فصل الطريق الذي عدنا فيه معاً: رواية أنتِ الأمان
الطريق الذي عدنا فيه معاً
.........
بعض المواقف تمر في حياتنا بسرعة… لكنها تترك أثراً عميقاً لا يمحوه الزمن.
كان ذلك اليوم طويلاً ومتعباً. خرجنا من الدرس متأخرين جداً، وكان الليل قد بدأ يفرض هدوءه على الشوارع. الأضواء الصفراء للمصابيح كانت تنعكس على الطريق، والهواء أصبح أبرد قليلاً من المعتاد.
وصلنا إلى الموقف أخيراً.
كنت أعرف أن الطريق إلى بيتي ليس سهلاً. كان بعيداً… حوالي ساعتين من المواصلات، وأحياناً أكثر إذا كان الزحام شديداً.
نظرت حولي في الموقف.
لم يكن هناك الكثير من السيارات، ومعظم الميكروباصات كانت تذهب إلى مناطق أخرى… من بينها المنطقة التي تسكن فيها مريم.
أما منطقتي… فلم يكن هناك شيء يذهب إليها.
وقفت قليلاً وأنا أفكر ماذا أفعل.
وفجأة ظهر ميكروباص يمكن أن يقربني قليلاً من بيتي. ركضت نحوه بسرعة، لكنني وصلت متأخرة.
تحرك الميكروباص قبل أن أستطيع اللحاق به.
تنهدت بخفة وعدت إلى الموقف مرة أخرى.
في تلك اللحظة كانت صديقات مريم قد ركبن في أحد الميكروباصات المتجهة إلى منطقتهم، وبقينا نحن الاثنتين فقط.
نظرت إليها وقلت بهدوء:
"اركبي انتي… شكلي كده مش هلاقي حاجة."
كنت أحاول أن أبدو طبيعية، لكنني كنت أعرف أن الطريق سيكون طويلاً إذا بقيت وحدي.
لكن مريم هزت رأسها فوراً.
"مش هسيبك."
قلت لها وأنا أحاول إقناعها:
"مريم اركبي… الطريق بعيد."
لكنها نظرت إليّ نظرة هادئة وقالت جملة لم أنسها أبداً:
"جينا سوا… هنرجع سوا."
كانت الجملة بسيطة جداً… لكنها كانت صادقة لدرجة جعلتني أصمت.
مر الوقت ببطء ونحن واقفتان في الموقف. السيارات تمر من أمامنا، والناس يعودون إلى بيوتهم، ونحن ما زلنا ننتظر.
بعد فترة وصل ميكروباص أخيراً.
صعدنا إليه بسرعة قبل أن يمتلئ.
لكن عندما دخلنا هي ركبت وأنا وجدت أن المقعد الفارغ الوحيد بجوار مجموعة من الشباب.
ترددت للحظة.
كنت أعرف أنني لا أستطيع الجلوس هناك.
فنزلت من الميكروباص مرة أخرى.
نظرت إلى مريم وقلت بسرعة:
"خليكي وروحي انتي… متستنيش معايا."
كنت أعتقد أنها ستبقى في الداخل هذه المرة.
لكنها لم تتردد حتى لثانية.
نزلت هي أيضاً.
وقفت بجانبي مرة أخرى وكأن الأمر طبيعي تماماً.
نظرت إليها بدهشة.
"انتي نزلتي ليه؟"
ابتسمت وقالت ببساطة:
"قولتلك… مش هسيبك."
في تلك اللحظة شعرت بشيء غريب في صدري.
كان مزيجاً من الامتنان والدهشة… وربما شيء يشبه الحب الأخوي الذي كنت أفتقده طوال حياتي.
بقينا واقفتين مرة أخرى… ننتظر.
حتى جاء ميكروباص آخر.
هذه المرة كان هناك مقعدان فارغان.
جلسنا بجانب بعضنا، وبدأ الميكروباص يتحرك في الطريق الطويل.
لم نتحدث كثيراً في تلك الرحلة.
لكنني كنت أنظر من النافذة وأفكر في شيء واحد فقط:
كم هو نادر أن تجد شخصاً يرفض أن يتركك وحدك… حتى في أبسط المواقف.
