فصل طعم النجاة - خارج حدود الفترة
طعم النجاة
.........
"يُقالُ إنَّ البيوتَ التي تُبنى على الصمتِ تنهارُ بصراخِ الحقيقةِ المتأخرة؛ فالموتى لا يرحلونَ تماماً، بل يتركونَ خلفهم ثقوباً في الجدرانِ ليتسللَ منها البردُ إلى قلوبِ الأحياء.. ومَن يظنُّ أنهُ نجا من الفخ، قد يكتشفُ أنهُ صارَ هو الطُّعمَ الجديد."
استقرَّ الحجرُ عند قدمِ إسماعيل بجمودٍ كأنهُ نذيرٌ خَرَس. لم يصرخ ولم يرتعب، بل انحنى بآليةٍ مُرعبةٍ والتقطهُ، بينما كانت أنفاسُ مريم تضيقُ وكأنَّ الصالةَ قد أُفرغت من هوائها فجأة.
في تلك اللحظة، ظهرت مها عند زاويةِ الرواق؛ لم تكن تبدو كمن استيقظت لتوّها، بل كانت وقفتُها المائلةُ وتحديقُها الغائرُ يوحيانِ بأنها كانت تنتظرُ هذا الارتطامَ منذ دهر. نظرت إلى الحجرِ في يدِ والدها، ثم إلى شحوبِ مريم، وقالت بنبرةٍ باردةٍ خاليةٍ من أيِّ انفعال، كأنها تُلقي حُكماً بالإعدام:
"هل بدأَ الثمنُ يرتفعُ يا أبي؟ أم أنَّ هذا الحجرَ ليس إلا (عربونِ) زواجِ مريم؟"
تسمرت مريم في مكانها، لم تدافع ولم تبرر، بل صوّبت نحو مها نظرةً حادةً كالنصل؛ صمتاً يضجُّ بالوعيدِ ويُطالبُها بخنقِ الكلماتِ قبل أن تنتحرَ الأسرارُ علانيةً. أما مرام، فقد انكمشت على نفسها في الزاويةِ تراقبُ هذا التراشقَ الصامتَ بذعرٍ، وكأنها أدركت أنَّ الخديعةَ التي نالت من بيتها ليست إلا خيطاً صغيراً في شبكةِ عنكبوتٍ تلتفُّ الآن حول أعناقِ الجميع.
أطبقَ إسماعيلُ قبضتهُ على الحجرِ حتى ابيضّت مفاصُله، ودونَ أن ينطقَ بكلمةٍ، استدارَ ودخلَ مكتبهُ وأغلقَ البابَ خلفهُ بقوةٍ هزت أركانَ الصالة، تاركاً بناته الثلاث في مواجهةِ هواءٍ مسمومٍ بالشك.. ومصيرٍ باتَ مُعلقاً على ورقةٍ لم يجرؤ أحدٌ على قراءتها بَعد.
في قلبِ المدينةِ الصاخب، داخلَ شقةٍ عاديةٍ لا توحي جدرانُها بأيِّ خطر، كانت امرأةٌ تجلسُ في سكونٍ تامّ. لم تكن تهتمُّ بضجيجِ الشوارعِ في الخارج، بل كان جُلُّ اهتمامِها منصباً على هاتفِها الذي تُقلّبُ صفحاتِهِ ببرودٍ يثيرُ الريبة، وكأنها ترقبُ فريسةً تقتربُ من فخّها.
انفجرَ سكونُ الغرفةِ حين اقتحمها رجلٌ بخطواتٍ متعثرة، يسبقُهُ غضبٌ عارمٌ وصوتٌ متهدجٌ كأنهُ يحملُ صواعقَ السماء:
"الليلة.. ابنةُ (إسماعيل) تَمَّ عقدُ قرانِها!"
لم ترفَّ لها جفنة، ولم ترفع بصرَها عن الشاشة، وكأنَّ النبأَ الذي زلزلَ كيانَهُ ليس سوى خبرٍ تافهٍ لا يستحقُّ الالتفات. استشاطَ الرجلُ غيظاً من صمتِها الجليدي، فاندفعَ ونزعَ الهاتفَ من يدِها عُنوةً وصاحَ في وجهِها:
"ألا تسمعين؟ لقد تمت الزيجةُ رغم أنفنا!"
هنا، أسندت ظهرَها إلى الخلفِ بكلِّ هدوء، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ باهتةٌ يملؤها الاستخفاف، ثم أجابتهُ بصوتٍ رخيمٍ ومستفز:
"أينَ المشكلة؟"
جحظت عيناه، واقتربَ منها وهو يرتجفُ حنقاً من برودِها القاتل:
"ألا تشعرينَ بالمرارة؟"
رفعت بصرَها إليهِ أخيراً، وكانت عيناها حادتينِ كشفرةِ نصلٍ قديم، تسكنُهما ثقةٌ مطلقةٌ جعلت إبراهيم يتراجعُ خطوةً للوراء، ثم تخلت عن رصانتِها لترمي بكلماتها كوقعِ الرصاص:
"أنا قُلت والله ما يحصل إلا الأنا عايزاه؛ عزيزة قالت يا إبراهيم.. وأنت عارف كلام عزيزة زي السيف، مش بتخلفه!"
خمدت ثورةُ غضبهِ فجأةً، وكأنَّ نارَهُ قد استهلكت حطبَها، ليحلَّ محلَّها انكسارٌ مريرٌ فاضت به عيناه. سادَ صمتٌ ثقيلٌ لثوانٍ، قبل أن يهمسَ بنبرةٍ متهدجةٍ يمزقُها الخذلان:
"لكن لماذا؟ أنا أخوه.. شقيقهُ الذي لم يجد له مكاناً في فرحِ ابنته! لماذا بترَ حبلَ الوصلِ بيننا وهَمَّشَ وجودي في ليلةٍ كهذه؟"
لم تهتزَّ شعرةٌ في وجهها، ولم تتغير ملامحُها الجليديةُ، بل أجابتهُ ببرودٍ يقطرُ قسوةً وهي لا تزالُ تُشيحُ بنظرها عن انكساره:
"بلى.. لقد طرقَ بابَ هاتفك، ومدَّ حبلَ وصاله، ولكنني أنا مَن قطعتُ الطريقَ عليه.. وأنا مَن وأدتُ الخبرَ قبل أن يصلَ إلى مسامعك."
شحبَ وجهُ إبراهيم حتى امتقع، وارتسمت عليهِ ملامحُ الذهولِ كمن تلقى طعنةً من حليف. حاولَ استردادَ أنفاسِهِ المنهكة، وتمتمَ بكلماتٍ لم يكتملْ مَخاضُها:
"ولكن.. لماذا؟ أنا كنتُ أنتظرُ.."
قاطعتهُ وهي تنهضُ من مقعدِها بخُيلاءٍ وجبروت، كأنها تضعُ نقطةً أخيرةً في سطرٍ من دم، وقالت بصوتٍ حاسمٍ ينهي الجدل:
"لا تُهدر دمعكَ على أطلالِ الحزن.. فمعَ أولِ خيطٍ للفجر، سنكونُ أولَ الطارقينَ لبابه؛ لا لنعاتب، بل لنُباركَ لهم.."
سحبت عزيزة الهاتفَ من يدِ إبراهيم بآليةٍ باردة، ودون أن تمنحَهُ نظرةً واحدة، استدارت ومضت نحو غرفتها بخطواتٍ توحي بالثبات، لكنَّ عينيها كانت تخبئانِ خلفَ بريقِهما القاسي شيئاً يشبهُ الارتجاف.
