خارج حدود الفترة | وأنفرط العقد
وأنفرط العقد
"عن الترقب الذي يثقل الروح، والواقع الذي يطرق الأبواب، هل ستستسلم مريم أم تسير خلف حدسها لعلها تجد من تسكن إليه ويسكنها؟"
"أصعبُ ما في انفرطِ العقد، ليس ضياعَ اللؤلؤ، بل اكتشافُنا أنَّ الخيطَ الذي كان يجمعُنا.. كان زيفاً."
سقطَ القلمُ من يدِ العمِّ "رضا" ليصنعَ بقعةَ حبرٍ مشوهةً فوقَ الورقةِ البيضاء، كأنها "وشمٌ" من الخيبةِ يوثّقُ نهايةَ الحلمِ قبلَ ولادتِه. في تلك اللحظة، لم يكن صمتُ الصالةِ هدوءاً، بل كان "انفجاراً صامتاً" للأرواح؛ فالفجيعةُ حين تكتمل، تفقدُ الكلماتُ معناهَا.
تجمّدَ "أحمد" –أو "عمر" كما نادته الصرخة– في مكانِه، وبدت ملامحُه الواثقة التي دخلَ بها قبلَ ثوانٍ وكأنها قناعٌ من الشمعِ بدأ يذوبُ تحتَ لهيبِ الحقيقة. التفتت إليهِ "مرام" ببطءٍ يحملُ ثقلَ الجبال، كانت نظراتُها إليهِ تتأرجحُ بينَ الإنكارِ والرعب، بينما كانت "نور" لا تزالُ شاخصةً ببصرِها، تتنفسُ بصعوبةٍ كغريقٍ أدركَ للتوِّ أنَّ المرفأ الذي كان يرجوهُ ليس سوى صخرةٍ حطمت قاربَه.
وسط هذا الذهولِ الذي شلَّ الألسنة، تحرّكَ "نوح" من مكانِه ببطء، مصفقاً ببرودٍ لزج، وعيناه تلمعانِ ببريقٍ شيطانيٍّ وهو يراقبُ انهيارَ السقفِ فوقَ رؤوسِ الجميع. لوى شدقَهُ بابتسامةٍ تقطرُ تشفياً، وقال بصوتٍ مسموعٍ اخترقَ الصمتَ كالخنجر:
"أهلاً بسيادةِ الرائد.. أو سيادةِ 'المُحب'! يبدو أنَّ مقامَكَ عندَنا لم يكفِ طموحَك، فأردتَ أن تفتحَ جبهةً أخرى خلفَ أسوارِنا. مبروكٌ يا خالي إسماعيل.. يبدو أنكَ كنتَ تبحثُ عن عريسٍ لمريم، فإذ بكَ تكتشفُ أنَّ عريسَ مرام يمتلكُ قلباً 'يسعُ من الحبايبِ ألفاً'!"
كانت كلماتُ نوح هي الصاعقَ الذي فجرَ الاحتقان. ارتجفَ جسدُ إسماعيل، وقبضَ بيدِه على حافةِ الطاولةِ حتى ابيضّت مفاصلُه، وفي تلك اللحظةِ التي بلغت فيها المهانةُ ذروتها، نطقَ لسانُ "سوسن" بجملةٍ خرجت من أعماقِ يقينِها المكسور، رصينةً كالصخر، ثقيلةً كالفقد:
"لقد ماتَ آخرُ الرجالِ في هذا البيتِ يومَ وُورِيَ 'يحيى' التراب، وما بَقِيَ بَعدَهُ إلا أشباهُ حكاياتٍ تخونُها الضمائر."
سقطتِ الكلمةُ كالمقصلةِ على رؤوسِ الحاضرين؛ فلم تكن صرخةً، بل كانت حكماً نهائياً أعلنتهُ الأمُّ المكلومةُ على كلِّ الموجودين. خيّمَ صمتٌ أشدُّ قسوة، وتراجعَ "أحمد" خطوةً للخلفِ وكأنَّ وقعَ الجملةِ كان أقوى من رصاصة، بينما غرزت "مريم" أظفارَها في راحةِ يدِها وهي تشعرُ أنَّ أمَّها قد لخّصت كلَّ هذا الخرابِ في سطرٍ واحد.
سقطَ القلمُ من يدِ العمِّ "رضا" ليصنعَ بقعةَ حبرٍ مشوهةً فوقَ الورقةِ البيضاء، كأنها "وشمٌ" من الخيبةِ يوثّقُ نهايةَ الحلمِ قبلَ ولادتِه. في تلك اللحظة، لم يكن صمتُ الصالةِ هدوءاً، بل كان "انفجاراً صامتاً" للأرواح؛ فالفجيعةُ حين تكتمل، تفقدُ الكلماتُ معناهَا.
تجمّدَ "أحمد" –أو "عمر" كما نادته الصرخة– في مكانِه، وبدت ملامحُه الواثقة التي دخلَ بها قبلَ ثوانٍ وكأنها قناعٌ من الشمعِ بدأ يذوبُ تحتَ لهيبِ الحقيقة. التفتت إليهِ "مرام" ببطءٍ يحملُ ثقلَ الجبال، كانت نظراتُها إليهِ تتأرجحُ بينَ الإنكارِ والرعب، بينما كانت "نور" لا تزالُ شاخصةً ببصرِها، تتنفسُ بصعوبةٍ كغريقٍ أدركَ للتوِّ أنَّ المرفأ الذي كان يرجوهُ ليس سوى صخرةٍ حطمت قاربَه.
وسط هذا الذهولِ الذي شلَّ الألسنة، تحرّكَ "نوح" من مكانِه ببطء، مصفقاً ببرودٍ لزج، وعيناه تلمعانِ ببريقٍ شيطانيٍّ وهو يراقبُ انهيارَ السقفِ فوقَ رؤوسِ الجميع. لوى شدقَهُ بابتسامةٍ تقطرُ تشفياً، وقال بصوتٍ مسموعٍ اخترقَ الصمتَ كالخنجر:
"أهلاً بسيادةِ الرائد.. أو سيادةِ 'المُحب'! يبدو أنَّ مقامَكَ عندَنا لم يكفِ طموحَك، فأردتَ أن تفتحَ جبهةً أخرى خلفَ أسوارِنا. مبروكٌ يا خالي إسماعيل.. فإذ بكَ تكتشفُ أنَّ عريسَ مرام يمتلكُ قلباً يسعُ من الحبايبِ ألفاً!"
