رواية رحيق النرجس - حفلة التخرج
حفلة التخرج
حفلة التخرج
انبثق ضوءٌ خافت يتسلّل نحو تلك النائمة في ثباتٍ عميق، متخلّلًا الستائر البيضاء ذات اللون اللؤلؤي، فيكسو الضوءُ انعكاسًا لامعًا على ملامحها القمحية المائلة إلى البياض، وعلى شفتيها المورَّدتين بلونٍ يشبه الدم، ووجنتيها اللتين انحسر إليهما احمرارٌ خفيف من دفء الشمس. كان السكون يعمّ الغرفة، حتى شقّه صوتُ الباب يُفتح على عجل، أعقبه صوت أنيسة تقول:
"نرجس… قومى يا بنتى هتتأخرى."
تمدّدت نرجس فوق فراشها، تفتح عينيها البنيّتين ببطءٍ متثاقل، تتابع أمّها التي خطت نحو الشرفة لتزيح الستائر، فانفجر الضوء دفعةً واحدة داخل الغرفة. أغمضت نرجس عينيها بقوة حين ضرب الوميض مقلتيها، ورفعت يدها تظلّل بهما عن الضوء قائلة بامتعاض:
"يا ماما لازم يعني تفتحى الستاير؟ عيني وجعتني."
التفتت إليها ونيسة معاتبةً، وقد علت نبرتها لمسة دفءٍ أمومي:
"طب قولى صباح الخير الأول قبل متتأفأفي… وقومي يلا اغسلي وشّك وصلي، عما أحضّر الفطار.عشان متتأخريش على حفل تخرجك."
تمطّعت نرجس، وفركت عينيها بتثاقل، ثم نهضت واقفة واقتربت من أمّها، تمدّ يديها وتحتضن وجهها رغم مقاومتها، وتقول ممازحة:
"صباح الخير يا ونيسة قلبي انتي… "
ضحكت ونيسة وهي تجهد في إبعادها:
"أخ منك… بت ملزجة! بطّلي تضيع وقت، ومدي يلا اعملي اللي قلتلك عليه"
قالت نرجس بفتورٍ ظاهر:
"متقلقيش، وجودي أو عدمه مش هيفرق يعني."
فعبست ونيسة وربّتت على كتفها بخفّة وهي تقول:
"بلا وجودك مش مهم… دا ماريان لو انتي مروحتيش هتقلب الدنيا!"
سخرت نرجس وهي تتجه إلى الدولاب وتخرج ملابسها:
"انتي طيبة أوي يا ماما… ماريان مش هتزعل ولا حاجه"
تبدّل وجه ونيسة إلى عبوس وهي تقترب تراقب ما تُخرجه ابنتها من فستان بسيط خالٍ من أي تكلّف، وقالت مستنكرة:
"بتهزّري صح؟! ايه خلاكى تقولى كدا؟ وبعدين إيه الفستان اللي مطلعاه دا؟ فين اللي جابتهولِك نفين هانم؟!"
تنفّست نرجس بتنهيدة طويلة، وأسندت ظهرها إلى باب الدولاب قبل أن تلتفت متجنّبة النظر إليها:
"مش عاجبني… وانتي عارفة إني مش بحب الحاجات الملفتة."
حدّقت ونيسة فيها بريبة، ثم بادرتها فجأة تزاحمها لتفتح الدولاب وتقلب في ثيابه، لكنها توقفت حين لم تجد الفستان، التفتت إليها بعينين تقدحان غضبًا:
"الفستان مش هنا! ودّتيه فين يا نرجس؟! أوعي تكوني بوظّتيه!"
ارتبكت نرجس، وراحت تعضّ شفتها بتوتر، ازدادت حدّة ونيسة وصاحت:
"متنطقي يا نرجس… ودّتيه فين؟!"
تنفّست نرجس بعمق، ثم قالت بتلعثم
"أنا… أنا غسلته عشان كان فيه بقعة… وباظ في الغسيل."
لم يهدأ شكّ ونيسة وقالت بنبرةٍ ضيقة:
"مممم… متأكدة...يعنى نفين هانم هتجبلك فستان فيه بقعه؟"
ردّت سريعًا:
"لا…بس ايدى كانت مش نضيفه وبقعته وانا بقيسه وسبيني بقى عشان انا ماليش مزاج اروح "
تعالى الغضب في وجه ونيسة، واقتربت من ابنتها بعصبية:
"بقى الست تجبلك فستان غالي زي دا… وتروحي تبوظّيه بكل إهمال؟! وكمان ليكي عين تقولي عاوزة تروحي ولا لأ؟ يبجاحتِك!"