أغلقت البابَ خلفَها، واستسلمت لسكونِ الغرفةِ الذي لم يكسرهُ سوى اهتزازِ الهاتفِ في كفّها. كانت رسالةً من "الطرفِ الآخر"، كلماتُها وقعت عليها كوقعِ النصل:
"كان من المفترضِ أن أكونَ أنا العريس.. لولاكِ أنتِ!" تلك الكلماتُ لم تكن مجردَ عتاب، بل كانت صرخةً مكتومةً هزت أركانَ كبريائها. ارتجفت أصابعُها وهي تحاولُ صياغةَ ردٍّ يرممُ الصدع، فبدأت تكتبُ بقلبٍ يملؤهُ التردد:
"لكنني.. لم أرد سوى مصلحتـ.." وقبل أن تُكملَ الكلمة، قاطعها وميضُ رسالةٍ أخرى من الطرفِ ذاته، وكأنه يقرأُ أفكارها خلفَ الشاشات:
"أعرفُ تبريركِ جيداً قبل أن تفرغي منه، ولن أقبلهُ هذه المرة." غامت عيناها بطبقةٍ من الحزنِ والأسى، وهي مشاعرُ لم يعتد أحدٌ رؤيتها في وجهِ "عزيزة". في لحظةِ ضعفٍ نادرة، وضعت كبرياءَها جانباً وضغطت على زرِّ الاتصال؛ كانت تحتاجُ لسماعِ صوته، لعلَّ نبرةَ العتابِ تلين. رنَّ الهاتفُ مرةً واحدةً.. ثم انقطعَ الخطُّ فجأة.
فصلَ المكالمةَ في وجهها، ليرسلَ بروداً آخرَ مغلفاً بتهذيبٍ قاتل، ينهي كلَّ طرقِ العودة:
"أريدُ أن أنام.. اعذريني." انتهى الجدالُ بكلمةٍ مهذبةٍ كانت أقسى من أيِّ توبيخ. وقفت عزيزةُ وسطَ غرفتها، تحدقُ في الشاشةِ المظلمة، وقد أدركت أنَّ "السيف" الذي تلوّحُ بهِ أمامَ الجميع، قد جرحَ قلبَها هي هذه المرة.
في صالةِ منزل عبد الرحمن، كان الصمتُ أثقلَ من أن تُفتتَهُ كلماتُ المباركة. اتكأ عبد الله على مقعده، وعيناهُ تلمعانِ بحدةٍ لم يفلح في مواراتِها خلفَ هدوئِه المصطنع، ثم نظرَ إلى ابنِ أخته "الوحيد" وقال بنبرةٍ قاطعة:
— "هذا ليس زواجاً يا عبد الرحمن.. إنها صفقةٌ أُبرمت تحتَ وطأةِ الحاجة."
تجمدت نظراتُ صالح وسلوى، بينما تابع عبد الله بمرارة:
— "إسماعيل على أعتابِ السجن؛ ديونهُ تسبقُ خُطاه، وأنتَ الليلةَ لم تكن عريساً في نظره، بل كنتَ طوقَ نجاةٍ لغريق. لا أقبلُ أن يُرمى ابنُ أختي الوحيد في محرقةِ أزماتِهم ليُسددَ فواتيرَ لا شأنَ له بها."
التمعت عينا سلوى بذعرٍ مكتوم، وهي تنظرُ لولدِها الذي اختصرَ لها الدنيا. أما عبد الرحمن، فظلَّ صامتاً، يواجهُ حقيقةً مرةً نغصت عليهِ صفوَ انتصاره؛ حقيقةَ أنَّ مريم التي أرادها سكَناً، قد جاءت مغلولةً بقيودِ أبيها المالية. أنهى عبد الله حديثهُ بجملةٍ وقعت كالفأس:
— "خوفي عليكَ ليس من الفقر، بل من عائلةٍ باعت ابنتَها لتشتريَ حريّةَ ربِّ دارِها."
سادَ وجومٌ ثقيلٌ بعدَ حكمِ عبد الله القاسي، وكأنَّ الكلماتِ التي ألقاها جمدت الدماءَ في العروق. تطلّعت سلوى إلى ابنها الوحيد، ثمَّ التفتت إلى أخيها بثباتٍ أدهشَ الحاضرين، وقالت بنبرةٍ رخيمةٍ حسمت الجدال:
— "لا مانعَ عندي يا عبد الله.. طالما أنَّ العروسَ هي مريم، فليكن ما يكون."
سادَ صمتٌ من نوعٍ آخر؛ صمتُ الذهول. كانت كلماتُها صكَّ غفرانٍ لكلِّ ما قد يترتبُ على هذا الزواجِ من تبعات. نظرَ إليها عبد الله بغيرِ تصديق، فكيفَ لأمٍّ تفني عمرَها في حمايةِ وحيدِها، أن تقبلَ بميثاقٍ مهددٍ بأسوارِ السجنِ وديونِ الأغراب؟ أما عبد الرحمن، فقد استمدَّ من يقينِ أمّهِ قوةً لم يجدها في منطقِ خاله، وكأنَّ اسم "مريم" بالنسبة لـ "سلوى" كان كافياً لترجيحِ كفّةِ المغامرةِ على كفّةِ السلامة.
في تلك الغرفةِ التي شهدتْ نشأةَ عبد الرحمن، كان الحوارُ يشتعلُ بصمتٍ مهيب بين جدرانِ العائلة. التفتَ صالح نحو ابنِ أخته، وفي عينيه نظرةُ لومٍ لا تخفى، وقال بنبرةٍ مستنكرة:
— "أتلقي بزمامِ أمركَ لغريبٍ لا نعرفُ قعرَه؟ لو كانت (الزهراءُ) هي المبتغى، لكانت القربى أولى بالمعروفِ وأحفظَ للود."
ابتسمَ عبد الله برضا، وكأنَّ كلماتِ صالح لمستْ هوىً في نفسه، لكنَّ عبد الرحمن قطعَ الصمتَ بصوتٍ هادئٍ كحدِّ السيف:
— "الزهراءُ أختٌ سكنتِ الروحَ يا خالي.. والروحُ لا تشتهي مَن ترعرعتْ معهم في مهدٍ واحد."
تنهدَ صالح، وبنبرةٍ تفيضُ بالمحبةِ والأسفِ قال:
— "والله يا ابنَ أختي، لو رُزقتُ بابنةٍ، لما رضيتُ لها بعلاً سواك، ولجعلتُكَ ربَّ دارِها وسيدَ أمرِها بلا تردد."
هنا، تدخلت سلوى، وصوتُها ينسابُ كقوةٍ ناعمةٍ تحسمُ الجدال:
— "لا أرتضي لقلبِ وحيدي إلا ما يُسكنُه، ولو كان في ذلك شقائي؛ فسكينةُ عبد الرحمن هي جنتي التي لا أساومُ عليها."