كانت كلماتُ نوح هي الصاعقَ الذي فجّرَ الاحتقان. ارتجفَ جسدُ إسماعيل، وقبضَ بيدِه على حافةِ الطاولةِ حتى ابيضّت مفاصلُه، وفي تلك اللحظةِ التي بلغت فيها المهانةُ ذروتها، نطقَ لسانُ "سوسن" بجملةٍ خرجت من أعماقِ يقينِها المكسور، رصينةً كالصخر، ثقيلةً كالفقد:
"لقد ماتَ آخرُ الرجالِ في هذا البيتِ يومَ وُورِيَ 'يحيى' التراب، وما بَقِيَ بَعدَهُ إلا أشباهُ حكاياتٍ تخونُها الضمائر."
ليعقبها سعارٌ مفاجئ انطلق من صدر "نور" التي لم تَعُد قادرةً على ابتلاع مَهانتها. انسلخت من بين يدي "هاجر"، واندفعت نحو "أحمد" وهي تصرخُ بصوتٍ يملؤه الاحتقار:
"أسبوعان! ألم تَقُل لوالدي إنَّ خِطبتنا بعدَ أسبوعين؟ كيفَ كنتَ تَبني لي قصوراً في الهواءِ وأنتَ تسكنُ هنا خلفَ هذهِ الجدران؟"
ثم التفتت بجسدِها نحو "مرام" الملقاةِ على الأريكة، ورمقتْها بنظرةٍ طافحةٍ بالاشمئزاز، وعادت تصرخ في وجه أحمد:
"إذن.. حينَ كنتَ تغيبُ بالأيام، وتدعي أنكَ 'مسافر'، كنتَ تبقى هنا.. في حضنِ هذه؟ أأنتَ لستَ 'عمر'؟ هل كنتَ تلعبُ على حبلينِ بمهارةِ بهلوانٍ ملعون، بينما تنامُ أنتَ في العسلِ معها، وتتركُني أنا أحرسُ سرابَك؟"
في تلك اللحظةِ الصاخبة، كانت "مريم" تعيشُ زلزالاً من نوعٍ آخر. عادت بذاكرتها إلى تلك "الصورة" المحروقة التي سحبتها خلسةً من بيت نور في زيارتها السابقة لمواساتها. كانت الملامحُ قد التهمها اللهب، فلم يبقَ منها إلا "وقفة" الرجل وهيئة كتفيه.. تلك الوقفة التي ألفتها عينا مريم وحسبتها محض تشابه. تجمدت الدماء في عروقها وهي تدرك الآن أن ما عجزت النار عن إخفائه، قد فضحته الحقيقةُ اليوم: عمر هو أحمد!
لأول مرة، لم تجلد مريم نفسها بسبب "يحيى"، بل جلدت ذاتها لأنها كانت تملك مفاتيح النجاة ولم تستخدمها. رأت في "أحمد" وحشاً يسكن بيتها، ومخادعاً سرق طمأنينة أختها، وشعرت أن صمتها القديم لم يكن وقاراً، بل كان تواطؤاً مع القدر ضد أختها، ووقوداً لهذا الحريق الذي يأكل الآن تاريخ آل إسماعيل.
وسط هذا الذهول، شعرت بظلال "الخراب" تتسع؛ فالفجيعة لم تعد في خيانة صهرها فحسب، بل في أن يدها –دون أن تدري– كانت قريبةً جداً من إيقاف هذا النزيف، لكنها فضلت أن تكون مجرد مراقبة من بعيد، ليقوم "أحمد" بسحب العائلة كلها إلى هاوية الفضيحة في الليلة التي كان من المفترض أن تكون مرفأ نجاتها.
وسط العاصفة التي زلزلت أركان الصالة، تراجعَ إسماعيل بضعَ خطواتٍ وكأنه شاخَ فجأةً دهراً كاملاً، جلسَ فوق مقعدِه الخشبيّ بثقلٍ يُنذرُ بالانهيار، وعيناه لا تزالانِ معلقتينِ بسقفِ البيتِ الذي تداعى فوقَ رؤوسِ سكانِه. مدَّ يدهُ بضعفٍ يشوبه الكبرياء، وأشارَ إلى "أحمد" بالخروج، كأنَّ مجردَ وجوده في المكانِ يسحبُ ما تبقى من أكسجين.
لكنَّ أحمد لم يرضخ؛ فالهزيمةُ حين تكونُ شنيعة، تدفعُ صاحبها أحياناً للتشبثِ بالقشةِ الأخيرة. لم ينظرْ لـ "نور"، ولم يهتزَّ لصيحاتِ الغضب، بل اتجهَ بخطواتٍ مضطربةٍ نحو الأريكةِ حيثُ ترقدُ "مرام" الغائبةُ عن الوعي، متجاوزاً نور وكأنها لم تكن يوماً حلمَه أو ضحيته.
وقبلَ أن يخطو الخطوةَ الأخيرةَ نحو زوجته، اندفعت نور كالبرق، وأمسكت بيدِه بقوةٍ جعلت أظفارها تغرسُ في جلده، وصرخت بوجهه بمرارةٍ زلزلت كيانَه:
"أنا أم مرام؟ أجبني.. مَن مِنا كانت المرفأ، ومَن كانت مجردَ محطةٍ في طريقِ كذبك؟"
توقف أحمدُ فجأة، وتصلبت نظراته. سحبَ يدهُ من قبضتِها ببطءٍ مهين، ودون أن يرمقها بنظرةٍ واحدة، وكأنَّ "عمر" قد ماتَ فعلياً في تلك اللحظة، ولم يَبقَ إلا "أحمد" الذي يحاولُ إنقاذَ ما تبقى من صورتِه أمام زوجته.
