رحيق النرجس - فصل جديد
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

رحيق النرجس - فصل جديد

جاري التحميل...

.......

نيران الغيرة

تحميل الفصول...
المؤلف

كانت تظنّني ضعيفة لأنّي أصمت... غير أنّها تجهل أن للصمت ضريبةً لا يُطيقها كثيرون؛ فهو ثمنُ العِشرة الطويلة، والأخوّة التي حملتُها لها يومًا، والامتنان العميق لوالديها اللذين احتضناني صغيرَة، وربّياني دون أن يحرماني حاجةً أو رغبة.
أكان يُسعدها حقًّا أن تُهينني؟ أيمتلئ صدرها نشوةً حين تجرحني؟
لا بأس... فلتتشبّع نفسها بما تشاء أمّا أنا، فأكبر من أن أحمّل قلبي حزن لحظةٍ عابرة.


نعم... كنت أكنّ ليونس مشاعر دفينة، نعم خُدعتُ فيه حتى تكسّر قلبي صدمة، لكن من لا يُشترى بالمال قلّ في هذه الدنيا.


غير أنّ ما جرى اليوم علّمني درسًا حادًّا ألا أُسرف ثقةً في أحدٍ أبدًا، حتى لو تقاسمْنا الطبق ذاته.


كانت تلك العبارات تتردّد في ذهن نرجس ارتدادًا موجعًا، وهي تراقب ماريان تتلذّذ بإهانتها.
ثم انتقل بصرها إلى يونس، وقد بدا عليه الارتباك وإن حاول أن يخفيه بابتسامةٍ ساذجة وهو يقول لماريان:
"ها عملتلك اللي انتي عاوزاه أهو... أجي إمتى الانترفيو عشان الشغل عند والدِك؟"


عندها اكتملت الصورة المبعثرة في ذهنها... 


وقبل أن تنطق ماريان بكلماتها المتفاخرة، ضحكت نرجس ضحكةً عالية مباغتة، أربكت الجميع، وقالت بين ضحكاتها:
"انتوا عاملين فيّا مقلب... والله كنت حاسّة!"


تبادلت ماريان نظرةَ ريبةٍ مع الفتيات وأشارت إليهنّ بإيقاف التصوير، ثم اقتربت منها بخطوتين وقالت بصوتٍ مُطرِب :
"مقلب إيه؟... انتي غبيّة ولا ساذجة؟!
إنتي لِسّه حالاً متهانة ... وقايلّك إن الخاتم الفالصو دا قيمتك!"


فرتْ من نرجس ضحكةٌ أخرى وهي تقول:
"ماريااان حبيبتي... الخاتم من قيمة اللي جايبه.
وبصراحة... أنا عارفة إنك ناوية تعملي فيّا مقلب من أول ما جبتي سيرته في العربية...
أنا مش ساذجة للدرجة دي."


اشتدت ملامح ماريان، وقالت بنبرةٍ حادّة تكاد تلهث غضبًا:
"إنتي كدّابة!
كنتِ بتقولي موافقة والقلوب بتطير من عينيكي...
إنتي أصلًا بتحبيه!
وهو هزقك عشانّي... باعك عشان شغلانة في مصنع الجِزم عند بابا!
هي دي قيمتك!"


شعرت نرجس بغصّة عميقة، لكنها تماسكت، وظلّت ابتسامتها ثابتة كحدّ السكين:
"هه... ميري، أنا آسفة إني بوظت عليكي انتصارك.
بس أنا بصراحة... مش بحبه ولا حاجة.
أنا قبلت بس عشان خفت أحرجه... لكن إحساسي إنه مقلب كان مريحني.
فمعلش... تتعوض في حاجة تانية."


ازداد وجه ماريان اشتعالًا، بينما رفعت نرجس رأسها بثباتٍ لم تعهده منها من قبل.
كانت مجروحة، نعم... لكنها أقسمت ألّا تهدي ماريان نشوة انتصارٍ فوق جرحها.


أمّا يونس، فوقف ينظر إليها بإعجابٍ وحسرةٍ في آنٍ واحد؛ كان يظنّها واقعةً في هواه، وكان ذلك يداوي شيئًا من غروره.
لم يُنكر أنه كان يتقرّب منها لتعينه في الاختبارات لتفوّقها، حتى شعر ببعضِ الإعجاب لها، لكن عرضَ ماريان كان أشدَّ إغراءً.
والآن شعر بالندم؛ فقد خسر الاثنتين...
فماريان لم تنل انتصارها، ونرجس باتت تراه وغدًا لا أكثر.


احتدت ملامح ماريان، ثم ما لبثت أن تبدّلت؛ مسحت غضبها وارتدت قناع الهدوء كممثلةٍ محترفة، وقالت بضحكة مزيفة:
"ههه... شربتِ المقلب يا حياتي!
برافو عليكي...واوعى تزعلى .. كنّا بنهزر."


تعجبت نرجس لحظة، ثم تذكّرت أنّ تلك عادة ماريان حين تفشل في إيذائها؛ تمثّل المزاح والودّ خوفًا من أن تخبر نرجس والديها فيُعاقبانها أو يحرمَانها المصروف.
فبادلَتها نرجس الابتسامة:
"بس انا مشربتوش يا قلبي انتى الى شربتيه...وعموماً مش زعلانه ،احنا إخوات."


وما إن نطقت نرجس تلك الكلمه حتى ازداد غليان ماريان خلف ابتسامتها المصطنعة.
لاحظت نرجس ذلك، فضحكت قائلة بوداع:
"هروح أنا بقى قبل ما ينادوا على أوائل الدفعة.
زي ما أنتم عارفين... العبدة لله أوّل على الدفعة مع مرتبة الشرف."