انكمشت نرجس وقالت بصوتٍ خافت يحمل شيئًا من الأسى:
"أنا آسفة يا ماما… مش هتصرف بإهمال تاني."
خفق قلب ونيسة بندمٍ موجع، لكنها قاومت رغبتها في احتضانها، واستدارت بعصبية نحو الباب، ثم التفتت مرة أخيرة وقالت بحدّة:
"عشر دقايق… ألاقيكي تحت. إياكي تتأخّري."
أومأت نرجس صامتة، تحمل ملابسها وتتجه إلى الحمّام لتستعدّ…
نزلت ونيسه بخُطى سريعة على الدَّرَج، يعلو الغضبُ وجهها، وتتمتم بعصبيّة، حتى لمحتها رفيقتُها وفاء وهي تخرج من غرفة ماريان، فلحقتْ بها سريعًا تقول:
"ونيسة… يا بت استني."
التفتت ونيسة وهي تزفر:
"إيييه يا وفاء، عاوزة إيه؟ هتأخّر على تحضير الفطار."
ابتسمت وفاء بحنان وقالت:
"نرجس مزعلاكي ولا إيه؟ مهو محدِّش يوصلك للحالة دي غيرها."
تنهدت ونيسة وقالت:
"بنت عنيدة… قال مش عاوزة تروح حفلة التخرج! إزاي يعني متروحش؟ دا أنا مستنيا اليوم دا بفارغ الصبر ،بتخيل دايماً وأنا شايفاها بروبّ التخرج والطقيّة السودة وهي بترميها في السما والفرحة مرسومه على وشها، وأشوفها كمان وهي بتتكرم ضمن المتفوقين… ليه عاوزة تحرّمني من الفرحة دي يا وفاء؟"
ربّتت وفاء على كتفها بحنان وقالت:
"معلش ..كلميها براحه ومتضغطيش عليها يا ونيسة… البنت مبقتش صغيرة للمعاملة دي."
زفرت ونيسة بضيق:
"بس يا وفاء… والله طيبتي هي اللي بوّظتها، دا حتى بوّظت الفستان اللي جبته…"
قُطع سيلُ حديثها حين فتحت غرفة ماريان وخرجت بهيئتها تلك؛ كاملةَ الزينة والتأنّق، ترتدي فستانًا ورديًّا ضيّقَ الخصر، منفوشًا من الأسفل، يليق بها، ولكنه كان ليليق بصاحبته أكثر؛ فقد كان ذاك الفستان نفسه الذي اشترته نَفين لنرجس.
ابتلعت ونيسة ريقها، واعتلى صدرَها غصّة؛ فقد علمت الأمر أخيرًا… لم يُفسد الفستان كما ادّعت نرجس، بل أجبرتها ماريان على أن تعطيه لها ، رغم أن الأخيرة تملك عشرات الفساتين التي اشترتها استعدادًا لهذا اليوم.
انتبهت وفاء إلى النظرة المتفحِّصة في عيني ونيسة، فقالت مستغربة:
"مالك يا بت… بَلْمتي كده ليه؟"
التقطت ماريان كلماتها، فاقتربت بخطوات واثقة وهي تقول:
"منبهرة من جمالي طبعًا… صح يا ننوسة؟"
كتمت ونيسة اضطراب أنفاسها وقالت بابتسامة هادئة:
"طبعًا يا حبيبتي… زي القمر. بس الفستان د…"
تبادلت وفاءُ نظرةً سريعةً مع ونيسةَ وقد أدركت ما يجري، بينما قالت ونيسةُ بابتسامةٍ مصطنعة:
"تتهني بيه يا حبيبتي… فعلًا نرجس مايلقش بيها الفستان البهتان دا، أنا قولتلها مش حلو أصلًا. تصدّقي؟ إنتي اللي محلياه."
تغيّر وجه ماريان وانقبضت ملامحها بضيق، ثم استدارت راكضة إلى داخل غرفتها.
كتمت وفاء ضحكتها وقالت:
"ينهار أزرق عليكِ… هتروح تغيّره! دا إنتِ ناصحة نصاحة."
