رواية انتِ وحدك (سقوط الأقنعة)
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

رواية انتِ وحدك (سقوط الأقنعة)

جاري التحميل...

سقوط الأقنعة

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

في غرفة يلفها الهدوء والسكينة، كانت ليليان تجلس بجانب فراش والدتها، تمسح على جبينها بقطعة قماش مبللة بماء الورد. كان صوتها العذب ينساب في أرجاء الغرفة وهي تقرأ ما تيسر من سورة الرحمن، تارةً تهمس وتارةً ترفع صوتها بخشوع حين وصلت لقوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}، علّ الآيات تضمد جراح الألم في جسد والدتها المنهك.


كانت والدتها مغمضة العينين، تبتسم في وهن كلما وقعت أذنها على آية من آيات الرحمة، بينما كانت ليليان لا يتوقف لسانها عن "الباقيات الصالحات"، تهمس بين الآية والأخرى: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، تدعو الله بيقين أن يربط على قلبها في تلك الأيام الثقيلة التي تشعر فيها بضيقٍ لم تعهده من قبل.


قطع هذا الصفو رنين جرس الباب المتواصل، رنينٌ فيه من العجرفة ما جعل ليليان تنقبض. استعاذت بالله من الشيطان الرجيم، وخرجت من الغرفة لتجد والدها محمود يستعد لفتح الباب، بينما كريم يرتدي قميصه بلهفة ويقول: "ده أكيد طارق وأهله يا بابا، هو كلمني من شوية وقال إنهم جايين يطمنوا علي ماما"


دلف "صلاح" والد طارق بصوته الصاخب، وخلفه "نرجس" التي كانت تمسح المكان بنظرات فاحصة ناقدة، وأخيراً دخل "طارق" يحمل أكياساً فخمة من الفاكهة، يوزع الابتسامات بزهوٍ وكأنه يمنّ عليهم بزيارته، رغم أنه بالأمس فقط كان يزفر ضيقاً من "تعطيل" مرض حماته لخططه.


صلاح بحفاوة مفتعلة: "ألف سلامة على الغالية يا حاج محمود.. البيت مطفي من غيرها والله، طارق حكالي إنها تعبت فجأة والحمد لله إن الدكتور اللي رحتوله طمنكم"


نرجس وهي تجلس وتعدل من وضع طرحتها الحريرية: "والله يا حاج محمود طارق كان متمسك جداً يجي، رغم إننا كنا عند مهندس الديكور بنختار رخام المطبخ، إنت عارف طارق مابيقبلش بأي حاجة، لازم الغالي للغالي"


تقدمت ليليان بوقارها المعهود، رحبت بهم بكلمات مقتضبة وعينين لا تفارقان الأرض، ولسانها يلهج بالاستغفار: "أستغفر الله العظيم من كل ذنبٍ وأتوب إليه"، تحاول جاهدة ألا تظهر ضيقها. حاولت الجلوس بجانب والدها، لكن طارق تعمد الجلوس في المقعد المقابل لها تماماً، وعيناه تلاحقانها بنظراتٍ تفتقر للمروءة.


طارق بنبرة مستفزة: "إيه يا ميس ليليان؟ مفيش كلمة شكر لخطيبك إنه ساب شغله وجيه يطمن؟ ولا لسه 'القمصة' بتاعة موضوع السجاير اللي حصلت الزيارة اللي فاتت شغالة؟"


نظرت ليليان لوالدها محمود، فوجدته يبتسم لطارق بضعف ويقول: "معلش يا بني، هي بس قلقانة على والدتها، كتر خيرك يا طارق إنك كنت معاها امبارح" أما كريم، فكان شاكرا له لمساعدتهم اثناء عدم تواجده هو ووالده، فقال بلهفة: "فعلاً يا طارق، إنت أصيل وشهم.. يا ليليان فكيها شوية، طارق بقى مننا وعلينا"


شعرت ليليان بضيق يطبق على أنفاسها، خاصة حين بدأ طارق يتجاوز حدود الأدب في الكلام، محاولاً إظهار ملكيته لها أمام الأهل.


