رواية لست قلبي - الجزء الأول (الفصل من ١ إلى ١٤)
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

رواية لست قلبي - الجزء الأول (الفصل من ١ إلى ١٤)

جاري التحميل...

الجزء الأول (الفصل من ١ إلى ١٤)

حين يُسقط القدر قلوبنا في الظلام يبقى السؤال: هل سيجد الحب طريقه من جديد؟ فقدت أغلى ما لديها.... وبعد سنوات تكتشف أن القلب لا يموت بل ينبض باسمها.

تحميل الفصول...
المؤلف

لست قلبي.... مقدمة
بقلم الكاتبة / رباب حسين


حين يُسقط القدر قلوبنا في الظلام، يبقى السؤال: هل سيجد الحب طريقه من جديد؟




في عالم تلتقي فيه القلوب والأقدار، يقف الحب على مفترق طرق بين الألم والرجاء. قصة عن مشاعر تختبرها الحياة، وعن قلوب تتحدى الظروف لتظل صافية ونقية رغم كل ما تمر به.
بين الأسرار واللقاءات غير المتوقعة، ستكتشف أن أحيانًا الحب ليس ما نراه، بل ما نشعر به في أعماقنا. 


بين حب حقيقي، وأقدار غير متوقعة، في عالمٍ؛ حيث كل لقاء قد يغير كل شيء... وكل سر يحمل في طياته إلمًا ودفءً. 
هل يستطيع قلب أن يحب مرة ثانية؟ أم أن الماضي سيبقى أقوى من أي احتمال. 


لست قلبي... الفصل الأول
بقلم الكاتبة / رباب حسين


تقودنا الحياة إلى دروبٍ مختلفة، نتلاقى... ونفارق، نحب... ونكره، نُرافق... ونُعادي.
ولكن مسارتنا محددة مسبقًا، ولقاءنا كان حتميًا. 


حين إلتقيت بك؛ لم أدرك أنك ستكون من يسكن القلب، يغمره بفيض المشاعر التي لم يعرف لها سبيل قبلك، أنك ستخط طريقًا أسلكه مغيبة العقل؛ فقط قلبي من يقودني، والجهة كانت واحدة... أنت.


عيناك كانت المرشد، ونبض قلبك كان عزفًا تتراقص عليه خطواتي إليك، أما ابتسامتك؛ فكانت الضوء الذي ينير نهاية الطريق، فأصبحت أنت المراد، وأنت بداية الحب الذي وُلد بين يديك.


وبعد أعوام من عشق توطدت أصوله بين قلبيهما، وفي ليلة أعلنت شتاء مصر القارس، وتساقطت زخات المطر بغزارة، ليركض الناس بالشوارع يختبئون داخل منازلهم من حبيبات المطر التي ينتظرها الأطفال وراء نوافذ منازلهم في سعادة، ولكن هذه الليلة كانت الأمطار تهطل بغزارة غير مسبوقة، لتعلن الحكومة المصرية حالة الطوارئ.


وفي ظل هذه الأجواء الشتوية القارسة؛ لم تمنع دعاء عن الذهاب إلى ذلك الموعد الذي حدده ليث معها، وقد أصر على حضورها على غير العادة، ولذا تعجبت دعاء كثيرًا من هذا الإصرار فعادةً ما يغمرها بحنانه المبالغ فيه، فشعرت بالخوف من هذا الإلحاح ولكنه كالعادة طمئنها بحديثه الهادئ وأخبرها أن هناك مفاجأة يريد أن يحتفل بها معها فقط.


تأنقت بثوب أسود طويل وارتدت بالطو كي يغمرها بالدفء في هذا الصقيع، لتترجل من سيارته عندما ترجل قبلها وركض يفتح لها باب السيارة ويضع فوقها مظلة لتحتمي من المطر، فنظرت له من أسفلها بابتسامتها الساحرة، وتنظر إلى عيناه التي يغمرها عشقها الأبدي، وابتسم فور رؤية وجنتيها اللاتي غمرتهما الحمرة، وانكمشت داخل ملابسها بجسدها الضئيل، فجذبها من يدها سريعًا وركضا معًا داخل المطعم الذي قام ليث بحجز طاولة خاصة لهما به.


دخلا المطعم المطل على النيل، وفور أن دخل ليث نظر النادل له بابتسامة ثم اقترب منه وهمس له داخل أذنه قائلًا: مقدرناش نحط التربيزة في المكان اللي حضرتك اخترته عشان المطر، بس قدرنا نعمل تربيزة خاصة لحضرتك جوا المطعم وزيناها بزينة خاصة إحتفالًا بالمناسبة السعيدة ديه. 
ابتسم ليث بإشراق، فكان يفكر بالأمر طوال الطريق، فالطاولة التي قام بحجزها كانت تطل على النيل بشرفة المطعم الخارجية، فنظر إلى النادل بامتنان وأومأ له بالشكر.


لاحظت دعاء ما يحدث فنظرت إلى ليث بتعجب فحاول أن يشتت انتباها عن الأمر فقال: غريبة مطعم زي ده والويتر اللي فيه عايز تيبس من قبل ما نقعد.
دعاء: يمكن عنده ظرف ولا حاجة.
ابتسم ليث لها وقال: نور عيني حنينة أوي، قلبك الطيب ده مفيش زيه أبدًا، عشان كده اختارتك من بين كل الستات ديه كلها.
دعاء بمشاغبة: هو فيه ستات تانية في الدنيا؟! أنا مفيش غيري ومفيش غير ليث واحد بس.


ضغط على كف يدها بين يده وجذبها خلفه حتى دلهما النادل نحو الطاولة، ليقع نظر دعاء عليها من بعيد وتفتح عينيها بدهشة عندما رأت الزينة التي أحاطت بالطاولة بلونها المفضل الأحمر، ونظرت له ولاحظت نظراته السعيدة وهو يشاهد تعابير وجهها البريء ثم قالت: إيه ده كله يا ليث؟!
ليث: مش قولتلك هنحتفل سوا، هنحتفل إزاي من غير زينة بأكتر لون حبيبتي بتحبه.
نظرت له بحنان وقالت: كل وقت أنا ببقى معاك فيه هو عيد لقلبي، وفرحته بتفضل تغني جوايا طول ما أنا جنبك، وحتى لما برجع على البيت بيفضل فرحان زي الطفل في ليلة العيد، اللي مستني العيد يرجع لما يشوفك تاني. 
ليث: ياريت ربنا يقدرني وأسعدك طول عمرك يا حبيبتي.
ثم أمسك يدها وقال: يلا نقعد.


جلسا معًا، وطلب ليث لهما الطعام، وبعد وقت كان يشاهدها وهي تتناول طعامها المفضل، ثم نظر إلى النادل الذي يقف خلف دعاء، فذهب النادل إلى الداخل، لاحظت دعاء نظرات ليث المضطربة فنظرت خلفها لتجد فتاة تنظر إليه، وفور أن لاحظت نظرات دعاء لها تحركت من مكانها تتخفى خلف أحد الأعمدة بالمطعم، فعادت النظر إلى ليث الذي ظهر عليه الارتباك أكثر، فعقدت حاجبيها بغضب وقالت: مين ديه؟! وبتبصلك كده ليه؟!


قال ليث في توتر: مين ديه؟! معرفش، إنت قصدك على مين بالظبط؟
دعاء: لو سمحت يا ليث مش بحب الطريقة ديه وإنت عارف، إنت فاهم أنا قصدي إيه وعلى مين، بتبصلها ليه؟
ليث: مش ببص لحد يا حبيبتي.
دعاء بغضب: بلا حبيبتي بلا زفت، أنا شيفاك بتبص ورايا ومرتبك، ولما شفتها اختفت من المكان، أنا لو مكنتش بخاف على منظري قدام الناس ومش بحب أعمل مشاكل لبابا كنت قمت جبتها من شعرها، لكن في الآخر إنت اللي غلطان، إذا كان قدامي وبتعمل كده طيب من ورايا بتعمل إيه؟!
حاول ليث تهدئتها فقال: أنا مبصتش على حد، إنتي فاهمة غلط، اصبري بس شوية أفهمك.


لم تسمع منه، فحملت حقيبتها وكادت تغادر ولكن أستوقفها ذلك النادل الذي يقترب من الطاولة ويحمل بين يديه صندوق مغلف بغلاف أسود وشريط أحمر يزينه من الخارج، ثم اقترب من ليث ووضعه بين يديه، ثم لمحت تلك الفتاة تراقب الموقف من بعيد، وقبل أن يتحدث النادل خطفت الصندوق من يده وفتحته عنوة، وليث يجلس ويراقب ما يحدث في صمت، لتجد بداخل الصندوق علبة مجوهرات صغيرة، نظرت لها بصدمة؛ لم تتوقع تلك العلبة، ثم نظرت إلى ليث الذي بدا يائسًا، فقالت له بصوت ضعيف: هو.... الصندوق ده لمين؟
ليث: ليكي يا مجنونة، والبنت اللي إنتي عايزة تجيبيها من شعرها ديه من محل الجواهرجي، جايبة الهدية ليكي بعد ما اتفقت مع المحل يبعتها على هنا.


أخفضت رأسها بخجل، هي غيورة ومندفعة للغاية، فنهض وهو يبتسم بخفة وأخذ العلبة من يدها ثم قال بصوته الرخيم: كنت عايز أعمل حاجة مختلفة، بس جنانك اللي بحبه طبعًا مسبش فرصة.


ثم فتح العلبة وجثا أمامها بركبة واحدة ثم رفع العلبة وهو يفتحها ليظهر بداخلها خاتم ماسي بحجر وردي اللون، تصميم عصري براق، ونطق بالكلمات التي حلمت أن تسمعها منه يومًا ما: عمري ما حبيت ولا هحب غيرك، ومش عايز عمري يخلص وإنتي مش معايا، عايزك تبقي ليا يمكن تطمني وتبطلي تغيري عليا، وعشان كده قررت أطلب منك الطلب اللي كان نفسي أطلبه منك من زمان.... تتجوزيني.


سبقت دموعها التي غمرت وجهها تعبيرًا عن سعادتها كلمة موافقة، فلم تستطع أن تنطقها فأومأت له بالإيجاب وهي تنظر له بسعادة غامرة يكسوها دموع تعبر عن فيض مشاعرها.


فوقف أمامها وسط تصفيق من حولهم الذين لاحظو ما يفعله ليث، ثم مد أنامله يزيل دموعها برقة وكأنه يتعامل مع طفلٍ صغير هش؛ يخشى أذيتها، ثم أمسك يدها ووضع بها الخاتم، واقترب النادل منها ووضع باقة من الزهور الحمراء بين يديها، ليعودا إلى الطاولة مرة أخرى، ويتحدثا معًا بلغة العيون التي تعبر عن هذا الحب الصادق فضلًا عن لغة البشر.


مر الوقت، واتقضت سهرتهما الساحرة التي كانت حلمًا لهما منذ أن تعرفت على بعضهما البعض، ثم رحلا بسيارة ليث كي يقودها إلى منزلها، وأثناء تلك اللحظة التي لم ولن تنسى من مخيلتهما، ينظر كل منهما إلى الآخر نظرة تعلن ارتياح القلب بتملك من يحب. 


قاطعهما تلك السيارة التي واجهتهما بعكس الاتجاه، فقام ليث بتفادي طريقها، ولكن انحرف عن الطريق بقوة ليخرج عن المسار المحدد له، ويجد ذاته يواجه سيارة نقل كبيرة، حاول تفاديها ولكن فشل، فلم يجد سبيل سوى حماية دعاء بجسده، غمرها بين أحضانه بقوة، يكتم صرختها التي دوت بالسيارة داخل صدره، مضحيًا بنفسه في ذات الوقت الذي يتمنى أن يطمئنها كي يهدأ من روعها، يعلم أنه سيفارق الحياة لا محال، ولكن كل ما كان يشغل فكره في تلك اللحظة هو حمايتها، وإن كان سيفارق الحياة فليفعل آخر شيء يجب عليه فعله؛ أن يعترف لها أنه فداء لها، أن جسده ما كان إلا رادع لها عن كل مكروه.


أما هي فكان الخوف يزلزلها من الداخل، تصرخ بقوة لما حدث في لمح البصر، لتجد نفسها مستقرة بين يديه، فأمسكت بملابسه بقوة، وأغمضت عينيها وهي تدفن رأسها داخل أحضانه، وتفقد وعيها بعد ارتطام السيارتان، ليكون آخر ما تسمعه هو نبض قلبه الذي توقف عند تلك اللحظة.


مر الوقت، لم تعرف كم مضى، ولكن شعرت بيد تجذبها خارج السيارة، ودوي صرخات من حولها، لتفتح عينيها بإرهاق حتى رأت خيالات لرجال كثيرون من حولها، وصدى بالمكان صوت انفجار قوي، ولم تشعر بشيء آخر. 
ـــــــــــــــ


تفتح عينيها ليداعب ضوء النهار جفنيها، فأخذت تغلقهما وتفتحمها بإرهاق شديد، وهناك ألم في مواضع مختلفة بجسدها، فضلًا عن رأسها المحاط بأربطة ضاغطة، لتأن من الألم بضعف، وتسمع صوت والدها المتلهف وهو يقول؛
عاصم: دعاء... حبيبتي سمعاني؟!


تحاملت على نفسها عندما سمعت صوت والدها المرتعش من الخوف، وفتحت عينيها عنوة وقالت: أنا كويسة، متخافش.
عاصم بحزن: الحمد لله يا حبيبتي، الحمد لله إنك خرجتي منها بالسلامة، أنا كنت مرعوب عليكي.


تذكرت دعاء ذلك الحادث فنطقت سريعًا متناسية ذلك الألم الذي يصدع بجسدها وقالت بألم: ليث... فين ليث يا بابا؟! جراله إيه؟


لم يجييب، فقط أخفض رأسه بحزن، لا يعرف كيف ينطق بتلك الحروف التي من المؤكد أنها ستقتلها ببطء، فإن كان ليث ضحى من أجلها كي تعيش؛ فهو يعلم أن دعاء لن تعود كسابق عهدها، فهي حية ترزق أما قلبها... فقد دفن معه، فهما عاشقان لبعضهما منذ صغرهما، فقد رُبيا معًا بسبب الصداقة القوية التي تربط عاصم وعمران والد ليث، وإن كانت صدمة دعاء قوية؛ إلا أن إنهيار صديق دربه بعد موت ولده كانت مميتة له، فلم يتحمل الأمر ومات على الفور بسكتة قلبية، ووالدته منيرة التي إنهارت في أحد غرف العناية المركزة بعد فقدانها زوجها وابنها بذات الليلة.


كان الصمت قاتل؛ أقوى من ألف طعنة بسيفٍ مسموم، وبدأ عقلها يستوعب ما لم يستطع عاصم قوله، ولم يقوى ثغرها على النطق به، فقالت بصوت يشق الصدر بألم مميت: بابا إنت أكيد... أكيد قصدك حاجة.... غير اللي أنا فهمتها، إنت مش قصدك اللي فهمته صح؟!


نظر لها عاصم ولاحظ إنهيارها، فتخلى عن ألمه الآن ليمدها بالقوة والعون التي تحتاج إليهما فقال بقوة زائفة: قضاء ربنا ونفد يا بنتي، منملكش حاجة دلوقتي غير إننا نقول.... إنا لله وإنا إليه راجعون.


هزت رأسها برفض وهي تصرخ بألم قلبها بقوة وبحديث ينبأ بالخطر على قوتها الذهنية: لأ.... لأ ليث عايش، ليث مش هيسيبني، أصله وعدني إنه مش هيسيبني، ده طلب إيدي، جابلي خاتم شكله حلو أوي يا بابا، بطلو الحركات ديه، هو لسه عامل فيا مقلب من شوية عشان يطلب إيدي، هو فين بقى؟! قوله يجي، إندهله يا بابا.


لم يتحمل عاصم أكثر، فشاح بوجهه عنها ليخفي تلك الدموع التي أعلنت إنهزامه أمام حزنها الدفين بداخلها، لتنظر إليه بحزن وقد بدأت تصدق أن ليث ضحى بنفسه ليحمي جسدها من ذلك الحادث المميت، وتصرخ بقوة ويخرج مع تلك الصرخة آخر ما تبقى من قوة تحملها، وسقطت فاقدة للوعي.


وتبقى في هذه اللحظة سؤال واحد: هل سيجد الحب طريقه من جديد، أم أن قلب أعلن إعتزاله للغرام؟


لست قلبي... الفصل الثاني
بقلم الكاتبة / رباب حسين


زلزالًا أعاد تشكيل الروح من جديد فلم يكن فقده صدمة عابرة. 


حين يغيب من كان القلب يعرف طريقه نحوه دون دليل تصبح الحياة مساحة فارغة، تتحرك فيها الأجساد بينما الأرواح معلقة عند لحظة لم تكتمل.
في الصباحات التي تلي الوداع، لا يعود الزمن كما كان؛ الأماكن تفقد أسمائها، والأصوات تصبح بعيدة، والذكريات تتحول إلى سكاكين صامتة تُلامس القلب كلما حاول أن ينبض.
هنا.... لا تبدأ الحكاية من جديد بل تبدأ رحلة العيش بنصف قلب، وقبول حقيقة أن بعض الوعود لا تُكسر بل تُؤجل، وأن الحب حتى بعد الموت قد يظل يبحث عن طريقه.


توقف الزمن عندها عند هذه اللحظة التي سمعت فيها خبر وفاته، رحل.... ليس هناك ما هو أقسى من صدى هذه الكلمة على مسامعها، بل كانت نيران تلتهم كل ما بقى بها من ملامح الحياة، لم تتقبل أن ترى أحدًا بعده، بل رفضت أن تسمع شيء بعد صوت نبضات قلبه التي كانت بمثابة صوت الأمان الأخير، ذلك الصوت الذي كان ينبض باسمها مودعًا؛٠ في ذات الوقت الذي أغمض فيه عينيه مستلمًا للموت لأجلها. 
تردد برأسها سؤال واحد؛ من سيحبني مثلك؟! ولم تجد الأجابة، فهي على يقين أن الأجابة ستكون: لا أحد.


لذا؛ أغلقت باب غرفتها عليها، لم تتحمل أنه دُفن وهي غائبة عن الوعي، لم تسنح لها الفرصة بأن تودعه فاختفى من حياتها كالمح بالبصر. حاول عاصم مرارًا أن يخرجها من هذه الغرفة فأبت، وحين شعرت بحزن والدها ومرضه الذي بدأ أن يشتد عليه؛ قررت أن تغادر تلك الجدران التي تشبعت بدموعها وتصدعت من صرخاتها، فخرجت إلى بهو ذلك المنزل بعد ستة أشهر، لا تزال تتذكر السعادة التي لمعت في عين والدها حينذاك، ولكن سرعان ما اختفت تلك السعادة حين اكتشف أن من تقنط معه ما هي إلا شبح ابنته، تعثرت ضحكاتها عند حافة شفتيها، فلم تجد سبيل لترتسم على ملامح ذلك الوجه الحزين، فلم يجد عاصم من يسانده في مساعدتها سوى منيرة والدة ليث، وبالرغم من حزنها هي الأخرى على فقدان أعز ما لديها بيومٍ واحد؛ إلا أنها لبت رغبة عاصم في طلب مساعدتها، فدعاء ليست مجرد حبيبة ابنها الوحيد ولكن هي من تولت رعايتها بعد وفاة والدتها فهي بمثابة بنتها.


ظلت محاولات عاصم ومنيرة إلى أن تقبلت دعاء الوضع بالتدريج ولكن كان هناك قرار بأن قلبها لن يعرف معنى الحب مرة أخرى. 


بعد مرور ثلاث سنوات. 


كانت دعاء تجلس بغرفتها شاردة كعادتها، أصبحت صديقة للكتب، تقرأ لتنسى كل شيء، وتفاجأت بدخول عاصم إلى غرفتها وهو يشعر بالغضب الشديد قائلًا: هو أنا مش قولتلك إني هستناكي في الشركة النهاردة.


توطت تلك الصفحات ووضعتها أمامها ووقفت بهدوء أمامه وقالت: قولتلك يا بابا مش قادرة أشتغل، مش قادرة أشوف حد.
عاصم: ما هو مش هنفضل طول عمرنا كده، ٣ سنين دلوقتي مش عايزة تخرجي من البيت، خرجتي ٣ مرات بس وده عشان تزوري قبر ليث، طيب والشركة اللي إنتي وريثتها الوحيدة مين هيديرها وإنتي حابسة نفسك هنا؟! أنا مبقتش زي الأول، تعبت من كتر الشغل، وكل يوم أقول لنفسي بكره هتفوق لنفسها وترجع تشوف حياتها.
دعاء: حياتي وقفت بعده.
عاصم: وعايزة تخلصي مني أنا كمان يعني عشان ترتاحي؟! 
دعاء باندفاع: بعد الشر عليك يا بابا أنا مليش غيرك.
عاصم: طيب حسي بيا بقى وإنزلي شيلي الشغل، النهاردة فيه عشا عمل مع شركة العشري، وشركة معروف مقدمة عروض أسعار أعلى منهم، وأنا محتار مش عارف أعمل إيه، شركة معروف دايمًا بتعمل تصاميم الديكور للمشاريع الكبيرة عندي في الشركة، لكن التصاميم اللي قدمتها شركة العشري مختلفة جدًا عجباني ده غير أن أسعارهم أقل، تعالي إحضري الإجتماع معايا وقرري معايا.


صمتت دعاء تفكر قليلًا ثم قالت: بس شركة معروف بتتعامل معانا من زمان جدًا، أعتقد ريسك إنك تغيرهم فجأة وخصوصاً إنك مجربتش الشركة ديه قبل كده.
عاصم: ما ده اللي شاغل تفكيري ومش قادر أخد قرار، تعالي معايا النهاردة. 
تنهدت دعاء بضيق وقالت: يا بابا أنا مش قادرة أشوف حد ولا أكلم حد.
صاح عاصم قائلًا: خلاص؛ أنا هقفل الشركة وأقعد جنبك في البيت، ونشوف حد يصرف علينا، بدل ما يقولو بنت عاصم الحلواني فشلت تدير شركة أبوها بعد ما مات.
دعاء: بعد الشر عليك يا بابا متقولش كده.
عاصم: هو قرار، هتيجي معايا ولا أصفي الشركة؟!