تحركتْ مشاعرُ عبد الرحمن، فقامَ بامتنانٍ جَمّ، وطبعَ قبلةً رقيقةً على رأسِ أمّه، فاحتضنتهُ سلوى بقوةٍ وكأنها تخبئه من عواصفِ الدنيا داخلَ ضلوعِها. قطعَ عبد الله هذا المشهدَ العاطفيَّ ليعيدَ الحوارَ إلى منطقةِ الخطر، متمتماً بمرارة:
— "لكنهُ بيتٌ مخلخلُ الأركان! ألم ترَ (نوح) كيف يبثُّ الكراهيةَ ولا يرقبُ في عمهِ إسماعيل ذمةً ولا وقاراً؟"
ثم التفتَ لصالح مذكراً بموقفٍ لم يبرحْ ذاكرتَهم:
— "أتذكرونَ ما فعلهُ (أحمد) زوج مرام؟ وكيف جرَّ عليهم اللومَ بفعله؟ إنهم عائلةٌ تتآكلُ من الداخل، مفككةٌ لا يجمعُها إلا الاسم."
رفعَ عبد الرحمن رأسَهُ من حضنِ أمه، وقال بيقينٍ لا يلين:
— "ما شأني وما يفعلهُ القوم؟ مريمُ وأبوها هما عندي الدارُ والأمان، وحسبي أنني أحبُّهم وأثقُ فيهم.. وما وراءَ ذلك، فليذرهُ الريحُ حيثُ يشاء."
ضيقَ صالحٌ عينيه، وأطلقَ ضحكةً فاترةً تحملُ في طياتِها الكثيرَ من التشكيك، ثم قال بنبرةٍ مسمومة:
— "المالُ يذهبُ ويعودُ يا عبد الرحمن، لكنَّ ما يريبني حقاً هو هذا الانقطاع. بيتٌ بلا أعمام، وبلا عُصبةٍ تشدُّ الأزر.. ألم تسأل نفسكَ لِمَ تبرأَ القومُ منهم؟ هل فتشتَ وراءَ هذا الصمت؟ نحنُ لا نشتري بضاعةً لنغضَّ الطرفَ عن عيوبِها، نحنُ نشتري (نسباً)، وأنتَ وضعتَ يدكَ في يدِ رجلٍ غامضٍ لا تلتفُّ حولَهُ شجرتُه."
هزَّ عبد الله رأسه موافقاً، وأضاف بلؤمٍ هادئ:
— "صدقَ صالح.. الغريبُ يظلُّ غريباً حتى يكشفَ الغطاءُ عن وجهِه. أنتَ تدخلُ بيتاً بلا سقف، وتناسبُ قوماً لا يُعرفُ لهم أولٌ من آخِر.. فبأيِّ منطقٍ أهملتَ السؤالَ عن أصلِ هذا الشتات؟"
هنا، انتفضَ عبد الرحمن، ورمقَهما بنظرةٍ حادةٍ جمدتِ الكلماتِ في أفواهِهما، وقال بصوتٍ يملؤه اليقين:
— "لم أسأل، ولن أسأل.. جئتُ لأقتنصَ مريم من لُجَّةِ أحزانِهم، ولا شأنَ لي بشجرةٍ لا أعرفُ جذورَها. يكفيني أنَّ يحيى غادرهم، وأنني سأكونُ لها الأخَ والزوج."
انقضى السمرُ المرُّ، وغادرَ الخالانِ الدارَ وفي صدورهما غصةٌ من عنادِ ابنِ أختهما، بينما آوت سلوى إلى فراشِها تلهجُ بالدعاء لصغيرِها بأن يكفيَهُ اللهُ شرَّ ما استتر. أما عبد الرحمن، فقد استسلمَ لساعاتٍ قلائل من نومٍ مضطرب، لم يقطعْ لُجَّتَهُ سوى خيوطِ الفجرِ الأولى التي تسللت ببرودٍ يبعثُ على الريبة.
لم يكد الصباحُ يتنفس، حتى قُرعَ البابُ طلقاتٍ متلاحقة، حازمة، لا تشبهُ حياءَ المهنئين ولا وقارَ الزوار. انتفضَ عبد الرحمن من مضجعه، وخرجت سلوى من غرفتها تلفُّ شالَها حولَ كتفيها بتوجسٍ فِطريّ. فتحَ عبد الرحمن الباب، ليجدَ أمامَهُ مشهداً لم تألفهُ عيناه؛ رجلاً ستينياً يرتدي انكساراً جلياً خلفَ ثيابِه المهندمة، وبجانبهِ امرأةٌ يفيضُ وجهُها بجبروتٍ عاتٍ، وترمقُ جدرانَ المنزلِ بعينينِ فاحصتينِ كأنها تجردُ محتوياتِه في طرفةِ عين.
كان هذا إبراهيم.. وتلك هي عزيزة.
سادَ صمتٌ واجم، قطعهُ صوتُ عزيزة الذي جاءَ حاداً كنصلِ مِدية، وهي تقتحمُ رِحابَ الدارِ بلا استئذان:
— "مباركٌ يا عريس.. جئنا لنقومَ بالواجبِ الذي قصرَ فيهِ إسماعيل ليلةَ أمس. أنا عزيزة، وهذا زوجي إبراهيم، عمُّ العروس.. والسندُ الذي لا يميل."
تسمرَ عبد الرحمن في مكانه، والتفتت سلوى ترمقُ المرأةَ بحذرٍ بليغ. لم يكن عبد الرحمن يعرفُ ملامحَ إبراهيم، لكنَّ نبرةَ "عزيزة" استحضرت في ذهنهِ على الفورِ نذيرَ خالهِ بالأمسِ عن "الشتاتِ والأصل". التفتت عزيزة نحو إبراهيم، وقالت ببرودٍ يجمّدُ الأوصال:
— "أرأيتَ يا إبراهيم؟ لولا أنني أدركتُ مصلحةَ هذا الشاب، لظلَّ يحسبُ أنَّ زوجتَهُ نبتةٌ مقطوعةٌ من شجرة. نحنُ الأصلُ يا عبد الرحمن، ونحنُ مَن جئنا لنضعَ النقاطَ فوقَ الحروفِ قبلَ أن تغرقَ في لُجَّةِ ديونِ صهرِك."
هنا، تقدمَ إبراهيمُ خُطوةً متلعثمة، وعيناهُ تزيغانِ حياءً من عبد الرحمن، بينما لزمَ العريسُ صمتاً مهيباً، وهو يشعرُ بأنَّ "اللُّجَّة" التي أراد اقتناصَ مريم منها، قد بدأت أفواهها تبتلعهُ هو الآخر.
لم تترك سلوى لولدِها مجالاً للحيرة، بل شقَّت بياضَ الفجرِ بخطىً واثقة ووجهٍ يفيضُ سماحة، وكأنها تمتصُّ سُمَّ الكلماتِ قبل أن يسريَ في أركانِ الدار. رسمت على ثغرها ابتسامةً عريضة، وقالت بنبرةٍ ترحيبيةٍ دافئة لم تخلُ من دهاءٍ وحكمة:
— "أهلاً وسهلاً.. تفضلا، فكلُّ ما يأتي من ريحِ مريم هو طيِّبٌ وعزيزٌ على القلوب."
تجاهلت سلوى "غمزَ" عزيزة المسموم و"انكسارَ" إبراهيم الواضح، واحتوتْهما كأضيافٍ حلّوا في دارِ كرمٍ لا دارِ صراع. وبإشارةٍ ملؤها الوقار، قادتهما إلى الصالةِ وهي تنثرُ كلماتِ الحفاوة، تاركةً خلفها عبد الرحمن مصلوباً عند الباب، يبتلعُ ذهولَهُ من رباطةِ جأشِ أمّه، ومن هذا "الطوفان" الذي اقتحمَ خلوتَه الصباحية ليُعيدَ ترتيبَ فصولِ حكايتِه.