طارق بتبجح: "بقولك يا حاج محمود، أنا شايف إن ليليان تآخد إجازة من السنتر ده بقى، مش حمل تعب هي، وفلوس الدروس دي أنا أدفع لها ضعفها بس تفضي نفسها ليّ ولتجهيز البيت"


ليليان بحدة وقار: "الشغل أمانة يا طارق، والطلبة اللي برقبتي أهم عندي من الماديات.. وبعدين أنا مخدتش رأي حد في مستقبلي المهني"


احتقن وجه طارق، وحاول أن يلطف الموقف بحركة جريئة، فمد يده ليضعها على كتف ليليان وهو يضحك: "خلاص يا ستي متبقيش قفوشة كدة، إحنا خايفين عليكي بس" انتفضت ليليان من مكانها وكأن صاعقة أصابتها، وابتعدت خطوات للخلف وهي ترتجف من الغضب الصامت وتتمتم: "حسبي الله ونعم الوكيل"، ثم تابعت بصوت مسموع: "لو سمحت يا طارق.. الحدود اللي اتفقنا عليها من أول يوم يا ريت تحترمها، خصوصاً قدام بابا"


ساد صمتٌ محرج، فنظر محمود لليليان بعتاب خفيف، لكن نرجس والدة طارق لم تصمت: "جرى إيه يا ليليان؟ ده خطيبك وهيبقى جوزك، إنتي ليه مكبرة الموضوع كدة ومخليانا أغراب؟"


خرج طارق وأهله والجو مشحون بالتوتر، وبقي محمود ينظر لابنته بحيرة، بينما لامها كريم بشدة: "إنتي بتصغرينا قدام الناس ليه؟ طارق شارينا وبكره يتعدل، بلاش التشدد ده!"


---


بمجرد أن أُغلق الباب، دخلت ليليان غرفتها وانهارت في البكاء، لم تكن تبكي ضعفاً، بل كانت تبكي غربة روحها وسط أهلها. توضأت لتطفيء نار غضبها، ثم أمسكت بالهاتف واتصلت بصديقتها مروة.


ليليان بشهقات مكتومة: "مروة.. أنا بموت في اليوم ألف مرة. طارق كداب، وبيتجاوز حدوده، وبابا وكريم مش شايفين غير إنه 'لقطة' وماديته كويسة. أنا خايفة يا مروة، خايفة أكون بظلم نفسي بجد لو كملت مع إنسان مابيحترمش حدود ربنا"


مروة بصوتٍ حكيم يفيض بالهدوء: "يا حبيبتي يا ليليان، اهدي واستعيذي بالله. ربنا بيقول في كتابه الكريم: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}. اللي إنتي فيه ده اختبار لصدق يقينك. النفور اللي في قلبك ده مش من فراغ، ده 'بصيرة' ربنا بيديها لك عشان تشوفي الحقيقة قبل ما يتقفل عليكي باب"


ليليان: "أعمل إيه؟ بابا تعبان ومش عايزة أكسر بخاطره، بس طارق كل يوم بيثبت لي إنه مش هو السكن اللي كنت بحلم بيه"


مروة بقوة: "السكن لا يُبنى على كذب وتجاوز يا ليليان. اصبري واستمري في استخارتك، وافتكري قوله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. قولي: 'اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه'.. وما تخافيش، اللي بدأ معاكي بالاستخارة هيخلصها ليكي بالخير"


مسحت ليليان دموعها واستغفرت، وشعرت ببرد السكينة يتسلل لقلبها، وهي تنظر للسماء وتهمس: "يا رب.. دبر لي فإني لا أحسن التدبير، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين"


---


كان أدهم في غرفته التي باتت مأوي لأفكاره المتلاطمة، يجلس خلف مكتبه، واضعاً رأسه بين كفيه. المصحف مفتوحٌ أمامه، وسبحته في يده، لكن عقله كان في مكانٍ آخر.. كان هناك، في العيادة، يعيد مشهد نفور ليليان من طارق، ويسترجع كلمات طارق "المسمومة" عن المال.