وضعها عاصم في اختيار صعب، لذا لم تستطع أن ترفض طلبه فقالت: حاضر يا بابا، هاجي معاك.


ابتسم عاصم في سعادة منذ زمن طويل، فلم يكن فراق صديقه عمران هين عليه، فقد تحمل العمل وحده وذلك بعد أن وكلته منيرة بإدارة حصتها بالشركة، وأصبحت دعاء الآن هي طوق النجاة الوحيد.
_______________________


في منزل يخيم عليه السكون، قصر مزين من الخارج بالزرع والأزهار الملونة، على عكس القصر من الداخل الذي طغى عليه الحزن، وذلك بعد وفاة السند القوي وابتسامته.


يجلس مالك في هدوء، ليس لأنه هادئ الطباع وإنما لرزانة تفكيره العملي الذي يخلو من المشاعر، هو يرى أن العقل هو المحرك الأساسي، هو القوة الحقيقة للإنسان، ومع هذا الجرح الذي يسكن بداخله بسبب فقدان والده؛ لم يستطع أحد الإحساس بهذا الألم الكامن بداخله.


تجلس بجواره حسناء والدته التي تملك اسم يعبر عن جمالها الهادئ، هي رقيقة القلب، تحاول أن تقف على قدميها الهشة بعد فقدان زوجها العزيز، تنظر إلى مالك بنظرات تمني، تتمنى لو تراه مبتسم وسعيد، فهو منذ صغره وهو يتسم بالقوة العقلية والتفكير المنطقي؛ ولكن خيم عليه الحزن الذي طفأ لمعة عينيه ولم يعد كمان كان، بل أصبح أكثر هدوءًا بشكل مبالغ فيه.


ثم كسر صوت حسناء هذا الصمت القاتل فقالت: سمعت إن الشركة بتحاول تاخد مناقصة من شركة معروف.
كان مالك يركز بتناول الطعام فقال بنهم: اممم.
حسناء: الشركة ديه كانت دايمًا المنافس الأول لأبوك الله يرحمه.
مالك: متقلقيش، الشركة اتحسنت كتير وبقى عندي فريق بمنتهى البراعة في التصاميم والجرافيك، فا أنا مطمن جدًا.
حسناء: ربنا يوفقك يا ابني يارب، طيب هتعرف نتيجة المناقصة إمتى؟
مالك: المفروض بكرة، بس عاصم بيه طالب يقابلني النهارده، هنزل أقابله كمان ساعتين.
حسناء: مش غريبة ديه؟!
مالك: بس ده مطمني، واضح إن العرض عجبه وطالبني عشان يطمن من ناحية الشغل، على العموم هروح وأشوفه عايز إيه بالظبط.
حسناء: نفسي أفرح بيك وأشوفك عريس زي ما أنا فرحانة بنجاحك كده.
مالك: إنتي عارفة يا ماما أنا مش بفكر فيه ده دلوقتي، أو بمعنى أصح مش عايز أرتبط وخلاص، فا شيلي الموضوع من دماغك دلوقتي.


تنهدت حسناء بيأس، مالك شخصية معقدة للغاية، لا ينجذب إلى شيء بسهولة، ومنذ وفاة والده وهو زاد تحفظًا وصمتًا، فمرضه منذ صغره جعله منطوي عن أصدقائه، حيث أن قلبه الضعيف كان عقبة كبيرة في حياته لذا لم ينخرط بين أصدقائه، لم يشارك الأطفال في اللعب بسبب الإجهاد الذي كان يشعر به، ولم يطيب من مرضه إلا منذ فترة بسيطة، لذا ليس لديه أصدقاء إلا صديقه ومدير شركته يامن.


حل الليل، وفي لقاء لم يكن متوقعًا، لقاء تأخر لسنوات، وكأنه لقاء بمثابة شفاء لما في الصدور من وحدة ويأس، كان مالك يجلس بالمطعم في إنتظار عاصم، ولكن تفاجأ عندما ظهرت من خلفه تلك الفتاة التي أسرت أنفاسه منذ الوهلة الأولى، خطفت نظرات عينيه، وتجمدت مقلتيه وهي تتفصح ملامح وجهها البريء، ورأى الحزن الذي يسكن داخل عينيها؛ الذي أصاب قلبه بالألم، وكأنه رغب أن يضمها بين يديه يخبرها بأن حزنها يصيبه بالضعف؛ فلا تحزني.


اقتربت منه بخطى مرتجفة، تنظر حولها بتوجس وكأنها تخشى نظرات من حولها، تريد الفرار من أمامهم، تتهرب من النظر إلى من حولها، عدا عندما ألتقت عينيها بعينيه عندما رأت عاصم يقترب من الطاولة التي يجلس عليها، كانت نظراته مختلفة، تربت عليها وتنظر إليها بتساؤل، أصابتها الريبة قليلًا ولكن توقعت أن يكون متعجبًا من ظهورها المفاجئ، فحاولت أن تلمم أنفاسها المضطربة، وتقدمت بقوة زائفة ووضعت يدها بين يديه تصافحه، وصوت عاصم الذي يشعر بالفخر بها وهو يقول: بنتي دعاء، مهندسة معمارية.
ظل مالك يحتضن كفها بهدوء وقال: أهلًا يا بشمهندسة، مالك العشري.


ارتجفت يدها بين يديه، تهربت من النظر إليه ولا تعرف لما هذا الإرتباك الذي أصابها، ولكن توقعت أن هذا أمر طبيعي بما إنها لم تخرج من منزلها منذ أعوام. 


جلسو معًا، وبدأ عاصم يطرح أسئلة على مالك الذي يتحدث بثبات وثقة قائلًا: أنا متفهم قلق حضرتك يا بشمهندس لكن تقدر حضرتك تشوف المشاريع اللي اتنفذت في الشركة عندي، إحنا سلمنا مشاريع كبيرة في وقت قياسي، عندي في الشركة أكتر من فريق وكلهم على مستوى عالي من الجودة، بالنسبة لمواعيد التسليم إحنا دايمًا بنسلم قبل الديد لاين، وبالنسبة للجودة فهي هتبقى زي التصميم اللي تم إرفاقها بالملف، ولو حضرتك حابب تعمل أي تعديل إحنا تحت أمرك.
دعاء: الشركة عندنا بتهتم بالجودة أكتر من المظهر الخارجي، التصاميم جميلة لكن الخامات المستخدمة ديه اللي بنهتم بيها أكتر.


نظر إليها بعيون مراقبة، سمع صوتها أخيراً الذي بث السعادة داخل أوصاله فقال بثبات: تقدري حضرتك تنزلي الموقع وتشوفي الخامات المستخدمة بنفسك، ولو فيه أي ملاحظات نعدلها فورًا، ومعتقدش إن هيبقى فيه ملاحظات.
عاصم: أنا سمعت عن ثقتك بنفسك بس متوقعتش إن ثقتك عالية بالشكل ده.
مالك: الثقة ديه بسبب ثقتي بالناس اللي شغالة معايا، أنا أختارت كل واحد فيهم بنفسي، ده غير إن فيه منهم كانو زمايلي في الجامعة وواثق في قدراتهم.


نظر عاصم إلى دعاء التي أومأت له بجفينها معلنة موافقتها على قبول المشروع، فقال عاصم: طيب هي نتيجة المناقصة بكرة، ودعاء هي المسئولة عن المشروع، وهي اللي هتشرف على التنفيذ.


نظرت له دعاء بصدمة وغضب، هو يجبرها على العمل، وهذا ما جعلها تشعر بالغضب، فهي تتمالك أرتجافها الداخلي بأعجوبة عدا رغبتها في العودة إلى غرفتها منذ أن خطت أول خطوة خارج المنزل، ولكن تحاملت عل ىنفسها لأجله، لذا تنهدت بضيق مما جعل مالك يتعجب من نظراتها، فظن أنها لا توافق على العرض فقال: واضح إن البشمهندسة مش موافقة، فا مفيش مشكلة خالص ديه حاجة ترجعلكم.
عاصم: لأ مش ده الموضوع.


أمسكت دعاء حقيبتها وهمت بالوقوف وقالت: أظن كده خلصنا مناقشة، أستأذن أنا.
تركت المكان تحت نظرات الغضب المتطايرة من عين عاصم ونظرات التعجب من مالك، رحلت وهي تترك لأنفاسها المضطربة العنان ليلحق بها عاصم بغضب بعد أن أعتذر لمالك عن تصرفها وخطى بخطوات سريعة نحوها، تاركة مالك يشتعل غضبًا بداخله، فاعتبر رفضها للعمل معه إهانة شخصية له، فنهض عن الطاولة بعد أن دفع الحساب وخرج من المطعم، وأثناء سيره نحو سيارته لمح عاصم ودعاء يتشاجران بجانب السيارة، فصعد بسيارته غير مباليًا بهما، ومر بجوارهما لتتعلق نظرات دعاء به وهو داخل سيارته، ولاحظت عدم إكتراثه بما يحدث بينهما أمامه وثباته الذي لم يتزعزع أمام ما فعلته، مما جعلها تتعجب من هذا الأمر فثقته بنفسه لا تنافس.


لا تعلم ما يشعر به من غضب دفين بداخله، حتى أنه قرر الرجوع عن تنفيذ هذا المشروع فاتصل بيامن على الفور وقال: إلغي مشروع الحلواني، وشوف شركة تانية.


أنهى المكالمة قبل أن يسمع رد يامن المتوقع فمن المؤكد أنه سيرفض هذا ولكنه لم يبالي، وعاد إلى منزله وهو يرى ملامحها التي حُفرت داخل ذاكرته بدقة. 


كان لقاءًا على غير المعتاد، فهل تسنح الفرصة للقاء آخر؟
لست قلبي... الفصل الثالث
بقلم الكاتبة / رباب حسين


أحيانًا لا ينتهي الحب بالفراق بل يبدأ منه.
حين يقف القلب في المنتصف لا يعرف إلى أي روح ينتمي، في لحظة خوف وتردد هربت من أمامه، وقفت أمام والدها تعلن اعتراضها عن العمل معه، لتراه يمر بجوارها بثباته وشخصيتة الفريدة ليتجاوزهما بهدوء وكأنه يخبرها أنها هي الخاسرة، علقت عينيها به في لحظة توقف بها الوقت، لتتجاور الذكريات مع الخذلان في المسافة نفسها، ويصبح الصمت أبلغ من أي اعتراف. شعرت بالخيانة، هي أخذت قرارًا بألا تعشق غيره لذا هربت من هذا الشعور الذي تخللها وعندها علقت بين الإعجاب والخوف....


أما هو... فقد مر هذا اللقاء عليه وكأنه إعصار؛ عصف بكل ما به من ثبات، زلزلت حواسه بريبة غير معتادة، وحين لمست كرامته بسوء رحل وهو يحمل أكثر مما يحتمل القلب.




ومرت تلك الليلة بقرار الهروب منهما، وكأن الخوف هو طوق النجاة الذي يفصل بينهما... وشيء مكسور لن يداوى بهذه البساطة، بل هناك رحلة طويلة ليأخذ كلًا منهما القرار الصحيح.


وبقى السؤال: هل هذا اللقاء كان قدرًا أم اختيارًا تأخر كثيرًا؟


في صباح اليوم التالي، استيقظ مالك على صوت يامن الذي اقتحم أحلامه بصوته المزعج عندما دخل غرفته بصياحه المعتاد قائلًا: يعني إنت تتصل بيا إمبارح ترمي قنبلة في وشي وتقفل وتيجي تنام عادي كده؟! وأنا أسهر طول الليل أفكر أعمل إيه في المصيبة اللي قلت عليها ديه.
تنهد بهدوء وجلس على الفراش ينظر إليه بنصف عين وقال: عايز إيه على الصبح؟!
صاح يامن قائلًا: لسه هيقولي عايز إيه! كلامي واضح أنا، إيه اللي مفيش شركة الحلواني ديه؟!
مالك: طيب ما أنا كلامي واضح برده، مفيش مناقصة شركة الحلواني.
يامن بصدمة: يعني رفض؟! إستحالة.
مالك: لا مرفضش أنا اللي مش عايز أشتغل معاه.
يامن: نعم؟! إنت عارف إحنا بقالنا أد إيه شغالين على المناقصة ديه؟! بلاش... عارف بقالنا أد إيه بنحاول ناخد شغل في شركة الحلواني؟!


نهض مالك من الفراش وهو يقول: وأنا مش هشتغل مع حد بيقل مني ومن كرامتي.
يامن: مش فاهم، هو قالك إيه ضايقك كده.
مالك: إنزل بس إستنى على الفطار وأنا هاخد دش وألبس وأجيلك.
تنهد يامن وقال: حاضر، بس متتأخرش، نتيجة المناقصة النهاردة.


في هذه الغرفة التي يغلب عليها اللون الأبيض تجلس دعاء بفراشها تنظر إلى الفراغ بصمت، تتذكر ذلك اللقاء العجيب، هناك شعور غير معتاد بداخلها، ليس حب ولا إعجاب، بل وكأنها تعرفه ولم تراه منذ وقت طويل، تتذكر كيف كان يتحدث، صوته الذي يتسم بالرزانة لا يزال يتخلل عقلها، ثم تذكرت ما قاله عاصم قبل أن يصعد بالسيارة غاضبًا بالأمس: "إنتي إزاي تقللي مني قدام الناس، وكمان أحرجتي الراجل جدًا وأنا سامع إنه مش بيتهاون في أي إهانة ليه، المناقصة ديه هتوفرلي ملايين، ولو ضاعت مش هيحصلك كويس، من بكرة تصلحي العك اللي إنتي عملتيه ده ومش مشكلتي إزاي."


أغمضت عينيها بضيق، فلابد أن تعتذر له بينما رغبتها في الهروب من رؤيته تدفعها أن تلجأ لحل آخر، فظلت تفكر بطريقة أخرى لتعتذر له عن طريقها.


أما يامن فكان يجلس مع حسناء يخبرها بما قاله مالك بالأمس، فقال بضيق: يعني يا طنط بقالنا كام سنة بنحاول ندخل في مناقصة زي ديه، وحضرتك عارفة إن شركة معروف مش سايبة فرصة لحد غيرها في السوق، ومالك عمل تطور رهيب في التيم بتاع التصميم وده اللي عمل طفرة في الشغل، ليه يرفض الشغل بعد كل ده؟!
حسناء: معرفش يا يامن، ده كان بيحارب عشان المناقصة ديه.
يامن: أنا مبقتش عارف أتعامل معاه خالص يا طنط من ساعة اللي حصل.
حسناء: أيوة، موت أبوه بالشكل ده أثر عليه بشكل مش طبيعي، ده كان هيموت وراه لولا ربنا سترها وقدر يعمل عملية القلب، وبعدين متنساش إن موته مشكوك فيه لحد دلوقتي.
يامن: عارف يا طنط وعذره جدًا، بس هو قالي أنا عايز أحقق اللي بابا كان نفسه فيه، وتعب جدًا عشان الشغل فا ليه يضيع تعبه وتعبنا معاه؟!


هنا وتدخل مالك بالحديث عندما هبط من ذلك الدرج وسمع حديثهما فقال: ما أنت لو عندك صبر شوية كنت قولتلك.
وقف يامن أمامه وقال: طيب فهمني، ويارب يكون السبب مقنع.
تناول مالك قطعة من الخيار وقبل وجنة حسناء ثم قال: تعالى معايا في الطريق ونتكلم عشان عندي إجتماع الصبح.


ثم تحرك ولحق به يامن وهو يقول: إجتماع إيه؟! مش المفروض نروح نشوف نتيجة المناقصة؟!
مالك: ما هو حتى لو قبلو بالعرض؛ وهما هيقبلو فعلًا، قولتلك أنا مش هشتغل معاهم.
يامن: طيب فهمني السبب يمكن نلاقي حل.


صعد بجواره داخل السيارة وفي الطريق كان مالك يقص له ما حدث، أما عاصم فدخل غرفة دعاء ووقف أمامها قائلًا بحزم: النهاردة إعلان النتيجة، قدامك ساعتين، لو مالك العشري محضرش الإعلان متزعليش مني. 


ترك الغرفة ودعاء تنظر إلى أثره بصدمة، ثم انتفضت من الفراش تدخل إلى المرحاض حتى تستعد إلى الخروج بسرعة، تسابق الزمن حتى تذهب إلى شركة العشري، ولكن لا تزال لا تعرف كيف تعتذر له. 


وصل مالك وهو يحاول الهروب من ثرثرة يامن الذي يلح عليه في العدول عن قراره، محاولًا إقناعه بأن ابنة عاصم لا تعمل بالوقت الحالي وربما رفضت لهذا الأمر وليس إعتراضًا على شخصه. 


دخل مالك غرفته متحدثًا إلى السكرتارية مخبرًا إياها أن تحضر له القهوة وتطالب بعمل إجتماع ضروري لإبلاغ المهندسين أن الشركة سوف تبحث عن مناقصة كبرى أخرى. 


وأثناء الإجتماع وصلت دعاء الشركة وأخبرت السكرتارية بأنها ترغب في مقابلة مالك العشري، ولكن السكرتيرة روان قالت: بس بشمهندس مالك في إجتماع وحضرتك مخدتيش معاد معاه. 
دعاء: طيب هيطول في الإجتماع؟
روان: الإجتماع طارئ معرفش هيناقشو إيه، تقدري حضرتك تحددي معاد معاه تاني. 
دعاء: لأ أنا لازم أقابله ضروري، طيب ممكن تبلغيه بس إني طالبة أشوفه خمس دقايق بس؟
روان: مع إنه عادةً بيرفض بس هحاول عشان باين على الموضوع مهم. 
دعاء: شكرًا. 


أومأت لها بابتسامة ثم دخلت غرفة الإجتماعات، لتقطع نظرات مالك الذي ينظر إلى المهندسين من حوله وأحدهم يقول بحزن: بس يا بشمهندس إحنا بقالنا كتير شغالين على المشروع.
نظر له يامن بضيق ثم حول نظره إلى مالك الذي لاحظ نظراته إلى روان التي تقترب منه وهمست داخل أذنه قائلة: دعاء الحلواني بتطلب تقابل حضرتك ضروري ومستنية برا.


عندما سمع اسمها نظر أمامه بشرود، لا يعلم لما تذكر تلك النظرة الحزينة التي ترتسم داخل مقلتيها، ليأن قلبه مجددًا ولكن نفض صورتها من رأسه على الفور وقال: قوليلها تاخد معاد وتيجي تاني، أو تستنى لحد ما أخلص.


أومأت له روان وخرجت من الغرفة لتخبر دعاء بالأمر، أما مالك فقد كان على يقين أنها جاءت لتعتذر، ولكنه فضل أن يتركها قليلًا حتى لا تشعر بلهفته على المشروع.


نظرت دعاء إلى روان بحزن، ثم نظرت بالساعة تخبر نفسها بأن ليس هناك وقت، لذا عادت النظر إلى روان قائلة: هستناه.


مر نص ساعة من التوتر ثم انتهى الإجتماع، وخرج المهندسين ويبدو على وجوههم الحزن حتى سمعت أحدهم يقول: يعني يوم ما نتقبل في الشغل نرفض إحنا.


مما دب الخوف في قلب دعاء أكثر، ليظهر مالك أمامها عندما خرج من الباب، وتفاجأ عندما وجدها لا تزال في إنتظاره، فوقف أمامها وقال: ليه استنيتي؟! كان ممكن تاخدي معاد تاني.
دعاء: معلش أنا محتاجة أتكلم مع حضرتك دلوقتي لو مفيش مانع.
أشار لها نحو غرفته وقال: إتفضلي.


ذهبا معًا، ثم اقترب يامن من روان قائلًا بهمس: مين ديه؟!
روان: دعاء الحلواني. 
فتح يامن عينيه بصدمة، ترتسم السعادة على وجهه داعيًا الله بأن يهدي مالك ويوافق على المشروع. 


كان مالك يجلس على مكتبه ويراقب نظرات دعاء المضطربة، ثم قطعت توترها قائلة: أنا جيت أعتذر عن الطريقة اللي مشيت بيها إمبارح، بس عايزة حضرتك تبقى متأكد إني مش معترضة على العمل معاك شخصيًا بالعكس ديه حاجة تشرفني جدًا، خصوصًا إني عرفت مدى التطور اللي عملته في الشركة. من ساعة ما بقيت مسئول عنها بنفسك، لكن إعتراضي عن العمل بسبب مشاكل شخصية ملهاش أي علاقة بيك. 
مالك: بس ده مش بروفيشنال خالص يعني أنا راجل عملي مش بدخل المسائل الشخصية في الشغل.
شعرت دعاء بالضيق من حديثه ولكن لا مفر يجب أن تتحمل نتيجة خطأها فحاولت أن تتحدث بطبيعتها دون إظهار ما تشعر به ثم قالت: أكيد طبعًا، بس أوقات بيحصل حاجات خارجة عن إرادتنا، وأنا الفترة اللي فاتت كنت بعيد عن الشغل عشان كده مكنتش عايزة أمسك مشروع كبير زي ده.


لاحظ مالك أن طريقة. حديثه بها إهانة فحاول أن يصلح ما قاله: اه فهمتك، لأ كده يبقى فيه وجهة نظر أكيد، على العموم المناقصة لسه مظهرتش نتيجتها، ولو كسبناها إن شاء الله نشتغل مع بعض.
دعاء: أنا بس عندي طلب.
مالك: إتفضلي.
دعاء: ممكن حضرتك تيجي معايا دلوقتي نحضر إعلان نتيجة المناقصة؟
نظر مالك بساعته وقال: بس مفيش وقت ده فاضل تلت ساعة.
دعاء: بابا إتضايق من تصرفي مع حضرتك إمبارح وطلب مني إنك تحضر النهاردة، وأنا مش عايزاه يزعل مني، فلو حضرتك معندكش مواعيد تانية ياريت حضرتك تيجي معايا.