لكن ونيسة لم تضحك، بل قالت بحزن:
"أنا قسيت على نرجس قوي… وظلمتها كالعادة، رغم إن ماريان برده السبب."
قالت وفاء:
"متزعليش نفسك وروّحي رضيها… وأنا هسبقِك ع المطبخ."
أومأت ونيسة، ثم عادت تصعد الدَّرَج من جديد، متوجهة إلى غرفة ابنتها… علّها تُصلح ما أفسده غضب اللحظة.
طرقت ونيسة الباب بخفوت، فجاءها صوت ابنتها المائل للحزن يقول:
"اتفضل."
فتحت ونيسة الباب برفق، مائلةً برأسها قليلًا لتلمح نرجس جالسة أمام المرآة تمشط شعرها اللّبني المطعَّم بخيوطٍ ذهبية. التفتت إليها نرجس وقد ارتسم التساؤل على ملامحها، فقالت ونيسة بلطف:
"وردتي… خلصتي؟"
عقدت نرجس حاجبيها وهي تضع الممشطه جانبًا:
"وردتي؟!… آه خلصت. نسيتي حاجة ولا إيه؟"
دخلت ونيسة وأغلقت الباب خلفها بحرص، ثم اقتربت من ابنتها، تمرّر أصابعها بين خصلات شعرها برفق، ترفع طرفًا منها إلى أنفها، تشمه بعمق وتقول بابتسامة خفيفة:
"وردتي… اللي أخدت من النرجس اسمه وعبيره."
رمقتها نرجس باستغراب:
"مش مطمّنة للكلام المعسول ده… هو أنا صعبت عليكي وجاية تصالحيني ولا إيه؟"
ضحكت ونيسة بخفة:
"يا بنت الإيه… أيوه أنا جاية أصالحك، بس مش عشان صعبتي عليّا."
أمالت نرجس رأسها بنبرة طفولية:
"أمّم… يبقى شفتي ماريان صح؟"
ابتسمت ونيسة ابتسامة مشوبة بمرارة:
"آه… طالعة تتمختر بالفستان ياختي، تقولش بتاعها. بس الغلط منك … بتدهولها ليه؟ ده جايلِك إنتي."
تنهدت نرجس قائلة:
"ماما… هو صحيح مش عجاى عشنها، بس مامتها هى الي جايباه. يعني عادي لو خدته."
أومأت ونيسة بحزن خفيف:
"أمّم… عندِك حق. الغلط مني أنا. المفروض كنت أنا اللي جبتلك الفستان… حقك عليّا."
هزّت نرجس رأسها بسرعة:
"لأ لأ… مش قصدي كده ،قصدى انه مش زوقى دا زوق طنط نفين وزوقها بيعجب ماريان بس انا لا ، وبعدين إنتي مش واخدة بالك من الفستان اللي أنا لابساه؟"
تأملت ونيسة ابنتها مليًّا، ثم قالت:
"آه صحيح… ده الفستان اللي فصلتهولِك. بس ده قديم يا حبيبتي… ومش من قيمتك."
ابتسمت نرجس بحنان صافٍ:
"ماما… إنتي متعرفيش إن قيمة الفستان ده عندي أغلى ميت مرة من كل الفساتين الجديدة اللي في الدنيا؟…عشان انتى عملتيه ليا انا لوحدى بس ؟"
لم تتمالك ونيسة نفسها، فاحتضنت ابنتها وربتت على ظهرها برفق:
"إنتي علّمتيني درس مش هنساه يا وردتي… إن الحاجة مش بقيمتها المادية، لكن بقيمة اللي جايبها وغلاوته عندنا. وانتي غالية عندي أوي… من ريحة أبوكي، حتى في طيبته وسعة صدره."
ذابت نرجس بين ذراعي أمها، وقد هدأت روحها تمامًا.
فكلمات ونيسة الحنونة كانت عندها أغلى من أي متاع في الدنيا.
لم تهتم يومًا بمظهرٍ أو ثيابٍ أو زينة… كان كل ما يهمها أن تظل أمها إلى جوارها، تشاركها الفرح والحزن، وتكون لها الوطن الذي لا يخيب.