وفي تلك اللحظة، برزَ "نوح" من بين الزحام، ووقف حائطاً بشرياً حائلاً بين أحمد وبين الأريكة التي ترقدُ عليها مرام. مالَ نوح برأسِه نحو أذنِ أحمد، وهمسَ بصوتٍ خفيضٍ لا يصله إلا هو، بينما لمعت عيناه بلذةٍ سادية:
"رغم أنني في غايةِ الانبساطِ بهذه الليلةِ الرائعة، إلا أنَّ الواجبَ يحتمُ عليَّ أن أُبعدكَ عن هنا.. وهذا لمصلحتي قبلَ مصلحتك، فأنا –يا سيادة الرائد– أحبُّ أحزانَ هذه العيلةِ جداً، وأريدُ الاستمتاعَ بها دونَ ضجيجك."
ثم اعتدلَ نوح في وقفته، ووضع يديه في جيبيه ببرودٍ مستفز، ثم قال بصوتٍ مسموع وهو يشيرُ بطرف عينه نحو "نور":
"سنيورتك واخرج يا عم."
كانت الكلمة وقْعُها كالسوط على الجميع، لكن نوح لم يكتفِ بذلك، بل أكمل بنبرةٍ جادةٍ مصطنعة أمام الحضور:
"قلتُ لكَ يا زوجَ الأخت.. الخالُ أمرَ بالانصراف، والبيوتُ لها حرمات، وأنتَ الليلةَ لم تتركْ حُرمةً إلا وانتهكتَها."كانت كلمةُ "سنيورتك" –وهو يشيرُ بطرفِ عينهِ نحو "نور" المنهارة– كالقشةِ التي قصمت ظهرَ ما تبقى من وقارِ أحمد. شعرَ أحمدُ بالدوارِ وكأنَّ الأرضَ تبتلعُه؛ فـ "نور" التي كان يَعِدُها بالزواجِ أصبحت في نظرِ نوح مجردَ "سنيورةٍ" تُطردُ معهُ من عتبةِ البيتِ في مشهدٍ هزليٍّ ومهين.
سحبَ نوح يدهُ من جيبه ليدفعَ أحمد بخفةٍ مستفزةٍ نحو المخرج، مكملاً تمثيلَ دورِ الحريصِ على مصلحةِ العائلةِ وكرامةِ خاله، بينما كانت مريمُ تقفُ بعيداً، تراقبُ نوحاً وهو يستمتعُ بكلِّ ثانيةٍ من هذا الخراب. أدركت مريم في تلك اللحظة أنَّ "سنيورة" أحمد لم تكن الضحيةَ الوحيدةَ الليلة، بل إنَّ كلَّ مَن في هذه الصالةِ قد تلطخَ ثوبُه بدمِ الحكايةِ التي انفرطَ عقدُها، وتحولَ تاريخُ آل إسماعيلَ إلى حطامٍ يتقاذفُه الشامتون.
أما أحمد، فقد خرجَ يجرُّ خلفَهُ أذيالَ الخيبة، وقد سقطت آخرُ حصونِه حين رأى مقتَ الجميعِ يلاحقُه، تاركاً خلفَه "مرام" بين الغيبوبةِ واليقظة، و"إسماعيل" الذي لم يَعُد يرى في بيتهِ سوى جدرانٍ باردةٍ شهدت على زيفِ الأمان.
وسط تلك الجلبة، تحرك عبد الرحمن بهدوءٍ نحو "مرام"؛ فبديهة الطبيب فيه تحركت قبل أي شيء آخر. جثا بجانبها، وأشار لـ "مها" بيده: "بسرعة.. أي عطر قوي أو نشادر!".
قام برفع قدميها قليلاً فوق وسادة صغيرة لتنشيط دورتها الدموية، وما إن بلل طرف منديله بالرائحة النفاذة ومرره تحت أنفها، حتى استنشقت مرام الهواء بعمق واهتزت أجفانها، ثم فتحت عينيها ببطء لتجده أمامها. وبمجرد أن تأكد أنها استعادت وعيها، انسحب بصمتٍ وعاد ليجلس بجانب أمه، واضعاً يديه في جيبيه بوجوم، تاركاً إياها تستوعب ما جرى.
استندت مرام بمساعدة مريم، وسألت بصوتٍ واهن وهي تتلفت حولها: "أين هو؟". لم يجبها أحد، فكان الصمت في الصالة أبلغ من أي شرح. نظرت مريم إلى عبد الرحمن الجالس بعيداً؛ لم يكن بطلاً خارقاً في نظرها، بل كان مجرد رجلٍ رزين لم تمنعه الصدمة من القيام بفعلٍ بسيطٍ وصحيح، في ليلةٍ خسر فيها الجميع اتزانهم.
بعد أن عاد عبد الرحمن إلى مكانه، مالت أمه نحوه ببطء، وهمست في أذنه بكلماتٍ لم تصل إلى مسامع الحاضرين، لكن ملامح وجهها المتيبسة كانت تشي بالكثير؛ فقد كانت عيناها تجوبان أركان الصالة بضيق، وكأنها لم تَعُد تطيق البقاء في هذا المكان لدقيقةٍ واحدةٍ أخرى. لمحت مريم هذا المشهد، وشعرت بوخزة أسفٍ مريرة؛ فقد كانت تظن يوماً أن هذه المرأة ستكون "حماتها" الحنون، ومأمنها الذي سيعوضها عن جفاء الأيام، لكنها رأتها الآن وهي "تؤلب" ابنها بوضوح، وتحثه بنظراتها القاسية على النجاة بنفسه من هذا البيت الذي تلطخ بفضيلةٍ جُرحت وسمعةٍ اهتزت.
أشاحت مريم بعينها مبتعدةً في انكسار، وكأنها تطوي صفحةً لم تُفتح بعد. أدركت أنَّ عبد الرحمن لن يكون المنقذ ولا الشريك، بل هو مجرد شاهد عيان آخر سيخرج ليحكي عن "خراب آل إسماعيل" كما سيفعل الجميع. التفتت نحو مرام، التي بدأت تستوعبُ أنَّ الصمت الذي يخيمُ على المكان ليس إلا مقدمةً لشتاتٍ طويل.