وافق مالك وذهب معها خارج الشركة، تحت نظرات يامن الذي شعر بالسعادة عندما وجده يتوجه إلى الخارج معها، صعدا بالسيارة وكانت دعاء تجلس بجواره داخل سيارته، وأثناء القيادة قالت دعاء: مبقاش فيه وقت كتير.


زاد مالك من سرعة السيارة، وفتحت دعاء عينيها بصدمة، تتذكر ذلك المشهد من تلك الحادثة التي غيرت حياتها كليًا، ولم يلاحظ مالك ذلك بل ظل يقود السيارة متجاوزًا السيارات التي أمامه وهو يبدل الحارات على الطريق، انقبض قلب دعاء بشدة فكلما اقترب من سيارة أمامه وانحرف بجانبها قبل أن يصطدم بها، كان يهوى قلبها بين قدميها، حتى تذكرت ذلك المشهد عندما وجدت السيارة تقترب من أمامهما، وأصوات إحتكاك الإطارات بالأرض تعبث داخل عقلها بذكريات حاولت مرارًا دفنها، حتى أنها تذكرت رائحة إحتراق الإطارات، أغمضت عينيها بقوة، وأمسكت بيد مالك التي يتكأ بها على المخدع بينهما، فنظر لها مالك بدهشة، ليجد نظرات الرعب على وجهها، والدموع تتساقط على وجنتيها وهي تغمض عينيها بقوة، فشعر بانقباض قلبه وصف السيارة سريعًا ناظرًا إليها بقلق، وقال: دعاء... فيه حاجة؟! حاسة بحاجة؟!


قالت من بين انفاسها المتلهفة، وصوتها المرتعش بسبب عقلها المحاط بالذكريات الآن، تذكرت آخر نظرة رأتها داخل عين ليث، وسمعت نبضات قلبه الأخيرة، فهمست وهي لا تزال تقبض على يديه: متسبنيش.


لا يعلم ما حقيقة ما شعر به الآن، لم يفهم لماذا ارتجف قلبه هكذا، ولا لماذا شعر أن خوفها مسؤولية سقطت فجأة فوق صدره، ولكنه ظل يتأمل خوفها وحزنها وهو يترنح بين قلبه وعقله، ولكن في هذا الوقت لم يستطع عقله السيطرة عليه كالعادة، بل تحدث القلب أخيرًا بما لم يفصح به من قبل، ليصدع بنبضات تزلزل كيانه بقوة، ولم يعد هناك رغبة لديه سوى أن يضمها بين ذراعيه مطمئنًا إياها.


لست قلبي... الفصل الرابع
بقلم الكاتبة / رباب حسين


أحيانًا لا يأتي القدر ليمنحنا ما نطلبه، بل ليضعنا أمام ما نهرب منه، أصبح الهروب من مالك أمر مستحيل، ليأتي القدر ليصفعني بتلك الذكرى، وكأنه يخبرني بأن الهروب لابد أن يكون تلك الذكريات لا منه. 


لحظة واحدة كفيلة بأن تُربك الحسابات، وتُربك القلوب أكثر، حين يمد الخوف يده ليكشف عن مشاعر لم يُعترف بها بعد، وحين يتكلم الصمت بصوت أعلى من أي اعتذار.


بين قلبٍ اعتاد الفقد وقلبٍ ظن أنه أقوى من أن يشعر، تبدأ الخطوة الأولى في طريق لا يشبه أي طريقٍ سابق، طريق لا يعد بالسلام، لكنه يعد بالحقيقة. وهنا لا يُقاس اللقاء بالوقت، بل بما تركه خلفه من ارتباكٍ لا يُمحى.


وفي نظرة لهفة وحزن من ملامحها المرتبكة، وقف عاجزًا أمامها، وهي تقبض على يديه بقوة وكأنه طوق النجاة الأخير. مد يده يربت على كفيها بحنان، يهمس داخل أذنها بهدوء ليقطع تلك الذكرى التي تسيطر عليها، وظل يردد بصوته العذب الذي تخلل داخل مسامعها أخيرًا: متخافيش، مفيش حاجة أنا جنبك إهدي يا دعاء مفيش حاجة افتحي عينكي.


بدأت ملامحها تهدأ رويدًا رويدًا، حتى فتحت عينيها وانتبهت ليده التي تمسك بها بقوة، فنفضت يدها من بين كفيه سريعًا، وظهر الضيق على وجهها بشدة، فقال مالك: أنا أسف، بس واضح إن عندك فوبيا من السرعة وأنا مكنتش أعرف، أنا بس كنت عايز ألحق المعاد عشان عاصم بيه ميزعلش منك.
تنهدت دعاء تحاول السيطرة على مشاعرها ثم قالت: حصل خير، بس ممكن حضرتك تتحرك تاني.
مالك: حاضر، بس مش هتحرك بسرعة، ولو عاصم بيه إتضايق هتكلم أنا معاه.
أومأت له بالإيجاب، ثم عاد مالك لقيادة السيارة، لم يحاول النظر إليها مرة أخرى حتى لا تشعر بالحرج أكثر، ولكن اخترق قلبه سؤال واحد جعله يتألم بصمت: من هذا الذي ترفض رحيله؟! من يستطيع أن يترك تلك الفتاة الرقيقة؟


دون إجابة، دون الحق في طرح أسئلته، لم يجد سبيل سوى الصمت.


بعد وقت، وصلا عند مقر الشركة، وترجلت دعاء أولًا ولحق بها مالك، ليلاحظ ملامح الدهشة على وجوه العمال عندما رأو دعاء تدخل من باب الشركة الرئيسي متوجهة إلى القاعة الرئيسية بالشركة، ثم دخلا معًا ليخطفا الأنظار من حولهما ليس فقط بسبب عودة دعاء إلى العمل؛ ولكن ظهورها المفاجأ مع مالك العشري المعروف بصرامته، ويخطو خلفها بشموخ وقوة، وبين تلك العيون التي تنظر إليهما بدهشة، هناك عينان تنظر بغضب، لم تكن سوى نظرات حاتم معروف؛ الذي كان يجلس بثقة متناهية كعادته، يعلم أن عاصم الحلواني لن يجازف بالعمل مع شركة أخرى لتنفيذ ذلك المشروع الضخم، ولكن تزعزعت ثقته عندما وجد مالك يدخل الغرفة بصحبة دعاء التي عادت إلى العمل فجأة، فنظر إلى عاصم على الفور، ليلمح طيف ابتسامة ترتسم على وجهه لتؤكد له ظنه، فنظر أمامه إلى الفراغ بغضب ليلاحظ ذلك الغضب مساعده الشخصي (سامر) فاقترب من خلفه وهمس داخل أذنه: هو فيه إيه؟!
حاتم: هنعرف.


مر دقائق من الهمسات الجانبية بين الحضور قطعها صوت عاصم قائلًا: ودلوقتي هنعلن مين الشركة اللي قدمت أقل عطا للمناقصة.
ثم فتح المغلف الذي أمامه تحت نظرات الترقب من الجميع، عدا مالك الذي يجلس بشموخ في آخر القاعة مسلطًا نظره نحو حاتم، نظرات ليس فقط متحدية بل تترقب لرؤية نظرة الخسارة داخل عينيه، فهو يشعر بشك كبير بأن من قتل والده وتسبب في ذلك الحادث الذي أودى بحياته ما هو إلا منافسه الوحيد واللدود؛ حاتم معروف، وذلك بسبب اقتراب والده من الفوز بمناقصة كبيرة والتي خسرتها الشركة بوفاة والده، وبعد أن تعرض مالك لوعكة صحية كبيرة أثر الصدمة وابتعد عن العمل لفترة طويلة، مما أطاح بقوة وسمعة الشركة التي بناها والده بنفسه منذ الصغر وحتى موته.


قطع شروده أصوات التهنئة من باقي الشركات من حوله، فهم على دراية بحجم المسئولية التي وقعت عليه والذي أثبت مالك بجدارة أنه أهل للثقة، عدا حاتم الذي نظر إلى عاصم بضيق ووقف سريعًا ليغادر القاعة، ليرمق مالك بنظرة غاضبة، حتى تجاوزه واقترب من دعاء التي جلست خلفه وقال بابتسامة مصطنعة: دعاء الحلواني جاية بنفسها تحضر الإجتماع، حمد الله على السلامة.
ابتسمت دعاء وقالت: الله يسلمك يا حاتم، عامل إيه؟!
حاتم: لو سألتيني من دقيقتين كنت هقولك تمام وزي الفل، لكن دلوقتي زعلان بصراحة.
دعاء: معلش يا حاتم، ده شغل والشغل مفيهوش محسوبية، هما قدمو عطا أقل وتصميمات ممتازة.
حاتم: طبعًا الأصلح للشغل هو الأهم، بس معقولة تقبلو الشغل مع شركة لسه بتحاول تاخد مشاريع كبيرة؟!
دعاء: كده كده هشرف على المشروع ولو النتيجة مش زي ما إحنا عايزينو هنفسخ العقد فورًا.
كان مالك يستمع لما يدور حوله، وعندما سمع حديث دعاء نظر لهما وكأنه يخبرهما بأنه قد سمع ذلك الإتفاق، ليظهر على ثغره ابتسامة تهكم، ثقةً بأن ما سيشاهده الجميع من نتائج سوف تبهرهم، ليزداد غضب حاتم بشدة، ثم قطع تلك اللحظة صوت عاصم وهو يقترب من مالك يربت على ضهره ويقول بابتسامة: مبروك يا بشمهندس.
ثم لاحظ نظرات حاتم التي توجهت له، فنظر إليه فتحمحم قليلًا وقال: طبعًا إنت عارف يا حاتم الشغل مفيهوش وسطة، إنت قدمت تصايميم ممتازة كالعادة لكن المشكلة في الأسعار، وأنا المشروع كبير عليا وكل توفير هيفرق معايا جدًا.
حاتم: طبعًا يا عاصم بيه حاجة مفهومة، وأكيد بتمنى النجاح للمشروع، مع إن بشمهندس مالك أول مرة يمسك مشروع زي ده وشايف إن ديه مجازفة. 
هنا وتدخل مالك بصرامة: مش شرط يبقى عندك خبرة في المشاريع الكبيرة عشان تشتغل فيها، الأهم إن يبقى عندك فكر جديد يواكب العصر، مش تصميمات عتيقة مبتتغيرش، وكمان خامات مضرة بالبيئة وتكليفتها عالية، أعتقد إنك محتاج تعمل أبجريد للشغل يا بشمهندس. 


نظر له حاتم بصدمة، لا تقل عن نظرة دعاء له، فالصراحة الزائدة أحيانًا ما تتخطى حد الوقاحة، وظلت دعاء توزع نظراتها بينهما بترقب، فقال حاتم: منكم نستفيد يا بشمهندس، وخلينا نشوف الأفكار الجديدة هتطلع بنفس جودة الشغل اللي إحنا بنقدمه ولا لأ، ولا هتقدر تخلص مشروع زي ده في وقته ولا لأ، ده أهم في مجال البزنس أكتر من البيئة. 
مالك: ده بقى نتكلم فيه بعد التسليم إن شاء الله. 
حاتم: اتمنى. 


نظر مالك إلى دعاء وقال: تحبي أوصلك يا بشمهندسة لحد عربيتك، أنا كده كده راجع الشركة.
قال حاتم ممازحًا: هو إنتي اشتغلتي عنده ولا إيه يا دعاء؟ 
عاصم: تبقى صاحبة شركة وتشتغل برا؟! 
دعاء: لأ أنا شغالة في شركتي أكيد، بس عربيتي عند شركته. 
حاتم: طيب ممكن أوصلك ونتكلم شوية في الطريق، أنا بقالي كتير بحاول أكلمك وإنتي مختفية، فا فرصة نتكلم شوية قبل ما تبدأو تنقيذ المشروع. 
وجدتها دعاء فرصة لتبتعد عن مالك الذي لا تزال تشعر بالارتباك أمامه بعد هذا الموقف المحرج الذي حدث بالسيارة، فقالت: مفيش مشكلة.
ثم نظرت إلى عاصم وقالت: هروح أجيب عربيتي وأرجع يا بابا على هنا.
عاصم: تمام، أنا برده عايز مالك عشان نتناقش مع بعض في الخطوط الرفيعة ديه عشان كل حاجة تبقى بالاتفاق.


ذهبت دعاء مع حاتم، ومشاعر الغيرة بدأت تتسلل داخل قلب مالك، فهو لا يزال يتذكر لمسة يدها بين يديه، دفء أناملها التي تبلورت بين كفيه تحتويها بحنان، لتختفي أناملها الصغيرة ليقبض عليها متمنيًا تملكها له وحده دون منافس. 


ذهبت دعاء مع حاتم بالسيارة، وجلست شاردة تنظر عبر النافذة دون حديث حتى قطع صمتها حاتم قائلًا: كل ده حداد يا دعاء؟! اللي عملتيه في نفسك ده غلط، اه من حقك تزعلي لأن كلنا عارفين إنتي وليث كنتو بتحبو بعض أد إيه، بس مش لدرجة ٣ سنين محبوسة وسايبة الدنيا كلها، إنتي كده بعتي نفسك للحزن، وقفتي حياتك كلها وده مش صح. 
دعاء بحزن: غصب عني يا حاتم مش بمزاجي. 
حاتم: عارف، بس تفتكرى لو ليث شاف حالتك ديه هيبقى مبسوط؟! ليث كان كل أمنيته في الحياة إنه يسعدك، لو شافك زعلانة بالمنظر ده صدقيني مش هيبقى مبسوط أبدًا، عايزة تزعليه منك؟! 
دعاء: لأ طبعًا، بس مش قادرة. 
حاتم: المهم دلوقتي إنك رجعتي الشغل، أشغلي نفسك على أد ما تقدري عشان تعرفي ترجعي لحياتك. 
دعاء: تفتكر هعرف أعيش حياتي تاني؟! 
حاتم: أكيد، الموت مش نهاية الحياة، ديه بداية لينا كلنا عشان نعيش من جديد. 


بعد وقت، وصلا إلى سيارتها فترجلت من السيارة وهي تشكره بشدة على حديثه ونقلها إلى سيارتها، فقال حاتم: بتشكريني على إيه؟! إحنا طول عمرنا أصحاب من زمان ولا نسيتي؟! 
دعاء: لا منستش، وزي ما اتفقنا كل أما أحس إني متضايقة هكلمك فورًا. 


أومأ لها بابتسامة، ثم ترجلت من السيارة وتوجهت نحو سيارتها، وقاد سامر السيارة مرة أخرى، ونظر إلى حاتم عبر المرآة الداخلية للسيارة وقال: إزاي مالك خد المناقصة؟! 
تبدلت ملامح حاتم إلى الكره والحقد وقال بغضب مكتوم: المشكلة مش المشروع وبس، أنا من ساعة ما شفت نظرات الغيرة على وشه وأنا هتجنن، ده أنا ما صدقت إن دعاء بقت لوحدها عشان أفرض عليها سيطرتي وأمثل عليها لحد ما أتجوزها وتبقى الشركة كلها ليا، لكن مالك ده هيعمل مصيبة هيضيع كل حاجة، وساعتها هو هيبقى الكل في الكل. 
سامر: طيب وبعدين؟! 
حاتم: مفيش غير حل واحد، زي ما خلصت من أبوه نخلص منه هو كمان. 
سامر: بس ديه مجازفة، المرة اللي فاتت الحادثة كانت مساعدانا، لكن مش كل مرة هتصيب، مش عايزين عشان نصلح الشغل نخرب حياتنا. 
حاتم: متقلقش، مش هنعمل دلوقتي أي حاجة، كل حاجة وليها وقتها، المهم دلوقتي نكسب دعاء في صفي وبعدين كل حاجة هتتحل بمجرد ما أقدر أشغل تفكيرها وساعتها هتبقى زي الخاتم في صباعي والشركة تبقى في جيبي. 


الأسوء من العدو هو الصديق الذي يظل بجوارك، يساندك بيد واليد الأخرى تحمل خنجر الخيانة، غدر يزلزل الثقة في الوجوه، ثم تصدم بأنه فعل كل ذلك فقط لأجل مصلحته الشخصية، وأنت ليس أكثر من مجرد مخدوع، فاحذر من عدوك مرة ومن صديقك ألف مرة. 


لست قلبي.... الفصل الخامس
بقلم الكاتبة / رباب حسين


ليست الحقيقة دائمًا هي ما نراها، ولا المشاعر كما نظنها في أول الطريق. بعض القلوب تُدفع إلى الاختيار، وبعض الوعود تُقال تحت وطأة الخوف لا الحب.
فقد ظن مالك أن هناك سر كبير في حياة دعاء لا يعرفه، وبعد قليل صُدم بما فعله حاتم معها، بل الأكثر صدامًا كان موافقتها على مرافقة حاتم بدلًا عنه، فقد ظن أن هناك جرح كبير داخل قلبها، والآن يراها شخص غير مسئول. 


وحين تتشابك النظرات قبل الكلمات، تهرب هي من أمامه، ناكرة لتلك المشاعر التي تتخلل داخل صدرها دون هوادة، فتتوارى الأعين ويصبح الصمت أبلغ من أي اعتراف.


ورغم ذلك خطوة واحدة قد تقرب المسافات أو تفتح بابًا لمواجهة لم يكن أحد مستعدًا لها.
حين تنكشف الحقائق وتحدث مواجهة لم تكن بالحسبان. 


وبعقلٍ شارد يجلس مالك أمام عاصم الذي يتحدث بخصوص العمل وهو يفكر بشيءٍ واحد؛ لماذا قبلت أن تذهب معه؟! 


ثم قاطع شروده حديث عاصم الذي يقول: طبعًا دعاء هتبقى مشرفة على المشروع كله ولو اعترضت على أي حاجة ياريت العمال ينفذ أوامرها وده طبعًا مش تقليل منكم، بس دعاء عندها خبرة في تنفيذ المشروعات ديه، وكمان هي مهندسة معمارية وعارفة كويس الحاجات اللي ممكن تأثر على أساسات المباني. 
مالك: مفيش مشكلة، طيب كده حضرتك هنبدأ تنفيذ أمتى؟
عاصم: من بكرة طبعًا، أنا مستعجل وعندي تسليم وحدات، وطبعًا الديد لاين وقته معروف.
مالك: مفهوم، فيه أي حاجة تانية حابب حضرتك نتكلم فيها؟ 
عاصم: نستنى بس دعاء تيجي عشان تتفقو مع بعض وتشوف التصميمات والديكور اللي حضرتك مقدمه ولو فيه ملاحظات تقولك عليها. 
مالك: تمام، بس هستأذن حضرتك أبلغ الشركة عندي عشان المهندسين يعرفو إن عندهم شغل في الموقع بكرة. 


أومأ له عاصم بالإيجاب وخرج مالك ليتحدث مع يامن الذي تلقى المكالمة سريعًا وقال: ها يا مالك، طمني. 
مالك: بلغ المهندسين أن هنبدأ تنفيذ مشروع شركة الحلواني من بكرة الصبح، أعمل جدول للعمل وقسم المهندسين والعمال، ووصي على الخامات تبقى موجودة في الموقع من بكرة، عندنا شغل كتير ولازم ننفذ بسرعة. 
يامن بسعادة: بجد خدنا المناقصة! مش مصدق. 
مالك: يلا نفذ اللي قلت عليه. 
يامن: يا عم سيبني أفرح. 
مالك: مفيش وقت للدلع خلص. 
أنهى مالك المكالمة لينظر يامن إلى الهاتف باشمئزاز ويقول: بارد، قاتل للفرحة بجد، أروح أهيص مع الموظفين أحسن. 


ثم نهض وخرج من غرفته وتوجه إلى غرفة المهندسين ليخبرهم بهذا الخبر السعيد؛ الذي استقبلوه بفرحة عارمة، فما أعظم أن يكلل مجهودك بالنجاح.


التفت مالك ليعود إلى غرفة عاصم، فوجد دعاء تقترب من باب الغرفة، توقف يراقب خطواتها وهي تقترب منه، وقلبه يهوى مع كل خطوة تقربها إليه، لم يشعر بهذا الأمر من قبل أبدًا، وكأن قلبه أعلن إحتجاجًا داخل صدره يطالب بالقرب منها دون توقف، ينقر بصخب يحبس الأنفاس، أما هي فكانت تراه وعقلها يبحث عن باب الطوارئ للهروب منه، لتحاول أن تقنع عقلها بأن لا يوجد مجال للابتعاد عنه فقد أصبح أمر واقع لا مفر منه.


وقفت أمامه بهدوء مزيف ثم قالت: حضرتك لسه موجود. 
مالك: مستني نقعد مع بعض عشان نتفق على المشروع وأشوف لو عندك أي تعليق على تنفيذ المشروع. 
دعاء: تمام، هدخل بس عند بابا أشوف التصميمات ونبدأ شغل على طول. 


دخلت المكتب وظل مالك بالخارج ينتظرها، ثم أعطاها عاصم التصاميم وقبل أن تغادر الغرفة قال: اه صح يا دعاء، أوضتك أنا بدلتها بمكتب تاني أكبر، إنتي دلوقتي نائب رئيس مجلس الإدارة والمكتب القديم صغير على المنصب. 
دعاء: أنهي مكتب؟
عاصم: مكتب عمران الله يرحمه. 
فتحت دعاء عينيها بصدمة وقالت: اللي هو مكتب ليث برده؟! 
نظر عاصم أمامه بدهشة، فهو لم يتذكر ذلك الأمر، ثم قال: أنا نسيت خالص، طيب بصي النهاردة بس خلصي إجتماعك وبكرة إنقلي في مكتب تاني. 
دعاء بتذمر: يا بابا ليه كده طيب؟! بتضغط عليا ليه؟
عاصم: معلش يا حبيبتي نسيت. 