بعد أن أنهت الأم وابنتها حديثهما الدافئ، اتجهتا معًا إلى المطبخ لترَيَا ما وصلت إليه فريدة وخَدَمُ المطبخ في إعداد الفطور. وما إن بلغتا المكان حتى وجدتا الطعام قد أصبح جاهزًا، والخَدَمُ يتناوبون على ترتيب الأصناف فوق المائدة، وإعدادها لاستقبال أفراد الأسرة.
وفي تلك الأثناء، كانت نَفين تخطو خارج غرفتها وتنزل الدرج بخطوات رصينة إلى جوار زوجها وئام، يتبادلان حديث الصباح الهادئ حتى بلغا المائدة بادر وئام بسحب الكرسي لها لتجلس، وما إن استقرت حتى جلس هو الآخر، فيما انتظر كلاهما اكتمال الأسرة.
لم يلبثا طويلًا حتى لمحا ماريان تهبط السلم ببطء، تحمل بطرف أصابعها ذيل فستانها، بينما يطرق كعبها العالي خشب الدرج إعلانًا عن قُدومها. قابلتها نفين بابتسامتها المشرقة، قائلة:
"صباح الخير قلب ماما."
وأردف ادريان بمحبة ظاهرة:
"صباح الورد والياسمين على حبيبة قلبي."
لكن ماريان لم تُبادل ذلك الحنان، واكتفت بوجه جامد وصوت مقتضب:
"صباح النور."
رفعت نفين حاجبها بدهشة خفيفة:
"الله! ليه الوش الزعلان ده؟ مش لايق خالص على الحلاوة اللي إنتي فيها."
ردّت ماريان بضيق مكتوم:
"حلاوة إيه بس يا ماما… الـ dress مش عاجبني خالص، حاساه traditional "تقليدي"… ومش مبهر."
وقبل أن ترد نفين بالنفي، سارع وئام قائلاً بنبرة دفاعية لطيفة:
"هو إيه اللي مش حلو يا بنتي؟ ده إنتي طالعة شبه الـ Princesses… مين اللي قالك الكلام الـ negative ده؟"
في تلك اللحظة كانت ونيسة تقترب وهي تحمل كوب الحليب الذي اعتادت نفين شربه كل صباح، وقد لمحت تبدّل فستان ماريان، فضحكت بخفوت وقالت:
"أنا بصراحة قولتلها على فستان الى فات إنه مش حلو… بس قولت برده إنها اللي محلياه… وبصراحة ده احلى وطالع قمر عليها الله أكبر."
نظرت لها ماريان بغضب طفولي:
"لا ..أممم… إنتي عملتي كده بس عشان الفستان كان لنرجس."
اتسعت عينا نفين بدهشة :
"إيه ؟ إنتي أخدتي فستان نرجس؟ ليه كده يا ميري؟ مش إنتي روحتي عملتي shopping واخترتي اللي إنتي عاوزاه؟"
نظرت ماريان لوَنيسة بحنق، ثم ردت بنفاد صبر:
"ماما… أنا ما أخدتوش… نرجس هي اللي ادتهولي! حتى اسأليها."
لم تنتظر بل نادت بصوت عالٍ لتثبت صحة أدعاءها:
"نرجس!… نرجسس!"
أتت نرجس على الفور من الداخل، تقول بلهفة:
"أيوه… بتندهّي ليه كده يا ميري؟"
ركضت ماريان نحوها، فاحتضنتها بقوة، وهمست بين أسنانها بكلمات تحمل تهديدًا خفيًّا:
"مش إنتي اللي ادتيني الفستان بإرادتك… هدية."
راقبتها نفين وادريان بإنصات، فيما ضيّقت ونيسة عينيها، كأنها تحاول تشجيعها على قول الحقيقة. لكن ماريان زادت ضغط أظافرها على ذراع نرجس، ثم كررت السؤال بنبرة لزجة:
"ها يا نرجس… ردي يا قلبي."
تنفّست نرجس بعمق، وأبعدت ذراع ماريان عنها برفق، فاشتعل غضب الأخيرة.
ثم قالت، على نحوٍ لم تتوقعه ماريان:
"مدام نفين… أنا ادتّلها الفستان عشان حبيت في يوم زي ده ألبس حاجة ماما عملتها عشاني بإيديها… يعني مفيش أي مشكلة من ناحية ميري، اطمّني."
