره يتحطم، ليحل محله دفء غريب. في تلك الأمسية، وتحت ضوء فوانيس "هانغتشو" الخافتة، لم يعد هناك "ابن ثري" و"فتاة فقيرة". كان هناك فقط مراهقان يواجهان العالم، وفي جيوبهم أسرار لم تُحك بعد، ومشاعر بدأت تزهر كأوراق الزيزفون في أول الربيع.
غادر "يو" المكان، لكنه ترك خلفه قلباً لم يعد يراه عدواً، وأخذ معه رائحة الياسمين التي لم تفارق أنفه طوال الليل، ليدرك أن "الهندسة" الحقيقية هي كيف تبني جسراً نحو قلب شخص آخر في لحظة واحدة من الصدق.