---
الهدية التي حملت قلبي
كان يوم ظهور نتيجة الصف الاول الثانوي من أكثر الأيام توتراً في حياتنا.
القلق كان يملأ المكان، والطلاب يتحدثون بصوت مرتفع، والكل ينتظر تلك اللحظة
عندما ظهرت النتيجة…
كان الخبر واضحاً.
مريم حصلت على مجموع مرتفع جداً… وكانت من الأوائل.
أما أنا…
فلم تكن نتيجتي كما كنت أتمنى.
كانت أقل بكثير مما توقعت.
لكن الغريب أنني لم أشعر بالحزن بقدر ما شعرت بالفرح لها.
عندما التقيت بها، كانت عيناها مليئتين بالقلق أكثر من الفرح.
قالت لي فوراً:
"انتي ازاي تجيبي كده؟ دي مش درجتك."
ابتسمت وقلت لها:
"عادي… كل واحد بياخد نصيبه."
ثم احتضنتها وقلت ضاحكة:
"مبروك يا دكتورة."
كنت قد وعدتها قبل ذلك بشيء.
قلت لها يوماً:
"لو طلعتي من الأوائل… هجبلك هدية
لكن عندما ذكرتها بذلك، قالت بسرعة:
"لا متجيبيش حاجة."
لم تكن تريد أن أتكلف من أجلها.
لكنني كنت قد قررت بالفعل.
بدأت أفكر أياماً طويلة…
ماذا يمكن أن أهدي شخصاً يعني لي كل هذا؟
لم تكن لدي أموال كثيرة، لكنني كنت أريد أن تكون الهدية مميزة.
شيء يحمل معنى… وليس مجرد شيء جميل.
بعد تفكير طويل وجدت ما أبحث عنه.
اشتريت لها مصحفاً صغيراً… لتستطيع أن تحمله معها أينما ذهبت.
واشتريت سبحة مميزة فيها زر صغير يضيء في الظلام حتى تستطيع معرفة الرقم الذي وصلت إليه.
ثم اشتريت قلماً محفوراً عليه اسمها…
ومكتوب عليه:
Dr / Mariam
لأنني كنت أؤمن أنها ستصل يوماً إلى ذلك اللقب.
أما علبة القلم فكان مكتوباً عليها:
"إلى صديقتي التي لا مثيل لها…
دمتي لي شيئاً لا ينتهي."
غلفت الهدايا بعناية شديدة.
لكن قلبي كان مليئاً بالخوف.
ماذا لو لم تعجبها؟
كان ذلك أول مرة في حياتي أشتري هدية لشخص بهذه الأهمية.
---
في اليوم الذي قررت أن أعطيها الهدية فيه…
كنت متوترة جداً.
لكن إحدى صديقاتي قالت لي:
"انتي خايفة من إيه؟ روحي اديهالها."
اقتربت من مريم.
كانت تقف وسط صديقاتها.
ناديتها وقلت:
"مريم… تعالي عاوزة أقولك حاجة."
بدأت صديقاتها يسألن:
"في إيه؟"
قلت بسرعة:
"مفيش حاجة."
أخذتها بعيداً قليلاً عنهم.
كان قلبي يدق بسرعة.
أخرجت الهدية من حقيبتي ومددتها لها.
قلت بصوت هادئ:
"أنا جبتلك دول… عشان أنا بخاف عليكي. خليهُم دايماً معاكي."
نظرت إلى الهدية…
ثم إليّ.
فتحت العلبة ببطء.
وفي اللحظة التالية…
احتضنتني بقوة.
كانت فرحتها أكبر بكثير مما توقعت.
ظلت تعانقني طويلاً وهي تقول:
"دي أحلى هدية جاتلي."
في تلك اللحظة شعرت أن كل الخوف الذي كان في قلبي اختفى.
أدركت أن قيمة الهدية لم تكن في الأشياء نفسها…
بل في المشاعر التي حملتها معها.
كانت مجرد أشياء بسيطة…
لكنها حملت شيئاً أكبر بكثير.
حملت جزءاً من قلبي.