استعاد عبد الرحمن شتاتَ نفسه، وخطا نحو الصالةِ بخطىً وئيدة، ثم ألقى السلامَ مرةً أخرى بصوتٍ رخيمٍ غلبت عليه ملامحُ الحفاوةِ القلقة. وضع كفّه في كفِّ عمه إبراهيم الذي صافحهُ بوهنٍ، بينما استقرَّت نظراتُه عند عزيزة التي كانت تتفحصُ زوايا الدارِ بعينين لا تشبعان من المقارنة.
مالت عزيزة بجسدها، وألقت جملةً مسمومةً كأنها نصلٌ مغموسٌ في العسل:
— "دارٌ عامرةٌ يا ست سلوى.. لكنَّ البيوتَ التي تُبنى على أنقاضِ ديونِ الآخرين، تظلُّ جدرانُها مهددةً بالشرور، ومريمُ -يا حبة عيني- لم تأتِكم إلا بحملٍ ثقيلٍ تنوءُ به العصبةُ أولو القوة."
توقفَ الزمنُ للحظة، وظنَّ عبد الرحمن أنَّ ميثاقَ مريم قد اهتزَّ تحت وطأةِ هذا اللؤم، لكنَّ سلوى ردَّت بهدوءٍ صاعق، وابتسامةٍ لم تبارح ثغرها:
— "البيوتُ تُبنى بالحبِّ والسترِ يا ست عزيزة، أما الديونُ فهي أرقامٌ تُمحى، بينما (الأصلُ الطيبُ) لا يُشترى بمالِ الدنيا. ومريمُ في دارنا ليست حِملاً، بل هي (الغنيمةُ) التي كنا ننتظرها، ونحنُ -بفضلِ الله- جبالٌ لا تُزلزلُها ريحٌ آتيةٌ من غرفِ الضيق."
سادَ وجومٌ مطبق، وارتسمت على وجهِ عزيزة صدمةٌ جمدت لسانَها؛ فقد كانت تتوقعُ أمّاً مكسورةً بالخوفِ على وحيدِها، فإذ بها تصطدمُ بامرأةٍ تزنُ الكلماتِ بميزانِ الذهبِ والردع.
قامت سلوى بوقارٍ، واستأذنت بكياسةٍ لإحضارِ واجبِ الضيافة، تاركةً خلفها صمتاً لا يقطعهُ إلا أنفاسُ إبراهيم المتلاحقة. وما هي إلا دقائقُ حتى عادت بالقهوة، لترى مشهداً مغايراً تماماً؛ فقد انطفأ وهجُ التحدي في عيني عزيزة، واستحالَ جبروتُها إلى ارتباكٍ واضح، وكأنَّ ردَّ سلوى قد نبشَ في صدرها مخاوفَ لم تحسب لها حساباً.
لم يكد الفنجانُ يلامسُ المنضدة، حتى انتفضت عزيزة واقفةً، وقالت بنبرةٍ غابَ عنها صريرُ الشفرات:
— "واجبٌ وقمنا به.. نستأذنُ نحن، فالنهارُ أولُه مشاغل، وإبراهيمُ وراءهُ ما يشغله."
جرَّت إبراهيمَ خلفها بسرعةٍ مريبة، وخرجت من الدارِ يسبقُها ضيقٌ مكتومٌ وخيبةٌ لم تدارِها مساحيقُ وجهِها، بينما وقفَ عبد الرحمن يراقبُ أثرَ خُطاها، مدركاً أنَّ أمّهُ "سلوى" لم تكن تحميهِ من ديونِ إسماعيل فحسب، بل كانت درعاً صلبةً أمامَ أفاعٍ لم يكن يحسنُ الرقصَ معها.
أُغلقَ البابُ خلفَ عزيزة وإبراهيم بصريرٍ خافت، لكنَّ دويَّ كلماتِ سلوى ظلَّ يترددُ في جنباتِ الردهة. التفتَ عبد الرحمن إلى والدتِه، وعيناهُ تبرقانِ بعزمٍ لم تعهدْه فيهِ من قبل، وقال بنبرةٍ كأنها نذرُ حرب:
— "يبدو يا أمي أنني سأنتزعُ مريمَ منهم انتزاعاً.. لن أكتفيَ بالاقتناص."
رسمت سلوى على وجهِها ابتسامةً يمتزجُ فيها فخرُ الأمِّ بوقارِ الحكمة، وربتت على كتفهِ قائلة:
— "إذن فلتُسمِّ اللهَ يا ولدي.. فأنا وداري ننتظرُ طيفَها على أحرَّ من الجمر، وما كانَ للهِ فهو ينمو ويصل."
خلفَ أبوابٍ موصدةٍ يملؤها عبقُ الماضي وثقلُ الحاضر، كان الهواءُ بين الرجلينِ مشحوناً بعجزِ الكبارِ وعنفوانِ المحبين. وقفَ "الشابُ" مجهولَ الملامحِ أمامَ "الرجلِ" الستينيّ، وقد خفضَ صوتهُ حتى استحالَ همساً يفيضُ صدقاً:
— "لكنني أحبُّ ابنتكَ هذهِ يا عم.. أحبُّها حباً استوطنَ الروحَ حتى غدتْ أحبَّ إليَّ من نفسي التي بينَ جنبيَّ."
لم يرفعِ الرجلُ بصرَه، بل ظلَّ يحدقُ في تجاعيدِ كفيهِ وكأنما يقرأُ فيها خيباتِ العمر، وأجابَ بصوتٍ متهدجٍ يغلفُه الأسى:
— "والحبيبُ يا بنيَّ مأمورٌ بأن يكونَ لحبيبهِ وطناً وأماناً، لا أن يذرَهُ في مهبِّ الريحِ تقاذفُهُ الظنون، وتعبثُ بقلبهِ وحشةُ الخذلان."
هنا، انتصبَ جسدُ الشابِّ كرمحٍ لا ينكسر، وأومأَ برأسهِ في إجلالٍ حازم، قائلاً بيقينٍ زلزلَ رتابةَ المكان:
— "خطأٌ جاءَ على هفوة، لكنَّ قلبي لها هي وحدَها، ولن أتزحزحَ عن عتبةِ منزلكَ هذا حتى تصبحَ لي ميثاقاً وداراً.. ولو كانَ الثمنُ روحي التي أبذلُها في سبيلِها رخيصة."
ارتجفت يدُ الرجلِ الستينيّ قليلاً، وكأنَّ صِدقَ الكلماتِ قد أصابَ مكمنَ الوجعِ في صدرِه، فرفعَ بصرَهُ أخيراً ليلتقيَ بعيني الشابِّ في مواجهةٍ صامتةٍ طالت لثوانٍ بدت كأنها دهور. تنهّدَ الرجلُ تنهيدةً خرجت من أعماقِ روحٍ أنهكها الصراع، وقال بصوتٍ أخفَّ حدة:
— "الكلماتُ يا بنيَّ سماءٌ واسعة، لكنَّ الأفعالَ هي الأرضُ التي نقفُ عليها. مَن يرتكبُ الهفوةَ مَرّة، يظلُّ ظلُّها يلاحقُه في عيونِ مَن يحب. ابنتي ليست جائزةً تُنالُ بالإصرار، بل هي حياةٌ سُرقت من بينِ ضلوعي لتكونَ في ذمةِ رجلٍ.. فهل أنتَ ذاكَ الرجل؟"
لم يطرف للشابِّ جفن، بل خطا خُطوةً واحدةً للأمام، متمسكاً بوقارِ مَن لا يخشى العواقب، وأجاب:
— "أنا الرجلُ الذي سيجعلُ من هفوتِهِ مدرسةً في الوفاء، ومن حُبِّهِ سوراً لا يطالهُ العابثون. جئتُكَ معتذراً عن الماضي، ومقاتلاً لأجلِ الآتي، ولن أبرحَ مكاني حتى تشهدَ هذهِ الجدرانُ أنني كنتُ لقلبِها نِعمَ الملاذ."