كادت ماريان تفقد صوابها، وزاد جنونها حين أردفت نرجس وهي تمر بجانبها:
"متتأخريش انتي كمان... عشان تتكرمي.
ما انتي اللي بعدي على طول... التانية."


تصاعد غضبها وضغطت على قبضتها بقوة، بينما أحاطت بها صديقاتها ليهدّئنها.
أما نرجس فمرّت أمام يونس بنظرةٍ باردةٍ مستنكرة، ثم خلعت الخاتم الرديء وصفعته بوجهه وهي تقول:
"الرخيص للرخيص... وأنا مقبلتش أرخص منك."


تلعثم وهو يقول بارتباك:
"ن... ن نرجس، استني بس... أنا كنت مجبَر والله."


لم تلتفت إليه، ومضت مبتعدةً...
ومع كل خطوةٍ كانت الدموع تثقل جفونها حتى تسقط دون أن تشعر.


********
شهقت علياء بعدما استمعت إلى ما قصّته عليها نرجس، وقالت بحنق:
"الصفرا الحيزبونة... بس أنا اتصدمت في يونس... إنما هي كدا كدا معروفة إنها بغل."


تنهدت نرجس بألم وهي تشاهد الطلاب يمرحون ويرقصون، ومنهم من يصوّر مقاطع فيديو على مواقع التواصل، فحسدتهم على تلك السعادة، إذ اعتادت سعادتها أن تولد ناقصةً ،حتى نطقت قائلة:
"عادي، مش هنتعلم بالساهل... بس الموضوع محرج أوي، حتى لو أنا تداركت الموقف."


مدّت علياء شفتها السفلية بحزن، وقالت:
"عندك حق... بس إنتِ بجد أفحمتيها، عرفتي تطلعي من الموقف المحرج ده منتصرة... المفروض هما اللي يتحرجوا مش إنتِ... اعرفي يا نونه إن اللي بيأذي حد هييجي يوم ويلاقي اللي يأذيه هو كمان مهما طال الزمن."


أومأت نرجس، فتابعت علياء بابتسامة:
"فكّي بقى، دي الحفلة حفلتِك... ده منظر واحدة الأولى على الدفعة... ده امتياز يا هانم مع مرتبة الشرف."


ضحكت نرجس وقالت:
"الحمد لله، أنا تعبت طول السنين اللي فاتت عشان أوصل..."


وقبل أن تكمل، قالت علياء مقاطِعة:
"مامتك جت... هي وأنكل ادريان ومدام نفين داخلين من البوابة أهو."


التفتت نرجس بدهشة، وكل ما كانت تحتاجه بصدق هو حضن أمّها. وجدتها تسير بجانب نفين وهي تحمل باقة ورد كبيرة، مُعلَّق عليها كارت صغير كتب فيه : "مبروك النجاح يا وردتي."


اغرورقت عينا نرجس بالدموع، وركضت نحوها، وحين لمحتها ونيسه فتحت ذراعيها لاستقبالها. ارتمت نرجس داخل ذلك الحضن، وظلّت تتنهد بحزنٍ مكتوم، بينما قالت ونيسه بسعادة:
"مبروك يا نن عين أمك... عقبال ما أشوفك جنب عدلك يا رب."


شعرت نرجس بغصة أكبر، فزاد بكاؤها، مما جعل ونيسه تشعر بحزنها، فرفعت وجهها متسائلة:
"مالك يا نرجس؟ مين زعلك بس؟"


مسحت نرجس دموعها بأناملها، وقالت وهي تتصنّع الفرح:
"دي دموع الفرح يا ماما... وزادت لما شوفتك."


ابتسمت ونيسه بارتياح، وضمتها إليها من جديد، تقبّل خصلات شعرها، وتقول:
"ربنا يسعدك كمان وكمان يا نن عين أمك."


اقتربت نفين وزوجها ليهنئاها، فقالت نفين:
"مبروك يا نرجس... سمعت إنك الأولى على الدفعة."


رفعت نرجس وجهها وقالت شاكرة:
"الله يبارك فيكي يا مدام نفين... تسلمِيلي."


أما أدريان، فمدّ لها باقة من زهور النرجس، وقال:
"ملقتش أجمل من الزهور اللي اتسمّيتي على اسمها... واللي كان المرحوم علي بيعشقها... عشان تبقى ذكرى جميلة معاكي في اليوم ده، كأنه موجود بالظبط وسطنا... وألف مبروك يا حبيبتي."


دمعت عينا نرجس من جديد، وكذلك ونيسه التي هزّتها الذكرى، فقالت نرجس بامتنان وهي تأخذ الباقة منه:
"شكرًا أوي يا أنكل أدريان... تربيتكم ليا ورعايتكم ليا جنب والدتي طبعًا، وحبكم اللي أخلصتوا فيه ، هيفضل دين في رقبتي لآخر العمر."


هزّت نفين رأسها قائلة:
"عيب يا نرجس... إحنا أهل يا حبيبتي، مفيش بينا الكلام ده... إنتِ عندي زي ماريان بالظبط... فبلاش بقى دين وما دين."


وفي تلك اللحظة، كانت الحفلة قد بدأت أخيرًا، ووقف مقدّم الحفل يلقي كلمته الافتتاحية، بينما اقتربت ماريان من بعيد بعد أن لمحت والديها، وهي تنضح غيرة:
"طبعًا... التهنئة والورد لنرجس، إنما ماريان بنتكم لا... ده إنتوا حتى مفكرتوش تدوروا عليّا."