لم تخرج نور كما توقع الجميع، بل تراجعت بخطواتٍ آلية وجلست بقرب مريم ومرام، واضعةً يدها فوق ركبتيها بنظرةٍ جامدة غير مفهومة؛ كأنها انفصلت عن الواقع أو قررت أن تشهد الفصل الأخير من المحرقة التي تسببت فيها.
وسط هذا الصمت الذي كاد يطبق على الأنفاس، تنحنح عبد الرحمن بصوتٍ هادئ ورزين، محاولاً لفت الانتباه قبل أن يقطع خيط السكون. وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، استبقه إسماعيل الذي كان لا يزال جالساً على مقعده، محنياً كأنّ جبالاً استقرت فوق كاهله. رفع رأسه ببطء، ونظر إلى عبد الرحمن بعينين يملؤهما الانكسار، ثم قال بنبرةٍ تقطر مرارة:
"أعرف.. لكَ الحقُّ كل الحق إن أخذتَ عائلتَكَ وذهبت الآن."
وقعت كلماتُه كحجرٍ ثقيلٍ في بئرٍ عميقة؛ لم تكن مجرد إذنٍ بالانصراف، بل كانت اعترافاً صريحاً بأنَّ البيت الذي فُتح لاستقبالِ صهرٍ جديد، قد أصبح أطلالاً لا تصلح لإقامة فرح. راقبت مريم الموقف بقلبٍ يرتجف، موزعةً نظراتها بين كبرياء والدها الذي يتفتت، وبين ثبات عبد الرحمن الذي وقف كشاهدٍ غريب على احتراق خصوصيتهم.
أومأ عبد الرحمن برأسه في رزانةٍ ووقار، وقال بنبرةٍ هادئة:
"أشكركَ حقاً يا عمّ."
ساد الصمتُ قليلاً، صمتٌ ثقيلٌ بدا وكأنه دهرٌ من الترقب، بينما تعلقت به الأعين وهي تنتظرُ منه التحرك نحو الباب. لكنه لم يتحرك، بل أخذ نفساً عميقاً، ثم أكمل بصوتٍ واثقٍ جهر به أمام الجميع:
"لكني أودُّ حقاً أن يكتملَ عقدُ القِران، ولن أرحلَ قبل أن أنالَ مُرادي!"
سقطت الكلمات في أرجاء الصالة كصاعقةٍ غير متوقعة، فتبدلت ملامحُ الانكسار إلى حالةٍ من الذهول المطلق. تجمَّد الجميع في أماكنهم؛ ففي الوقت الذي كان فيه إسماعيل يتهيأ لغلقِ أبواب بيته على خيبته، جاء هذا الرجل ليشرعها من جديد. اتسعت عينا مريم وهي تحاول استيعاب ما سمعت، وشعرت برعشةٍ تسري في كيانها؛ أكان يرمم كرامتهم أم كان يتمسك بعهدٍ قطعه على نفسه؟ بينما ظلت نور ومرام شاجرتين ببصرهما نحو هذا الرجل الذي قرر، في ذروة الانهيار، أن يسير عكس اتجاه الريح.
ارتجفت ملامح إسماعيل، وبدا وكأنَّ الكلمات قد ضلّت طريقها إلى لسانه؛ فقد كان يتوقع أي شيء إلا أن يُصرَّ هذا الرجل على البقاء في سفينةٍ توشك على الغرق. قال بصوتٍ خفيض يرتعشُ كبرياءً:
"يا بني.. أنتَ لستَ مضطراً لكل هذا، لا أحد يُلزمكَ بشيءٍ بعد ما رأيت."
لم يتردد عبد الرحمن ولو لثانية واحدة، بل ظلت نظرته ثابتة كأنها مرساة وسط هذا الطوفان، وأجاب بنبرةٍ قاطعة:
"ولكني مصمم."
في تلك اللحظة، رُفعت الأبصارُ نحو مريم التي شعرت وكأنَّ جدران الصالة تتسعُ وتضيقُ حولها؛ كانت تنظر إليه بنظرةٍ تائهة، امتزج فيها الذهول بالامتنان، والخوفُ ببريقِ أملٍ لم تجرؤ على الحلم به. فجأة، انكسرَ هدوءُ المشهدِ بصوتِ تصفيقٍ بطيءٍ وبارد، كان المصدر هو "نوح" الذي انفجر بضحكةٍ ساخرةٍ تقطرُ استهزاءً، مالت رأسه قليلاً وهو يرمقُ عبد الرحمن بنظرةٍ خبيثة، ثم قال وهو يصفقُ بيديه:
"لا.. 'جنتل مان' أوي بصراحة!"
ثم توقف عن التصفيق، وأكمل بنبرةٍ ساخرة وهو يرفع حاجبه باستخفاف:
"شابوه.. والله برافو عليك، مكنتش أعرف إن الروايات الرومانسية لسه عايشة وسطنا."
ظلَّ عبد الرحمن صامداً في وقفته، متجاهلاً وجود "نوح" تماماً، وكأنَّ المكان لا يضمُّ سواهُ وإسماعيل. وجَّه حديثه للأب بنبرةٍ هادئة ولكنها تحملُ ثقل الجبال:
"يا عمّ.. العهودُ لا تُختبرُ في السَّعة، بل في هذه اللحظاتِ تحديداً. جئتُ طالباً مريم، وما حدثَ الليلة لا يغيرُ من قَدْرِها في عيني أنملة."
كان إسماعيل يرمقه بنظرةٍ تائهة، وكأنه لا يصدقُ أنَّ هناك مَن يتمسكُ بالحطام، فسأله بصوتٍ مخنوق:
"أهذا قرارُ مروءةٍ يا بني؟ أم هو اندفاعُ لحظةٍ قد تندمُ عليها غداً؟"
ردَّ عبد الرحمن بيقينٍ أخرسَ الألسن:
"بل هو قرارُ رجلٍ يعلمُ مَن يختار. أنا جاهزٌ يا عمي.. إن كنتَ أنتَ جاهزاً."