سادَ صمتٌ مهيبٌ في الردهة، بينما كانت خيوطُ الشمسِ تشتدُّ قوةً وكأنها تباركُ هذا الميثاقَ الجديد. وفي تلك اللحظة، فُتحَ بابٌ داخليٌّ ببطءٍ شديد، لتظهرَ من خلفِه ملامحُ فتاةٍ كانت تسترقُ السمعَ بقلبٍ يرتجفُ بينَ الرجاءِ والخوف.
انتقل المشهدُ من وقارِ المواجهةِ بينَ الرجالِ إلى صخبِ مقهىً ضاجٍ بالحياة، حيثُ جلست نور، ومريم، وهاجر في زاويتهنَّ المعتادة. كانَ عبقُ القهوةِ يمتزجُ بتوترٍ خفيٍّ يطفو على السطح، بينما كانت مريم غارقةً في هاتفِها، تنهشُ أصابعُها الشاشةَ بلهفةٍ وقلق.
امتعضت نور، وزفرت بضيقٍ لم تستطعْ مواراته، وقالت بنبرةٍ تفيضُ بالغيرةِ المرة:
— "ألسنا أحقَّ بتلكَ الدقائقِ القليلةِ منه؟ أم أنَّ طيفَهُ صارَ يزاحمُنا حتى في خلوتِنا هذه؟"
سادَ صمتٌ محرج، فزجرتها هاجر بنظرةٍ حادةٍ وكأنها تلجمُ لسانَها عن التمادي، بينما رفعت مريم رأسَها بصدقٍ يلفُّه الوجعُ وأجابت:
— "ليست هي الهواجسُ التي تظنين، يا نور.. إنها (مرام)."
ارتبكت نور، وحاولت تحاشيَ الحديثِ بالاعتذارِ والتمتمة، لكنَّ هاجر قررت أن تفتحَ الجرحَ الذي لم يندملْ بعد، فالتفتت نحو نور قائلةً بحدةٍ لا تخلو من عتاب:
— "ألا تشعرينَ بالخجل؟ ألم نحذركِ مراراً من (عمر)؟ ألم نقلْ لكِ إنَّ وراءَ الأقنعةِ وجوهاً لا تُرى؟"
هنا، تدخلت مريمُ بنبلٍ معهود، مدافعةً عن رفيقتِها بقلبٍ لا يعرفُ الضغينة:
— "لا تُحمليها ما لا تطيقُ يا هاجر.. نور لم تكن تعرفُ أنَّ (عمر) هو ذاتُه (أحمد) زوج مرام. لم تكنْ تدركُ أنها تقتسمُ الهواءَ مع رجلٍ يسكنُ بيتاً آخِر.. فلا ذنبَ لها في خديعةٍ أُحكمت خيوطُها حولَها."
نظرت نور إلى مريم بامتنانٍ مشوبٍ بالانكسار، وابتسمت بمرارةٍ وهي تهمس:
— "أشكركِ على نبلكِ يا مريم.. لكنني صرتُ أعتقدُ يقيناً أنني لا أستحقُّ هذهِ الصداقة، ولا هذا النقاءَ الذي تغمرينني به."
أحكمت نور قبضتَها على حقيبتِها، وهمت بالقيامِ عن الطاولةِ لتفرَّ من وطأةِ نظراتِهن، لكنَّ مريمَ أمسكت يدَها بقوةٍ وأجلستها مكانَها، وقالت بصوتٍ حانٍ وحازمٍ في آن:
— "لا ذنبَ لكِ يا نور.. والذنبُ لا يُورثُ لمن سقطَ في فخِّ الصدق."انفجرت نور بالبكاء، شهقاتٌ متلاحقةٌ كأنها لا تبكي على (عمر) فحسب، بل تبكي حطاماً آخِر لا يراهُ سواها، وتمتمت من خلفِ دموعِها الحارقة بصوتٍ مخنوق:
— "أنا لا أستحقُّ صداقتكِ فعلاً.. صدقيني يا مريم، الأمرُ أبعدُ من مجردِ خديعة، وأثقلُ من أن يحملَهُ قلبُكِ الطاهر."
وقبل أن تنطقَ مريم بكلمةِ طمأنةٍ أخرى، انتفضت نور من مقعدِها كمن أصابَها مسٌّ من ذعر، وسحبت يدَها بعنفٍ وهي تلملمُ شتاتَ حقيبتِها. ركضت متعثرةً بدموعِها، تخترقُ زحامَ المقهى وخيالاتِ المارةِ بسرعةٍ جنونية، تاركةً خلفَها صدى شهقاتِها يترددُ في المكان.
حاولت مريمُ النهوضَ لملاحقتِها، لكنَّ هاجر أمسكت بساعدِها، وجذبتها لتجلسَ من جديد، وعيناها تلاحقانِ طيفَ نور الهاربِ بشكٍّ لم تستطعْ كتمانَه. سادَ صمتٌ ثقيلٌ قطعهُ صوتُ هاجر وهي تهمسُ بنبرةٍ قلقة:
— "اتركيها يا مريم.. فالبكاءُ الذي رأيتُه ليس بكاءَ ندمٍ فحسب، بل هو هروبُ مَن يخشى انفجارَ الحقيقة. لا شكَّ عندي في أنَّ نور تُخفي خلفَ هذا الانهيارِ شيئاً آخَر.. شيئاً أخطرَ مما نظن."
سحبت مريم يدَها ببطء، وكأنَّ أصابعَها لُمست بنار، وظلت عيناها معلقتينِ بالبابِ الذي اختفت خلفَهُ صديقتُها، بينما كان التساؤلُ ينهشُ قلبَها: كيفَ يمكنُ للصدقِ أن يكونَ بهذا المذاقِ المرّ، وكيفَ للهروبِ أن يكونَ بهذا الوضوح؟
أطبقت مريم جفنيها بقوة، وكأنها تحاول سجنَ الدموعِ خلفهما، لكنَّ صمودَها انهارَ فجأةً أمام شاشةِ هاتفِها التي لم تنطفئ. عادت لتحدقَ في الرسائلِ المكتوبة، وانفجرت بدموعٍ صامتةٍ كانت أكثرَ وجعاً من عويلِ نور الصاخب.
ارتبكت هاجر، وحاولت جاهدةً سبرَ أغوارِ هذا الانكسارِ المفاجئ، ومدت يدها لتنتزعَ الحقيقةَ من عيني مريم، لكنَّ مريمَ ابتلعت غصتَها وأشاحت بوجهِها بعيداً، دافنةً سرَّها في أعماقِ صدرِها. لم تجد هاجرُ سبيلاً سوى أن تفتحَ ذراعيها وتحتويَ رفيقتَها في عناقٍ طويل، وكأنها تحاولُ ترميمَ ما تهشمَ من روحِها.