تنهد بعمق وهمس بصوتٍ خفيض: "يا رب.. إن كان في كشف حقيقته نجاة لها، فيسّر لي السبيل بغير بأس، وإن كان في صمتي سخطك، فلا تكلني لنفسي"


قطع خلوته طرقات رقيقة وهادئة على الباب، عرفها فوراً.. إنها طرقات والدته "الحاجة فاطمة". مسح وجهه سريعاً، وحاول رسم ابتسامة باهتة وهو يقول: "اتفضلي يا ست الكل، الباب مفتوح"


دخلت الأم ووجهها يفيض بالحنان والقلق، جلست بجانبه على طرف الفراش وتأملت وجهه الشاحب:


الأم: "مالك يا حبيبي؟ بقالك كذا يوم مش على بعضك، لا بتقعد معانا ولا بتهزر مع سلمى زي عوايدك، حتى رانيا اختك بتكلمني وبتقولي 'أدهم ماله يا ماما؟ كل ما أرن عليه يقفل ويقولي ورايا عمليات'.. فيك إيه يا أدهم؟ حد من المرضى حالته صعبة وشاغل بالك؟"


اقترب أدهم من والدته وقبّل يدها، محاولاً طمأنتها:


أدهم: "والله يا أمي هو فعلاً ضغط الشغل، الحالات الفترة دي كتير، والمسؤولية كبيرة.. إنتي عارفة روح الناس أمانة في رقبتنا، وده اللي مخليني مشدود شوية"


الأم بنظرة ثاقبة لا تخطئها عين أم: "الشغل إحنا عارفينه يا أدهم، ومجربين ضغطه.. بس النظرة اللي في عينك دي مش نظرة تعب شغل، دي نظرة حيرة. يا بني، النبي ﷺ قال: 'استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك'.. لو فيه حاجة وجعاك أو قرار محيرك، ارمِ حمولك على اللي خلقه"


صمت أدهم طويلاً، كاد أن يبوح بكل شيء، لكنه خشي أن يحملها هماً لا يد لها فيه. اكتفى بابتسامة خفيفة وقال:


أدهم: "دعواتك يا أمي.. هي اللي بتعدي الصعب. أنا فعلاً محتاج دعواتك إن ربنا يبصرني بالحق ويثبتني عليه"


الأم وهي تربت على كتفه: "ربنا يقر عينك بما تحب يا حبيبي، ويصرف عنك السوء. قوم يا أدهم، توضأ وصلي ركعتين في جوف الليل، فالله ينزل إلى السماء الدنيا في هذا الوقت ويقول: 'هل من داعٍ فأستجيب له؟'.. اطلب منه وهو مش هيخذلك"


خرجت الأم، وبقي أدهم وحده مع صدى كلماتها. قام بالفعل، توضأ ووقف في محرابه، واستحضر عظمة الخالق. وفي سجوده، انهمرت الدموع التي حبسها طوال النهار، فكان يهمس بكل كيانه: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"


شعر أدهم بعد الصلاة بسكينة غريبة بدأت تتسلل لقلبه، تذكر حديث النبي ﷺ: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً". بدأ يحرك سبحته وهو يردد بيقين: "أستغفر الله.. أستغفر الله".


كان قلبه يخبره أن الفرج قريب، وأن الله الذي أظهر له حقيقة طارق في "رؤية عين" بالعيادة، لن يتركه يتخبط في حيرته طويلاً. وضع رأسه على الوسادة وهو يقرأ أذكار النوم، وآخر ما نطق به قبل أن يغلبه النعاس كان قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}.


---


مرت ثلاثة أيام على أدهم كأنها سنين؛ لم يذق فيها طعم الراحة. كان يذهب للمستشفى بجسده، أما عقله فكان معلقاً بآية: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ}. كان يسأل نفسه في كل صلاة: "هل صمتي حكمة أم جبن؟ وكيف أواجه الله غداً إن سُئلت عن أمانةٍ كتمتها؟".


وفي ليلة الجمعة، كان أدهم يغلق عيادته في وقت متأخر جداً بعد يومٍ شاق. وبينما كان يخرج من باب المبنى، لفت انتباهه صوت محرك سيارة مألوف يتوقف بحدة أمام أحد المحلات القريبة. دقق النظر، فإذا بها سيارة "طارق" ذاتها التي رآه يقودها يوم أن أحضر والدة ليليان للعيادة.