ارتسمت ابتسامة على وجه ادريان إعجابًا بتهذيبها ولطفها، بينما قالت نفين بنبرة راضية:
"بحب فيكي تواضعك وكلامك المرتّب ده… إنتي بنوتة كاملة ومؤدبة."
اشتعلت غيرة ماريان، لكنها تخفت خلف ابتسامة مصطنعة وهي تضم نرجس من جديد قائلة:
"مش اتربينا سوا؟ يبقى لازم تبقى لطيفة زيي."
بادلتها نرجس العناق، وقد أدركت تمامًا ما تشعر به ماريان، لكنها تداركت الموقف وقالت بخفة ظل:
"عندِك حق… اللي يقعد معاكي لازم غصب عنه يبقى لطيف."
ضحكت ماريان، وقد نالت اعترافًا يُرضي غرورها:
"أيوه كده… اعترفي."
هزّت ونيسة رأسها بيأس خافت؛ فهي تعلم أن ابنتها لن تأخذ حقها يومًا من ماريان، فضعف نرجس أمامها متأصّل منذ طفولتهما، إذ تعتبرها أختًا وصديقة بصدق، على عكس ماريان التي تحمل روحًا مختلفة تمامًا.
أما نفين، فكانت تراقب المشهد بسعادة مطمئنة، تظنّ أن الفتاتين حقًّا كالأختين…
لكن كلتاهما وُلِدَت من رَحِمَين مختلفين تمامًا.
التفّ الجميع حول المائدة، ومن بينهم نرجس التي اعتادت منذ طفولتها أن تجلس بينهم بوصفها فردًا من الأسرة، لا مجرد ابنةٍ لخادمة المنزل.
كان هذا الأمر يُثير ضيق ماريان في أحيان كثيرة؛ إذ لم تستطع يومًا تقبّل أن تُعامَل نرجس معاملة الندّ، وبالرغم من محاولاتها إظهار الاعتياد، فإن كل ما يتعلق بالثياب والمال والمتاع كان كفيلًا بأن يُحوّلها إلى شخصية أخرى تمامًا… شخصيةٍ تكره، وتحقد، وتنسج المكائد في صمت.
بعد الفطور، وقفت ماريان تودّع والديها على عجل، بينما اتجهت نرجس نحو أمها ونيسة لتودّعها بقبلتين دافئتين، قائلة:
"هستناكي في الحفلة… ما تتأخريش عشان ناخد صورة سوا… وتشوفيني وأنا برمي الطاقية السودة في السما زي ما كنتي بتقولي لطنط وفاء."
قهقهت ونيسة بحرارة، وردّت:
"هو إنتي كنتي بتتصنتي علينا؟ لاوعاملة نفسك مش عارفة؟ آه منك يا لئيمة."
انفجرت نرجس ضاحكة، ثم قبّلت جبين أمها بحنان، قائلة:
"كل الحكاية إني كنت نازلة وراكي زي ما قلتيلي… وبعدين سمعت كلامكم صدفة… فرجعت الأوضة تاني علشان أستناكي تصالحيني."
احتضنتها ونيسة بحنوّ الأم:
"عمري ما هزعّلك تاني يا حبيبة قلبي… وهحاول على قد ما أقدر إني أسمعك قبل ما أحكم عليكي."
ابتسمت نرجس وقد امتلأ قلبها دفئًا، ثم ودّعتها من جديد قبل أن تغادر.
أما ماريان فقد اتجهت نحو سيارتها، تصحب نرجس معها على مضض، كما أرغمها والداها. أدارت المحرك بقليل من الضيق، وانطلقت خارج بوابة الفيلا نحو الطريق المؤدي إلى الجامعة.
وفي أثناء الطريق، تفجّر غضب ماريان فجأة، وقالت بنبرة مُرّة:
"هو إنتي روحتي قلتي لمامتك إيه؟ خليتيها جت تتخانق معايا علشان الفستان؟"
كانت نرجس تحدّق عبر النافذة، تراقب المارّة الذين بدوا كخيوط تتحرك بسرعة مع انطلاق السيارة، فأجابت بفتور:
"مريان… أنا ما قلتش لماما حاجة. وبعدين هي ما اتخنقتش معاكي… أنا سمعت كلامكم. كل اللي قالته إن الفستان مش لايق عليكي، وإن في أحسن منه ،وانا مع رأيها بصراحة وشايفة إن اللي إنتي لابساه perfect… ما تزعليش نفسك بقى."