قال أدريان مهدئًا:
"يا ماريان يا حبيبتي، نرجس هي اللي استقبلتنا، ولسه كنا بنكلم... وأكيد يعني هندور عليكي، أو إنتِ هتلاقينا... إيه بس سبب الزعل ده كله؟"


أردفت نفين:
"لو بصيتي وراكي هتلاقي إن حازم السواق جايب البوكيه بتاعك وجاي ورانا... عشان إنتِ طلبتيه ضخم جدًا، وأهو اتنفّذ."


أومأت ماريان بحزنٍ مُصطنع:
"اممم... حللو تفرقتكم بينا... ده غير إن مينفعش نكون متساويين في المعاملة أصلًا... عشان أنا بنتكم."


شعرت ونيسه ببعض الحزن، أما نرجس فرمقتها بغيظ، لكن وئام اندفع قائلًا بحدّة:
"ماريان... قولنا ألف مرة إن نرجس في مقام أُختك، يعني لازم تحبّي لها اللي بتحبيه لنفسك."


تنفست ماريان بعمق وكتمت غيظها، لكنها توعّدت في داخلها بكيدٍ مكتوم.


ــــــــــــــــــــــــــــــ


ازدانت ساحةُ الكليّةِ بأضوائها المتلألئة ولافتاتها الشامخة التي خُطّت عليها عباراتُ التفوّق والامتياز، فيما ارتفعت أنغامُ الموسيقى تتهادى في الهواء، ممزوجةً بضحكاتِ الطلّاب وصخبِ البهجة التي غمرت المكان. وتصدّرت المنصّةُ قلبَ الساحة، متزيّنةً بعناقيدٍ من الورود البيضاء والحمراء، بينما كان عَلمُ الكليّة يرفرف بخفوتٍ مع نسماتِ المساءِ العليل، كأنّه يشارك المحتفلين فرحتهم.


اصطفّ الطلّابُ وأولياءُ الأمور أمام المنصّة، والعيون كلّها مشدودةٌ إليها بترقّبٍ وحماسة، فيما كانت الكاميرات تومض يمينًا وشمالًا، لتُوثّق كلّ لحظة.


وقفت نرجس بين علياء ووالدتها، تقبض على كفّيها بتوتّرٍ مُكتوم، وقلبُها يخفق بعنفٍ يكاد يُسمع. لم تستوعب بعد أنّ اللحظة التي طالما راودت أحلامها قد تجسّدت أمام عينيها على هذا النحو.


اقتربت علياء من أذنها وهمست بابتسامةٍ واسعة:
"الحماس مليووون، صح؟"


زفرت نرجس زفرةً مرتجفة، ثم أومأت بخفوت:
"صح... بس خايفة أوي."


ربّتت علياء على ذراعها مطمئنةً:
"متخافيش... إنتي قدّها."


فلمعت عينا نرجس ببريقٍ متداخلٍ بين فخرٍ يعلو صدرها وغصّةٍ صغيرة لا تفهم لها سببًا.


وعلى بُعد خطواتٍ قليلة، كانت ماريان تقف في صمتٍ ثقيل، تحدّق في نرجس بنظرةً يختلط فيها الترقّب بالسخط، والغيرةُ بالاحتراق. لمحَتها نرجس بطرف عينها، نظرةً خاطفة لم تحمل كلامًا، لكنها كانت كافية لتكشف كل ما يشتعل خلف حدقتي ماريان.


اقتربت ماريان خطوةً ثم همست بنبرةٍ خافتة:
"Good luck يا نرجوستي."


رفعت نرجس عينيها إليها، وقالت بهدوءٍ ثابت رغم اضطراب قلبها:
"شكرًا... وليكي إنتي كمان."


ثم أدارت وجهها، ترفع رأسها بعزمٍ صامت، كأنها تعلن أنّها لم تعد تلك الفتاة التي تُكسَر أو تُهزم بسهولة. لكن صوت ماريان أوقفها:
"عندي ليكي مفاجأة... أتمنى تعجبك."


تسلّل القلق إلى صدرها، لكنها تجاهلته واتكأت على ذراع أمّها، تتابع وقائع الحفل في صمتٍ يقاوم الاضطراب.


اعتلى عميد الكليّة المنصّة، فألقى كلمته وسط تصفيقٍ متواصل، ثم شرع في إعلان أسماء المتفوّقين واحدًا تلو الآخر. ومع كل اسمٍ يُنادى، ترتفع الأصوات بالهتاف، وتعلو الكاميرات لتلتقط اللحظة.


حتى قال بصوتٍ واضحٍ جهير:


"الأولى على الدفعة، مع الامتياز ومرتبة الشرف... الطالبة نرجس علي البَكْرى..."


في اللحظة التالية، انفجرت الساحة في موجة تصفيقٍ صاخبة. شهقت ونيسة وقد امتلأت عيناها بدموعٍ مرتجفة، ورغم علمها بنجاح ابنتها مسبقًا، فإنّ فرحة الناس بها وهتاف زملائها جعل جسدها يقشعر. وضعت يدها على صدرها وهي تقول بذهولٍ فخور:


"وردتي الأولى... وامتياز كمان! يا حلاوة يا ولاد!"


ولم تملك نفسها حتى أطلقت زغرودةً طويلة ملأت المكان حماسًا. التفت الجميع نحوها مبتسمين، بينما ضمّتها نفين بقلبٍ مُفعم، وربّت أدريان على كتفها بفخرٍ هادئ، وكانت علياء تقفز بجوارها تهتف:
"نرجس! نرجس!"