توقف أدهم في مكانه، وبدأ يراقب الموقف بصمت. ترجل طارق من السيارة، لكنه لم يكن ذلك الرجل الوقور الذي يمثل براءة الحملان؛ كان يرتدي ثياباً لا تليق بمكانته المدعاة، وبجانبه شابين تفوح منهما ملامح الاستهتار، يضحكون بصوتٍ عالٍ فيه غلظة وتجاوز.


رأى أدهم طارق وهو يخرج علبة سجائره بتبجح ويشعل واحدة، ثم يتبادل مع أصحابه كلماتٍ مريبة وضحكاتٍ خبيثة قبل أن ينطلقوا بالسيارة بسرعة جنونية نحو أطراف المدينة.


نبضات قلب أدهم تسارعت.. وجد نفسه، دون تفكير أو تخطيط، يدير محرك سيارته ويتبعهم بحذر من مسافة بعيدة. كان صراعه الداخلي يشتعل، يهمس لنفسه بيقين المهتز: "اللهم إني أعوذ بك أن أكون متجسساً، ولكنك سقتني لهذا الطريق.. اللهم اجعلني سبباً في حماية عرضٍ لا يعلم حقيقة من يطرقه، ولا تجعلني أبغي بفعلي هذا إلا وجهك"


---


توقفت سيارة طارق أمام مبنى في زقاقٍ جانبي متطرف، تنبعث منه أضواء خافتة ملونة وموسيقى صاخبة تخدش وقار الليل، ورائحة دخانٍ كثيفة وغريبة تزكم الأنوف من على بُعد. رقاب أدهم طارق وهو يترجل من السيارة، ورآه بوضوح وهو يخرج سيجارة ويشعلها بمهارة "مُدمن" لا "مبتدئ"، ثم يتبادل ضحكاتٍ ماجنة مع رفقائه قبل أن يدلفوا إلى الداخل.


ركن أدهم سيارته في زاوية معتمة، وشاهد طارق يدلف إلى ذلك المبنى المريب. لم يطاوعه قلبه أن يرحل دون يقينٍ يقطع الشك، فترجل من سيارته بخطىً ثقيلة، وقلبه يرتجف خوفاً من أن يرى ما يكره. دخل خلفهم بحذر، وبمجرد أن خطت قدماه الداخل، صُعق من هول المنظر؛ المكان يغصُّ بدخانٍ كثيف تزكم له الأنوف، وموسيقى صاخبة تزلزل الجدران، والأنوار الخافتة الملونة تكشف عن وجوهٍ غاب عنها الحياء.


استتر أدهم خلف عمودٍ عريض، ووقعت عيناه على "طارق". لم يصدق ما يراه؛ كان طارق يجلس بتبجح، وبيده كأسٌ يرتشف منه بانتشاء، بينما تجلس بجانبه فتاة بملابس تكاد لا تستر جسدها، تضحك بخلاعة وتتكئ عليه في وضعٍ مُخزٍ لا يقبله دينٌ ولا مروءة.


أغمض أدهم عينيه بقوة واستغفر ربه في سره: "أستغفر الله العظيم.. اللهم إني أبرأ إليك مما يصنعون. كيف لهذا الوحل أن يلمس طُهر ليليان؟". شعر بضيقٍ شديد وكأن الهواء قد نفد من المكان، فخرج مسرعاً والاشمئزاز يملأ كيانه. بمجرد وصوله للهواء الطلق، أخرج هاتفه واتصل بحسام.


حسام (بصوت ناعس): "أهلاً يا أدهم.. خير يا صاحبي؟ بترن في وقت متأخر ليه؟"


أدهم (بصوت يرتجف من الغضب): "حسام.. أنا ورا طارق! شفته بالصدفة وهو ماشي بعربيته وتتبعته.. أنا دلوقتي قدام مكان لا يدخله إلا الشياطين يا حسام! دخلت وراه وشفت العجب.. الراجل ده غارق في الفواحش، كؤوس وبنات ومجون، وإحنا مخدوعين فيه وهو بيمثل الوقار في العيادة وقدام أهل خطيبته!"