هدأت مريمُ قليلاً، ومسحت آثارَ الضعفِ عن وجهِها بوقارٍ مكسور، ثم نهضت تستأذنُ للرحيلِ نحو منزلِها. انتفضت هاجرُ معها، وأمسكت بطرفِ ردائِها برجاءٍ وتوجس:
— "لن أترككِ تذهبينَ بهذا الحالِ يا مريم.. دعيني أوصلكِ إلى عتبةِ الدار، فقلبي لا يطاوعني أن تقطعي هذا الطريقَ وحدكِ والهمومُ تُثقلُ كاهلكِ."
نظرت إليها مريمُ بنظرةٍ تائهة، غلفَها حزنٌ عميقٌ ورفضٌ قاطع، وقالت بنبرةٍ حازمةٍ رغمَ وهنِها:
— "لا يا هاجر.. شكر اللهُ سعيكِ، لكنَّ عليَّ الذهابَ وحدي. هناكَ دروبٌ لا يقطعُها المرءُ إلا بمفرده، وهناك أحزانٌ لا تُقاسمُ أحداً خلوتَها."
غادرت مريمُ المقهى بخطىً وئيدة، تاركةً هاجرَ تقفُ في مكانِها كتمثالٍ من حيرة، تراقبُ طيفَها الذي توارى خلفَ زحامِ المدينة، وهي تدركُ يقيناً أنَّ العاصفةَ التي بدأت في المقهى، لم تكن سوى أولى قطراتِ الغيثِ المرّ.
مشت مريم بخطىً تائهة، لم تكن تبحثُ عن طريقٍ بقدرِ ما كانت تحاولُ الهروبَ من صدى الكلماتِ التي نهشت روحَها في المقهى. قادتها قدماها إلى زاويةٍ قصية، حيثُ يهدأُ ضجيجُ المدينةِ وتنبسطُ ظلالُ الأشجارِ العتيقة، وهناك.. تجمدت الدماءُ في عروقِها حين لمحت طيفاً مألوفاً يستندُ إلى جذعِ نخلةٍ هرمة، وكأنه جزءٌ من حكاياتِ الانتظارِ القديمة.
كان عبد الرحمن.
اقتربت منه، وألقت سلاماً خافتاً غلفهُ الارتجاف، فاعتدلَ في وقفتِه ورمقها بنظرةٍ فاحصة، قبل أن ينقبضَ قلبهُ لرؤيةِ عينيها اللتينِ تورمتا من فرطِ البكاء. حاول أن يمتصَّ ثقلَ اللحظةِ بأسلوبِه المعتاد، فقال بنبرةٍ يمازحُها فيها، لكنها لا تخلو من مرارةٍ وسخريةٍ سوداء:
— "أهلاً بـ (سيدةِ الدموع).. هل جفَّ النبعُ أم ننتظرُ السيول؟"
فرّت دمعةٌ صامتةٌ من عيني مريم، فصمتَ مأنباً نفسه. مسحت عبراتِها وقالت بامتنانٍ مكسور:
— "شكراً لأنكَ وأمي سلوى تحملتما (عزيزة) اليوم، أعلمُ أنها عكرت صفوَكم بما لا يُقال."
انفجر عبد الرحمن بضحكةٍ لاذعة، وقال بتهكمٍ مباغت:
— "عزيزة؟ بل قولي (حجيزة)! فقد دخلت الدار وكأنها (قوةُ مداهمة) تحتجزُ عمَّكِ إبراهيم وتجرهُ خلفها كأنه ذيلٌ لا حيلةَ له. صدقيني يا مريم، لقد أصابني الرعبُ منها؛ فبعد تلك الجلسة التي (محصتني) فيها، وفتشت حتى في نوايا جدرانِ منزلي، ظننتُ يقيناً أنَّ أوراقَ قبولي لديهم ستُرفضُ لا محالة، وأنني سأُطردُ من (جنةِ نسبكم) بقرارٍ سياديٍّ منها!"
رغم غصّةِ الحزن، غلبتها ضحكةٌ حقيقيةٌ من وصفهِ لـ "حجيزة" وهي تجرُّ ذيلَها، ومن خوفهِ "التمثيلي" من رفضِ أوراقِ قبوله. لم يخبرْها بما قالت "عزيزة" حقاً عن "الشتاتِ والأصلِ والديون"، بل اكتفى بجعلِ تلك الزيارةِ الثقيلةِ مادةً للتندر، وكأنه يلقي بتلك الأوجاعِ في سلةِ المهملات، مكتفياً برؤيةِ لمعةِ الفرحِ وهي تعودُ لمقلتيها.
نظرت إليه مريم بعينين غائرتين، وقالت بنبرةٍ يائسةٍ جردتها من كل دفاعاتها:
— "ليسَ عليكَ أن تتحملَ كلَّ هذا الهوان.. سأعذرُكَ إن مَضيت؛ فطلّقني يا عبد الرحمن، فأنتَ ما زلتَ على (البرِّ)، ولم تغرق بعد."
تجمدت الضحكةُ على شفتي عبد الرحمن، واستحالت ملامحهُ إلى وجومٍ صاعق، وكأنَّ الكلمةَ كانت نصلاً بارداً اخترقَ صخبَ سخريته، لكنه سرعان ما استعاد قناعه الساخر ليمتصَّ صدمةَ كلماتها. نظر إليها بنظرةٍ مباغتة، وقال بلهجةٍ عاميةٍ سريعة قطعت حبلَ يأسِها:
— "إيه ده؟ هي سلطة (عزيزة) اشتغلت ولا إيه؟"
ثم تابع بنبرةٍ ضاحكة، وكأنه يستخفُّ بكل تلك العوائق التي تضعها "حجيزة" في طريقهما:
— "يعني كان لازم أعمل حسابي وأبوس الأيادي لـ (عزيزة اللذيذة) عشان ترضى عني وما تطلبيش الطلاق؟"
ساد صمتٌ قصير، حرّك فيه رأسه بإيماءةٍ خفيفة بينما ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ واثقة، وهمس بكلمةٍ واحدة هزمت كل مخاوفها:
— "واللهِ؟"
أطبقتِ السكينةُ على المكان، وخفتَ صخبُ العالمِ في عيني عبد الرحمن وهو يواجهُ انكسارَها بصمودٍ هادئ. اقتربَ خطوةً واحدة، لم تكن لكسرِ المسافةِ بقدرِ ما كانت لترسيخِ حضورٍ لا يتزعزع، وقال بنبرةٍ صلبةٍ جرّدها من كلِّ مزاح:
— "مريم.. لستِ امرأةً تُغادرُ بوشاية، ولا أنا رجلٌ تُبدلُ يقينَه كلمةٌ قيلت في ساعةِ لؤم. لقد وضعتُ حيرتي في سجدة، وسألتُ اللهَ الخِيرةَ فيكِ، ولأولِ مرةٍ يفيضُ صدري بهذه الطمأنينة.. (الخِيرةُ فيما اختاره الله)، وقد استقرت خِيرتي عندكِ. لستِ خياراً قابلاً للتراجع، بل أنتِ اليقينُ الذي رُزقتُ به بعد طولِ حيرة."
سكنت ملامحه، وأصبح لصوتِه رنينٌ يشبهُ رصانةَ الوعودِ القديمة، وتابع:
— "سأتمسكُ بكِ حتى تُستنفدَ كلُّ السبل، ولن يثنيني عنكِ ضجيجُ العابرين. فلا تتركي يدي مهما اشتدَّ الوجعُ خلف تلك الأبواب؛ عِديني ألا يكون لليأسِ فينا نصيب."