أمّا ماريان، فقد صفّقت بخفوتٍ بارد، تنظر إلى والديها نظرةً جانبية تُخفي خلفها سخريةً مكتومة من احتفائهم الشديد بنجاح نرجس.


بدأت نرجس تتقدّم نحو المنصّة بخطواتٍ متردّدة في البدء، ثم ما لبثت أن تحوّلت إلى خطواتٍ ثابتة، واثقة، تتلقّفها الأنظار من كل الجهات.


تسلّمت شهادتها ودرع التفوّق، وحين التفتت نحو الجمهور، وقعت عيناها مباشرةً على أمّها، فبادلَتها ابتسامةً تفيض بكل ما لا تُحسن الكلمات التعبير عنه.


طلب العميد الهدوء، ثم أعلن:


"كما نُهنّئ الطالبة صاحبة المركز الثاني... الطالبة ماريان أدريان مرقس."


ارتفعت موجةٌ أخرى من التصفيق. رفعت ماريان رأسها في تباهٍ ظاهر، واعتلت المنصّة بخطواتٍ محسوبة، تحاول انتزاع نظرات الإعجاب من الحشود. لكنها لم تجد ما تمنّته؛ فالأعين ظلّت معلّقة بنرجس، تُصوّرها وتبتسم لها.


وقفت بجانبها، وعندما ناولت درعها، همست من بين أسنانها:
"مستعدة للمفاجأة؟"


أجابتها نرجس دون أن تلتفت، بصوتٍ هادئٍ راسخ:
"متحاوليش تكسّري فرحتي يا ماريان... لأن في اللحظة دي مش متخيلة حاجة ممكن تضايقني."


توتّر فك ماريان، لكنها رسمت ابتسامةً جديدة أمام الحضور، تصافح العميد وتلتقط صورها بابتسامةٍ مصطنعة خبيرة.


وفي الأسفل، اختلست نفين نظرةً نحوها وهمست لأدريان:
"أنا مبسوطة بيهم أوي... بس حاسة إن ماريان مش سعيدة."


أجابها أدريان بصوتٍ منخفض:
"هي عمرها ما حبت تكون التانية... وبالأخص بعد نرجس. ربنا يهديها."


وبعد انتهاء فقرة التكريم، بدأ الدي جي يعلن انطلاق الحفل. امتلأت شاشة العرض الكبيرة بخيالاتٍ راقصة، وارتفعت أصوات الموسيقى تدريجيًا، فيما تجمع الطلاب في الخلف يهتفون ويرقصون ويرددون الكلمات بحماسة منفلتة.


كانت نرجس تقف على إحدى الطاولات مع والدتها وعلياء، وأمامهنّ بعض أكواب العصائر والمقبّلات. كانت ونيسة ترمق الفتيات والفتيان الذين يرقصون متلاصقين باشمئزازٍ بالغ، قبل أن تلتفت إليهما قائلة بنفور:


"شوفتوا قلّة الأدب يا بنات؟ تعالوا أودّيكوا نتغدّى في مكان تاني أحسن... أصل أنا حاسّة إني قاعدة في كباريه!"


ضحكت علياء وقالت:
"والله عندك حق يا طنط ونيسة، بس دي جامعة متفتّحة... ولولا المنحة اللي كسبتها ماكنتش هبقى هنا."


ردّت ونيسة بضيق:
"أيوه أيوه... ونرجس كمان، لولا نفين هانم ماكنتش جات هنا. بس كتر خيرها، قالت لازم نرجس تتعلّم تعليم عالي زي بنتها ماريان."


وبينما هما يتبادلان الحديث، كانت نرجس شاردة، تبحث بنظرها عنه... رغم خيبة قلبها مما حدث، إلا أنها كانت قد تعلّقت به دون إرادة. لكن سرعان ما جذب انتباهها ما تفعله ماريان مع صديقاتها؛ كنّ يتهامسن ويتغامزن بطريقة مريبة. ضاقت عينا نرجس حين رأتهن يصعدن درجات المسرح ويتوجّهن نحو الدي جي.


هتفت علياء بضيق:
"هي الحيزبونة دي طالعة ليه على الاستدچ؟"


فأسرعت ونيسة بمعاتبتها:
"عيب يا لولو، تقولي عليها كده... دي-"


لكنها لم تُكمل، فقد توقّفت الكلمات في حلقها حين التفتت إلى شاشة العرض، لترى صورة نرجس تملأها. انقبض قلبها، بينما ساد صمت ثقيل وهي تتابع ما يظهر في الفيديو.


علياء شدّت على شفتيها قهرًا وغيظًا مما فعله يونس بصديقتها في المقطع. أمّا نرجس فشعرت برجفةٍ تهزّ جسدها، وأنفاسها تضيق شيئًا فشيئًا... نظرت حولها فوجدت عيون الجميع عليها؛ بعضها يشفق، وبعضها يتهامس، وبعضها يسخر.


صرخت ونيسة مذهولة:
"إيه اللي بيحصل يا نرجس؟! ومين اللي صوّر الفيديو دا؟!"


وفي المقابل دوّى صوت أدريان أجشّ وهو يهتف في وجه صاحب الدي جي:
"اقفل الزفت دا فورًا!... وكل اللي شارك في المهزلة دي هيتحاسَب قانونيًا!"


أُغلقت الشاشة في الحال، وهرع عميد الكلية محاولًا تهدئة أدريان ونَفين.