تركت دعاء المكتب بغضب ولاحظ مالك غضبها حين غادرت المكتب ونظرت له بحدة وقالت: إتفضل معايا.


تقترب بقلب مجروح، يصرخ باسمه هو، عيون جفت دموعها، وصوت فقد روحه حين فقد نطق اسمه عاليًا، كل خطوة كانت بمثابة إختبار لها، تتذكر كل ذكرى كانت تحدث بهذا المكان، تحت نظرات مالك الذي يشعر بالريبة من حركاتها، فظل يراقب في صمت حتى دخلت الغرفة، وقعت عيناها على الكرسي الذي كان يجلس عليه ليث دائمًا، تتذكر عندما كانت تقتحم الغرفة فجأة، لتتبدل ملامح ليث من الدهشة إلى السعادة بمجرد أن يراها أمام عينيه، فتجمدت عند الباب لتصدع داخل أذنها كلمات أغنية كانت تتهرب دائمًا أن تسمعها، ولكن هذه الذكريات منعتها من كبتها داخل عقلها:
"وين أنت؟ ومتى أشوفك؟
وحدي أسأل وحدي أجاوب
حتى في أصغر أشيائك
أبقى أتأمل وأراقب
استجدي صوتك... استجدي وجهك
ولو في لحظة وهم
جمدت الدمعة بعيوني
وانتهى إحساس القلم." 


أغمضت عيناها بألم، لتري كل شيء أمامها، كل شيء حُرمت منه منذ رحيله، صوته... ابتسامته... حبه... لحظة الأمان التي لم تجدها سوى بين يديه، لتفقد توازنها للحظة، وتعود إلى الخلف بترنح، ليمد مالك يده سريعًا مساندًا لها، فيضمها بين ذراعيه بقوة ليمنعها من السقوط ، وحين شعرت بقبضته عاد عقلها إلى أرض الواقع تاركًا تلك الذكريات بمكانها ويغلق عليها بباب الألم الذي يجرحها عند كل مرة يقترب منه، لتلتفت وترفع مقلتيها لتستقر نظراتها داخل عينيه، ولأول مرة ترى عينيه عن قرب، تاهت داخل تلك النظرة الحنونة، هناك لهفة ترسخت داخل مقلتيه، لتشعر بأنها تعرفه من قبل، هذا الشعور ليس بالجديد، هذا النبض الذي شعرت به بجسدها كان إعلان عن حب يقترب منها، لتنتفض بعيدًا عنه، تقف أمامه بجمود وقوة زائفة، لينطلق من مقلتيها مئة سؤال، وأصبح القلق عنوان وجهه، فقال لها بلهفة: مالك؟! إيه سبب الحزن ده؟


نظرت له دعاء نظرة تائهة، تترنح مقلتيها بكل مكان حولها إلا عينيه، وقالت بصوت مرتعش: لأ أنا بس دوخت شوية.
لم يصدقها ولكن منع نفسه عن السؤال مرة أخرى، فهذا ليس من شيمه التدخل بشئون الأخرين، بعيدًا عن هذا الإحساس الذي يخبره بأن هذا حقه ويجب أن يعرف عنها كل شيء، ولكن صمت في الوقت الراهن. 


دخل الغرفة وجلسا معًا ليتناقشا بأمر المشروع، حتى انتهى الإجتماع بعد ساعتين، وبرغم رغبته بأن يذهبا معنا لتناول الغداء إلا أنه منع نفسه من طلب هذا، فقد لاحظ إضطرابها لمجرد أن يقترب لذا لم يشأ أن يضغط عليها بهذا الطلب، واستأذن للذهاب على وعد بلقاء غدًا.


ذهب بعقل لا يفكر سوى بها، كيف هوت بين يديه عندما نظرت إلى ذلك المكتب الخالي، ليرفع هاتفه على الفور ويتصل بيامن وقال له: إنت فين مش جي الشركة ولا إيه؟!
مالك: لأ أنا راجع البيت، صدعت من كتر الكلام وبكرة عندنا شغل كتير، بقولك يا يامن عايز منك طلب.
يامن: قول.
مالك: تعرف تجيبلي معلومات عن دعاء الحلواني.
يامن: اه أعرف.
مالك: طيب أنا عايز أعرف كل حاجة عنها.
تعجب يامن من الأمر وقال: هو إيه الموضوع بالظبط؟!
مالك: نفذ من رغي.


أنهى المكالمة ليقذف يامن الهاتف من يده وهو يقول: أنا مش فاهم أنا مستحملك ليه بجد، عيل رخم.


وبمكان آخر، كان حاتم يستشيط غضبًا لينظر إلى سامر قائلًا: عايزك تعين واحد جوا الموقع، يراقب كل حاجة بتحصل ويبلغني فاهم.
سامر: بسيطة، بس إحنا كده خلاص يعني المناقصة راحت؟!
حاتم: حتى لو راحت، أنا هخلي عاصم الحلواني يندم إنه إشتغل مع شركة صغيرة وفضلهم عليا.


مر الليل الطويل، واخترقت أشعة الشمس غرفة مالك، الذي استيقظ بمجرد أن شعر بضوءها يداعب عينيه، لينهض سريعًا وعقله يخبره بأمر واحد؛ سوف نراها اليوم.
لهفة غير مبررة ولكن ممزوجة بسعادة لم يتذوقها من قبل. 


ذهب إلى الموقع وقام بعمل معاينة للمكان، وهو يراقب المكان من حوله كل فترة يترقب حضورها، حتى صفت السيارة أمام عينيه وترجلت منها تنظر إليه على بعد، ثم اقتربت منه وقالت: صباح الخير، إتأخرت عليكم؟
لم يجيب، بل أمسك بخوذة الحماية ووضعها على رأسها أولًا، لتتجمد فجأة أمامه، وعقله يردد: لماذا يفعل مثل ما كان ليث يفعله؟!


ابتعد عنها ليرى نظرة الصدمة فقال: السلامة أولًا، ولا مفيش تأخير، أنا جيت بدري عشان أعاين المكان الأول.


تحمحمت لتستجمع قوتها ثم قالت: تمام، تحبو تبدأ منين؟
مالك: أنا شايف إن نقسم العمال عشان نخلص بسرعة، جزء يشتغل في الوجهات والديكورات الداخلية للشوارع، وجزء تاني يشتغل في الديكورات الداخلية للوحدات.
دعاء: بس ده يحتاج عمال أكتر.
مالك: متقلقيش، عندي عمال كتير، وفيه بيشتغلو في أوقات الضغط وكده.
دعاء: فكرة كويسة، ممكن أشوف الخامات لو وصلت؟
مالك: وصلت طبعًا، إتفضلي.


ذهبا معًا تحت نظرات حسن الذي يراقب من بعيد، ليرفع هاتفه ويتصل بسامر على الفور، يبلغه بأنه وصل إلى الموقع ويبحث عن وظيفة بالداخل، وقد رأى مالك ودعاء معًا، ليصل الخبر إلى حاتم الذي صاح غاضبًا: كان المفروض أنا اللي أبقى معاها دلوقتي، الواد ده بيبوظ كل الشغل اللي بعمله، يعني أنا قعدت أقنع عاصم إنه يرجعها الشغل وتمسك المشروع عشان أعرف أقرب منها، يجي هو ياخد كل حاجة على الجاهز، خلي عينه عليهم ميشلهاش. 


قام سامر بإبلاغ حسن بالتعليمات ثم أنهى المكالمة، أما دعاء فكانت تفحص الخامات بنفسها، ثم قالت: ديه كلها مستوردة؟! 
مالك: لأ، فيه حاجات محلية موثوق فيها، لكن في حاجات بطلبها من برا عشان أرخص شوية لكن نفس الجودة قريبًا. 
أومأت له بالإيجاب وعادت تتفحص الخامات، وتعثرت في أحد الأخشاب بالأرض فختل توازنها، فأمسك مالك يدها وجذبها بقوة، فنظرت له تشكره لينظر إلى عينيها، لم يستطع كبح نفسه أكثر فقال باندفاع: نفسي أعرف سر الحزن ده، ليه عينيكي حزينة كده؟! 


نظرت له دعاء بتعجب، فكل من يعمل بالمجال كان على دراية بعلاقتنا بليث وأيضًا وفاته المفاجأ، فقالت: عايز تعرف ولا عايز تسمع الموضوع مني؟! 
عقد مالك حاجبيه بتعجب وقال: مش فاهم. 


تنهدت دعاء بقوة، فشعرت أنه يستدرجها بالحديث عن الأمر فقط ولم تعرف سر رغبته بسماع ذلك الأمر المؤلم فقالت: متشغلش بالك، أنا كويسة مفيش حاجة. 
مالك: ولا حاتم زعلك؟! 
دعاء بصدمة: حاتم! 
مالك: أنا لاحظت إن فيه حاجة بينكم، ومن ساعة ما رجعتي إمبارح وإنتي مش كويسة. 
دعاء بحدة: مش ملاحظ إنك بتحكم على الناس من برا شوية، أنا وحاتم أصدقاء من زمان مش أكتر، ياريت توفر تحليلك للأمور جوا الشغل وبس. 


ثم تركته وذهبت، لم تعلم أنها ضغطت على كبريائه دون أن تشعر، ليتحول مالك من ذلك المهتم إلى اللامبالي، وإن كان هذا ما سيبدو لها فقط بعيدًا عن الشعور الحقيقي الذي يكبته بالداخل. 


لست قلبي... الفصل السادس
بقلم الكاتبة / رباب حسين


كلمة واحدة كفيلة بأن تضع مسافة ونظرة كفيلة بأن تهدم جدارًا كاملًا.
حين يُساء الفهم، يتحول القرب إلى ساحة معركة، ويختار كل طرف درعه الخاص..الكبرياء. وهنا لا تنتهي الحكاية بل تبدأ منطقة أكثر خطورة، حيث المشاعر لم تُحسم بعد،
والقلوب تتقدم خطوة ثم تتراجع ألفًا.
حين جرحت كرامته دون قصد عندما منعته عن التدخل في حياتها الشخصية، فقد وضعت مئة جدار بينهما ببضع كلمات، حولت ذلك الاهتمام إلى جفاء، فتركها وذهب دون كلمة واحدة وقد أخذ قرار بأن العمل سيكون هو الصلة الوحيدة بينهما.


لم يحاول مالك أن يحتك بدعاء بهذا اليوم مرة أخرى، فقام بطلب أحد من العمال لديه أن يرافق دعاء أثناء جولتها بالموقع، تعجبت دعاء من الأمر بأنه تركها وذهب فجأة ولكن تذكرت حديث عاصم بأن مالك لديه شخصية قوية ولا يتهاون بالمساس بكرامته أبدًا، للحظة شعرت بالضيق بسبب ما قالته له، هي لا ترغب في التحدث عن ليث، بل تشعر أن مجرد الحديث مع رجل آخر يعد خيانةً له، لذا أبعدت نفسها عن الناس لهذا الشعور الذي تخللها منذ وفاة ليث.


بمرور الأيام، ومعاملة مالك لها برسمية زاد شعورها بالندم أكثر، وكلما شعرت بالندم كلما زاد شعورها بالخيانة، أصبحت بين شقيّ الرُحى، حائرة، إلا أن جاء اليوم الذي تبدل به كل شيء.


كانت دعاء تشرف على تنفيذ أعمال الديكور الخارجية، ولا تعلم لما تنظر بكل إتجاه بحثًا عنه، هو لم يأتي إلى الموقع اليوم، وعادةً إذا لم يحضر اليوم بالكامل بالموقع فهو يأتي بعد الظهيرة، ولكنه لم يظهر اليوم نهائيًا، وهي لا تزال متخبطة بين مشاعرها، تنتظره وتسأم من انتظاره.
وأثناء متابعتها للعمال وهم يقومو بتثبيت بعض أعمال الديكور على وجهة المبنى الخارجي؛ سمعت صوته يتحدث من خلفها قائلًا: عاليها شوية يا عم نصر، مش مظبوطة من ناحية اليمين.
التفتت إليه ولاحظت نظراته الباردة، بل لم ينظر إليها قط ومر بجوارها وكأنه لا يعرفها، زفرت بضيق من معاملته السيئة، فأقل ما يفعل أن يرحب بها ولكنه تجاهلها تمامًا، ثم لمحت رجل آخر يلحق به وتذكرت أنها رأته بمكتب مالك من قبل، ثم سمعت مالك يتحدث معه بأمور العمل وظلت تراقب العمال من بعيد. 


لاحظ يامن أن دعاء تقف بعيدًا وتنظر إليهم، فقال: مش ديه دعاء الحلواني؟
لم ينظر لها مالك بل أجاب فقط: اه. 
أشار لها يامن من بعيد مرحبًا بها فأومأت له بابتسامة ورحبت به، فقال يامن: عجبك الشغل يا بشمهندسة؟
اقتربت منه دعاء وهي تقول: جدًا بصراحة، العمال ممتازين وعندهم خبرة كبيرة. 
بعد أن أنهت جملتها نظرت إلى مالك الذي يتجاهلها كليًا ثم عادت النظر إلى يامن وهي تشعر بالضيق من هذا التجاهل.


ظلو يراقبون العمال وبعد أن انتهو من تركيب الديكور صاح يامن: خلاص كده كفاية شغل في الوجهات عشان احتمال تمطر النهاردة يا عم نصر.
وعلى ذكر الأمطار نظرت دعاء أمامها بشرود وتبدلت ملامحها سريعًا، عادت إلى تلك اللحظة التي كسرت روحها، نظر لها يامن مستفسرًا وقال: معاكي عربية؟
ثم قاطع حديثه عندما لاحظ شرودها وقال: إنتي كويسة؟!
هنا وانتبه مالك إلى حديثه وانتابه القلق فنظر لها متناسيًا ذلك القرار الذي اتخذه بداخله، وبالفعل لاحظ شرودها وحينها قالت دعاء بصوت هادر حزين: أنا همشي.


ثم تحركت سريعًا من أمامهما عندما لاحظت نظرات مالك القلقة والذي ظل يتابعها حتى توجهت إلى سيارتها، ثم قال يامن بحزن: شكلها افتكرت الحادثة.
عقد مالك حاجبيه وقال: حادثة إيه؟!
يامن بتعجب: حادثة إيه؟! هو إنت مش عارف الحادثة اللي عملتها من كام سنة؟
مالك: لأ، إيه الحادثة.


بدأت الأمطار تتساقط وشرع العمال بتغطية الخامات والديكورات سريعًا، ثم قال يامن: يلا يا مالك نمشي.
تحركا معًا ومالك يتابع دعاء وهي تتحرك بالسيارة، ثم ذهبا معًا بسيارة مالك، وكانت دعاء تقود السيارة أمامه فقال مالك: حادثة إيه اللي كنت بتتكلم؟
يامن: دعاء عملت حادثة مع ليث عمران خطيبها واللي كان شريك هو وعاصم أبوها في الشركة من كام سنة، كانت بسبب المطر واللي كلنا عرفناه إنه حماها بجسمه ومات في الحادثة وهي خرجت من العربية بمعجزة.


نظر مالك أمامه متابعًا سيارتها بهدوء وهو يتذكر أضطرابها المفاجأ، هنا وبدأ يتفهم سبب ما حدث أثناء قيادته للسيارة وهي بجواره، وأيضًا عندما دخلت ذلك المكتب.


أما دعاء فكانت تقود السيارة وهي تحارب تلك الذكريات المميتة، تتذكر تلك الليلة التي كانت حلم جميل وتحولت إلى كابوس لم تغادر جدرانه حتى الآن، تذكرت نظرته لها وهو يجثو أمامها على ركبة واحدة، معلنًا طلبه بامتلاكها زوجة له، كانت نظرة كفيلة بأن تبعث بقلبها النابض وصلة عشق تراقص على أثرها حتى فقد نبضه بلحظة واحدة، ولم يعرف طريق السعادة بعدها.
للحظة واحدة، فقدت دعاء إحساسها بما يحيط بها، وأغمضت عينيها مستسلمة لتلك الذكريات وبدأت السيارة تترنح بالطريق على الجانبين، ليفتح مالك عينيه بصدمة وهو يستمع لتفاصيل الحادث من يامن الذي لاحظ علامات الخوف على وجه مالك، نظر أمامه ليتفاجأ أن سيارة دعاء بدأت تتجه لأحد أعمدة الإنارة، اصطدمت مقدمة السيارة مصدرة صوت مرتفع وحدث انبعاج شديد بالمقدمة ، فتحت دعاء عينيها بصدمة لتعود لتلك الذكرى بالتفصيل، صوت الإحتكاك، الاصطدام، رائحة الإطارات التي انبعثت حين احتكت بهذا الطريق الصامت، قاطعة صمته بصخب قلبها الذي يبحث عن ملجأه.


تصارعت انفاسها بلهث، حتى قاطع تلك الذكرى صوته الذي أعادها إلى الحياة من جديد، حين أوقف مالك سيارته سريعًا وركض نحو سيارتها، حاول فتح الباب الذي بجوارها ولكن لم يستطع، فأخذ يطرق على زجاج السيارة بقوة حتى يقطع شرودها الجالي على وجهها وهو يصرخ باسمها عاليًا، ويامن يراقب من بعيد بصدمة فاتحًا فاهه متعجبًا من ردة فعل مالك التي لم يرى مثلها من قبل.


انتبهت دعاء إلى صوته فنظرت له بعيون تملئها الدموع والخوف فأشار لها أن تبتعد عن الباب، ثم كسر الزجاج بيده العارية التي انجرحت من أثر شظايا الزجاج متجاهلًا ذلك الألم ليمد يده التي بدأت يظهر عليها قطرات الدماء، نظرت له دعاء بصدمة فقال بلهفة والأمطار تداعب رموشه الطويلة: يلا بسرعة، هاتي إيدك.


وضعت دعاء يدها بيده، فجذبها على الفور وأخرجها من نافذة السيارة حاملًا جسدها الضئيل بين ذراعيه، ليشعر بذلك الإرتجاف الذي يسري بأوصالها، ليضغط على جسدها لتقترب من ذلك المضخ الذي بدأ يصرخ بصخب عندما لامس جسدها، لتشعر دعاء بذلك الصوت الذي كانت تفتقده في تلك الذكرى، صوت النبض الذي لم يعد له وجود بالحياة، فنظرت له وهو ينظر أمامه راكضًا تحت المطر، تتسارع أنفاسه خوفًا عليها، ولاحظ نظراتها التي رست عند حدود جفنيه، فنظر لها ورأى نظرتها المختلفة، فتوقف لوهلة ينظر لها يتوه داخل نظراتها، توقفت قطرات الماء عن التساقط على جسديهما، هدأت الرياح من حولهما، اختفت الأصوات ليعلو صوت ذلك النبض ويجيبه نبض قلبها، لتقول بصوت هادر وهي تسلط عينيها داخل مقلتيه: إنت مين؟
مالك: قدام النظرة ديه أنا تايه، بس عرفت آخر طريقي إيه، إنتي الوجهة اللي كنت بدور عليها من زمان، حاسس إني توهت عنك ورجعت تاني ومش عارف حاسس كده ليه.


قاطع حديثهما صوت يامن الذي ركض إليهما رافعًا المظلة فوقهما وقال: بسرعة يا مالك أركبو نروح المستشفى.


اقترب مالك من السيارة ووضعها بالخلف لتتأوه بألم من قدمها، فيرفع مالك ساقها بحذر ثم يغلق الباب ويصعد بجوار يامن الذي قاد السيارة إلى المشفى.


بعد وقت، كانت دعاء مستلقية بالفراش داخل غرفة بالمشفى، متحيرة مما قاله مالك بقلبه قبل عينيه وشفتيه، لتصبح متخبطة بين مشاعرها أكثر، وهناك رغبة قوية بداخلها بأن تهرب من أمامه، بعد أن اطمئن عليها وأخبره الطبيب أن ساقها مصابة بجزع وليس هناك سوى كدمات بسيطة بجسدها أثر الحادث، لينصاع أخيرًا لأوامر الطبيب الذي ألح عليه بعلاج جرحه بالأول ولكنه رفض، ليقطع شرودها دخول عاصم وحاتم الغرفة، وضمها عاصم بقوة بين أحضانه مطمئنًا قلبه الذي إهتز عندما سمع خبر الحادث من يامن منذ قليل، وحاتم الذي كان معه في إجتماع داخل الشركة والذي أصر على الحضور معه إلى المشفى، ثم قال عاصم بلهفة: إنتي كويسة؟!
دعاء: متقلقش يا حبيبي بخير.
عاصم: إيه اللي حصل؟
دعاء بحزن: تقريبًا مينفعش أسوق في المطر تاني.
ابتعد عنها عاصم ونظر لها بحزن ثم قال: أجيبلك سواق عشان ابقى مطمن عليكي.


أومأت له بالإيجاب ثم اقترب حاتم وقال: حمد الله على السلامة يا دعاء. 
دعاء: الله يسلمك، ممكن حد يروح يشوف بشمهندس مالك لأنه كسر إزاز العربية بإيده عشان يخرجني منها. 
عاصم: عرفت، بس قولت اطمن عليكي الأول، هروح أشوفه دلوقتي. 


قبل جبهتها وتركها وخرج من الغرفة متوجهًا إلى غرفة مالك، وجد حسناء تقف بالخارج تتحدث مع أحد الأطباء أمام الباب، فاقترب منها وقال: هو بشمهندس مالك في الأوضة ديه؟
حسناء: أيوة جوا، أنا والدته، مين حضرتك؟
مد عاصم يده مصافحًا لها وقال: أنا عاصم الحلواني، كنت عايز أشكره على اللي عمله مع بنتي. 
حسناء: أهلًا وسهلًا، إتفضل هو في الأوضة. 