حسام (بصدمة): "أنت بتقول إيه يا أدهم؟ طارق بتاع الشركة؟"


أدهم: "هو بعينه! يا حسام أنا مش قادر أسكت، ليليان دي إنسانة تقية، حافظة لكتاب الله، مستحيل أسيبها تضيع وتتخدع بشخص قذر زي ده.. ده مفسد يا حسام، والسكوت عليه جريمة!"


حسام (بهدوء المخطط): "اثبت مكانك يا أدهم. لو تدخلت أنت وواجهته، هيقلب الترابيزة عليك وهيقول إنك بتراقبه عشان عايز تخطف خطيبته، وهتبان أنت المخرب. إحنا لازم نجر رجل أهلها يشوفوا الحقيقة بعينهم.. معاك رقم والدها؟"


أدهم (مسترجعاً ذاكرته): "أيوة.. ليليان كتبت رقم والدها 'محمود' في خانة الطوارئ لما كانت بتكشف على والدتها في العيادة، والرقم متسيف عندي في ملف الحالة على السيستم وكنت مسجله للطوارئ"


حسام: "تمام جداً.. ابعتهولي حالاً. أنا هخلي حد من طرفي يكلمه بصوت مش مألوف، ويقوله بصيغة 'فاعل خير' إن طارق خطيب بنتك ممسوك في مشكلة كبيرة في العنوان ده.. الأب هينزل بدم حامي، وهناك هيشوف القذارة دي بعينه، وأنت تفضل بعيد، شاهد صامت وبريء من أي تهمة" 


---


في منزل ليليان، كان الهدوء يلف الأركان، ومحمود يجلس على سجادة صلاته يختم يومه بالاستغفار، ولسانه يلهج بـ "أستغفر الله العظيم واتوب إليه". فجأة، اهتز هاتفه برقم مجهول. أجاب بصوت خفيض، لتأتيه كلمات "فاعل الخير" كالصاعقة: "يا حاج محمود، لو يهمك طارق خطيب بنتك، هو في مكان (....) واقع في مشكلة كبيرة ومش معاه حد ، الحقه بسرعة"


سقط الهاتف من يد محمود، وشحب وجهه كالموت. استعاذ بالله من الشيطان وهو يهمس بقلبٍ مرتجف: "يا ستار يا رب.. اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك" قام بوهن، وحاول ألا يثير انتباه زوجته أو ليليان، فتوجه لغرفة كريم وأيقظه بلمسة مرتبكة: "كريم.. البس بسرعة وحصلني، في مصيبة تخص طارق ولازم نتحرك حالاً"


انطلقت السيارة بـ "كريم" الذي كان يقود بسرعة جنونية وهو يردد: "إن شاء الله خير يا بابا، يمكن حادثة بسيطة" لكن بمجرد وصولهم للعنوان، ورؤية سيارة طارق مركونة أمام ذلك المكان المشبوه، انقبض قلب محمود.


دلفا إلى الداخل، فاستقبلتهما رائحة الدخان والمجون التي تزكم الأنوف. تجمد محمود في مكانه، ووقعت عيناه على "طارق"؛ كان غائباً عن الوعي من أثر السكر، وبجانبه فتاة لا يستر جسدها شيء، تضحك بخلاعة وتتكئ على صدره.


محمود بذهول : "طارق؟! يا خيبة أملي فيك يا بني.. حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل"


كريم (بصدمة تحولت لبركان غضب): "طارق؟!" اندفع كريم كالإعصار، جذب طارق من قميصه وهزه بعنف لدرجة أن الكأس سقط وتهشم.


كريم بصراخ هز المكان: "يا واطي! يا غشاش! إحنا اؤتمنّاك على عرضنا وفتحنا لك باب بيتنا؟ كنت بتدخل وسطنا وعامل فيها الشريف المتربي، وأنت غرقان في القذارة دي؟"


طارق (بصوت ثقيل وهذيان سكران): "إيه ده.. كريم؟ إنت جيت يا كيمو؟ اهدى بس.. دي.. دي 'زيزي' صاحبتي.. فكك من الجو ده واقعد اشرب.. إنت لسه شفت حاجة؟"


ضحك طارق ببلادة وهو يحاول العودة لحضن الفتاة، فما كان من كريم إلا أن صفعه صفعة قوية دوت في المكان وهو يصرخ فيه بآية: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.