استعادت ماريان ابتسامتها المترفعة، وقالت بزهوّ ظاهر:
"عندِك حق… فعلاً اللي أنا لابساه ولا غلطة. كل البنات اللي في الحفلة هيتهبلّوا عليه."
اكتفت نرجس بابتسامة صغيرة دون أن تلتفت:
"آه… فعلاً هيتجنِّنوا."
ثم هتفت ماريان بحماس طفولي:
"ها… هتخرجي تروحي فين بعد الحفلة؟ أنا عن نفسي… أنا والبنات هنسهر في البار. مش عايزة أقولك مين اللي هيجي معانا… لو عرفتي مش هتصدقي!"
التفتت نرجس بنظرة فضول:
"يا ترى مين؟ صاحبِك مايكل؟"
ضحكت ماريان بسخرية:
"لا مش مايكل….علشان أنا وهو off من زمان.. اللي هيجي معاناهو يونس مش عارفاه؟ كنتي بشوفكم سوا كتير."
تجمّدت نرجس في مكانها، وردّت بذهول لم تستطع كتمه:
"يونس؟!"
خفتت الأصوات من حولها فجأة، وتجمدت نظرتها على الفراغ.
راحت تحدّث نفسها في صمتٍ مضطرب:
«يونس؟! ذاك الذي كان يشاركني حصص المكتبة، ونتبادل الكتب والحديث في أوقات الفراغ… ويحدثني دائمًا عن الدين والالتزام والحجاب، ويحثّني على طاعة الله…
كيف صار الآن من روّاد السهرات والبارات؟
لعلّ ماريان كانت قد تنبّهت لاهتمامه بي فسلّطت الضوء عليه… أم لعلّه مجردُ صدفه عابره؟
ثم التفتت إلى ماريان، وقد غلّف صوتَها قلقٌ خافت، وسألتها:
"بس… يونس هيروح معاكوا البار؟ ويشرب وكده؟"
أجابت ماريان بلا مبالاة:
"آه عادي… هو مش عشان مسلم يبقى ما يشربش أنا أعرف مسلمين كتير بيشربوا عادي."
قالتها وكأن الأمر من أبسط تفاصيل الحياة، بينما غاص قلب نرجس في شعور ثقيل لم تستطع دفعه.
لم تُحب يومًا أولئك الذين يتساهلون في المحرّمات…
وكانت تظن أن يونس مختلفًا، مميزًا، صادقًا في حديثه عن الدين…
فهل خدعتها نظرتها إليه؟
أم أنه شخص آخر تمامًا حينما يغيب عنها؟
امتزج في قلبها الاستغرابُ بالحزن والخذلان؛
فكيف لمن كان يحثّها على الحجاب…
أن يسهر ليله واحدةً بين الفتيات، ويحتسي الخمر؟
عادت نرجس بوجهها إلى النافذة، وقد آثرت الصمت عن يونس وعن كلّ ما يرهقها؛ شعرَت حقا باليأس؛ فقد كانت تخطط لدعوته إلى تناول الآيس كريم مع صديقتها المقرّبة علياء، لكن كل الحماسة التي حملتها منذ الصباح تلاشت فجأة.
لاحظت ماريان تضايقها، فارتسمت على شفتيها ابتسامة جانبيّة تحمل خبثًا واضحًا؛ كأنما حقّقت ما كانت تريده منذ البداية فهى تتلذذ بإفساد فرحتها ،فحقد الطفولة ما زال يلازمها كالظلّ .
توقّفت السيارة أمام الجامعة التي كانت تعلو منها أصوات الاحتفال. تجمع الطلاب في الخارج، فيما تعالت الأغاني من الداخل وارتسمت السعادة على الوجوه.
ترجّلت ماريان بخفة، بينما نزلت نرجس ببطء وقد تلاشت حماستها للحفل.
ركضت ماريان نحو صديقاتها، تُقبِّل هذه وتحتضن تلك، بينما وقفت نرجس تبحث بعينيها عن علياء. وما إن لمحَتها من بعيد حتى نادت :
"علياء! يا علياء!"