اقترب عاصم من الغرفة وهو يسمع الطبيب وهو يقول: متقلقيش يا مدام حسناء القلب مفيهوش حاجة. 
حسناء: بس هو عمل مجهود وأنا بخاف عليه. 
الطبيب: العملية كانت ناجحة بنسبة كبيرة وهو متابع وواخد باله من صحته فا إن شاء الله مش هيحصل حاجة. 


دخل عاصم الغرفة ليطمئن على مالك، أما حاتم فكان ينظر إلى دعاء بترقب، يتابع نظراتها الهائمة ثم قال: إنتي متضايقة من حاجة؟ 
دعاء: لأ، مش متضايقة. 
حاتم: بس شكلك متغير، أنا عارفك من زمان، اه بقالي كتير مشفتكيش بس أحنا أصحاب من المدرسة، قوليلي فيكي أنا سامعك. 


نظرت له دعاء بحيرة وقالت: أنا متلغبطة أوي يا حاتم، معرفش أنا حاسة بإيه. 
حاتم: إنتي أكيد افتكرتي الحادثة، وشكل مشاعرك إتلغبطت مع حد تاني، بس فوقي يا دعاء، مالك مش ليث، هو فعلًا أنقذ حياتك بس مش أي حد يعمل كده يبقى بيحبك، أي حد في الشارع عنده شهامة لو شافك في وضع زي ده هيمد إيده ويساعد، هل ده معناه إنه بيحبك؟!


نظرت أمامها بشرود، هي تشعر بشيء مختلف، أما حاتم فكان يحاول أن يبعدها عن مالك بكل الطرق، فهو لا يرغب بأن تقترب منه أكثر لذلك أخذ قرار بأن يتقرب منها أكثر ويمنعها من الاقتراب منه وإن لزم الأمر سيطلب يدها للزواج. 


لست قلبي... الفصل السابع
بقلم الكاتبة / رباب حسين


لم يكن ما حدث مجرد لحظة عابرة، بل شرخًا صامتًا في القلب مما جعله متصدعًا من صوته؛ صوته الذي اخترق حواسها وهو يخبرها بحقيقة مشاعره، وبرغم الرفض التام بأن تكون ملكًا لغيره إلا أنها ترددت للحظة وشعرت بالارتباك بجواره. 
لحظة انكشف فيها الخوف على حقيقته وظهر الوجع بلا أقنعة، لم يعد متشبث بقناع الهدوء فأباح القلب بما فاض به من عشق وانسابت الحروف من بين شفتيه معلنة استسلامه أمامها، وبين نظرةٍ مرتعشة ويدٍ تنزف، أدركا أن بعض اللقاءات لا تأتي لتُطمئن، بل لتُربك كل ما حسبناه ثابتًا.
أصبح كل شيء يُقال صراحةً والعيون تحكي أكثر مما تحمل الكلمات، والقرب أصبح أخطر من البعد... فاختارت الهروب أما هو فاختار التشبث.


وفي لحظة القرار الذي اتخذه حاتم وهو يراها تنظر أمامها بشرود أثار خوفه جاءه اتصال هاتفي فخرج ليتلقى المكالمة، وأثناء المحادثة انتبه إلى حسناء التي تتحدث مع الطبيب، ولاحظ قلقها الجالي على وجهها فاقترب قليلًا وسمع الطبيب يقول: العملية بقالها ٣ سنين والحمد لله مفيش أي حاجة تقلق. 


عاد حاتم ليسمع ما يقوله سامر بالهاتف ثم قاطع حديثه الذي كان يخص العمل وقال: هو مالك مش كان مريض قلب؟! هو عمل العملية من ٣ سنين؟ 
سامر: هو إحنا عرفنا إنه عمل عملية يوم موت أبوه، لأنه لما عرف خبر وفاته قلبه مستحملش يعني، مش فاكر لما قعدنا فترة نقول إن حالته حرجة وأكيد هيموت لحد ما سافر برا كمل علاج ورجع كويس؟
حاتم: فاكر اه بس كنت فاكر إنه عمل العملية برا، طلع عملها هنا في نفس المستشفى اللي مات فيها ليث، بقولك إيه عايز أعرف كل حاجة عن العملية ديه. 
سامر بتعجب: ليه؟
حاتم: حاسس بربط خيوط في دماغي مش طبيعي، شوف بس العملية اتعملت ازاي وجابو قلب منين بالسهولة ديه؟
سامر: ماشي هثق في إحساسك وهشوف، وبرده معاك حق اشمعنة لقو قلب بسهولة كده اليوم ده!


أما مالك فكان يجلس أمامه عاصم الذي شكره لألف مرة على إنقاذ دعاء حتى الآن، فقال له: أنا معملتش حاجة لكل ده، المهم إنها بخير، بس أنا شايف إنها مينفعش تسوق عربية تاني على الأقل لحد ما تفوق من الصدمة ديه. 
عاصم بحزن: ديه بقالها ٣ سنين، حزنها مش بيقل واتغيرت كتير، بقت حد تاني أنا مش عارفه، لدرجة إني كل أما أحاول أفاتحها في إنها تعيش حياتها وخلاص لازم تنتبه لنفسها كانت بتنهار وتعيط، مبقتش عارف أعمل إيه يخرجها من ده كله.
مالك: واضح إنها كانت بتحبه جدًا. 
عاصم: من وهما صغيرين وهما متعلقين ببعض، لحد ما كبرو والتعلق زاد وقررو يتجوزو، وأنا كنت مطمن عليها معاه جدًا لدرجة إني بخاف تتجوز حد تاني ميعرفش ياخد باله منها ولا يبقى طمعان فيها. 
مالك: طبيعي القلق ده عشان هي بنتك الوحيدة، لكن فيه ناس كويسة كتير وهي ما شاء الله ألف يتمناها. 


دخلت حسناء الغرفة وابتسمت لهم وقالت: الدكتور طمني الحمد لله. 
يامن: ما أنا قولت لحضرتك يا طنط هو كويس، نقدر نخرجه صح؟!
حسناء: اه عادي، الجرح اتخيط وهو كويس مفيش حاجة. 
مالك: ما أنا قولتلك كده عشان عارف إنك هتتخضي. 
ثم نظر إلى يامن بغضب فقال: لو مكنتش قولتلها كانت هتزعل مني.
عاصم: أسف على قلق حضرتك بس مالك بقى عندي حاجة تانية خالص، لو طلب عيني هديهاله.
حسناء: الحمد لله إن بنتك بخير.
مالك: هي هتخرج النهاردة؟
عاصم: اه، هروح أشوف الدكتور عشان أخدها معايا.
مالك: روح معاه يا يامن وشوف هخرج إمتى أنا كمان. 


أومأ له يامن وذهب مع عاصم ثم توجها إلى غرفة الطبيب وأخذا أذن بخروج كليهما. 


بعد وقت، كان مالك يخرج من غرفته ودعاء تسير متكأة على ذراع عاصم لينظر إليها مالك بقلق ثم تحولت نظرته إلى الضيق عندما رأى حاتم يظهر من خلفها، وعند باب المشفى كان مالك يراقبها وهي تهم بالدخول إلى السيارة، فصاح مناديًا باسمها الذي حين اخترق مسامعها توقفت مكانها على الفور وشعرت برهبة داخل قلبها من مواجهته الآن. 
التفتت له ببطء ليقترب منها بخطوات ثابتة، وعيون تترقب وقلب هوا بين قدميها مع كل خطوة يتخذها نحوها، فهمس عاصم بأذنها: روحي اشكريه. 


وقف أمامها وقال: ينفع بعد إذن حضرتك يا بشمهندس عايز بس أسأل دعاء عن حاجة. 
عاصم: اه طبعًا. 
ولكن تدخل حاتم قائلًا: مش وقته كلام في الشغل هي تعبانة دلوقتي وعايزة ترتاح. 
نظر له مالك بنظرة اشمئزاز وقال: مش هسألها على الشغل. 
ثم نظر لها وقال: تسمحي بدقيقة. 


أومأت له بالإيجاب وذهبت معه أمام حاتم الذي يشتعل غضبًا، وظل ينظر إليهما بغضب ثم ابتعد عن عاصم واتصل بحسن الذي يعمل بالموقع معهم وما أن تلقى المكالمة قال: أيوة يا حسن، قولي هو تصاميم الموقع اللي إنت شغال فيه فين؟
حسن: مع بشمهندس مالك. 
حاتم: طيب أنا عايزك تسرقها، مالك عامل ديد لاين للمشروع قريب جدًا عن اللي أنا كنت مقدمه في المناقصة، لو خلص في الميعاد فعلًا هيبان إنه أحسن مني، أسرق التصميمات عشان تعطله. 
حسن: حاضر يا باشا في أول فرصة هاخدهم.


أنهى المكالمة وعاد النظر إليهما ولاحظ نظرات مالك لها التي زادت من غضبه. 


أما مالك فكان يقف أمامها ويشعر بارتباكها بشدة فقال: أنا مش هضغط عليكي في حاجة، بس أنا عايز أقولك إن الكلام اللي قولته النهاردة كان إنتي المقصودة بيه، من أول مرة شفتك وفيه حاجة اتحركت جوايا و... 
قاطعته دعاء ورفعت يدها أمام وجهه وقالت: بشمهندس قبل ما تقول أي كلمة أنا مش عايزة اسمعها ولا أعرفها لازم تفهم حاجة واحدة، أنا لسه بحب ليث، يمكن فاكر إنه عشان مات أنا نسيته فا هو لأ، أنا بحبه وهفضل أحبه لآخر يوم في عمري. 
مالك بحزن: بس هو مش موجود. 
دعاء: هو موجود جوايا أنا، حاسة بيه جنبي في كل مكان، شايفني وقلقان عليا ولسه بيحبني. 
مالك: لو فاكرة إنه بيراقبك عشان كده مش عايزة تدخلي في علاقة تانية تبقي غلطانة، إنتو حتى متجوزتوش عشان تفضلي عايشة على ذكراه. 
دعاء بحدة: لا مش عشان بيراقبني، أنا مش هعرف أحب غيره، مش عايزة غيره، أنا عارفة الكلام اللي إنت عايز تقوله ده من بدري، من ساعة ما حاولت تستدرجني عشان احكيلك عنه... 
قاطعها قائلًا: لأ أنا مكنتش بستدرجك، أنا فعلًا مكنتش أعرف حاجة عن الحادثة ولا عن علاقتك بليث. 
دعاء: مين في المجال بتاعنا مش عارف علاقتي بليث؟! 
مالك: أنا مكنتش شغال في المجال من الأول، أنا نزلت من كام سنة بس، مش بكدب عليكي ولو كنت عارف حاجة زي كده مكنتش هحاول أفتح كلام فيها لأني مش بحب أجرح حد. 
دعاء: يبقى متجيش تقولي أي حاجة، أنا مش عايزة اسمع الكلام ده غير منه هو، فلو سمحت خلي علاقتنا في الشغل وبس، وشكرًا على اللي عملته معايا النهاردة. 


ذهبت من أمامه تسير بخطى متألمة، يتابعها بعين حزينة على هذا الرفض الجارح، تمضي من أمامه كحلم جميل لم يكتمل، انتهى بوكز الحقيقة التي أرغمته على فتح عينيه ورؤية الواقع المؤلم... هي لا تزال تحبه هو. 
لم يتحمل رؤيتها تمضي بألم أمامه فاقترب منها ورفع ذراعه إليها كي تتكأ عليه، وعيناه تنظر أمامه بحزن قاطع، لتنظر إلى يده المصابة التي لا يزال يمدها إليها كي يساعدها، كما قدم له قلبه العاشق فصدمته بالصد، وحين رأت نظرته الحزينة شعرت بالضيق مما قالته، فرفعت يدها وأمسكت به حتى أوصلها إلى السيارة، وصعد عاصم بجوارها وذهبا من أمامه، عيناه متعلقة بخيال الحب الذي أختفى تدريجيًا من أمامه، ولكن القلب أبى الاستسلام. 


وحسناء التي تراقب من بعيد ما يحدث، تتعجب مما فعله مالك، ليس فقط الإنقاذ ولكن ملاحقته لها التي لم تحدث من قبل؛ هذا ما آثار ريبتها، اقتربت منه وربتت على عاتقه وقالت: فيه حاجة يا مالك؟! 
لم يجيب، ظل ينظر إلى أثر السيارة من بعيد وهمس بصوت حزين وصل إلى مسامع حسناء قائلًا: مش هضيعها بعد ما لقيتها. 
ثم تحرك من أمامها لتنظر حسناء له بصدمة وقد فهمت ما يقصد، فمالك إذا قرر شيء لن يتهاون حتى يصل إليه. 


مرت أيام لم تذهب دعاء إلى الموقع بسبب إصابة قدمها، ولذلك لم يذهب مالك أيضًا وقام يامن بمتابعة العمل هناك. 


كان الهروب هو السبيل الوحيد، تخاف أن تسمع هذه الكلمة منه، هي نجحت أن يجعله يصمت هذه المرة، ولكن تخشى أن يحاول الحديث معها مجددًا، هناك رهبة بداخلها ويقين أنها إذا سمعت تلك الكلمة منه لن تقوى على الرفض.


وما زاد الأمر صعوبة هو زيارة نيرة لها، فبعد أن علمت بأمر الحادث جاءت لزيارتها على الفور، وبالعادة كانت تتحدث دعاء عن ليث كثيرًا معها كلما رأتها، هي تعلم أنها الوحيدة التي لن تمل من الحديث عنه، بل ستحب سماع اسمه يتردد بالأرجاء، فكانت تنظر إليها بسعادة عندما ترى عشقه لا يزال ساكن بين ضلوعها صارخًا مع نبض قلبها، ولكن بهذا اليوم لم تتحدث عنه دعاء أبدًا، بل شعرت نيرة أنها تتهرب من النظر إلى عينيها مباشرةً، وتخللها شعور بأن دعاء لم تعد كالسابق وهذا ما رفضته، فإن ليث كان شديد الغيرة، متعلقًا بها حد الجنون، فرفضت أن تكون ملكًا لغيره خاصةً بعد أن حدثتها أكثر من مرة عن عدم رغبتها بالزواج نهائيًا، لذا حاولت أن تتحدث بالأمر فقالت: أنا رحت لليث إمبارح، بقالك كتير مرحتيش. 
ارتبكت دعاء مما أكد شعور نيرة وقالت: لأ... هروح يعني. 
نيرة: عارفة يا دعاء لما كان ليث بيرجع بليل ويلاقيني قاعدة لوحدي، مكنش بيبطل كلام عنك، إنتي عارفة كان بيحبك إد إيه، واللي أنا متأكدة منه إن محدش هيحبك زيه، زي ما أنا متأكدة إنك مش هتسنيه ولا هتحبي غيره، عشان إنتي مش خاينة وليث هيفضل عايش جوايا وجواكي لحد آخر نفس.


كلمات بسيطة وضعت ألم مضاعف على قلبها المتخبط، لتلمع الدموع داخل عينيها عندما تذكرته، وما ألمها أكثر كلمة الخيانة التي هزت كيانها. 


منذ ذلك اليوم وقررت دعاء أن تقتل كل شعور بداخلها نحو مالك ولا تدعه يؤثر عليها أكثر. 


بعد أسبوع، وقد علم مالك أن دعاء سوف تذهب إلى الموقع فطلب من يامن أن يترك الموقع ويعود إلى مقر الشركة وأنه سيعاود متابعة العمل بنفسه، وانقلب الوضع، أصبح هو من ينتظر ويترقب، يشتاق إليها ويتمنى رؤيتها، أسبوع واحد كان كفيل بأن يتأكد من حقيقة مشاعره، وأثناء مراقبته للموقع يمينًا ويسارًا بعين متلهفة كان حسن يقترب من سيارة مالك بحذر، يمد يده من النافذة وقام بسرقة التصميمات الأساسية للموقع، والهاتف اللوحي الذي يحتوي على التصاميم، وركض سريعًا خارج الموقع ووضعهم داخل سيارة سامر الذي ينتظره بالخارج. 


بعد وقت، وصلت دعاء إلى الموقع تدخل بخطى واثقة، متجاهلة نظراته التي تراقبها منذ أن ترجلت من السيارة، لم يمهلها مالك وقت أكثر للهروب، فقرر أن يذهب إليها على الفور، ولكن توقف عندما وجد أحد المهندسين يطلب منه أن يحضر له التصميمات، فنظر إليها ووجدها بدأت بالأشراف على العمل متجاهلة وجوده كليًا كما كان يفعل هو بالسابق، ثم نظر إليه وقال: حاضر هجيبها من العربية. 


ذهب مالك سريعًا وفتح الباب ليتفاجأ أن التصميمات قد سُرقت، انتابه الذعر وظل يبحث داخل السيارة بكل مكان، وبدأ يتلفت حوله دون هدف؛ تائه الخطى مشتت التفكير، لتقع عيناه عليها التي لمحت اضطرابه فذهب إليها راكضًا، وهي تنظر إليه لا تستطيع أن تشيح بنظرها عنه أكثر، وكلما اقترب ارتفع صوت قلبها حتى وقف أمامها قائلًا: التصميمات... مش لاقيها. 


لم تسمعه... لم تجيب، نظرت إلى عينيه بتيه، نسيت كل القرارت والتحذيرات، ضاربة بكل شيء بعرض الحائط، ليهدأ ذلك المتلهف أمام تلك النظرة، وتوقف كل شيء من حولهما فقط تلك العيون المتعلقة ببعضها تبوح بالاشتياق كانت هي من تتحدث. 


لتترك الكلمة الأخيرة لنبض حي لم يموت، حب خالد أبى الانتهاء. 
تُرى... من سيكون صاحب القرار؟


لست قلبي... الفصل الثامن
بقلم الكاتبة / رباب حسين


ما بين الصمت والاعتراف تشابكت الطرق، ولم يعد واضحًا من يهرب ومن يطارد الحقيقة.
حياة لم تبدأ من جديد.... بل تداوي جرحًا فُتح ولم يُغلق بعد.
عيون تنادي وقلب يخفق من جديد، لا حدود لعشق عرف طريقه للخروج، عرف كيف يفضح هذه المشاعر المكبوتة داخل القلب، يرسل نظرات... همسات.... أهات ألم الرفض وحزن قيود الحدود. 
بين قيود صُنعت بيديها وقلب نابض وقفت تنظر إليه ليقع في حبها مرة بعد مرة متسائلًا: لما العذاب؟ لما هذا الرفض؟!
هنا ونطقت الشفاه وليتها نطقت بما يريد سماعه بل تركت كل ما تشعر به داخل هذا المدفن الصغير بين ضلوعها وقالت بصوت مهزوز بمشاعر الكبت: مالها التصاميم؟


توقفت الحروف على شفتيه، وعاد الحزن يخيم على عينيه وقال بحزن: التصاميم اتسرقت، معاكي نسخة تانية؟
دعاء: هسأل المصمم الأساسي.
رفعت هاتفها واتصلت بالمصمم، فتلقى المكالمة على الفور قائلًا: أيوة يا بشمهندسة.
دعاء: بقولك يا طارق كنت عايزة نسخة من التصاميم اللي خاصة بالكومبوند الجديد.
طارق: ما أنا أديتها لحضرتك كلها.
دعاء: مش عارفين راحو فين، فا إبعتلي نسخة منهم من عندك.
طارق: بس... بس أنا مش عارف معايا نسخة ولا لأ، الجهاز عندي فيه مشكلة من إمبارح وتقريبًا هعمل فورمات للجهاز كله.
دعاء بصدمة: مش معاك باك اب ليه؟!
طارق بتوتر: لأ، أنا إديت لحضرتك نسخة فا اعتمدت على إن فيه نسخة معاكي ونسخة معايا.
دعاء: ديه مصيبة، هشتغل إزاي من غير التصاميم، المفروض نسلم المرحلة الأولى بعد أسبوعين، إعادة الرسم هتأثر على الوقت.
طارق: للأسف معنديش حلول.


تنهدت دعاء بضيق وأنهت المكالمة ثم نظرت إلى مالك وقالت: مفيش نسخ تانية.
صمت مالك قليلًا يفكر ثم قال: دلوقتي لازم نفكر في حل ده الأهم، المرحلة الأولى لازم تتسلم في المعاد.
دعاء: أكيد لأن الشركة أعلنت معاد التسليم، بابا إستحالة يرجع في كلامه.
مالك: تمام، أنا هرسم تصاميم المرحلة الأولى بنفسي من على الواقع بس هحتاج مهندس معماري معايا.
دعاء: أنا هرسمها معاك.
مالك: لأ هتتعبي وإنتي لسه رجلك تعبانة، بلاش، خلي حد من الشركة يجي يرسمهم معايا.
دعاء: لو بابا عرف الموضوع ده هيتوتر وأنا مش عايزة أتعبه، أنا هرسمها معاك.
مالك: مش عايز اتعب....
قاطعته دعاء قائلة: مفيش تعب، ده شغل، وبعدين إنت أنقذت حياتي سيبني أرد حاجة من اللي عملتها عشاني.
مالك: معملتش ده عشان تشكريني، عملت ده عشان مش هستحمل يجرالك حاجة.


هربت بعينيها منه ثم تحمحمت بخجل وقالت: تحب نبدأ من إمتى؟
لا أمل، لا تزال رافضة، كبت حزنه حاليًا وقال: من النهاردة.


وبمكان آخر يجلس حاتم متكأً على كرسي مكتبه بثقة، ينفث دخان سيجارته بهدوء وهناك ابتسامة ماكرة على شفتيه، شعور بالنشوة لمجرد سماعه أن التصاميم أصبحت بقبضة يده، ليقطع لحظة تلك اللذة التي تملكته بسبب الانتصار رنين هاتفه، ليتلقاها قائلًا: أيوة يا طارق.
طارق: تمام يا باشا، كلموني عشان التصاميم وقلت اللي اتفقنا عليه.
ابتسم بسعادة وقال: تمام، استنى باقي المبلغ النهاردة.
طارق: تحت أمرك يا حاتم باشا، أي خدمات هتلاقيني معاك على طول.
حاتم: أكيد يا هندسة، بس عايزك تبلغ عاصم بيه بالحوار.
طارق: حاضر.