اقتربت ونيسة من ابنتها لتعاتبها وتستجوبها، لكنها تجمّدت حين رأت وجه نرجس يشحب، وصدرها يعلو ويهبط بتسارع، مدّت يدها تبحث عن شيء تتشبّث به، حتى اصطدمت أطراف أصابعها بحافة الطاولة أمسكت بها بقوة وزعر، أصابعها تنزلق من العرق البارد الذي بدأ يغمر كفّيها رفعت يدها الأخرى إلى رأسها فجأة، تضغط عليه كأن الألم يخترق جمجمتها.


تلجلج صوت نرجس وهي تهمس:
"م-ماما... أنا..."


لكن كلماتها تقطّعت فجأة، قبل أن تهوي على الأرض.


صرخت ونيسة فزعة وهي تحتضنها:
"حد يلحقنا! اطلبوا الإسعاف حالًا!"


حاولت علياء أن تستعيد توازنها وسط الصدمة، فأخرجت هاتفها بيدٍ مرتجفة لتتصل بالإسعاف. أما الطلاب فالتفّوا حول نرجس مذهولين، تتداخل على وجوههم ملامح الخوف والذهول.


أما ماريان، فوقفت من بعيد تراقب الحدث، وقد ارتعش جسدها رعبًا حين سقطت نرجس. تسلّل إليها شعورٌ ثقيل بالندم، فيما تتابعت أمام عينيها المشهد كخيالاتٍ سريعة متلاحقة؛ رأت والدها يندفع نحو نرجس، يحملها على ذراعيه، ويركض بها إلى الخارج، تتبعه أمّها ونيسة وهي تصرخ بفزع: "بنتي... بنتي!"


ولحقت بهم علياء، تتحدث في الهاتف بارتباك.


ابتلعت ماريان ريقها بصعوبة، وأدركت في تلك اللحظة أنها بالغت في ردّة فعلها، وأن الغيرة والحقد قد أعمتا بصيرتها. اقتربت منها صديقاتها يسألن عمّا ينبغي فعله، غير أن أصواتهن كانت تصل إليها متداخلة، مشوشة، كأنها آتية من بعيد. بقيت معلّقة في مكانها، مسمّرة، تفكّر في المصير الذي ينتظرها حين يعلم والدها أنها كانت السبب وراء كل ما حدث...


ــــــفرنسا ...11:12 مــــــــــ


أضاءت شاشة الهاتف في إحدى الغرف المظلمة معلنةً عن مكالمةٍ واردة دام الرنين لبضع ثوانٍ، فبعث ضوؤه الشاحب ما حوله من ظلمة، ثم انطفأ... وما هي إلا لحظات حتى اشتعلت الشاشة مجددًا برنينٍ مُلحّ، ينبه ذاك النائم على بطنه بعشوائية فوق سريره، عاري الصدر، لا يستر جسده سوى بنطالٍ ورديٍّ مطبوعٍ بقلوبٍ صغيرة، لا يليق بجسده الذكوري الممشوق والعضلي.


رفع رأسه بضيق، وقد انقبضت ملامحه انزعاجًا من ذلك الإلحاح المتواصل. مدّ يده على مضض، تناول الهاتف، وقرّبه من وجهه، يحدّق في اسم المتصل بعينين نصف مغمضتين أتعبهما بريق الضوء زفر بضيق، ثم حاول أن يُسند جسده للنهوض، وفتح الخط واضعًا الهاتف على أذنه، وقال بلكنته الفرنسية:


«ماذا هناك؟ لماذا تتصل في هذا الوقت يا إدوارد؟ ألا تعلم أنّني لا أُفضّل الاستيقاظ قبل ما بعد الظهيرة؟»


جاءه صوت إدوارد ساخرًا: «بلى أعلم، أيها الكائن الشتوي الخامل... افتح لي الباب أولًا، ثم تذمّر كما شئت.»


اعتدل جابرييل في جلسته وقال بحدّة: «ماذا؟ ما الذي جاء بك إلى منزلي؟ لستُ مستعدًا لاستقبال أحد. لا تمزح معي يا إدوارد... مزاجي لا يحتمل المزاح.»


ضحك إدوارد وهو يضغط زر الجرس عمدًا ليبرهن وجوده: «ولمَ أمزح؟ جئت لأقف إلى جانب صديقي في محنته منذ أن عدنا معًا من الجنازة ولم أرك ولم أتحدث معك... أعلم أنّ هناك ما-»


قاطعه جابرييل غاضبًا: «إدوارد، لا أريد مقابلة أحد، ولا شيء لدي لأتحدث عنه أريد فقط أن تتركوني وشأني... وأخبر مارسيل بذلك أيضًا.»


بادله إدوارد الغضب ذاته: «مارسيل تقف إلى جانبي، ولو علمتَ سبب مجيئنا لما تحدثت بهذه الطريقة.»


قال جابرييل بلهفةٍ مكبوتة: «اختصر يا إدوارد... لقد أيقظتني من أجمل جزءٍ في نومي. ما الذي جئتم من أجله إن لم يكن الحديث؟»


وفجأة صرخ صوت مارسيل من جانبه: «شيء يخصّ ديانا، يا جابرييل... هل سيجبرك هذا على فتح ذلك الباب اللعين؟»


لم يُجب. غير أنّ قلبه خفق بعنف حين سمع اسمها. ظنّ أنه تجاوز الألم، وأنه صار أفضل حالًا، إلا أن الاسم وحده كان كافيًا ليفتح أبواب الذاكرة على مصاريعها؛ صورٌ متقطعة، مشاهد يوم رحيلها، رجفة مؤلمة تُطبق على صدره.


قطع سيل ذكرياته صوت مارسيل مرةً أخرى: «هل ستفتح أيها الأوغد، أم آخذ ما معي وأرحل إلى الأبد؟»


أسرع يردّ بصوتٍ مضطرب: «لا... لا، ابقيا! سأفتح حالًا.»