هنا، شاطَ نوح غضباً من هذا التهميش المتعمد؛ فقد ألقى بسُمِّه ولم يلتفت إليه أحد، فبقي في مكانه يراقب المشهد بضيقٍ من خلف دخان سجائره. وفي تلك الأثناء، تحرك العم رضا بوقارٍ زائف، وعدّل نظارته وهو يقترب من عبد الرحمن بحجة مراجعة الهوية الشخصية. انحنى قليلاً، وفي لحظةٍ خاطفة انشغل فيها الجميع بمراقبة انكسار إسماعيل، ألقى بكلماته المسمومة في أذن الطبيب بصوتٍ خافتٍ وحاد:
"يا بني.. نصيحةُ رجلٍ خبيرٍ بهذه الدماء؛ بناتُ إسماعيل خُلِقن للزينة لا للعشرة، كبرياؤهنَّ يسبقُ مروءتهن، والواحدةُ منهنَّ ترى نفسها فوق الجميع. مَن يتزوجُ من هذا البيت يدخلُ في صراعٍ لا ينتهي مع "أنا" لا تنكسر، وفي النهاية ستجدُ نفسك خاسراً تبحثُ عن امرأةٍ حقيقية تحتضنك، لا تمثالاً من غرورٍ يرهقك. فكّر.. قبل أن توثّق ندمك في دفتري."
كان وقع الكلمات غادراً، فهي لم تطعن في الشرف، بل طعنت في "أصل" مريم وصلاحيتها لتكون زوجة، والمفارقة أنها خرجت من رجلٍ هو من "لحمها ودمها". تجمّد العالم للحظة في عيني عبد الرحمن، وشعر بمرارة الكلمات، لكنه بثباته المعهود لم يمنح العم رضا حتى إيماءةً بالارتباك.
ظلَّ ينظر إلى نقطةٍ بعيدة في الفراغ ببرودِ طبيبٍ يدركُ مكان الورم الخبيث ويقرر استئصاله بصمته، ثم التفت بكامل وقاره نحو إسماعيل، وقال بصوتٍ جهوريٍّ قطعت نبرتُه كلَّ شك:
"يا عمي إسماعيل.. أنا لم آتِ لأطلبَ امرأةً تُقاد، بل جئتُ لأختارَ مريم لأنها هي، بكل كبريائها الذي أعرفه وأقدره. المأذون جاهز.. فهل نباركُ هذا الميثاق؟"
ساد الصمتُ أرجاء الصالة، وشحب وجه العم رضا خلف أوراقه؛ فقد أدرك أنَّ سُمَّه ارتدَّ عليه. أما مريم، فقد شعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها؛ لم تسمع الهمس، لكنها رأت في عيني عبد الرحمن "حمايةً" لم تعهدها من قبل، وكأنه يصدُّ عنها رصاصاً غيبياً أطلقه أقرب الناس إليها.
في اللحظة التي تزلزلت فيها الأرضُ تحت قدمي مريم وهي ترقبُ رسالة التهديد، احتوتها لمسةٌ دافئةٌ وقوية أحاطت بكفها المرتجف. كانت يد عبد الرحمن هي التي حسمت المعركة؛ إذ ضغط على يدها برفقٍ حمل كل معاني الأمان، ومال برأسه نحوها يهمس بصوتٍ رخيمٍ لم يسمعه غيرها، لكنَّ هيبته بلغت مسامع الجميع:
"أعتذرُ لهذا الفعل.. ولكن لن أرخيَ قبضتي هذه، لا الآن، ولا حين تعصفُ بنا الدنيا لاحقاً. ثقي بي، وتقبليني زوجاً، وسنداً، وكتفاً لا يميل."
سرت كلماته في جسد مريم كالدواء في عروقٍ أضناها التعب؛ فرفعت بصرها إليه، ولأول مرة منذ بداية العاصفة، شعرت بأن هناك مرافئ لا تطالها الأنواء.
وفي تلك الأثناء، تحركت والدة عبد الرحمن بوقارٍ يفيضُ رحمةً نحو "مرام" القابعة في ركن الانكسار، وانحنت تضع يدها على كتفها، ونظرت في عينيها المجهدتين بصدقٍ تام وقالت بنبرةٍ خفيضة تملؤها المواساة:
"اعتذاري لكِ يا ابنتي.. فما كان لنا أن نُكمل عقد هذا القِران وأنتِ مكلومةٌ بهذا الجرح، لولا أننا أردنا أن نشدَّ عضد هذا البيت في محنته."
ثم التفتت بوجهها نحو "سوسن" التي كانت تراقب المشهد بذهولٍ شتت أفكارها، فربتت على يدها قائلة:
"اصبري يا أم يحيى.. فوالله لن يكون ابني لكِ إلا كما كان "يحيى" أو يزيد، وهذا عهدٌ أمام الله."
كانت هذه الكلمات هي المِعول الذي هدم كل ما بناه "نوح" و"العم رضا" من فتنة؛ فقد تحول المشهد من انقسامٍ إلى لُحمةٍ واحدة، وأدركت مرام في تلك اللحظة أنَّ خسارتها لـ "أحمد" لم تكن نهاية العالم، بل كانت بدايةً لظهور معادنٍ أصيلة لم تكن تدرك وجودها.
هدأ الضجيجُ النفسيُّ في الصالة، وأصبح الجميعُ في ارتقابٍ للحظة التي ستنقلهم من ركام المأساة إلى رباط الميثاق. تنحنح العم رضا محاولاً استعادة وقاره الذي تضاءل أمام ثبات عبد الرحمن، ففتح دفتره الكبير بآليةٍ جامدة، ومدَّ يده ببطء نحو إسماعيل، قائلاً بصوتٍ جاف:
"على بركة الله.. ضع يدك في يد عبد الرحمن يا أخي."
مدَّ إسماعيل يده المرتجفة، وفي تلك اللحظة، كان نوح يراقب المشهد وعيناه تشتعلانِ خيبة؛ فقد رأى كيف تحطم صرحُ سُخريته أمام رصانة هذا الطبيب. أما مريم، فكانت ترقب يد والدها وهي تقترب من يد عبد الرحمن، وشعرت بأن تلك "القبضة" هي الجدار الأخير الذي يحمي عائلتها من الانهيار التام.