أنهى طارق المكالمة وذهب مباشرةً إلى مكتب عاصم وأخبره بما حدث ثم قال له: أنا أسف يا باشمهندس، التصميمات مش عندي واللاب توب بتاعي في الصيانة من إمبارح.
وقف عاصم بقلق وقال: بعد ما أعلنت معاد التسليم؟! وبعدين بقى في العك ده.


رفع الهاتف واتصل فورًا بدعاء يسألها عن الأمر فقالت دعاء: يا بابا التصميمات اتسرقت، حاجة غصب عننا.
عاصم بغضب: يعني إيه إتسرقت وإزاي؟! مين هيسرق تصاميم مشروع خلص خلاص وبيتسلم.
شردت دعاء تفكر بما قاله عاصم، فهو محق، من لديه مصلحة بسرقة تلك التصاميم ثم قاطع شرودها صوت عاصم وهو يقول: ولا ديه حركة من مالك عشان يبقى تأخير التسليم مش مشكلة من عنده؟! عشان المعاد اللي هو كتبه في المناقصة كان قبل معاد شركة حاتم بكتير.
دعاء: مفتكرش يا بابا مالك بيفكر بالطريقة ديه، على العموم سيبنا نشوف حل سوا وهنقدر نلحق التسليم.


أنهت دعاء المكالمة وذهبت إلى مالك الذي يتحدث مع العمال قائلًا: النهاردة هنوقف شغل في الوحدات الداخلية، خلونا نخلص الديكور خارجي في المباني والطرق، وحاولو تخلصو الشغل بأسرع وقت عشان وقت ما التصميمات هتخلص هنبدأ شغل الوحدات.


نظرت دعاء له وهو يتحدث بمنتهى الجدية وحرصه على التسليم بالموعد، فنفت فكرة والدها أنه تعمد إخفاء التصاميم من فكرها ثم اقتربت منه بعد أن ذهب العمال، فالتفت مالك ليجدها تقترب منه، لحظة اقترابها منه تجعله يترنح عشقًا فابتلع توتره بصمت ثم قالت: هنبدأ أمتى؟!
مالك: حالًا.
دعاء: بابا عرف، طارق قاله.
صمت مالك قليلًا ثم قال: تمام.
دعاء: تفتكر مين سرق التصاميم.
مالك: مفيش غيره، حاتم.
عقدت دعاء حاجبيها بتعجب وقالت: حاتم! ده إيه مصلحته؟!
مالك: حاتم منافس الشركة من زمان، دايمًا كان بيقف قصدنا في كل مناقصة عشان مناخدش مشاريع كبيرة، وفي النهاية أنا خدت أكبر شركة عنده وأكيد مش هيقف يتفرج.
دعاء بحزم: لأ طبعًا حاتم مش كده.


نظر لها مالك ثم زفر بقوة ضيقًا من دفاعها عنه بهذا الشكل، ليس فقط ليقينه بأن حاتم ليس بالشخص السوي أخلاقيًا ولكن لشعور الغيرة الذي تخلل قلبه فجأة، فقال بعصبية: خلاص يا دعاء.
نظرت له بتعجب وقالت: إنت بتتكلم معايا بعصبية ليه؟!
مالك: عشان بتدافعي عنه وخلاص.


وقفت دعاء تنظر له بصدمة، للحظة شعرت بأنها تعيد مشهد حدث قديمًا، وتذكرت ذلك اليوم حين تشاجرت مع ليث بغضب، عندما تحدث مع حاتم أمامه وأخذت تضحك معه بشدة فشعر بالغيرة وترك المكان.
لا تعلم لما شعرت بأن غضب مالك في تلك اللحظة كان بدافع الغيرة مثل ليث. شعور قد اشتاقت إليه، أن هناك من يحبها ويغار عليها، من يخاف على تعبها، دبت السعادة بداخلها لتهرب منه كالعادة، فذهبت من أمامه تاركة خلفها قلب يشتعل بالغيرة، وحزن من تجاهلها له.


حل المساء و ذهب العمال من الموقع، وقف مالك يفحص المباني وأساسها ويقوم برسم الأعمدة والحوائط الأساسية التي يقام عليها البناء، ودعاء تقوم بالرسم مجددًا.


بعد وقت، شعر مالك بالتعب فجلس يستريح قليلًا وهو ينظر حوله بإرهاق، هناك الكثير من المباني التي يجب أن يفحصها بوقت قصير، فنظر إلى دعاء التي ترسم على الهاتف اللوحي وقال: الوقت إتأخر، من رأيي روحي وأنا هكمل.
دعاء: مش هتعرف ترسم.
مالك: مش مشكلة، هتصرف أنا.
دعاء: الشغل كتير ولازم نخلص عشان مش عايزة بابا يتضايق، متقلقش أنا معايا سواق مستني برا يعني مش هروح لوحدي.
مالك: لأ هو أنا شكلي مش هروح أصلًا، فا روحي إنتي وتعالي الصبح هتلاقيني هنا.


تنهدت دعاء ونهضت لتذهب ثم قالت: لو احتجت حاجة كلمني.
أومأ لها بالإيجاب وذهبت، استقلت سيارتها وقام السائق بقيادة السيارة، وبعد قليل ابتعدت عن موقع البناء ووقف في أحد الإشارات المرورية ووقع عينيها على أحد المطاعم، وتذكرت أنه لم يتناول الطعام منذ الصباح، فنظرت إلى السائق وقالت: راضي، إدخل المطعم ده وهات ٣ وجبات.


صف راضي السيارة ودخل المطعم واشترى الطعام وأعطت واحدة لراضي ثم أمرته بالعودة إلى موقع البناء، حين وصلت حملت الطعام بيدها ثم ذهبت في ذات المكان التي تركته به، وتوقفت فجأة عندما رأته غط في النوم وهو جالس محله، اقتربت منه بهدوء ونظرت له عن قرب ولأول مرة تتفحص ملامحه، وجهه المشرق وعيونه المغلفة برموش كثيفة، أنفه الحاد وذقنه التي أعطته رونق خاص، مما يميز شخصيته الفريدة والقوية ليعلو ذلك الضجيج داخل صدرها مطالبًا بالعفو عنه من هذا العذاب، أغمضت عينيها تحاول السيطرة على هذا التظاهر الداخلي.


وضعت الطعام على الكرسي ثم اقتربت منه وهي تمسك بمعطفه لتغطي جسده، وحين اقتربت منه أكثر لتضعه عليه توقفت تشاهد وجهه عن قرب أكثر، تأملته بعيون عاشقة حتى فتح مالك عينيه، وظهر الارتباك على وجهها وحاولت النهوض سريعًا حتى لا يلاحظ تلك النظرات، ولكن لم يترك لها المجال، جذبها من ذراعها لتقترب منه أكثر، وظل يشبع قلبه ويطفئ نيران عشقه المرفوض بهذه العيون التي أُلقى القبض عليها بجرم العشق.


لحظات من الصمت هي الأجمل بالنسبة له، ولكن أبت أن تنساق أمام ذلك الاحتجاج الذي يغمرها، لتحاول نزع يدها من قبضته وهي تقول: لو سمحت سيبني.
مالك: بتكدبي ليه؟ ليه بتبعدي؟ عيونك بتقولي للحقيقة لكن إنتي رافضة تعترفي بيها.
دعاء بحزن: سيبني يا مالك لو سمحت.


وقفت وجذبت يدها ولكن مالك لم يصمت، قذف بالمعطف بعيدًا وركض خلفها وهي تحاول الهروب كالعادة وأمسك ذراعها يجذبها إليه ونظر داخل عينيها وقال: هتفضلي تحبيه لحد إمتى؟ ليث مبقاش موجود، مش هنا عشان تفضلي عايشة على حبك ليه كل السنين ديه.
دعاء: عمري ما هنساه، وليه أصلًا عايزني أنساه.
مالك بغضب: عشان أنا بحبك، أنا مش قابل رفضك ليا عشان حبك لواحد مش موجود، وإنتي حاسة بحاجة من ناحيتي بس بتهربي.
دعاء: قولتلك متقوليش الكلمة ديه.
مالك: عشان خايفة تضعفي؟ عشان مش عايزة أشوف ضعفك قدامي في عينيكي صح؟


ارتبكت وحاولت جذب يدها من قبضته جذبها أكثر إليه، لترتطم بصدره وترفع عينيها لتتقابل مع عينيه، وفاضت العيون بما يرهق القلوب، فقال مالك: عايزة تهربي كالعادة؟ إهربي، بس هترجعي، قلبك هيرجعك عندي عشان بقى ملكي.
ثم ترك يدها لتركض من أمامه تحت نظراته الواثقة بأنها ستعود، فقد أصاب قلبها بعشقه ولن تستطيع الهرب منه بعد الآن. 
لست قلبي... الفصل التاسع
بقلم الكاتبة / رباب حسين


في تلك اللحظة التي أختفى فيها ضجيج العالم وبقى الدفء وحده شاهدًا، أدركت أن بعض القُرب لا يحتاج كلمات. نظرةٌ عالقة... يدٌ متمسكة.... ونارٌ صغيرة تحاول أن تهزم برد الخوف الذي تراكم بين القلوب. كان كل شيء يوحي بالهدوء... لكن الهدوء الذي يسبق اعترافًا، أو قرارًا قد يغير كل ما سيأتي بعده.
فهل يكون هذا الدفء بداية أمانٍ حقيقي، أم مجرد هدنة قصيرة قبل العاصفة.


أما هو فوقف يشاهدها وهي تركض بعيدةً عنه.
إن كان قربك يُهلك قلبي فبعدك يدميه عذابًا.
ومع كل خطوة تجمح مشاعري خلفكِ. 
وهي... تهرب من حب أصبح حصار لقلبها. 


رفضت أن اسمع تلك الكلمة، كنت أعلم أنني سأنهار على أعتابها، لم أتحمل وقعها على مسامعي ليهتز كياني على أثرها.


عادت إلى السيارة وحين صعدت بها التفت راضي ينظر لها بتعجب من هيئتها، تبدو وكأنها واجهت الموت بعينيها الآن، تلهث بقوة وأطرافها ترتعش، فقال لها بقلق: إنتي كويسة يا بنتي؟!
قالت بصوت مرتعش: كويسة اه، عايزة أروح بس. 
قاد راضي السيارة وعيناها متعلقة بالمكان، حتى اختفى الموقع من أمامها. 


في الصباح، بمنزل عائلة معروف، يقف حاتم داخل غرفته يرتدي معطف حلته أمام المرآة وهو في غاية السعادة، حتى دخلت سارة أخته من الباب وقالت: مزاجك رايق يعني!
نظر لها حاتم بسعادة وقال: عشان أول خطوة في إني أوقع مالك خدتها إمبارح.


حاولت أن تخفي ارتباكها الذي أصابها بمجرد أن سمعت اسمه على حين غفلة، أبعدت عينيها عن نظر حاتم حتى لا يرى ضعفها الذي تخفيه عنه وعن أمها هاجر لأعوام، ولكن لم تنجح هذه المرة، اقترب حاتم منها وتحولت ملامحه من السعادة إلى الغضب في لحظة وقال: هو إنتي لسه بتفكري فيه؟!
سارة بتوتر: لأ لأ، أنا بس اتخضيت لما سمعت اسمه.
حاتم: بطلي كدب يا سارة، ده أنا اللي مربيكي وعارفك كويس، وأنا قولتهالك قبل كده الواد تنسيه، ولا إنتي معندكيش كرامة ولسة عايزة تجري وراه تاني ويصدك تاني.


قاطع حديثه دخول هاجر التي تعجبت من صوته المرتفع بهذا الصباح، فدخلت الغرفة وقالت: مالكم بتتخانقو ليه على الصبح؟! 
حاتم: تعالي شوفي بنتك اللي لسه بتفكر في مالك اللي علقها بيه وسابها في الآخر.
سارة: مالك معلقنيش بيه، إنتو شايفين الموضوع بوجهة نظركم بس، أنا اللي حبيته من بعيد وهو صدني. 
هاجر بحزم: عشان زي أبوه بالظبط، عدنان عمل نفس الحوار مع أختي الله يرحمها، فضل يعلقها بيه وفي الآخر سابها وأتجوز حسناء اللي خطفته منها، وفضلت تعيط لحد ما جالها أكتئاب وموتت نفسها، أنا لو كنت أعرف إنك بتحبي ابنه كنت منعتك. 
سارة: ولو منعتيني يا ماما، هوقف قلبي إزاي؟! 
حاتم: كنت نقلتك من الجامعة كلها. 
سارة: طيب ما أنا لا بشوفه ولا أعرف عنه حاجة، ولسه قلبي بيتوجع كل ما اسمع اسمه، إنتو بتلوموني على إيه؟! أنا حبيته بيني وبين نفسي وهو محاولش حتى يقرب مني ولا كان شايفني، بس بالصدفة عرف مشاعري من ناحيته من واحدة صاحبتي، وساعتها جيه بمنتهى الهدوء قالي إنه مش بيفكر فيا بالشكل ده وطلب مني أنساه، غلط فيه إيه مالك عشان تنتقمو منه بالشكل ده؟! 
هاجر: اللي بيحصل في مالك مش بسببك بس، بسبب أختي وأبوكي اللي كان بينافسه في السوق. 
حاتم: وحاليًا بيسحب مني الشغل وبيلعب على دعاء، وده طبعًا عشان يستولى على شركة أبوها، مالك ده شيطان وفي يوم من الأيام هتعرفيه على حقيقته وتكرهي نفسك إنك حبتيه.


نظرت له والدموع تملء مقلتيها وذهبت من أمامه قبل أن تبكي، نظرت هاجر إلى أثرها وقالت: البت ديه مش طالعة زينا خالص.
حاتم: معمية بحب مالك، فيه إيه مالك ده معلش عشان يتحب أصلًا.
هاجر: سيبك منها وركز في اللي بتعمله، أهم حاجة شغلك دلوقتي ودعاء، أنا سمعت إنها خرجت من البيت أخيرًا، إوعى تخلي مالك يقربلها. 
حاتم: متقلقيش، هطيره من طريقي قريب. 


كان مالك لا يزال يعمل في الموقع، وقام بعمل تقرير لتقوم دعاء برسم باقي المباني التي عمل عليها ليلًا، كان مجهد ويبدو عليه الإرهاق كثيرًا، وإن كان ألم قلبه يحبس الهواء داخل صدره ويتنفس كأنه يصعد على سلمًا إلى السماء، أما دعاء فقد بدأت يومها بجدال مرهق مع عاصم الذي بدأ يشك في أن مالك لن يسلم الوحدات في الوقت المطلوب، حاولت أن تقنعه بأن مالك حريص على عمله كثيرًا ولكنه أبى، فطلبت منه الحضور إلى الموقع معها ليرى تفانيه في العمل وأن التصميمات قد سرقت حقًا كما قال وليس مكيدةً منه. 


وأثناء عمل مالك تفاجأ باقتراب دعاء وعاصم نحوه، ويبدو على وجه عاصم الضيق الشديد، وحين وقف أمامه رحب به قائلًا: بشمهندس عاصم منور الموقع. 
عاصم: نورك يا بشمهندس، خير إيه اللي حصل إمبارح؟
مالك: زي ما سمعت من دعاء، هي حاضرة معانا كل يوم في الموقع وشافت اللي حصل إمبارح.
عاصم: مين ليه مصلحة يسرق التصاميم؟!
لم يرغب مالك بقول اسم حاتم الآن ولمح نظرة دعاء إليه عندما سمعت هذا السؤال وكأنه تحذره أن يقول اسم حاتم فقال: معرفش يا بشمهندس.
عاصم: طيب أنا أهم حاجة دلوقتي مواعيد تسليم المرحلة الأولى، هتلحق؟!
مالك: إن شاء الله متقلقش، أنا شغال من إمبارح لسه مروحتش، وشغال في رسم التصاميم...


قاطع حديثه صوت وقوع بعض أعمال الديكور من على وجهة المبنى، وصاح العمال في فزع ليتحول نظرهم جميعًا إلى ما يحدث، ثم ركضو نحو المبنى ليتفاجأ الجميع بأن الديكور قد سقط دون سبب، ولكن وجد مالك أن المواد المستخدمة هشة للغاية وهذا بعيدًا عن المواد التي يستخدمها، نظرة له دعاء بتعجب على عكس عاصم الذي اشتعل غضبًا قائلًا: إيه ده؟! الجبس ده رديء جدًا، ده الجبس اللي إنت بتستخدمه؟! ده نوع بيتعمل لزق وخفيف جدًا، ده سنة وكل الديكورات ديه هتقع.
مالك بصدمة: مش ديه الخامات اللي إحنا بنشتغل بيها.
عاصم بغضب: لأ يا بمشهندس، أنا كلامي كان واضح معاك من الأول، قولتلك السعر اللي مقدمه قليل ومش عايز ده يأثر على الخامات بس إنت أكدتلي إن الخامات جودتها ممتازة، مواعيد تسليم وطلع حكاية سرقت التصاميم والله أعلم مين خرب الجهاز بتاع طارق.
نظر له مالك وهو يعقد حاجبيه بغضب وقال: قصد حضرتك إيه؟! أنا كلمتي عقد، قولتلك هسلم في المعاد يبقى هسلم في المعاد، قولتلك الخامات ممتازة وعند كلمتي، وبنت حضرتك شافت الخامات بنفسها وأعجبت بيها، لكن لو حضرتك بتشكك في ضميري ده مش مقبول أبدًا. 
عاصم: يمكن دعاء شافت خامات واشتغلت إنت بخامات تانية تانية.
مالك: بشمهندس أنا بحاول أتكلم مع حضرتك بمنتهى الإحترام، لكن أنا مش هقبل إهانة زي ديه ليا، بس عشان مندخلش في كلام إحنا في غنى عنه، حضرتك ليك معاد تستلم فيه مني على حسب العقد اللي بينا وبالموصفات اللي موجودة في ورق المناقصة، تقدر حضرتك تيجي تستلم المرحلة الأولى ولو لقيت أي غلط مش هاخد حسابي منك وهات شركة تانية تكمل المشروع وأي خسائر مادية أنا هتحملها بس من دلوقتي لمعاد التسليم ياريت نقطع أي نقاش بينا نهائي، ونعتبر العقد ده آخر عقد بينا. 


ثم التفت وصاح بغضب: عم نصر.
ركض إليه بفزع وهو يشاهد المشادة بين مالك وعاصم مع باقي العمال، ثم قال: نعم يا بشمهندس.
مالك: مين العمال اللي اشتغلو على العمارة ديه؟!
نصر: هجمعهم لحضرتك.


نظرت دعاء إلى عاصم الذي وقف عاجز عن الرد أمام مالك، الذي فرض شخصيته بقوة أمامه فأوقف الكلمات قبل حتى أن يفكر بها عاصم؛ الذي ظل ينظر إليه وهو يتحدث مع العمال بحزم، ثم جذبته دعاء بهدوء وهمست داخل أذنه: أنا شفت الخامات بنفسي فعلًا يا بابا، مش ديه خالص، واضح إن فيه حد فعلًا بيحاول يبوظ الشغل لمالك، ضياع التصاميم وكمان وقوع الديكور بالشكل ده معناه إن كلام مالك صح، وإنت شايف شكله عامل إزاي ومنمش لحد دلوقتي، أعتقد إن كلامه صح ولازم حضرتك تمشي. 


لم يجد عاصم ما يقال فأومأ لها بالإيجاب وترك الموقع، أما دعاء فظلت تراقب ما يحدث بين مالك والعمال، حتى ابتعد مالك عنهم واتصل بيامن وطلب منه أن يأتي إلى الموقع ليحقق بهذه الواقعة. 


أنهى المكالمة واتكأ على الطاولة أمامه وهو يتنهد بثقل، لا يتحمل كل ذلك الضغط، والآن على العمال أن يقومو بفحص جميع أعمال الديكور التي قام بعملها من قبل وهذا سيعطل العمل أكثر، يعلم أن هناك من يحاول أسقاطه ولكنه أقوى من ذلك ولن يسمح لأحد أن يوقع به. 
ظلت دعاء تراقبه من بعيد، شعور بالحزن خيم على قلبها من هيئته، لم تشعر بنفسها وهي تقترب منه وتربت على ظهره، انتبه مالك إلى يدها فنظر جانبًا ليتفاجأ بنظرتها إليه، نظرة كانت كفيلة أن تنهي كل هذا الألم بداخله، فنظر إلى عمق عينيها معبرًا بنظراته العاشقة إليها، فاهتز كيانها من نظراته وكالعادة حاولت الهروب منه وابعدت عينيها عنه، ولكنه قال: لسه بتهربي.... طيب وبعدين، فرحانة بعذابي جنبك كده؟
دعاء: أنا مش عايزة أعذب حد، لو سمحت إنسى الموضوع خالص. 
مالك: مش بمزاجي، أنا عمري ما حسيت بالشعور ده قبل كده ومش قادر أوقفه، ومش مصدق إنك بترفضيني، الموت عندي أهون. 
دعاء: بس كلامي معاك كان واضح من الأول أنا لسه بحب ليث. 
أغلق عينيه وتنهد بقوة والحزن يقسم روحه نصفين، ارتعشت عينيها وهي ترى حزنه يحتل ملامح وجهه فشعرت بالضيق، التفتت لتذهب من أمامه ولكنه لم يترك لها المجال، جذبها من يدها وذهب إلى سيارته وفتح الباب كي تصعد إليها، ولكنها أغلقت الباب بعنف وصاحت به: كلامي مش هيتغير، ومش هروح معاك في حتة. 