---


تراجع محمود للخلف، ويده تقبض على قميصه جهة قلبه بعنف، كان يحاول استنشاق الهواء لكن ذرات المكان الملوثة بالخطايا كانت تخنقه. همس بصوتٍ واهن: "يا رب.. يا رب سترك"، وفجأة، ارتخت أطرافه وسقط جثةً هامدة وسط ذهول الحاضرين.


في هذه اللحظة، اقتحم أدهم الزحام كالسهم، شق طريقه بقوة وصرخ في كريم الذي كان يهم بالفتك بطارق الملقى على الأرض:


أدهم بصوتٍ جهوري حازم: "سيبه يا أستاذ! والدك بيموت.. وسّع الطريق فوراً!"


التفت إليه كريم بعينين حمراوين من الغضب ، ونظر إليه بريبة وعدوانية:


كريم: "أنت مين؟ وابعد عن أبويا.. مالكش دعوة بينا!"


أدهم (بثبات الطبيب وهو يجثو على ركبتيه ويفحص نبض محمود): "أنا دكتور.. ووالدك حالته حرجة جداً، الضغط عالي وشبه جلطة، لو ما اتحركناش حالاً هيروح مننا! شيل معايا بسرعة!"


رغم شك كريم، إلا أن هيئة أدهم التي تشع وقاراً، ونبرة صوته الآمرة بالحق، جعلت كريم ينصاع له بتلقائية. حمل أدهم ومحمود الأب العجوز بمساعدة كريم، وخرجوا به من ذلك الوحل، تاركين طارق خلفهم يضحك ببلادة وهو لا يدرك أنه خسر كل شيء في لحظة واحدة.


---


في السيارة، كان كريم يقود بتهور، وصدره يعلو ويهبط من فرط الغضب والحزن، بينما أدهم في المقعد الخلفي يسند رأس محمود الذي غاب عن الوعي تماماً، يفتح أزرار قميصه ويحاول تدليك منطقة الصدر بخفة لإنعاشه، وهو يقرأ بصوتٍ خاشع يملأ أرجاء السيارة سكينة: "اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك.." ثم أتبعها بآية: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}.


نظر كريم في مرآة السيارة، وشعاع من الشك يبرق في عينيه؛ فالمكان الذي خرجوا منه لا يرتاده أمثال هذا الرجل الوقور.


كريم (بلهجة حادة): "هو حضرتك كنت بتعمل إيه هناك يا دكتور؟ المكان ده مقطوع ومحدش بيمشي فيه بالصدفة.. أنت كنت مراقبنا؟"


أدهم (بهدوء وثبات وهو يثبت رأس محمود): "ركز في الطريق يا أستاذ، حياة والدك أهم من أي سؤال دلوقتي. أنا كان عندي شغل في شركة قريبة من هنا، وطريقي للبيت بيعدي من الشارع العمومي ده.. شفت والدك وهو نازل من عربيتك، كان حاطط إيده على قلبه ومش قادر يتنفس، وشكله كان باين عليه التعب الشديد.. قلبي ما طاوعنيش أسيب راجل في سن والدي بيموت وأمشي، فدخلت وراكوا عشان ألحقه لو حصل له حاجة.. والحمد لله إني دخلت في الوقت المناسب"


سكت كريم خجلاً من ريبته، وشعر بصدق نبرة أدهم التي لم تحمل سوى القلق المهني والإنساني. صمت أدهم قليلاً ثم تابع وهو يمسح على جبين محمود:


أدهم: "استغفرالله يا أستاذ .. ربنا ليه حكمة إنه يسوقني في طريقكم النهاردة. يمكن الوجع ده هو 'الستر' الحقيقي اللي ربنا بعته عشان يكشف لكم حاجة كانت مستخبية، والحمد لله إنها جت على قد كدة"


---


وصلوا للمستشفى، وبمجرد أن توقفت السيارة، قفز أدهم منها وصاح في طاقم التمريض بلهجةٍ واثقة:


أدهم: "بسرعة.. ترولي! حالة اشتباه جلطة في القلب، الضغط انفجر.. هاتوا 'سترابتوكاينيز' وجهزوا العمليات فوراً!"