استندت مريم في تلك اللحظة إلى كلماتِه وكأنها تستندُ إلى طودٍ عظيم، وبدا طلبُها للطلاقِ قبل دقائق وكأنه سحابةُ صيفٍ تلاشت أمام شمسِ يقينه. أومأت برأسِها صامتة، وقد استقرت كلماتُه في أعماقِ روحها كوشمٍ لا يُمحى. تراجع عبد الرحمن خطوةً إلى الوراء، مفسحاً لها طريقَ العودة، لكنَّ عينيه ظلتا تتبعُ أثرَ خطوتِها المترددة. وقبل أن يتوارى خلفَ زحامِ أفكاره، ألقى عليها نظرةً أخيرة، ونطق بجملةٍ كانت بمثابةِ ميثاقٍ أودعَهُ عند خالقِها:
— "تركتكِ في أمانِ الله."
قالها وانصرف، تاركاً خلفه ثقلاً من السكينةِ عجزت كلُّ مخاوفِها عن زحزحتِه. لم تكن مجردَ دعوةٍ عابرة، بل كانت إعلاناً صريحاً بأنها لم تعد وحيدةً في ساحةِ هذا الصراع، وأنَّ الأمانَ الذي سكن قلبَها بكلماته سيظلُّ حارساً لها حين تُغلقُ الأبواب.
،استدارت مريم نحو الدار، وما إن وضعت قدمَها على العتبةِ حتى استقبلتها برودةُ الجدران وصمتُ عمها إبراهيم المعتاد، بينما كانت "عزيزة" تجلسُ بكبرياءٍ زائفٍ تترقبُ لحظةَ الانهيار. توقفت مريمُ في منتصفِ الصالة، ونظرت إلى زوجة عمها بنظرةٍ باردةٍ اخترقت ذلك الجمود، ثم قالت بنبرةٍ غلفها هدوءٌ مستفز:
— "أخبرني عبد الرحمن أنَّ الزيارةَ كانت لذيذةً جداً.. هل استمتعتِ بها يا زوجة عمي؟"
سقطت الكلماتُ كالصاعقةِ في أرجاءِ الغرفة. انتفضَ العم إبراهيم في مكانه، ورفع رأسَه بذهولٍ شلَّ أطرافه؛ فلم يعهد من مريم هذا البرودَ القاتل في المواجهة. أما عزيزة، فقد تجمدت ملامحُها، واتسعت عيناها بارتباكٍ واضح؛ إذ ظنت للوهلة الأولى أنَّ "اللذة" التي تقصدها مريم هي سخريةٌ مبطنةٌ من كل ما تفوهت به، واعتقدت واهمةً أنَّ عبد الرحمن قد نقل إليها كلَّ تلك التفاصيل التي رجمته بها.
لم تكن مريمُ تدركُ الثقلَ الحقيقيَّ للكلمةِ التي ألقتها، لكنَّ طبيعتَها الباردة جعلت من سؤالِها العابرِ نصلًا ينهشُ في ثباتِ زوجةِ عمها. سادَ صمتٌ خانق، مضت إثره مريمُ نحو غرفتها بخطىً وئيدةٍ وثابتة، تاركةً خلفها زوجةَ عمٍ يتآكلها الشك، وعماً لا يستوعبُ كيف استحالَ وقارُ مريم إلى سلاحٍ بهذا التحدي.
لم يكد باب غرفة مريم يُوصد، حتى انقطع خيطُ الصبرِ عند إسماعيل. التفت إلى أخيه إبراهيم وزوجته عزيزة بنظرةٍ كانت أشدَّ وطأةً من كل عتاب، وصوتٍ هادئٍ لكنه يحملُ نذيرَ العاصفة.
وقف إسماعيلُ حائلاً بينهما وبين مخرج الدار، وقد تجسدَ في وقفته وقارُ الأبِ الذي استُبيحت كرامةُ ابنته، وقال بنبرةٍ تقطرُ مرارة:
— "إلى متى يا إبراهيم؟ هل هانَ عليك دمي حتى تتركَ زوجتكَ تنهشُ في أصلِنا وأفرعِنا وكأننا أغرابٌ عنك؟ أظننتما أنَّ صمتَ مريم وهدوءَ عبد الرحمن كان ضعفاً؟"
ارتبكت عزيزة، وحاولت أن تداريَ ذعرَها من نظراتِ إسماعيل، فتمتمت بصوتٍ خافتٍ لا يشبهُ جبروتها المعتاد:
— "يا أبا مريم.. نحنُ لم نفعل شيئاً سوى أننا وضعنا النقاطَ على الحروف.. كان يجب أن يعرفَ عبد الرحمن أين يضعُ قدمه."
هنا، خطى إسماعيلُ خطوةً جعلت إبراهيم يتراجعُ للخلفِ لا شعورياً، وردَّ بحدةٍ دراميةٍ هزت أركان المكان:
— "بل وضعتما أنفسكما في مأزقٍ لا مخرجَ منه! مريم لم تكن تهذي حين سألتكِ عن (لذةِ) الزيارة.. تلك الكلمةُ كانت نصلًا بارداً وضعهُ عبد الرحمن في يدها ليخبركما ببروده المعهود أنَّ كلَّ سمومكما قد رُدَّت إليكما. لقد زنقتما أنفسكما في زاويةٍ ضيقةٍ مع رجلٍ لا ينسى، ومع ابنةِ أخٍ—رغم رقتها—لم تعد تكسرُها ظنونكما."
سادَ وجومٌ ثقيل، وزادَ إسماعيلُ من حصارِهما بكلماتٍ كالرصاص:
— "الآن.. ليس أمامكما سوى طريقٍ واحدٍ لترميمِ ما انكسر. عليكما الذهابُ إلى عبد الرحمن؛ ليس كأصحابِ فضلٍ أو دائنين، بل كمعتذرين يطلبون الصفحَ عما اقترفتهُ ألسنتكما، قبل أن تتحول هذه (اللذة) إلى علقمٍ يتجرعهُ الجميع."
نظرت عزيزةُ إلى زوجِها إبراهيم بذعرٍ مكتوم؛ فقد أدركت أنَّ استعلاءَها قد جرفها إلى هاويةٍ لم تحسب لها حساباً أمام غضبةِ "إسماعيل" الهادئة والمدمرة.
أطرقَ إبراهيمُ برأسِه خجلاً من صرامةِ أخيه، بينما ابتلعت عزيزةُ ريقَها بصعوبة، وقد شعرت بأنَّ الجدرانَ تضيقُ عليها. لم يكن أمامها سوى الانصياع، فغادرت الدارَ مع زوجِها بخطىً ثقيلة، يجرانِ أذيالَ الخيبةِ نحو بيتِ عبد الرحمن.
طوالَ الطريق، كان الصمتُ بينهما أنطقَ من الكلام. وحين وصلا، طرقَ إبراهيمُ البابَ بيدٍ مرتعشة، ليفتحَ لهما عبد الرحمن بوقارِه المعهود، وهدوءٍ لم يبدُ فيه أثرٌ لغضبٍ أو عتاب، مما ضاعفَ من ارتباكِهما.
أشارَ لهما بالدخول، فجلسا في صدرِ المجلسِ كمن يجلسُ على الجمر. بادرَ إبراهيمُ بالكلامِ بصوتٍ متهدج:
— "يا عبد الرحمن.. جئنا لنصلحَ ما أفسدتهُ العجلة. عزيزةُ لم تقصد ما قالت، والديونُ والأصلُ كلاهما لا يغيرُ من معزتِك وصهرِنا شيئاً."