حاولت أن تمضي بعيدًا عنه ولكنه جذبها بعنف نحو السيارة وارتطم ظهرها بها، واقترب منها ورفع كلا ذراعيه بجوارها كي يمنعها عن الحركة، واقترب منها بشدة ونظر داخل عينيها بقوة وقال: ليث مات بس قلبك لسه عايش، بينبض وبيحب ويكره، مش عيب نحب بس العيب إن نقتل حبنا بنفسنا، ده مش اسمه إخلاص، لأن ليث مش موجود في حياتك وإنتي بتخونيه... أكيد هتحبي، ولا كنتي فاكرة إنك هتفضلي حابسة نفسك في البيت عشان خايفة تشوفي حد وقلبك يخونك ويحب؟
ارتبكت دعاء بشدة وقالت: لأ... مش حقيقي. 
مالك: لأ حقيقي، من أول يوم شفتيني وإنتي بصتيلي بإعجاب، عشان كده زعلتي من والدك عشان خلاكي تشتغلي معايا، صح؟! 
زاد توترها أكثر وهربت بعينيها من عينيها وقالت: لأ.... مش كده خا... 
قاطعها مالك وهو يمسك بوجنتيها مسلطًا نظره داخل عينيها وهو يحاوط وجهها بكفيه بحنان، وقال بصوت هادئ: كفاية، سيبي قلبك ليا ومتخافيش، أنا أموت نفسي لكن إنتي تفضلي بخير، أضحي بعمري عشانك بس متمشيش.... متهربيش.
تجمعت الدموع داخل عينيها وقالت برجاء: بلاش يا مالك، متضغطش عليا. 
مالك: غضب عني، مش قادر أبعد عنك، بشوفك بنهار وبنسى كل القواعد اللي كنت ماشي عليها قبل كده، غيرتي مالك وخليتيه حد تاني، متعمليش فينا كده، فكري... على الأقل فكري.
دعاء: طيب هفكر، بس ممكن نشوف شغلنا دلوقتي؟
ابتسم مالك بشدة وقال: بجد هتفكري؟!
للحظة شعرت دعاء بأنها لا تريد رفضه، بل لا تقوى على حتى الحديث أمام عينيه، وكادت أن تنطق بالحقيقة ولكن قاطع حديثها رنين هاتفها، فنظرت إليه وجدت أن نيرة هي المتصلة، شعرت بارتباك شديد، وكأن ليث هو من يتصل بها، فدفعت ذراعه بعيدًا عنها وذهبت من أمامه، زفر مالك بقوة، فهذه المرة كانت الأقرب ولكن القدر لم يسمح بعد، وقرر مالك أنه لن يتركها تفعل ما تريد هذه المرة.
لست قلبي... الفصل العاشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين


بعض القرارات لا تُتخذ في لحظة بل تتسلل إلى القلب بهدوءٍ موجع، تطرق أبوابه مرارًا حتى ينهار.
ما بين رغبةٍ تُولد قسرًا ووفاءٍ يرفض الرحيل،
تقف القلوب عارية أمام الحقيقة.
فليس كل هروب نجاة ولا كل قُرب أمان، أحيانًا 
أصعب المعارك لا تكون مع الآخرين بل مع قلبٍ يرفض أن يسمع العقل. 
ولن يكون السؤال: من نحب؟ بل: من نختار أن نخسره؟
أتضحي بهذا الحب الذي ولد حديثًا داخل قلبها أم تدفع بهذه الذكريات إلى مهب الريح.


وفي لحظة ضعف كادت تنهار أمامه جاءها صفعة أعادت لها إتزانها، فعادت تهرب مجددًا، وحين تلقت المكالمة سمعت صوت نيرة وهي تقول: إزيك يا حبيبتي؟
نظرت دعاء إلى مالك ثم التفتت في توتر وأجابت: الحمد لله يا ماما، إنتي عاملة إيه؟
نيرة: بخير يا حبيبتي، أنا في النادي بحضر لحفل رجال الأعمال، أكيد هتيجي السنة ديه مع بابا صح؟
دعاء: اه إن شاء الله.
نيرة: تمام، بالمناسبة أنا رايحة عند ليث بكرة تيجي معايا؟


ارتبكت دعاء والتفتت تنظر إلى مالك ثم قالت: لأ... مش هعرف بكرة عندي ضغط شغل الفترة ديه.
تنهدت نيرة وظهر على وجهها الضيق ثم قالت: طيب يا حبيبتي، بس إنتي بقالك كتير مروحتيش، ولا ليث مبقاش يوحشك؟!
دعاء بحزن: لأ طبعًا واحشني، بس يعني هو ضغط شغل بس، إن شاء الله هروحله قريب، معلش ياماما هقفل وأكلمك تاني.
نيرة: روحي يا حبيبتي، مع السلامة. 


هربت من الحديث معها وكأنها تخفي عار الحب الذي أصاب قلبها رغمًا عنها، وحين لاحظ مالك أنها أنهت المكالمة اقترب منها وقال: مين اللي بيكلمك؟! 
فزعت دعاء ونظرت له على الفور وقالت: ديه مامت ليث. 
مالك: اه... وديه بتكلمك ليه؟
دعاء: ماما نيرة تعتبر هي اللي مربياني، فهي بتطمن عليا على طول وكمان طلبت مني أجي معاها وهي بتزور ليث. 
مالك: هتروحي؟ 
دعاء: بتسأل ليه؟
مالك: جاوبي على سؤالي من غير سؤال، هتروحي؟
دعاء: اه هروح. 
مالك: ليه؟! 
دعاء: يعني إيه ليه؟! هزوره عادي، ما أنا بزوره على طول.


زفر بضيق وقال: طيب ممكن متروحيش. 
دعاء: ليه؟ 
مالك: كده يا دعاء، بلاش معلش، ما هو المفروض يعني نكمل حياتنا هتروحي هناك هتفتكريه وتقعدي تفتكري حياتكم سوا، بلاش أحسن. 
دعاء: ومين قال إن ناسية أي حاجة بينا. 
حاول مالك السيطرة على غيرته التي تنهش بقلبه الآن، ومرر أنامله داخل خصلات شعره بعنف ثم قال: خلاص يا دعاء لو سمحتي.... وحتى لو مش ناسية حاجة بينكم زي ما بتقولي وجودك هناك هيخليكي طول عمرك عايشة جوا الذكريات ديه، وأنا عايزك ليا أنا مش ليه. 
دعاء: هو أنت ليه بتتعامل معايا على إني موافقة على الموضوع؟! 


اقترب منها ونظر لها بقوة داخل عينيها بنظرة أربكتها وقال: عشان عينيكي اعترفتلي بكل حاجة.
ظلت تنظر إليه بتيه ثم أردف: مش ناوية تعترفي باللي جواكي؟!
لم تجاوب بل حاولت الهرب من نظرته ولكن أمسك وجهها وقال: لو مش قادرة تعترفي بالكلام بلاش تروحي بكرة، لو رحتي هفهم إنك مش عايزاني لو مروحتيش هعرف إنك بتحبيني.
دعاء: بس أنا لازم أروح. 
ابتعد عنها بضيق وقال: تمام، لو روحتي هبقى خدت الإجابة. 


تركها وذهب وزفرت بضيق بعد أن سمعت حديثه، مالك شخصية عنيدة وإذا ذهبت رغمًا عنه لن يتحدث معها مجددًا كما فعل بالسابق، تركها في حيرتها وذهب. 


أما نيرة فقد أنهت المكالمة وشردت أمامها تفكر وهي جالسة على أحد الطاولات بالنادي، اقتربت منها هاجر التي كانت تراقبها من بعيد ثم قالت: شكلك إتأكدتي أن كلامي صح، قولتلك دعاء هتحب وتتجوز عادى وخصوصًا إن فيه حد بيلعب عليها عشان طمعان في فلوسها. 
نيرة: لأ يا هاجر... دعاء عمرها ما تنسى ليث أبدًا، هو اللي بيشاغلها زي ما قولتي، أنا واثقة إن دعاء مش هتحب غير ابني وبس، ما إنتي عارفة هما كانو بيحبو بعض أد إيه. 
هاجر: ممكن فعلًا، مالك ده شيطان زي أبوه. 
عقدت نيرة حاجبيها وقالت: مالك مين؟
هاجر: مالك العشري. 


تبدلت ملامحها عندما سمعت باسمه ونظرت أمامها بصدمة، فقالت هاجر: اتخضيتي كده ليه لما سمعتي اسمه؟! 
نيرة: هو حاجة ممكن استغلها عشان أبعد دعاء عنه خالص. 
اقتربت منها هاجر أكثر بسعادة وقالت: بجد؟! إيه هي؟
نيرة: بس للأسف لو قولتها أنا مش هينفع، لازم حد يوصلها ده. 
صمتت هاجر تفكر قليلًا ثم قالت: حاتم يقولها، ما أنتي عارفة إنهم صحاب من زمان. 
نيرة: اه ممكن، بس هيقولها عرفت منين، محدش يعرف الموضوع ده خالص غيري أنا وأم مالك. 
هاجر بضيق: متجيبيش سيرتها بس. 
نيرة: حاضر، بس اسمعيني الأول وبلغي حاتم بالموضوع وشوفيه هيقوله إزاي لدعاء. 


انقضى اليوم، وعاد مالك إلى المنزل وهو يشعر بإرهاق شديد، لم يقوى حتى على الحديث مع حسناء، فقط قبل جبهتها وذهب إلى غرفته، وبرغم هذا الإجهاد وحاجته إلى النوم الشديدة إلا إنه ظل يفكر بقلق؛ هل دعاء ستذهب غدًا إلى ليث أم تختاره هو؟
هو يرى محاولاتها المتكررة لتثبت له أنها لا تزال تحب ليث ولكن ما يشعر به عندما تنظر إليه أو يقترب منها يخبره بالحقيقة، هي مغرمة به لا محال. 


ظل يفكر حتى غلبه النعاس ونام، أما دعاء فلم تعرف طريق للنوم، تمسك بهاتفها تحاول أن ترسل رسالة إلى نيرة تخبرها بأنها ستذهب إلى المدفن معها بالغد وبعد أن كتبت الرسالة ظلت تنظر إليها قبل أن تضغط على زر الإرسال، ليقطع تفكيرها صورته وهو ينظر إليها عن قرب، تسمع صوته يتخلل داخل قلبها قبل مسامعها، رجاءه بأن لا تذهب إليه وكأنه يطلب منها أن تختاره هو، ألمها قلبها بشدة فأغمضت عينيها بضيق وأغلقت الهاتف دون أن ترسل تلك الرسالة، وحاولت أن تنام، ولكن عادت تنظر إلى الهاتف عندما سمعت صوت إشعار جديد، وتجمعت الدموع داخل عينيها عندما رأت تذكير على هاتفها يخبرها بأن اليوم هو ذكرى إعتراف ليث لها بحبه، لم تتمالك دموعها أكثر.... بكت، ثم أمسكت هاتفها وقامت بإرسال الرسالة إلى نيرة، التي ابتسمت بسعادة عندما رأتها.


حل الصباح، وارتدت دعاء ملابس سوداء مقررة الذهاب إلى المدفن، أما مالك فذهب إلى الموقع ليعرف نتيجة التحقيق الذي قام به يامن، وهناك ألم داخل قلبه لا يعلم ما سببه، حاول إخفاء ذلك الألم حتى لا تقلق حسناء عليه، ولكن بمجرد أن رأته عند طاولة الطعام علمت بأنه مريض، فنظرت له بقلق وقالت: مالك يا حبيبي؟ 
مالك: مفيش يا ست الكل أنا كويس. 
حسناء: متكدبش عليا شكلك تعبان. 
مالك: مجهود الشغل بس. 
حسناء: وأنا مش عايزاك تهلك نفسك كده، انت ناسي أوامر الدكتور؟
مالك: غصب عني يا ماما، عندي مشكلة في الموقع ولازم أحلها بنفسي، هفطر بسرعة وأنزل، بس... أنا عايزك تدعيلي النهاردة ربنا يوفقني.
حسناء: دعيالك يا حبيبي دايمًا.


قلبي من يدعو الله، يتمناكِ له... يريد أن يغفى على نبض عشقكِ؛ على كلمة تعيد له نبض الحياة كطفل يريد أن يرتمي بحضن أمه كي يحظى بالأمان، هل من مجيب لهذا الفؤاد المتيم.


في طريقه إلى الموقع، هناك مزيج من الأصوات تصرخ بداخله، رغبةً بها وخوفًا من قرارها، يراهن على إحساسه وعلى قلبها الذي يرغب به.


وصل إلى الموقع وهو يلتفت حوله بحثًا عنها، اقترب منه يامن على الفور وقص له نتيجة التحقيق التي لم يسمع منها كلمة واحدة، وفي أثناء ذلك كانت دعاء في طريقها إلى المدفن، وأثناء حديث يامن مع مالك قال له: العامل ده مش إحنا اللي وظفناه، مش تبعنا أصلًا، والغريب إنه مجاش النهاردة وبتصل بيه مش بيرد.


ظل ينظر إلى ذلك الشارد أمامه ينتظر أن يجيبه ولكنه لم يفعل، فزفر بضيق وقال: يا عم ركز معايا شوية، إنت اللي وظفت حسن ده ولا شركة الحلواني هي اللي وظفته.
انتبه مالك له وقال: معرفش.
يامن: أنا هتصل بدعاء أسألها لأن شكلها مش جاي النهاردة وأنا عايز نمرة حسن ده.
مالك بصدمة: عرفت منين إنها مش جاية.
يامن: لأ بخمن بس، هتصل بيها.


اتصل يامن بها فنظرت إلى هاتفها وهي داخل السيارة وارتبكت بشدة. عندما رأت اسم يامن ولكن تلقت المكالمة رغم ذلك الخوف وقالت: أيوة يا بشمهندس.
يامن: دعاء كنت عايز أسألك على حاجة بخصوص الشغل، إنتي جاية النهاردة ولا لأ؟!
دعاء: لأ، أنا.... رايحة المدفان أزور ليث.
يامن: اه تمام، تعيشي وتفتكري، طيب مش وقته بقى بعدين هتصل بيكي.


انتبه ذلك المراقب إلى ما قاله يامن، وتصاعد غضبه ليملأ صدره بضيق، فوضع يده على صدره من الألم وصاح بغضب: أقفل يا يامن.
نظر له يامن ولاحظ علامات الألم على وجهه فقال بخوف: إنت تعبان ولا إيه؟!
مالك: لأ، أقفل بقولك.


وصل صوته إليها، ولاحظت أن صوته غاضب ولكن يتنفس بصعوبة، وأنهى يامن المكالمة لتنظر إلى الهاتف بخوف، شعرت بالقلق عليه فتحدثت مع راضي على الفور وأمرته بالذهاب إلى الموقع، وقامت بإرسال رسالة إعتذار إلى نيرة.
أما مالك فكان يتألم في صمت، شارد لا يشعر بما حوله ولكن يامن يعلم أن هناك خطبًا ما به، ظل يحاول أن يتحدث معه ولكنه كان غاضب بشدة، قد راهن على حبها ولكنها خذلته بأول الطريق، ولم يبقى سوى هذا الحزن يشطر صدره بألم مضاعف، قلبه الضعيف لم يتحمل قسوتها.
رفض الحديث مع يامن وذهب من أمامه متوجهًا إلى سيارته، حاول يامن اللحاق به ولكنه لم يتوقف، فصاح باسمه كي يتوقف وانتبه العمال لما يحدث متعجون من فعل مالك،حتى وصل مالك إلى السيارة وقبل أن يصعد بها كانت دعاء تترجل من سيارتها، سمعت صوت يامن بالأرجاء فنظرت إليه لترى مالك يغادر المكان، فصاحت باسمه وحين وصل صوتها إليه توقف فجأة ولكن أبى الالتفات لها، منع نفسه من أن يراها، لا يرغب أن تراه بهذه الهيئة المعذبة، كاد يغادر ولكن أبت أن تتركه، ركضت إليه وفتحت الباب الذي بجواره، نظر لها بغضب عارم، نظرة جمدت الدماء في أوصالها وتاهت الحروف من شفتاها، فقالت بتوتر: إنت كويس؟!
مالك: ملكيش دعوى.


حاول جذب باب السيارة من يدها ولكن تمسكت به بقوة فعاد النظر إليها قائلًا: سيبي الباب.
دعاء: استنى بس نتكلم.
ترجل من السيارة وصاح بها بغضب: نتكلم فيه إيه؟! إنتي مش كنتي رايحاله، رجعتي ليه؟


أتكذب؟! أتهرب؟ أتخسره؟ أم تبوح بالحقيقة؟
نظرة ألم ارتسمت على وجهه كانت كفيلة بأن تعطيها الإجابة فقالت بخوف: إنت شكلك تعبان، خليك هنا شوية... أو تعالى نروح مستشفى.
مالك: ردي على سؤالي، أنا مش عايز مستشفى، إنتي دوايا، ريحي قلبي وقوليلي الحقيقة بقى، رجعتي ليه؟! وليه قررتي تروحيله وإنتي عارفة إنك لو عملتي كده هتخسريني؟! أنا عارف إنك بتحبيني، كفاية كدب وهروب وقوليها بقى.
دعاء: طيب تعالى نطمن عليك الأول.


أمسكت يده لتجذبه إلى سيارتها ولكن جذبها هو لتقف أمامه بقوة وقال: إنتي مش فاهمة ليه؟ أنا عايز اسمع إجابة سؤالي وبس؟
دعاء بغضب: حتى لو هتزعلك؟!
صاح مالك غاضبًا: مفيش حاجة هتزعلني أكتر من كده، كفاية إنك روحتيله هو وسبتيني، عمالة ترفضي فيا وبس كفاية بقى حرام عليكي، قولي الحقيقة ومش هسألك تاني، آخر مرة نتكلم في الحوار ده، إجابتك دلوقتي هتنهي كل حاجة، بتحبيني ولا لأ؟! 
لم ترغب بخسرته، هي تعلم تلك النظرة المتحدية التي ارتسمت على وجهه جيدًا، رأتها مرة واحدة وتعلم غروره وثقته بنفسه التي تنهي كل شيء يسيء إليه بلحظة واحدة، لم تجد طريق سوى الحقيقة فقالت: اه... بحبك.


ترياق الحياة، دواء القلب المعذب بالحب اليائس، ليهدأ الألم وتزداد نبضات قلبه صارخة باسمها بسعادة لم يشعر قبلًا، ها هي تعترف بحبها، والآن أصبحت ملكًا له. 
لست قلبي... الفصل الحادي عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين


ليست كل الاعترافات نهاية بعضها بداية وجعٍ جديد.
حين قال القلب كلمته أخيرًا لم يأتي السلام كما وعد بل ارتجف الخوف في الأركان، وكأن الحب حين يُنطق بصوتٍ عالٍ يصبح فريسةً لكل ما كُتم طويلًا.
اعترافٌ خرج من بين الشفاه، لكنه فتح أبوابًا أُغلقت عمدًا.... ماضي يرفض الرحيل، وحقائق تتربص في الظل تنتظر لحظة الانقضاض.
فالحب الذي وُلد من الألم... هل يُكتب له النجاة؟ أم أن كل ما قيل لم يكن سوى شرارة تشعل حريقًا أكبر؟
نيران خامدة تنتظر فتيل الاشتعال في غفلة منهما. قد وجد كلًا منهما الآخر. هدأ قلبه بهذه الكلمة التي ظن أنها حلم بعيد المنال، أما أعترافها فكان كفهوة بركان تنتظر الإنفجار والبوح بما أرهق روحها.


حب وُلد من جديد، تسائلت ألف مرة كيف حدث؟ ولماذا أنت؟ كان بداخلها تردد وفكرة تسيطر عليها: ربما شعرت بذلك لأنه أول رجل التقيت به بعد فراق ليث عني، ربما قلبي اشتاق لإحساس الحب، أو اشتاقت أن أحب.
ابتعدت، حاولت، ولكن ما شعرت به من ضيق حين ابتعد هو عني جعلني أرغب به أكثر، والآن حين رأيته راحلًا، غاضبًا لم أتمالك نفسي، فقط بوحت بما في قلبي كي لا يذهب فلا أقوى على فراق آخر.


نظر لها بصدمة وعيناه تتراقص على نغمات تلك الكلمة وتراقب ملامحها التي حفرها داخل ثنايا قلبه؛ الذي لم يتحمل هذه المشاعر، فوضع يده على قلبه ليتنفس بصعوبة، تحولت نظراتها إلى القلق، أما يامن فركض سريعًا نحوه بعد أن لاحظ ألمه وقال: إنت تعبان صح؟! أدخل العربية وأنا هخدك على المستشفى. 
أومأ له مالك رافضًا الذهاب، ينظر إلى دعاء نظرة عشق راغبًا بسماع تلك الكلمة مرارًا وتكرارًا عل هذا القلب العليل يرتوي عشقها. 
أبى يامن أن يتركه وقالت دعاء بخوف: أنا هاجي معاكم. 
جذبه يامن داخل السيارة وصعدت دعاء بالخلف وقاد يامن السيارة، وفي الطريق كان مالك يسلط نظرة على المرآة بجانبه، يتطلع إلى إنعكاسها، يرى نظرتها التي تراقبه بخوف.


وصلو إلى المشفى، وعندما ترجلو من السيارة نزلت دعاء أولًا واقتربت منه وسألته: إنت حاسس بإيه؟
مالك: متقلقيش تعب متعود.
اقترب يامن منهما وقال: يلا يا مالك.
أمسك يدها يطمئنها وجذبها خلفه، دخل مالك عند الطبيب وظلت دعاء بالخارج مع يامن، كانت تنظر إلى الباب المغلق بقلق، لاحظ يامن ذلك وتعجب من الأمر أولًا، ولكن أستوعب السبب بالأخير.


بعد وقت خرج الطبيب ووقف مع يامن وقال: هو مالك أجهد نفسه الفترة اللي فاتت؟
يامن: اه بصراحة.
الطبيب عادل: توقعت، طيب هو بس محتاج راحة ويبعد عن أي إجهاد نفسي أو جسدي.
يامن: يعني هيفضل هنا ولا يروح البيت عادي؟
عادل: خليه تحت الملاحظة شوية لو وضعه مستقر هيخرج.