انتفض من فوق السرير، اندفع نحو باب غرفته، ثم التفت حوله في ارتباك. الفوضى ملأت المكان، علب بيتزا متراكمة، وعبوات عصائر فارغة متناثرة على الأرض، ملابس وجوارب متناثرة فوق الأريكة. أسرع يفتح النافذة ليدخل الضوء، ثم هرول إلى المطبخ، تناول كيسًا كبيرًا، وجمع ما استطاع من القمامة على عجل، بينما لم يتوقف الصديقان عن طرق الباب والضغط على الجرس.


صرخ محاولًا تهدئتهما: «كفى، كفى! سأفتح... تحلّيا قليلًا بالصبر.»


وبعد أن رتّب جزءًا يسيرًا من تلك الفوضى، اتجه إلى الباب وفتحه بسرعة وهو يقول: «لِمَ لا تهدآن؟ لقد قلتُ سأ-»


توقف حين لمح كليهما يكتمان ضحكاتهما بصعوبة، وهما يحدّقان فيه من أعلى إلى أسفل. عقد حاجبيه متسائلًا: «عمّ تضحكان أيها الأحمقان؟ هل ترَيان مهرّجًا أمامكما؟»


قال إدوارد بصعوبةٍ من شدة الضحك: «لا... بل رجلٌ عاري الصدر يرتدي بنطالًا ورديًّا عليه قلوبٌ حمراء!»


اتسعت عينا جابرييل، وتمنى لو انشقت الأرض فابتلعته. أنزل بصره إلى ما يرتديه، فإذا بالعار يلوّن وجهه قِرمزيًا، وازداد خجله حين هتفت مارسيل ساخرةً: «لا تشعر بالحرج... في الواقع، تبدو وسيمًا به.»


ضغط على شفتيه غيظًا، وتراجع مسرعًا نحو غرفته وهو يقول: «ادخلا... سأعود حالًا، أيها الوغدان.»


انفجرا بالضحك حتى كادت مارسيل تمسك بطنها من شدة الألم، وهما يلجان إلى الداخل ويغلقان الباب خلفهما. غير أن ضحكاتهما تلاشت دفعةً واحدة حين وقعت أعينهما على الفوضى التي تعجّ بها الشقة.


نظرت مارسيل إلى إدوارد بحزنٍ صامت وقالت: «حالته يرثى لها حقًا... ظننتُ أن الأمر أقلّ سوءًا من ذلك.»


هزّ إدوارد رأسه بأسى وأجاب: «نعم... حين تبلغ فوضى شقة جابرييل وهو المعروف بوسواسه في النظافة والترتيب هذا الحد، فاعلمِي أن الأمر بات بالغ التعقيد... ويحتاج إلى وقفةٍ حقيقية.»


دخل جابرييل غرفته مسرعًا، وجذب ذلك البنطال عنه بارتباكٍ واضح، كان الخجل يلتهمه من الداخل، ثم ارتدى بنطالًا آخر وسترةً على عجل، وقف أمام المرآة لحظات، يسوّي خصلات شعره الأشقر بأصابع مرتعشة قليلًا، وتوقفت نظراته عند انعكاس عينيه المتعبتين، قبل أن يتنهّد بعمق ويتجه نحو الباب، يشغله ما يتعلّق بديانا وما تحمله مارسيل من أجله.


لكن ما إن خرج إلى الصالة، حتى وجد صديقيه منهمكين في ترتيب المنزل؛ كان إدوارد ينفض الأريكة، فتصاعد منها غبارٌ دقيق جعلَه يعطس، بينما أمسكت مارسيل بالمكنسة الكهربائية تكنس بها الأرض في صمتٍ منهك.


لم يحتمل ما يفعلانه. اندفع نحو مقبس الكهرباء، وسحب القابس فجأة، فتوقفت المكنسة، والتفتا إليه في آنٍ واحد.


قالت مارسيل بحدة واضحة: «لماذا فعلت ذلك؟ كنت على وشك الانتهاء.»


اقترب جابرييل وهو يجذب السلك داخل المكنسة ويقول ببرودٍ مُر: «لم أطلب منكما المساعدة... أخبراني فقط لماذا أتيتما، ثم اذهبا إلى الجحيم... هل هذا مفهوم؟»


زفر إدوارد بغيظ وقال: «أيها اللئيم... هل هذا ما كنت ستفعله لو كان أحدنا في موقفك؟ أخبرني؟»


وأضافت مارسيل، وهي تثبّت نظراتها عليه: «أتتذكر حين ماتت قطتي، ريتا؟ بقيتَ أسبوعًا كاملًا تشتري لي الهدايا، وتجبرني على الخروج معكم، وعلى الضحك والحديث... لم تتركني أغرق في حزني ولو لحظة.»


قال إدوارد بتأثرٍ مماثل: «وأنا... أنت من اشترى لي حوضَ سمكٍ جديدًا حين ماتت سلحفاتي، فريدا.»


هزّ جابرييل رأسه بيأس، وشعر بدفء الدموع يغزو عينيه رغم محاولته إخفاءها، ثم صرخ بألمٍ مكتوم يتحطم بين ضلوعه:


«لماذا لا تفهمان؟ أنا لم أفقد حيوانًا أليفًا حتى تعوضاني عنه بهدايا أو نزهات... أنا فقدتُ ديانا... قطعةً من روحي.
أنا الآن فقيدُ القلب والحياة... لم يعد هناك ما يستحق العناء... كنت أعيش من أجلها فقط...
كُفّا عن محاولتكما منعي من ممارسة حزني بسلام!»