التفتت إليها علياء واقتربت بابتسامة واسعة، لكنها ما لبثت أن تلاشت تدريجيًا حين رأت الحزن المرتسم على ملامح صديقتها. سألت بفضول ممزوج بالقلق:
"إممم… إيه للوش العكّر ده؟ عملِت لك إيه الحيزبونه الصفرا دي من الصبح؟"
ضحكت نرجس رغمًا عنها وقالت:
"ما عملتش حاجة… ما تقلقيش... حاجة تانية اللي مضايقاني."
نظرت إليها علياء بشكّ:
"إممم… حاجة تانية؟ بطّلي كدب بقى. قولي على طول… أنا بفهمك من النظرة."
تنهدت نرجس بصوت خافت وقالت بحزن:
"يونس."
اتسعت عينا علياء فضولًا:
" يونس؟ آه ..أنا لسه شايفاه من شوية تعالي نروحله."
أمسكت بيد نرجس لتسحبها معها، لكن الأخيرة أوقفتها بسرعة:
"لا… مش عايزة أروحله."
سألت علياء باستغراب:
"ليه؟ مش كنتي هتعزّميه يخرج معانا؟ هو إنتوا اتخانقتوا ولا إيه؟"
هزّت نرجس رأسها:
"لأ… ما اتخنقناش... بس بصراحة… أنا خلاص اتقفلت منه. ومش عايزة أخرج معاه تاني… ولا حتى أعرفه. كده كده معدش غي جامعه وكل واحد هيروح فى حاله."
ضيّقت علياء عينيها:
"اممم لا انتى تقوليلي بقى… إيه اللي حصل؟ عشان زهقت."
تنفست نرجس بعمق وقالت:
"طلع مش كويس… وهيخرج مع ماريان وأصحابها يسهروا في البار... كنت مفكراه حد محترم ومهتم بدينه… بس الظاهر لأ... هوائي… وبس ..ده اللي حصل."
اتسعت عينا علياء دهشة:
"اييييه! يونس؟ مع ماريان وأصحابها المنحلّين دول؟! لأ… دي جديدة."
وأثناء حديثهما، اقترب يونس منهما وألقى التحية، غير أنّهما ردّتا بفتورٍ بيّن. أحسّ بتغيّرهما، فسأل بقلق:
"مالكوا؟ في إيه؟ في حاجة مزعلاكم؟"
أشاحت نرجس بوجهها، بينما قالت علياء بحدّة:
"وكمان بتسأل؟! يا بجاحتك يا أخي!"
تجهم يونس وقال:
"بجاحتى؟ الله ..هو أنا عملت إيه بس؟ وبعدين مالها صاحبتك مديّاني قفاها ليه؟ هو أنا شكلي وحش النهارده؟"
التفتت إليه نرجس بغضب:
"اتفرجى… عامل نفسه مش عارف هو مضايقنا في إيه!"
قال بسرعة وبحيرة :
"يا بنتي بجد… مش عارف... متقولي فى إيه؟"
قالت علياء:
"مش عارف؟! يعنى هي ماريان هتاخدك بالعافية تسهر معاها في البار بالليل؟!"
اتسعت عينا يونس دهشة:
"باااار..إنتي مصدّقة الهبل ده؟! أنا؟ أسهر في بار؟ ومع ماريان؟! إنتوا إيه؟! اتهبلتوا ولا جرى ايه لمخكم"
ثم نظر إلى نرجس :
"إنتي… مصدقة الكلام ده يا نرجس؟ مصدّقاه عنّي؟"
نظرت إليه طويلًا، رأت في عينيه صدقًا لم تستطع تجاهله، فقالت بتردد:
"آه… صدّقت للاسف ..بس ماريان هتكذِب ليه؟"
ردّ بصوت مكسور يحمل خذلانًا واضحًا:
"بجد؟! مش عارفة هي هتكذب ليه؟… عمومًا، أنا ماليش لازمة هنا..عن إذنكم."
استدار ليرحل بخطواتٍ مثقلة.
فلمحت علياء لها لتستوقفه، فنادت نرجس بصوت خافت:
"يونس… استنى."
توقف يونس والتفت إليها:
"خير؟ عايزة إيه؟"
قالت وهي تخفض عينيها:
"حقّك عليّا. متزعلش."
قال بنبره حزينه:
"لأ… زعلان. عشان إنتي ظنّيتي فيّا الظن ده… وإنتي عارفة أنا على ايه."
ابتسمت نرجس بخفة محاولة تهدئته:
"خلاص بقى… أنا آسفة...خليك فرفوش."