رفعَ عبد الرحمن بصرَه نحو عزيزة، التي كانت تشيحُ بوجهِها بعيداً، وقال بصوتٍ رخيمٍ يشبهُ سكونَ ما قبل العاصفة:
— "الزيارةُ كانت (لذيذةً) يا عمَّ إبراهيم، هكذا أخبرتُ مريم.. ولذتُها كانت في كشفِ المعادن. أما الديونُ فهي أرقامٌ تُمحى، لكنَّ الكلمات.. الكلماتُ أوشامٌ لا تزولُ إلا بصدقِ النوايا."
تجمدت عزيزةُ في مكانِها؛ فكلمةُ "لذيذة" التي استُفزت بها من مريم قبل قليل، خرجت الآن من صاحبِ الشأنِ لتؤكدَ لها أنَّ كلَّ حرفٍ نطقتهُ في تلك الجلسةِ الخانقةِ قد سُجِّلَ عليهما. لم يزد عبد الرحمن حرفاً، بل قامَ ليصبَّ لهما القهوةَ ببرودٍ استفزَّ ما تبقى من كبريائها، فبدت في عيني نفسِها صغيرةً جداً، وهي التي جاءت لتُصغِرَه.
زنقهما عبد الرحمن في زاويةِ (الكرمِ المبالغِ فيه)، فلم يمنحهما فرصةً للانفجار، بل أغرقهما بفيضِ صمتِه حتى تمنيا لو صرخَ في وجهيهما بدلاً من هذا النبلِ الذي قطعَ أنفاسَهما.
بينما كان الصمتُ ينسجُ خيوطَه الثقيلةَ فوق رؤوسِ الجالسين، ارتجَّ المكانُ على وقعِ طرقاتٍ واثقةٍ ورزينةٍ على بابِ عبد الرحمن.
في تلك اللحظة، خرجت سلوى من غرفتها بوجهٍ يفيضُ بِشرًا، وما إن أبصرت إبراهيم وعزيزة حتى سارعت بالترحابِ وهي تبسطُ كفيها مودةً:
— "حيَّاكم الله.. أهلاً وسهلاً، زارتنا البركة، ليتنا علمنا بقدومكم لكان الاستقبالُ أبهى وأتمَّ."
تجاهل عبد الرحمن بريقَ "اللذةِ" المريرَ الذي كان ينهشُ كبرياءَ عزيزة، واتجهَ صوبَ البابِ بوقارهِ الساكنِ ليفتحه. وقف أمامَ شابٍ في مقتبلِ العمر، فارعِ الطول، يملكُ ملامحَ هادئةً تفيضُ بوقارٍ غريب، وعينين صارمتين لم تنقصِ البشاشةُ من حدّةِ نفوذهما في النفوس.
نطق الشابُ بنبرةٍ رخيمةٍ لا تتردد، وبنبرةٍ واثقةٍ اعتذرَ قائلاً:
— "أعتذرُ على المباغتة.. أعتقدُ أنكَ عبد الرحمن؟"
لم يكد عبد الرحمن يهمُّ بالرد، حتى انقطعَ نَفَسُ المكان، وتيبّست عزيزة في مقعدِها كأنما مُسخت حجراً، وجحظت عيناها في ذهولٍ روعَها؛ فخرجَ الاسمُ من بين شفتيها المرتجفتين نداءً غريقاً غلفَهُ الرعب:
— "حمزة!!!!!"
سقطَ الاسمُ في أرجاءِ الغرفةِ كحجرٍ ثقيلٍ في بئرٍ سحيقة، وارتسمت على وجهِ الشابِ ابتسامةٌ هادئةٌ لم تبلغ عينيه الصارمتين، بينما تبدلت ملامحُ عبد الرحمن من برودِ الاستقبالِ إلى تساؤلٍ صامتٍ يستقرئُ فيه ملامحَ الفزعِ التي شلّت زوجةَ عمِّ مريم.
أوصدت مريمُ بابَ غرفتها خلفها، وكأنها تُغلقُ الستارَ على فصلٍ من الصراع، لتجدَ نفسَها في مواجهةِ فوضى أفكارِها الساكنة. لم تكن تُدرك أنَّ اليقينَ الذي زرعهُ عبد الرحمن في صدرِها سيهتزُّ بعنفٍ أمامَ وميضِ هاتفِها، الذي أضاءَ عتمةَ الغرفةِ برسائلَ لم تكن مجردَ كلمات، بل كانت زلزالاً يضربُ أركانَ ثباتِها.
نبضَ الهاتفُ في كفِّها، وحملت الشاشةُ اسمَ "هاجر"؛ كلماتٌ مقتضبة لكنها زلزلت كيانها:
— "مريم.. نور يُعقَدُ قِرانُها الليلة، بعد ساعاتٍ فقط من رحيلِها عن المقهى!"
جمدت مريمُ في مكانِها، وكأنَّ الزمنَ توقَّفَ عند تلك النقطة. من هذا الذي يقتنصُ المواثيقَ تحتَ جنحِ الظلام بهذه العجلةِ المريبة؟ لم تستفق من دهشتِها الأولى حتى لمعَ سؤالُ هاجر الاستنكاري، وكأنه نصلٌ يتهيأُ للذبح:
— "توقعي مَن العريس؟"
فتحت مريمُ فمَها لتستنشقَ الهواءَ الذي ضاقَ بها، وطافت في مخيلتِها وجوهٌ وأسماء، لكنَّ هاجر لم تمنحها ترفَ التخمينِ أو التقاطِ الأنفاس. وقبل أن يصيغَ خاطرُ مريم رداً، انهمرت الحقيقةُ فوق رأسِها كصخرةٍ هوت من علٍ:
— "عمر.. لا، بل أنا آسفةٌ يا مريم.. إنه أحمد؛ زوجُ أختِك مرام!"
هوى الهاتفُ من يدِ مريم وكأنه جمرةٌ أحرقت كفَّها. غامت الرؤيةُ في عينيها، واستحالَ هواءُ الغرفةِ رماداً يخنقُ صدرَها. لم تكن الصدمةُ في عقدِ القِرانِ فحسب، بل في تلك الخيانةِ التي نُسِجت خيوطُها في الظل، لتُمزِّقَ شغافَ قلبِ "مرام" وتُلقي بالعائلةِ في أتونِ فاجعةٍ لا تُبقي ولا تذر. استقرت الكلماتُ البشعةُ أمام عينيها: (أحمد.. زوجُ أختِك)؛ فصارت تترددُ في عقلِها بصوتٍ مبحوح، كمسمارٍ يُدَقُّ في نعشِ استقرارِ هذه العائلةِ الذي لم يهنأ يوماً.
"لا شيءَ يكسرُ هيبةَ السورِ كالشرخِ الذي يبدأُ من الداخل؛ فكيفَ إذا كانت الطعنةُ بيدِ من ائتمنّاهُ على الروحِ قبلَ الدار؟"
فهل كانَ ثباتُ مريم أمامَ لؤمِ عزيزة مجردَ استراحةِ محاربٍ قبلَ العاصفةِ الكبرى؟ وهل سيصمدُ ميثاقُ اليقين الذي عقدهُ عبد الرحمن، أمامَ زلزالِ الخذلان الذي سيضربُ قلبَ مرام؟