كانا يدركان عمق حزنه، غير أن ما آل إليه حاله كان يمزّق قلبيهما.


قالت مارسيل بصوتٍ منخفض ممتلئ بالألم: «جابرييل... احزن كما تشاء، ولكن لا تجعلنا نفتقدك أنت أيضًا. واعلم أنها ترى ما وصلت إليه، وما تفعله بنفسك الآن يؤلمها أكثر.»


وأردف إدوارد بهدوءٍ حزين: «مارسيل محقّة... لقد هجرتَ عائلتك كذلك... السيدة كلارا تموت قلقًا عليك، وقد حدثَتنا كثيرًا، وتوسّلت إلينا أن نجعلك تحدثها، ولو عبر الهاتف فقط.»


أطرق جابرييل برأسه وقال بصوتٍ خافتٍ متهدّج: «صديقاى... أخبراني فقط لماذا جئتما، ثم اذهبا، أرجوكما. ما تفعلانه يزيدني ألمًا لا أقل.»


وقبل أن يجيب إدوارد، أشارت إليه مارسيل بعينيها وقالت بحزمٍ رقيق: «كفى يا إدوارد... دعه على راحته... لن نجبره بعد الآن.»


ثم أخرجت من حقيبتها ظرفًا أصفر، وتقدّمت نحو جابرييل بخطواتٍ بطيئة، ومدّته إليه قائلة:


«تفضّل... وجدتُ هذا الظرف بين أغراضها حين طلب مني صاحب السكن تفريغ شقتها. أظن أنها أرادتك أن تعثر عليه منذ اليوم الأول لرحيلها، لكن... لا بأس. أتمنى أن تتأمّل جيدًا كل كلمة تركتها لك فيه.»


اغرورقت عيناه من جديد، ومدّ أنامله المرتجفة ليلتقط الظرف ضمّه بين كفيه للحظة، ففاحت منه رائحة عطرها المميّزة، فتمتم بصوتٍ مكسور:


«نعم... هذا لها...»


قالت مارسيل بابتسامةٍ حزينة: «وهل كان لديك شك؟ على كل حال، سنغادر الآن... ونتمنى أن يكون لقاؤنا القادم في الخارج، ونحن نتناول طعامنا في مطعمنا المفضل.»


أومأ بصمت، ولم تعد عيناه ترى شيئًا سوى ذلك الظرف بين يديه.


ودّعاه بهدوء، ثم غادرا الشقة وأغلقا الباب خلفهم.


بينما بقي جابرييل واقفًا في مكانه، يحتضن بقاياها بين أنامله...


اقترب جابريل من طرف الأريكة وجلس في تردّدٍ يتنازعه؛ أيفتح الظرف أم يتركه حبيس الصمت؟ حتى أتته الجرأة ففتحه. مدّ أصابعه يُخرج ما بداخله ببطء؛ فإذا بها ورقة صغيرة تحمل سطورًا قليلة.


تنهد بألم، ثم قرأ بصوتٍ خافت:


«جابريل، حبيبي...
طالما أنك تقرأ هذا الجواب، فهذا يعني أنني قد رحلت عن الدنيا، كنتُ دومًا أشعر أنّ مكاني ليس هنا، وأنني أنتمي إلى العالم الآخر... فأنت تعلم جيدًا ما كنت أعانيه.
أنا آسفة لأنني ذهبت وتركتك خلفي، ولكنك تستحق الحياة أكثر مني، مع شخصٍ آخر أكثر إشراقًا. كنتُ لا أفعل سوى أن أملأ أيامك بالحزن، وأحمّلك همومي واكتئابي وكرهي للحياة.
أرجوك، لا تحزن ولا تصبح مثلي، ولا تترك الاكتئاب يلتهمك... بل تجاوزني بقلبٍ رحب.
واعلم أنّني سأراك، وسأكون إلى جانبك، ولكن بروحٍ أخف وقلبٍ أنقى.
أرجوك، جابريل...عزيزى .. اصبح بخير من أجلي.
أحبك... حتى بعد الموت.»


تساقطت دموعه فوق الكلمات، تبلّل الحبر بصمته، وحاول أن يتماسك، لكن جسده انهار باكيًا. ظلّ وقتًا طويلًا غارقًا في نحيبه، حتى سقط الظرف من يده المرتعشة، فانزلق منه شيءٌ فجأةً واستقرّ على الأرض. انتبه له، ونظر نحوه، فوجده سوارًا صغيرًا بلونٍ أحمر.


تذكّره جيدًا... ذلك السوار الذي لم تكن ديانا تخلعه أبدًا، ظنًّا منها أنّه يجلب الحب. وحين خلعته في أيامها الأخيرة... رحلت.


مدّ أصابعه يلتقطه وهو يمسح دموعه بيده الأخرى، ثم همس بصوتٍ مرتجف:


«حقًّا... اشتقتُ إليكِ حدَّ الجنون... فكيف لي أن أتخطّاكِ؟»


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في طرقات المشفى البيضاء، وقفت ونيسة خلف الطبيب داخل غرفة الفحص، تراقب جسده المنحني فوق سرير ابنتها التي أُتي بها فاقدةً للوعي. كان يتفحّصها بدقة وهدوء، قبل أن يلتفت إليها قائلاً: "متقلقيش... هي جالها انهيار عصبي إثر صدمة.. فإحنا عطنلها مهدئ ومسكن، وبإذن الله هتبقى كويسة."