وضع المأذون المنديل الأبيض، وبدأت الكلماتُ التي تُشرعنُ هذا الرباط وسط العاصفة. وفي الوقت الذي كان فيه إسماعيل يُردد بصوتٍ متهدج: "زوجتكَ ابنتي.."، اهتز هاتف مريم مرةً أخرى في جيبها، لكنها لم تلتفت إليه هذه المرة؛ بل أغمضت عينيها وهي تسمع صوت عبد الرحمن الواثق وهو يردد القسم، وكأنه يغلقُ بكلماته كل ثغرةٍ حاول المتربصون النفاذ منها.
انتهى العقد، ووقع الجميع، ليعلن الصمتُ الذي تلاه أنَّ مريم أصبحت "حرم الطبيب عبد الرحمن"، رغماً عن أنف الرسائل المجهولة، ولؤم القرابة، وكيد الحاقدين.
تعالت أصواتُ المباركاتِ الخافتة التي لم تستطع كسر حدة الصمت الجاثم على المكان. اقتربت هاجر من صديقتها مريم، وضمتها بحفاوةٍ حاولت من خلالها ترميم ما أفسدته الليلة، وهي تهمسُ لها بكلماتٍ دافئة لم تصل إلى قلب مريم المشتت.
في تلك الأثناء، كانت نور تقفُ بعيداً، وبدت في حالةٍ غير طبيعية بالمرة؛ ملامحها متصلبة ونظراتها تائهة وحادة في آنٍ واحد. التقت عيناها بعيني مرام المكلومة، فتبادلتا نظرةً طويلة غامضة، وكأنَّ هناك حديثاً سرياً يدورُ بين الأعين لا يجرؤ اللسانُ على نطقه، نظرة جعلت مرام ترتابُ من صمت "نور" المريب. أما سوسن، فكانت تقفُ في المنتصف عاجزةً عن تصنيف مشاعرها؛ فلا تدري أيهما أولى بالحضور الآن: سعادتُها بستر مريم، أم نُواحُها على جرح مرام؟ كانت كمن يسيرُ على حدِّ السكين، تائهةً بين النقيضين.
قطعت هذا التيه سلوى (والدة عبد الرحمن)، التي تحركت بوقارٍ يفيضُ حزماً، وأمسكت بيد مريم بقوةٍ حانية، ثم سحبتها برفقٍ متجهةً بها نحو أقرب غرفةٍ خالية.
بمجرد أن أُغلق الباب، ساد صمتٌ كثيف لم يقطعه سوى أنفاس مريم المتلاحقة. التفتت سلوى إليها، ولم تترك يدها، بل أحاطت وجهها بكفيها ونظرت في عينيها بنظرةٍ اخترقت كل الحصون التي حاولت مريم بناءها طوال الليلة، وقالت بصوتٍ هادئ ورزين:
"يا ابنتي.. عبد الرحمن لم يختر مريم التي يراها الناس الآن، المنكسرة خلف جدران هذا البيت؛ بل اختار مريم التي يعلمُ يقيناً أنها ستكون شريكته في طريقٍ لن يكون سهلاً."
صمتت قليلاً لتتأكد أن مريم تنصت، ثم تابعت بنبرةٍ أكثر صرامة:
"أعلمُ أنَّ الرسالة التي وصلت إليكِ ليست مجرد كلمات، وأعلمُ أنَّ "نور" ليست على طبيعتها، وأنَّ عائلتكِ تمرُّ بإعصار. لكن اسمعيني جيداً.. مَن يضع يده في يد عبد الرحمن لا يلتفتُ خلفه. نحن لا نشتري "ستراً" يا مريم، نحن نبني "حصناً". أريدكِ أن تخرجي من هذه الغرفة وأنتِ تدركين أنَّ أيَّ جولةٍ قادمة لن تخوضيها بمفردكِ."
مسحت سلوى دمعةً تمردت من عين مريم، وأردفت بسؤالٍ مباشر:
"أخبريني يا مريم.. مِمَّ تخافين تحديداً؟ هل هو الماضي الذي يحاولون نبشه، أم هو المستقبل الذي تخشين ألا يكون عبد الرحمن طرفاً فيه؟"
قطع حبلَ الصمتِ طرقةٌ هادئةٌ على الباب، قبل أن يخطو عبد الرحمن إلى الداخل يعقبه إسماعيل. وبمجرد أن وقعت عينا إسماعيل على عبد الرحمن، لم يجد في صدره متسعاً للكلمات؛ فتقدم نحوه واحتضنه بقوةٍ ارتجف لها جسده المنهك، وكأنما عثر أخيراً على مأمنه. بادله عبد الرحمن الاحتضان بوقارٍ يطمئنُ القلب، ونظر في عيني إسماعيل بصدقٍ جارف قائلاً:
"يا عمي.. أنت من اليوم والدي، ولقد شعرتُ الليلة أنَّ لي أباً يسقطُ في جُبٍّ عميق، وكان لزاماً عليَّ أن أكون أنا مَن يلتقطُه ويمدُّ له يد النجاة.. لستَ وحدك، وأنا هنا لأحمل عنك ما أثقلك."
ثم أخرج عبد الرحمن من معطفه مظروفاً، واستخرج منه أوراقاً وضعها بهدوء على الطاولة؛ كانت عقوداً وقضايا مرفوعةً بالفعل ضد إسماعيل، تتهمه بالنصب والاحتيال وتعثر الديون، وأوراقاً رسمية تُثبت أنه بات على شفا حفرة من دخول السجن. تجمّد نَفَسُ مريم، وانكسر بصر إسماعيل نحو الأرض خجلاً، بينما أكمل عبد الرحمن بصوتٍ رخيم:
"وصلتني هذه الأوراق الليلة مع رسالةٍ تخبرني بأنني (الضحية القادمة)، وأن مريم ليست إلا فخاً نُصب لي لسداد هذه الديون وإنقاذك من السجن. أرادوا لي أن أقرأ كلمة (نصب) بجانب اسمك، فأنسحبُ ذعراً على مالي وسمعتي، وأترككم تنهارون وحدكم في هذه الظلمة."