انصاع الممرضون لأوامره وكأنهم يعرفونه، ودخل مع محمود لغرفة الطوارئ بصفته طبيباً يتابع حالة عاجلة، بينما وقف كريم في الممر، ينظر ليديه اللتين ترتجفان. تذكر كلمات أدهم عن "الستر"، وتذكر كيف ظهر هذا الرجل كطوق نجاة في لحظة الغرق.


أخرج كريم هاتفه بإيادي مرتعشة، واتصل بليليان.


كريم (بصوت متقطع): "ليليان.. بابا في المستشفى.. طارق طلع بني آدم زبالة يا ليليان، طلع بيغشنا.. تعالي بسرعة يا أختي، إحنا انكسرنا أوي النهاردة"


---


في غرفة ليليان كان السكون يلف غرفتها، والظلام لا يكسره إلا ضوء خافت ينبعث من "أباجورة" صغيرة بجانب فراشها. نامت ليليان بعد يومٍ طويل من الاستغفار ومجاهدة النفس، لكن نومها كان قلقاً، كأن روحها تشعر بزلزالٍ يقترب.


فجأة، شق صمت الليل رنين هاتفها. انتفضت ليليان، قلبها يدق بعنف. نظرت للشاشة فوجدته "كريم".


ليليان بنبرة ثابتة لكنها مشوبة بالقلق: "أيوة يا كريم؟ إنتو فين؟"


كريم (بصوتٍ متحجر، فيه بحة قهر وغضب مكبوت): "ليليان.. إحنا في المستشفى. بابا تعب مننا.. طارق طلع بني آدم غشاش يا ليليان، وخدعنا كلنا. بابا شاف حقيقته بعينه ووقع من طوله.. تعالي بسرعة"


لم تسأل ليليان عن التفاصيل، فصوت كريم الذي يشبه "زئير الجريح" كان كافياً ليفهمها أن الكارثة قد وقعت. لم تبكِ، بل تجمدت ملامحها وهي تتمتم: "إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها".


هرعت إلى غرفة والدتها التي استيقظت على صوت حركتها المرتبكة.


الأم بقلق: "في إيه يا ليليان؟ أبوكي فين؟ وأخوكي مجاش ليه؟"


ليليان (وهي تحاول تماسك أعصابها بصعوبة): "ماما.. بابا تعب شوية وكريم أخده على المستشفى، لازم نلبس ونروح لهم حالاً. وحدي الله يا حبيبتي، ربنا موجود"


ارتدت ليليان ملابسها بسرعة، لفت حجابها بوقار رغم ارتعاش يديها. وانطلقت بهما في سيارة أجرة نحو المستشفى. كانت ليليان طوال الطريق تسبح في بحرٍ من الذكر: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.. يا لطيف الطف بوالدي".


اندفعت ليليان من باب المستشفى وهي تسند والدتها التي كانت مسبحتها لا تفارق يدها المرتجفة، ولسانها يلهج بكلماتٍ غير مفهومة من فرط الرعب. كانت ردهة المستشفى باردة، ورائحة المعقمات تزيد من انقباض صدر ليليان.


من بعيد، لمحت "كريم" واقفاً أمام باب الطوارئ. لم يكن يبكي، بل كان يروح ويغدو بخطواتٍ مضطربة، يده تقبض على قميصه بجمود، وعيناه تشتعلان بغضبٍ وانكسارٍ لم تره فيه من قبل.