تنفّست ونيسة الصعداء، وقد انفرج صدرها بشيء من الطمأنينة، ثم قالت: "تسلم يا ابني.. ربنا يبارك في صحتك وعافيتك.. متأكد إنها هتبقى كويسة؟"


أجاب الطبيب بمهنية وابتسامة مطمئنة: "آه يا أمي متقلقيش.. ياريت بس ما تتعرضش لتوتر، وهي هتكون كويسة بإذن الله."


أومأت ونيسة برأسها وتمسح دموعها المتجمعة في عينيها، قبل أن يودّعها الطبيب ويغادر الغرفة. اقتربت من السرير ببطء، وجلست على طرفه قرب ابنتها، تمد يدها المرتعشة تتحسّس خصلات شعرها برفق، وتنهمس بنبرة متوسلة: "فوقي يا نِنّ عيني... ومش مهم أي حاجة تانية... مش هعاتبك ولا ألومك على أي حاجة... بس تبقي بخير."


في الخارج، عند أول الممر، وقف أدريان باشا وقد علا الغضب وجهه، وبجانبه نفين، وأمامهما عميد الكلية الذي حاول الدفاع عن موقفه قائلاً: "أقسملك يا سيد أدريان إني ما كنتش أعرف حاجة عن اللي حصل... أنا ما يرضنيش أي ضرر لأي طالب عندي."


رد أدريان بعصبية حادة: "إزاي يعني ما تعرفش؟ حضرتك مسؤول عن أي كبيرة أو صغيرة... وأنا هقفلكم الجامعة دي بالضبة والمفتاح. وثانياً، الشخص القذر اللي ظهر في الفيديو، أنا عاوز عنوانه وأي معلومة تخصه. مستحيل أعدّي عملته الوقحة دي كده!"


تقدّمت نفين بانفعال: "ده شخص حيوان معدوم الإحساس... نرجس تستاهل تتاقِل بالألماس مش بخاتم فالصو رخيص! ده أنا هاطربق الجامعة دي على دماغك ودماغه."


ابتلع العميد ريقه وقال بحرج: "أنا مقدّر غضبكم من اللي حصل، وخاصة من الشاب ده، واللي والله ما كان يبان عليه كده لأنه إنسان متدين وصاحب خلق... لكن حصلت لعيلته ضائقة مالية يمكن أثّرت على نفسيته وتصرفاته."


اندفع أدريان أكثر: "إنت كمان بتدافع عن الوقح ده؟! وهو كل واحد أبوه وأمه يفلسوا يروح يرازي في ولاد الناس؟"


وبينما كان الحديث محتدمًا، ظهرت ماريان من بعيد، تخطو بتردد، وقد غطّى الذعر ملامحها حين لمحت العميد واقفًا مع والديها. ظنّت أنه علم بما فعلته ويخبرهم الآن. اقتربت بخطى مرتعشة، فلاحظها أدريان وهتف بحدة: "ماريان!"


ارتجف جسدها، وابتلعت ريقها بصعوبة: "ب.. بابا، هفهمك... أنا بس كنت بهزر معاها!"


اعتلت الصدمة وجه أدريان، بينما اندفعت نفين صارخة: "هزار إيه؟! هو إنتِ اللي ورا اللي حصل؟!"


تجمّدت الكلمات في حلق ماريان، فاقتربت منها نفين تكرر بحدة: "انطقي... إنتِ اللي عملتى كدا؟!"


هزّت ماريان رأسها في رعب: "لأ، لأ... مش أنا... أنا ما عملتش حاجة... أنا كان قصدي على حاجة تانية!"


وقبل أن يستمر الجدال، رنّ هاتف العميد، فابتعد خطوتين ليجيب. أتاه صوت مساعده: "حضرة العميد، إحنا استجوبنا شاب الدي جي وقال إن البنت اللي كلمته هي ماريان مرقس... سلمته كارت ميموري وقالت له يعرض الفيديو كـ(مفاجأة) لصاحبتها. وكمان الكاميرات جايباها وقت اللي حصل في الفيديو أصلاً."


أومأ العميد بجدية: "تمام، فهمت. ابعت لي الكلام ده حالاً."


أنهى المكالمة وعاد بخطوات ثقيلة إلى الحديث المشتعل، بينما كان أدريان يحاول تهدئة نفين وهو يقول: "خلاص يا نفين، ما تزعّقيش عليها... يمكن فعلاً قصدها حاجة تانية... ماريان عمرها ما توصل للدرجة دي."


لكن العميد قاطعه بصوت أجش حاسم: "لا يا أدريان باشا... جالي تأكيد من مساعدي بعد التحقيق، وماريان وصاحبتها هما اللي ورا اللي حصل."


التفت إليه أدريان في صدمة، بينما صرخت ماريان وهي تكذّبه: "مش عيب تبقى راجل كبير وكداب؟! أنا أعمل كده في نرجس؟! اختي؟! مستحيل!"


نظرت نفين إليه بغضب: "إنت متأكد من الكلام اللي بتتهم بيه بنتي ده؟ إنت عارف لو طلع كدب هيحصل فيك إيه؟"


أومأ العميد بوجه متصلّب: "عارف يا هانم... بس أنا عندي دليل متصوّر. اتفضّلوا."


مدّ هاتفه وفتح مقطعًا من كاميرات المراقبة، لتظهر اللقطات التي توثّق وجود ماريان وسخريتها من نرجس وقت الواقعة.


وضعت نفين كفّها على شفتيها في صدمةٍ مكتومة، بينما شحب وجه أدريان، متأرجحًا بين الخجل والغضب... والخذلان.


ـــــــــــنهاية البارتـــــــــــــــــــــ
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.