ساد وجومٌ قاتل، لكن عبد الرحمن أمسك بيد إسماعيل المرتجفة وتابع بنبلٍ أذهل الجميع:
"لكن غباءهم خانهم؛ فلو كان مالي سيحمي والدي من السجن فليذهب المال كله، ولو كانت مريم تداري جرح عائلتها بصبرها فهذا يرفعُ قدرها عندي ولا ينقصه. لذا قررتُ العقد فوراً؛ لأثبت لهم أنني اشتريتُ (أصلاً) لا صفقة، وأنني دخلتُ هذا البيت لأبني حصناً لا لأبحث عن مكاسب. مريم الآن زوجتي، وقضيتُك يا عمي أصبحت قضيتي، ولن تمسكك يدُ القانون وأنا حيّ."
ثم ختم حديثه بوقارٍ وهو يستعد للمغادرة:
"غداً سآتي مع والدتي لنتمَّ مراسمَ الاتفاق، وضعْ يا عمي في عقدنا كل ما يرضي ضميرك ويحفظ قدرَ ابنتك، فما جئتُ هنا لأُناقش شروطاً، بل جئتُ لأشتري نسباً لا يُقدّر بثمن، وسيكونُ كلُّ ما تأمرُ به ديناً في رقبتي أؤديهِ سمعاً وطاعة."
بَعْدَ أَنْ أَلْقَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ كَلِمَاتِهِ الَّتِي كَانَتْ بِمَثَابَةِ مِيثَاقِ شَرَفٍ جَدِيدٍ، سَادَ الغُرْفَةَ صَمْتٌ مَهِيبٌ، لَمْ يَقْطَعْهُ سِوَى شَهَقَاتِ مَرْيَمَ الَّتِي امْتَزَجَ فِيهَا الفَرَحُ بِالذُّهُولِ. اسْتَدَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ نَحْوَ البَابِ بِوَقَارٍ، وَتَبِعَهُ إِسْمَاعِيلُ بِخُطَوَاتٍ بَدَتْ أَخَفَّ وَطْأَةً مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ دَقَائِقَ؛ وَكَأَنَّ الجَبَلَ الَّذِي كَانَ جَاثِماً عَلَى صَدْرِهِ قَدِ اسْتَقَرَّ الآنَ عَلَى أَكْتَافِ رَجُلٍ يَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ.
عِنْدَ خُرُوجِهِمْ إِلَى الصَّالَةِ، كَانَتِ الأَعْيُنُ تَتَرَقَّبُ، بَيْنَمَا وَقَفَتْ مَرْيَمُ عِنْدَ عَتَبَةِ الغُرْفَةِ تُرَاقِبُ ظَهْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ يَنْسَحِبُ بِهُدُوءٍ، وَشَعَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّ لَقَبَ "حَرَمِ الطَّبِيبِ" لَيْسَ مُجَرَّدَ رُتْبَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، بَلْ هُوَ دِرْعٌ مِنْ فُولَاذٍ.
بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنَ الغُرْفَةِ، اسْتَقْبَلَهُ نُوحٌ بِوَقْفَةٍ مَائِلَةٍ وَابْتِسَامَةٍ بَارِدَةٍ تَقْطُرُ سُمّاً، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ سَاخِرَةٍ وَمُسْتَفِزَّةٍ:
"يا حلاوة.. قال لك كان غريب شوية وبقالنا حبيب! مبروك يا دكتور، العقد اتكتب في رمشة عين."
ثُمَّ التَفَتَ نَحْوَ خَالِهِ إِسْمَاعِيلَ بِنَظْرَةٍ وَقِحَةٍ، وَأَكْمَلَ بِلَهْجَةٍ غَرَضُهَا كَسْرُ هَيْبَةِ الرَّجُلِ:
"لحقت تثق فيه يا خال؟ ده الحبر لسه مجفش في الورق، ولا الغريق بيتعلق بقشة وخلاص؟"
سَادَ صَمْتٌ مُخِيفٌ، وَلَمْ يَتَحَدَّثْ إِسْمَاعِيلُ، بَلْ صَوَّبَ نَحْوَ نُوحٍ نَظْرَةً نَارِيَّةً حَادَّةً، كَانَتْ كَفِيلَةً بِأَنْ تَحْرِقَ الكَلِمَاتِ فِي جَوْفِهِ؛ نَظْرَةٌ جَمَعَتْ بَيْنَ قَهْرِ الأَبِ وَصَرَامَةِ الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَمُتْ كِبْرِيَاؤُهُ بَعْدُ. تَرَاجَعَ نُوحٌ خُطْوَةً لِلْخَلْفِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَصْمُتْ، بَلْ بَرْطَمَ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ وَهُوَ يَهْرَبُ بِعَيْنَيْهِ:
"الثقة في النفس حلوة يا خال.. بس مش من شوية كنت بتعيط على خيبتك؟"
هُنَا، لَمْ يَسْتَطِعْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ التَّجَاوُزَ أَكْثَرَ. تَحَرَّكَ خُطْوَةً وَاحِدَةً وَاثِقَةً، وَقَفَتْ فِيهَا الدُّنْيَا وَلَمْ تَقْعُدْ، وَاقْتَرَبَ مِنْ نُوحٍ حَتَّى أَصْبَحَ بِمُوَاجَهَتِهِ تَمَاماً، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَرَزِينٍ وَلَهُ وَقْعُ الرَّصَاصِ:
"اللي بيعيط على خيبته يا نوح، هو اللي بيقف يتفرج على بيته وهو بيتحرق عشان يدفي إيديه.. وأنا عيني طويلة ويدي أطول!"
ابْتَلَعَ نُوحٌ رِيقَهُ بِصُعُوبَةٍ، وَشَحَبَ وَجْهُهُ وَتَجَمَّدَتِ السَّخْرِيَةُ عَلَى شَفَتَيْهِ، وَلَمْ يَجْرُؤْ عَلَى رَدِّ الكَلِمَةِ بِمِثْلِهَا.