ليليان (وهي تقترب منه بلهفة وصوتٍ متهدج): "كريم.. طمني، بابا جراله إيه؟ إيه اللي حصل يا كريم؟"


الأم (وهي تمسك بكتفه بوهن): "أبوك فين يا بني؟ انطق يا كريم.. قلبه لسه بيدق؟"


توقف كريم ونظر إليهما، وكان الفكّ مشدوداً من فرط الغيظ. حاول خفض صوته احتراماً لوجود والدته لكنه لم يستطع منع نبرة القهر:


كريم (وهو يجز على أسنانه): "جلطة في القلب يا ليليان.. بسببه، بسبب الحيوان اللي صدقناه ودخلناه بيتنا. طارق طلع بـ ١٠٠ وش، والنهاردة القناع سقط في مكان مايدخلوش راجل حر. لولا إن ربنا بعت لنا دكتور 'صدفة' شاله معايا وجابه هنا ولحقوا، كان زماننا بنواجه مصيبة تانية"


سقطت الكلمات على مسامع ليليان كالصواعق. نظرت لغرفة الطوارئ المغلقة، وشعرت برهبة اللحظة. كانت تدرك في قرارة نفسها أن الله "استجاب" لاستخارتها بطريقة قاسية لكنها عادلة، ليطهر حياتها من هذا الدنس.


فجأة، انفتح باب غرفة الطوارئ. خرج الطبيب بهدوء يكسو ملامحه الرزينة، كان ينزع قفازاته الطبية ببطء وعيناه تبحثان عن ذوي المريض. رفعت ليليان رأسها، ومع كل خطوة يخطوها الطبيب نحوهم، كانت ملامحه تتضح أكثر تحت أضواء الممر الشاحبة.


تسمرت ليليان في مكانها، وشعرت وكأن نبضها توقف للحظة. اتسعت عيناها بذهول حقيقي وهي ترى الدكتور أدهم يقف أمامها! للمرة الثالثة يتقاطع طريقهما في لحظاتٍ فاصلة.


أدهم (بصوتٍ رخيم يملؤه الثبات، متوجهاً بحديثه لكريم والأم): "اطمنوا يا جماعة.. الحاج محمود حالته بدأت تستقر. كانت جلطة في الشريان التاجي بسبب انفعال شديد، والحمد لله إننا وصلنا في الوقت المناسب ولحقناه قبل ما تأثر على عضلة القلب بشكل دايم. هو دلوقتي نايم تحت الملاحظة"


انهارت الأم على المقعد وهي تبكي وتصلي على النبي: "الحمد لله.. ألف حمد وشكر ليك يا رب. كتر خيرك يا ابني، ربنا يبارك فيك ويطمن قلبك زي ما طمنتنا"


أما ليليان، فكانت في حالة من التخبط الذهني والامتنان العميق. تقدمت خطوة ونظرت لأدهم، الذي بادلها نظرة مهنية هادئة لا توحي بأي سابق معرفة بتفاصيل ما جرى.


ليليان (بصوتٍ خفيض يملؤه الذهول): "دكتور أدهم.. للمرة التالتة حضرتك بتظهر في حياتنا في أصعب اللحظات. أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي على اللي عملته مع بابا، لولا وجود حضرتك كان..."


أدهم (مقاطعاً بوقار وأدب): "لا شكر على واجب يا آنسة ليليان، ده توفيق من ربنا وقدره، أنا مجرد سبب. المهم دلوقتي إن الحاج يرتاح تماماً، وممنوع عنه أي انفعال"


نظر كريم لأخته باستغراب شديد، وعقد حاجبيه متسائلاً:


كريم: "إيه ده؟ إنتي تعرفي الدكتور يا ليليان؟"


ليليان (وهي تحاول استجماع شتات نفسها): "ده الدكتور أدهم يا كريم.. اللي كشف على ماما في العيادة يومها. سبحان الله، إنه هو اللي يكون موجود في المكان ده بالصدفة وينقذ بابا"


أومأ كريم برأسه بتقديرٍ كبير، بينما استأذن أدهم للعودة لمتابعة الحالة، تاركاً إياهم أمام باب الغرفة. جلس كريم بجانب والدته، وعيناه تملؤهما الحسرة، بينما وقفت ليليان بعيداً قليلاً، تسند رأسها على الحائط البارد، تفكر في تدبير الله الذي كشف لها الحقيقة وساق لها "المنقذ" في ليلةٍ واحدة.
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.