ضحك يونس، وتسلّل إلى نبرته حماسٌ خفيّ، ثم قال:
"طيب هسامِحك… بس بشرط."
رفعت حاجبيها مستفهمة، وأجابت سريعًا:
"أمّم؟"
اقترب خطوة، وخفَت صوته وقد ازدادت جديّته دفئًا:
"ممكن تيجي معايا لحظة؟ أنا كنت محضّرلِك مفاجأة."
اتسعت عينا نرجس، وتبادلت نظرة سريعة مع علياء التي هتفت وهي تلوّح بيدها:
"يلا روّحي شوفي المفاجأة، وبعدين ابقوا نادوا عليا"
أومأت نرجس بابتسامة خفيفة وقالت ليونس:
"تمام… ورّيني."
مسك يونس بيدها، وجذبها خلفه بخطوات سريعة جعلت أنفاسها تتلاحق. وفي تلك اللحظة، لمحتهم ماريان من بعيد، فانبسطت على شفتيها ابتسامة ماكرة،ثم لحقت بهما بخفّةٍ مقصودة، تتبع خطواتهما بترصّد.
قادها يونس إلى مكانٍ منعزل عن باقي الطلبة، ثم استدار نحوها وأمسك بكلتا يديها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة وهو يقول:
"ممكن تُغمّضي عنيكي؟"
بادلت جديّته شيئًا من المزاح، وقالت بخفّة :
"هتعمل إيه؟ أوعى يكون مقلب… ولا ناوي تخضّني!"
ضحك وانفرجت ملامحه في ود ثم قال وهو يومئ لها مطمئنًا:
"متقلقيش… ثقي فيا."
أغمضت نرجس عينيها. مرّت ثوانٍ قليلة قبل أن يأتيها صوته هادئًا:
"افتحي."
فتحت عينيها ببطء… فإذا به جاثٍ على إحدى ركبتيه، يحمل في يده علبةً قطيفة صغيرة، وفي الأخرى باقة ورد، وعلى وجهه ابتسامة عريضة يكسوها الارتباك. ارتجفت أنفاسها بخجلٍ باغتها، وهمست في دهشةٍ لم تستوعبها بعد:
"إيـه… دا؟"
فتح يونس العلبة ببطء، ليظهر فيها خاتمٌ لامع، بدا لمعانه غريباً، لكنه خطف بصرها للحظة توهّجت وجنتاها، وازداد احمرار وجهها حين قال بصوتٍ خافتٍ متردّد:
"تتجوزيني يا نرجس؟"
تعثّرت الكلمات على شفتيها، فرفعت كفيها تغطي بهما وجهها وقالت بخجل يخالطه ارتباك:
"أنا… مش مستوعبة اللي بيحصل."
قال بلهفة :
"طب ردّي… تتجوزيني ولا لا؟"
تنفست بعمق ثم تمتمت بخفوت:
"ممم… موافقة."
هتف بحرارة انتصار:
"هيييي!"
ضحكت من ردّة فعله الطفولية، بينما وقف هو بسرعة وأخرج الخاتم ليضعه في إصبعها… لكن ابتسامتها تلاشت فجأة. كان الخاتم رديء المعدن، لا يكاد يبدو حتى من الفِضّة، حدّقت فيه بدهشة، وقالت بارتباك:
"الخاتم… ده؟"
ابتسم يونس ببرودٍ غريب، وقال بنبرة خالية من أي شعور:
"ماله؟ مش عاجبِك؟… ما هو على قدّ قيمتك."
عقدت حاجبيها، وتردّد في صوتها استنكارٌ واضح وهي تكرر:
"قيمتي؟! مش فاهمة؟"
وقبل أن يجيب، خرجت ماريان من خلف المبنى بابتسامة واسعة كمن انتصر للتو، تتقدّمها زميلاتها اللواتي يمشين دائمًا خلفها كظل، يحملن هواتفهنّ ويوجّهن عدساتها نحو المشهد، وهنّ يضحكن بسخرية مرتفعة.
اتّسعت حدقتا نرجس، وارتجفت أصابعها وهي تنظر إلى يونس بتوتّرٍ ممتزج بالاستفهام… تنتظر منه تفسيرًا واحدًا فقط، فيما كان هو يشيح بوجهه كمن انكشف قناعه أخيرًا.