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، الْتَفَتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ نَحْوَ سُوسَن، وَانْحَنَى بِوَقَارٍ لِيُقَبِّلَ يَدَهَا، ثُمَّ احْتَضَنَهَا بِحُنُوٍّ بَالِغٍ قَائِلًا:
"أَنَا ابْنُكِ الثَّانِي يَا أُمِّي، وَأَخٌ لِبَنَاتِكِ.. عَهْدٌ عَلَيَّ، لَنْ يَنَالَ شَخْصٌ مِنْكُمْ بِسُوءٍ وَأَنَا عَلَى وَجْهِ الْحَيَاةِ مَا بَقِيتُ."
وَدَّعَ الْجَمِيعَ بِاحْتِرَامٍ جَمٍّ، ثُمَّ اصْطَحَبَ وَالِدَتَهُ وَأَخْوَالَهُ الَّذِينَ لَمْ يَرُقْ لَهُمُ الْوَضْعُ الْمُهْتَزُّ لِهَذَا الْبَيْتِ بَتَاتًا. وَمَا إِنْ أُغْلِقَ الْبَابُ خَلْفَهُمْ، حَتَّى ثَقُلَ الْهَوَاءُ، وَتَكَهْرَبَتِ الْأَجْوَاءُ بِشُحْنَةٍ مِنَ الْغِلِّ الْمَكْتُومِ.
تَقَدَّمَتْ نُور بِخُطَوَاتٍ مُرْتَعِشَةٍ تُحَاوِلُ مُبَارَكَةَ مَرْيَمَ، لَكِنَّ مَرَام قَطَعَتِ الطَّرِيقَ بَيْنَهُمَا كَالسَّدِّ الْمَنِيعِ، وَصَاحَتْ بِوَجْهِهَا بِنَبْرَةٍ تَقْطُرُ مَرَارَةً:
"إِيَّاكِ أَنْ تَلْمَسِيهَا! أَنْتِ الَّتِي خَرَّبْتِ بَيْتِي.. أَنْتِ الْغَدَّارَةُ الَّتِي كَانَتْ تَتَسَلَّلُ لِحَيَاتِي لِتَهْدِمَهَا!"
اشْتَعَلَتِ الِاتِّهَامَاتُ سَاخِنَةً، وَنُورُ لَا تَمْلِكُ سِوَى الدُّمُوعِ، لِتَنْدَفِعَ مَرْيَمُ صَارِخَةً لِتَفْصِلَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ هَزَّ أَرْكَانَ الصَّالَةِ:
"تَوَقَّفُوا! كَفَاكُمْ ظُلْمًا لَهَا.. نُور لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ شَيْئًا! لَقَدْ خَدَعَهَا بِاسْمٍ مُسْتَعَارٍ، كَانَ يُوهِمُهَا بِالْحُبِّ تَحْتَ اسْمِ (عُمَر)، وَهِيَ الْمِسْكِينَةُ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا (الْعُمَرَ) لَيْسَ سِوَى (أَحْمَد).. زَوْجِكِ يَا مَرَام! لَقَدْ اسْتَغَلَّ صَدَاقَتَهَا لِي لِيَدْخُلَ بَيْنَنَا كَالسُّمِّ، هِيَ ضَحِيَّةٌ مِثْلُكِ تَمَامًا!"
سَادَ وُجُومٌ قَاتِلٌ بَعْدَ هَذَا الِاعْتِرَافِ الصَّاعِقِ، قَطَعَهُ نُوحٌ بِتَهَكُّمِهِ الْمَعْهُودِ وَخَسَاسَتِهِ، وَهُوَ يُلَوِّحُ بِيَدِهِ سَاخِرًا:
"إيه يا جماعة؟ هو أنتم مابتتشتطروش غير على الولايا؟ بتتكتروا على ولية مظلومة وغلبانة، طب كنتم ورونا فلاحتكم مع أحمد اللي لَبّسكم في الحيط!"
لَمْ يَكَدْ نُوحٌ يُنْهِي جُمْلَتَهُ حَتَّى دَوَى صَوْتُ ارْتِطَامٍ عَنِيفٍ.. حَجَرٌ أُلْقِيَ مِنَ الشُّرْفَةِ بِقُوَّةٍ لِيَسْقُطَ تَحْتَ قَدَمِ إِسْمَاعِيل تَمَامًا. انْحَنَى بِظَهْرٍ مُنْهَكٍ وَالْتَقَطَهُ، لِيَجِدَ وَرَقَةً مَلْفُوفَةً حَوْلَهُ، فَتَحَهَا بِيَدٍ تَرْتَجِفُ، لِيُصْعَقَ بِالْكَلِمَاتِ:
"يَحْيَى وَمَاتَ.. تُحِبُّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَحْصَلَهُ؟"
تَجَمَّدَتِ الدِّمَاءُ فِي الْعُرُوقِ، وَسَقَطَتِ الْوَرَقَةُ مِنْ يَدِ إِسْمَاعِيلَ، بَيْنَمَا كَانَتِ الرِّيحُ تَعْصِفُ بِسَتَائِرِ الشُّرْفَةِ، مُعْلِنَةً أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَزَالُ يَقِفُ فِي الظِّلِّ، يَنْتَظِرُ ضَحِيَّتَهُ الْقَادِمَةَ.
يقولون: "إنَّ الحقيقةَ مِثلُ النور، لا يُمكنُ حجبُها بغربالِ الصمت؛ لكنها حين تظهرُ فجأة، قد تحرقُ العيونَ التي اشتاقت لرؤيتها."
رحل عبد الرحمن مخلفاً وراءه وعوداً بالنجاة، لكنَّ الظلَّ الذي يتربصُ بالشرفة كان له رأيٌ آخر. فهل كان "يحيى" هو القربان الأول لهذا البيت؟ وهل سيتحول "درع الفولاذ" الذي تفاخرت به مريم إلى كفنٍ جديد يرتديه الطبيبُ الذي جاء ليداوي جروحاً، فصار هو الجرح القادم؟
تُرى.. مَن هو الذي يملكُ جرأةَ القتلِ وجرأةَ التهديدِ في آنٍ واحد؟ وما هو السرُّ المدفونُ مع "يحيى" والذي يُراد لـ "عبد الرحمن" أن يلحقَ به قبل أن يكشفَه؟
غداً في الفصل السادس: "خيوطُ العنكبوت.. مَن الذي ينسجُ الموتَ في الظلام؟"