ذهب الطبيب ودخلت دعاء الغرفة على الفور، نظر إليها واتسعت ابتسامته على وجهه، اقتربت منه وقالت بتردد: هو أنا... ينفع أسألك إنت حاسس بإيه؟
مالك: ينفع طبعًا، أنا مريض قلب من صغري، وعملت عملية زراعة قلب من فترة، بعدها بقيت كويس عشان واخد بالي من صحتي، بس الفترة اللي فاتت كنت تعبان، حبك تعبني أوي.
دعاء بحزن: أنا أسفة مكنتش أعرف إني بتعبك كده.
ضحك مالك وقال: أنا بهزر معاكي، أنا تعبان بسبب الشغل، لكن لو على حبك فا أنا عايش بسببه دلوقتي، أو تقدري تقولي دلوقتي بقى عندي سبب أعيش عشانه.
دعاء: أنا خايفة أوي، خايفة أخسرك، مش قادرة أتخيل خسارة تاني... مش هستحملها.
مالك: متخافيش أنا كويس بجد، من وقت ما عملت العملية وأنا أتحسنت جدًا.
دعاء: تسمحلي أفضل معاك لحد ما الدكتور يطمني.
مالك: لا... إنتي تفضلي جنبي العمر كله.
دعاء: ياريت تفضل جنبي على طول.


نظر لها بحزن، شعر بألم الفقد الذي مرت به خلال السنوات السابقة، لذا حاول أن يطمئنها قائلًا: أنا مش هبعد ولا همشي، ولا هفكر أسيبك لحظة... اطمني.
دعاء: بس تخلي بالك من نفسك أهم حاجة، وبالنسبة للتصاميم أنا هعملها بنفسي، إرتاح إنت.
مالك: الشغل معاكي عمره ما هيتعبني.
دعاء: معلش عشان خاطري بلاش.
مالك: بصي أوعدك لو حسيت بتعب هروح أرتاح.


كان حاتم يجلس بمكتبه، حتى دخل سامر المكتب وقال: حاتم باشا، أنا دورت ورا عملية مالك بس للأسف مفيش معلومات كافية، كل الحوار اللي عرفته إن اليوم ده كان فيه حوادث كتير وهو خد قلب حد من الناس اللي ماتو في اليوم ده.
حاتم: معرفتش هو مين؟!
سامر: لأ.
زفر حاتم بضيق: يعني مش عارف أمسك عليه غلطة؟!
قاطع حديثهما اتصال هاتفي من هاجر، فتلقى حاتم المكالمة على الفور وقالت هاجر: حاتم عايزاك في موضوع مهم جدًا.
حاتم بقلق: فيه حاجة يا ماما؟! سارة فيها حاجة؟
هاجر: لا كويسين، بس لازم أشوفك النهاردة جدًا، حاول ترجع بدري.


أنهى حاتم المكالمة على عكس يامن الذي لا يزال يتحدث بهاتفه حتى رأى دعاء تخرج من الغرفة فنظر لها بقلق وقال: طمنيني عليه.
دعاء: بقى أحسن الحمد لله.
يامن: طيب قبل ما أدخل أشوفه عايز نمرة حسن اللي شغال معانا في الموقع.
دعاء: حسن مين؟
يامن: العامل اللي في الموقع، مش إنتو اللي شغلتوه.
دعاء: لا معرفش مين حسن ده، بس المفروض العمال من عندكم حسب العقد.
يامن: بس حسن ده مش إحنا اللي شغلناه هو كان في الموقع لما استلمنا الشغل.
دعاء: طيب أنا هسأل في الشركة.
يامن: ماشي، وعايز نمرته لو سمحتي، أنا هدخل اطمن على مالك.
دخل يامن الغرفة واتصلت دعاء بالشركة. اقترب يامن منه بقلق وقال: عامل إيه دلوقتي؟
مالك: تمام متقلقش، إوعى تكون قلت لماما.
يامن: عشان أتهزق زي المرة اللي فاتت، لا شكرًا، وبعدين ما حبيبة القلب قاعدة وواخدة بالها منك، خلاص بقى ماما هتطمن عليك أخيرًا.
مالك: اه... إنت بتسأل بالطريقة يعني، ماشي أنا هريحك، اه أنا ودعاء بنحب بعض، إرتاحت؟!
جلس يامن بجواره وهو يبتسم وقال بسعادة: لأ مرتحتش، قولي كل حاجة وحصل إمتى ده كله دلوقتي؟
مالك: وإنت مالك ما تخليك في حالك.
كاد يتحدث ولكن دخلت دعاء الغرفة وقالت بصدمة: مفيش حد من الشركة شغل عمال في الموقع، حسب العقد العمال عليكم إنتو.


نظر مالك ويامن إلى بعضهما البعض بتوتر وقال يامن: يعني إيه؟! طيب بيقبض مرتبه منين؟!.... بس يبقى الديكور اللي باظ كان مقصود، هو كان قاصد يبوظ الشغل، وأكيد هو اللي سرق التصميمات عشان يعطل الشغل كمان.
مالك: أكيد حاتم، مفيش غيره هو سبب ده كله.
دعاء بضيق: بجد يا مالك أنا معرفش إنت مش طايق حاتم ليه كده؟
مالك بغضب: تاني يا دعاء هتدافعي عنه، حاتم اللي بتدافعي عنه ده وعامل فيها كاتم أسرارك أسوء بني أدم على وجه الأرض ولو سمحتي متدافعيش عنه تاني.
تراجعت دعاء عن غضبها خوفًا من هيئته، وتيقنت أن العداوة بينه وبين حاتم لن تنتهي بمجرد الحديث، ربما إذا تعرفا على بعضهما أكثر ينتهي ذلك الخلاف. لا تعلم أن هناك شرخ في حياة مالك هو من تسبب به. ثم قالت له بحزن: لا مش  قصدي أدافع عنه، أرجوك بلاش تجهد نفسك.
يامن: أيوة معاكي حق، أنا هروح اطمن من الدكتور وإنت إهدى شوية، عايزين نخرج ولا حابب قاعدة المستشفى.


خرج يامن فنظر مالك إلى دعاء التي تقترب منه بخجل ثم قال: لأ يا دعاء أنا بغير جدًا، وإنتي كل أما تيجي سيرة حاتم بتدافعي عنه بطريقة رخمة.
دعاء: بس بحبك إنت وبس.
هدأ على أثر تلك الكلمة التي انتظرها لوقت طويل ثم قال: طيب بلاش تجيبي سيرة أي رجالة قدامي عشان هتعصب واقلب الدنيا. 
دعاء: حاضر خلاص مش هزعلك تاني، أنا عرفت إنك غيور بجد فا خلاص متقلقش، اطمن أنا معاك إنت وبس.
مالك بحزم: ومفيش زيارة ليث تاني، عشان نخلص الموضوع ده كله.
دعاء: طيب خلينا نتكلم في المواضيع ديه بعدين، لو سمحت بطل تنفعل صحتك عندي أهم حاجة دلوقتي.


عاد حاتم إلى منزله سريعًا، فشعر بالقلق من حديث هاجر إليه، وعندما دخل المنزل ركضت نحوه هاجر بسعادة وقالت: كويس إنك جيت.
حاتم: في إيه يا ماما قلقتيني؟
السعادة كانت تتراقص بعيون هاجر وهي تخبره: في خبر لو عرفته هتشكرني لمدة سنتين قدام.
حاتم: إيه هو يا ماما قولي طيب.
جلست معه وقصت له ما قالته نيرة، وعلامات الدهشة ترتسم على وجهه، ثم قال: كده يبقى خلصت من مالك خالص.


عاد يامن من غرفة الطبيب وأبلغ مالك أنه يستطيع الذهاب إلى المنزل، وعندما خرجو من المشفى قال مالك: معلش يا يامن، عايزك ترجع على الموقع وتتابع الشغل، وأنا هاخد دعاء معايا مشوار وهرجعها على الموقع.
يامن: ولا يهمك، بس متطولش إنت محتاج راحة.
مالك: متقلقش يا صاحبي أنا تمام.


عانقه يامن فإن مالك بالنسبة له بمثابة أخ وليس صديق فقط، ذهب يامن ثم نظر مالك إلى دعاء وقال: هبقى مع حبيبي ومش تمام؟! ده حتى عيب في حقي.
ابتسمت دعاء وقالت: هنروح فين طيب وإنت تعبان كده.
اقترب منها بشدة ونظر داخل عينيها وقال بصوت هادر: هخطفك.
أمسك يدها وجذبها خلفه إلى السيارة.


أما عاصم فكان يجلس بمكتبه وهو يفكر بقلق، يخشى أن يتخلف عن موعد التسليم، ولا يقوى على الذهاب إلى الموقع بعد المشادة بينه وبين مالك، وبعد أن علم أن هناك أحد العمال الذي لم يوظفهم مالك داخل الموقع تأكد من صحة ما قالته دعاء له، وأن مالك بريء من تلك التهمة. 


قاطع شروده حديث السكرتيرة التي دخلت المكتب للتو تخبره بأن حاتم ينتظر بالخارج ويطلب لقاءه، سمح له بالدخول وبعد التحية جلس أمامه وقال: أنا كنت قريب فا قلت أجي اطمن عليك.
عاصم: إنت تيجي في أي وقت يا حاتم.
حاتم: أنا عارف إن حضرتك دايمًا بتعتبرني زي ابنك، عشان كده تجرأت وجيت أطلب من حضرتك طلب كده ويارب توافق.
عاصم: قول يا حاتم، ما إنت لسه قايل إنك زي ابني. 
حاتم: الصراحة.... أنا... أنا طالب أتجوز دعاء بنت حضرتك.
نظر له عاصم بدهشة ولكنها تحولت إلى ابتسامة فورًا، لتقابلها ابتسامة ماكرة ارتسمت على ثغره معلنة بداية تنفيذ خطة تمحو تلك الابتسامة البريئة التي اعتلت على وجهيهما ليظهر معها اعتراف العيون بالحب ووعود الأمان.
تُرى... أي ابتسامة سوف تنتصر بالأخير؟!
لست قلبي... الفصل الثاني عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين


ليس كل هدوءٍ طمأنينة فبعضه إنذار أخير قبل الانهيار.
حين ابتسمت القلوب أخيرًا لم تكن تعلم أن هناك من يراقب النبض، يعد الأنفاس وينتظر لحظة السقوط.
ما بين ضحكةٍ على ضفاف النيل ووعدٍ خرج من قلبٍ متعب، كانت الخيوط تُنسج في الخفاء.... خيوط تُشد حول أعناق الأحلام ببطءٍ قاتل.
الحب حين يطمئن ينسى الحذر، وحين يثق يُصبح أضعف من أن يرى الطعنة القادمة. 
فالقلوب التي وجدت الأمان على وشك أن تُختبر بأقسى الطرق والقدر لا يرحم من ظن أن الطريق صار أمنًا.
كان هائمًا، ينظر إليها ولا يصدق أنها أمامه حقًا، يتأمل وجنتيها التي اشتعلت بحمرة الخجل من نظراته، فقالت: ممكن تبطل تبصلي كده؟
مالك: تؤ تؤ.
ضحكت بخجل فقال: أصل أنا مش مصدق إنك قدامي، خايف أكون في حلم وأصحى ملقكيش وأنسى نظرة عيونك ليا ديه فا بحفرها جوايا. 
دعاء: إنت حبتني كل الحب ده إمتى؟
مالك: أنا حاسس إني كنت بدور عليكي، أول لما شفتك قلبي نطق وقالي لقيناها خلاص.
دعاء: يعني عمرك ما حبيت حد قبلي؟
مالك: لأ، أصلًا مكنتش متخيل إني هعيش لحد دلوقتي، أنا كنت مريض جدًا وقبل ما أعمل العملية كنت خلاص في مرحلة متأخرة ومفيش أمل في العلاج، مين كانت هتقبل بيا وأنا كده.
دعاء: لا اللي بتحب بجد مش بيفرق معاها بقى هو فيه إيه المهم تفضل معاه.
مالك: فيه واحدة حبتني قبل كده ولما عرفت إني مريض بعدت عني، فا مبقتش أصدق الكلام ده عشان عيشته.
دعاء: بس أنا حبيتك ومش فارق معايا لو بعد الشر فيك حاجة، هفضل جنبك ومش هسيبك.
مالك: إنتي غيرهم كلهم، بقولك كنت مستنيكي.


ابتسمت بخجل وقالت: بس فيه مشكلة دلوقتي.
مالك: اه، بيني وبين بشمهندس عاصم، صح؟
دعاء: اه، معرفش هيقبل باللي بينا ولا لأ.
مالك: لما أسلمه المشروع في الميعاد والمواصفات اللي اتفقنا عليها هتتحل المشكلة ديه. 


لم يكن يعلم أن هناك من ينصب شباك المكيدة بينه وبين عاصم الذي جلس يتحدث مع حاتم بأمور الموقع وما حدث مؤخرًا، فقال حاتم بعد أن استمع إليه: يعني هما حملو مشكلة الديكور والتصميمات اللي اتسرقت لشخص واحد؟! مش غريبة ديه شوية يا عاصم بيه؟ أصل مش منطقي الحجة ديه بصراحة، يعني هو الوحيد اللي عمل ديكورات العمارة؟


شرد عاصم أمامه يفكر فما يقوله حاتم منطقيًا. نجح في تأكيد شك عاصم بمالك بعد أن علم باختفاء حسن من الموقع، وأثناء شرود عاصم أرسل حاتم رسالة عبر الهاتف، لتدخل السكرتيرة مرة أخرى بعد قليل، وأبلغت عاصم أن هناك أحد الأشخاص يطلب مقابلته، سمح له عاصم بالدخول وإذا بحسن يدخل المكتب ووقف أمام عاصم وقال ببكاء مصطنع: أنا حسن يا بشمهندس، كنت شغال في الموقع عند حضرتك مع شركة العشري، وفجأة يا بيه طردوني وقالو إني سرقت تصاميم وغشيت في المواد، وأنا معملتش حاجة من ديه، فا جيت استسمحك لو تشغلني عندك في الشركة، أنا عندي عيال ومحتاج فلوس، بشتغل باليوم وطردوني من غير سبب.


نظر عاصم إلى حاتم بصدمة، بعد أن سمع ما قاله حسن، ليعود إليه الشك مرة أخرى ولكن هذه المرة كان على يقين أن مالك ليس جدير بالثقة. 
عاد النظر إلى حسن وقال: خلاص أخرج عند السكرتيرة وسيب رقمك عندها ولو احتاجت عمال هنكلمك.


قام مالك بإيصال دعاء إلى الموقع وعاد إلى منزله ليرتاح، حين وصل إلى المنزل كانت سعادته جالية على وجهه، وبرغم الخوف الذي تملك قلب حسناء إلا أن هذا الخوف تلاشى عند رؤية ابتسامته التي تضيء وجهه، فقالت بتعجب: راجع بدري ومبسوط! غريبة ديه. 
قبل وجنتها وقال: حسيت إني مرهق قلت أروح أرتاح. 
حسناء بفزع: مرهق إزاي؟! تعالى نروح المستشفى. 
مالك: متخافيش يا حبيبتي رحت اطمنت والدكتور قال مفيش حاجة محتاج راحة بس، متقلقيش، أقعدي بس كده واسمعيني عشان عايز أقولك على خبر حلو. 
حسناء: متخونيش عليك يا مالك.
أجلسها مالك وجلس بجوارها وقال: يا حبيبتي بقولك خبر حلو، بصي بقى... أنا بحب واحدة وعايز أتجوزها. 
حسناء بسعادة: بجد؟! مين ديه؟ وحبيتها إمتى؟! وإزاي تبقى بتبحب ومتقوليش؟!
مالك بابتسامة: براحة عليا يا ست الكل هفهمك كل حاجة دلوقتي. 


قص لها مالك كل ما حدث معه وطلب منها أن يتقدم لخطبتها ولكن بعد تسليم المشروع. 


أنهت دعاء عملها وعادت إلى منزلها، وجدت عاصم يجلس بالبهو ينتظرها، وحين دخلت المنزل نظر لها بسعادة وهم باحتضانها وقال: كنت مستنيكي. 
ابتسمت دعاء بين أحضانه وقالت: وحشتك ولا إيه يا بابا؟ 
عاصم: ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا روحي، بس أنا كنت مستنيكي عشان أقولك على خبر حلو. 
ابتعدت عنه وقالت: خير يا بابا. 
عاصم: حاتم جيه النهاردة وطلب إيدك مني. 
عقدت دعاء حاجبيها وقالت: وده خبر حلو؟!
عاصم: اه، حاتم محترم وابن ناس، وعارفينه من زمان وإنتو أصحاب ودايمًا كنتو مع بعض، ده حتي ليث الله يرحمه كان بيغير منه بسبب إنه قريب منك، ومش هيتجوز عشان طمعان فيكي ولا حاجة لأنه مش محتاج. 
دعاء: أيوة يا بابا بس هو قريب مني كصديق مش أكتر، لكن مش شايفاه في الحتة ديه.
عاصم: ما هو يا حبيبتي إنتي مش هتشوفي حد في الحتة ديه غير ليث بسبب حبك ليه، فا المفروض نفكر بعقلنا ونرتبط بحد يحافظ علينا وميكونش طمعان فيكي.


نظرت له دعاء بتوتر وقالت: بس... أنا شايفة حد تاني مكان ليث.
عقد عاصم حاجبيه وقال: مين ده؟!
دعاء: مالك.
صاح عاصم بغضب: مين؟! مالك العشري، ده نصاب، عايزة تتجوزي نصاب عشان يسرق فلوسك كلها ويرميكي.
دعاء بتعجب: مين اللي نصاب؟! ليه بتقول عليه كده؟ 
عاصم: عشان قدم ورق للمناقصة هو مش أدها بس عشان يكسبها، والنتيجة إنه غش في الخامات وضيع التصاميم واتهم واحد بريء عشان يطلع هو الملاك ونتعاطف معاه، ودلوقتي بيلعب عليكي عشان يضمن إنه يكمل المشروع.
دعاء: لا، مالك مش كده، أنا كنت مع يامن المساعد بتاعه وهو اللي قالي على موضوع حسن ده وقالي إنه عايز نمرته...
قاطعها عاصم وقال: حسن جالي النهاردة وكان بيعيط عشان مالك طرده من الشركة وحمله كل البلاوي اللي هو عملها.


شردت دعاء تفكر بالأمر فأردف عاصم: الواد ده تنسيه خالص، أنا مش هطمن عليكي غير مع حاتم.
دعاء: يا بابا أنا مش موافقة على جوازي منه.
عاصم بغضب: عشان مالك شاغل عقلك، فكري كويس يا دعاء واختاري صح، ده جواز مش لعب عيال.


شعور بالخوف تسلل إلى قلبها، قتل فرحتها التي جعلت روحها تحلق عاليًا، شعور الشك الذي لم تختبره من قبل، فكانت مع ليث مطمئنة، تعلم أنه يحبها منذ الصغر لذلك لم تتطرق إلى الشك يومًا ما، وأصبح الهواء ثقيلًا من حولها، تتنفس بصعوبة، فتركت عاصم وصعدت إلى غرفتها تحت نظراته المتوجسة، وعزم الأمر على توكيل عمل المشروع إلى حاتم، ولكن سينتظر حين يأتي ميعاد تسليم المرحلة الأولى من المشروع.


منتصف الليل، تجلس دعاء شاردة بالفراش، تشعر بصدق مشاعر مالك لها، ولكن حديث عاصم كان قاتلًا، ليقطع شرودها رنين هاتفها الذي أعلن عن وصول رسالة من مالك، فتحت الرسالة وقرأتها واتسعت ابتسامتها على الفور حين رأت تلك الحروف البسيطة: "أول مرة في حياتي معرفش أنام عشان مشتاق لحد، وقلبي بيرقص من السعادة عشان هشوفك بكرة، وحشتيني."
ظلت تنظر إلى الهاتف ولا تعرف ماذا تقول، تخبره بما حدث أم تترك ذلك الشك جانبًا وتبوح بإشتياقها له أيضًا؟
انتبهت إلى الهاتف مرة أخرى عندما أرسل لها مالك رسالة أخرى: "أنا كلمت ماما عليكي وطلبت منها تيجي معايا عشان نطلب إيدك، بس هستنى أسلم المرحلة الأولى في الميعاد زي ما اتفقت مع عاصم بيه."
دعاء: "تفتكر هتقدر تسلم المرحلة الأولى في الميعاد، ولا هيطلع حاجة تانية تمنع التسليم؟"
مالك: "حاجة زي إيه؟"
دعاء: "معرفش بصراحة، أصل بيحصل حاجات مش منطقية في الموقع."
مالك:"هو حصل حاجة تاني النهاردة وأنا مش موجود؟ "
دعاء: "لأ، بس منطقيًا المفروض ميحصلش حاجة تاني، مش حسن خلاص مشي ولا فيه حد تاني هيعمل مشكلة غيره؟"
مالك: "هو أنا ليه حاسس إن أسلوبك في اتهام أو شك؟!"
دعاء: "أصل حصل حاجة كده مش مفهومة في الشركة عند بابا."
مالك: "إيه هي؟"
دعاء: " مش هينفع في التليفون، لما نتقابل بكرة أحسن."
مالك: "تمام نتقابل بكرة."


ترك مالك الهاتف وهو يشعر بالضيق، ولكن انتظر حتى يراها ويعلم ما سر هذا الحديث. 


عاد حاتم إلى المنزل ووجد هاجر تنتظره، وحين دخل وجلس بجوارها قالت: عملت إيه؟ طمني.
حاتم: اللي اتفقنا عليه، وطلبت إيدها خلاص، وحاسس إن أبوها موافق.
هاجر: يارب بس الواد ده ميكونش لعب عليها.
حاتم: متقلقيش، حتى لو عرف يضحك عليها بكلمتين زي ما عمل في بنتك هعرف أخليها تكرهه إزاي. 
هاجر: مش قلقانة، بس إتصرف بعقل عشان نطير مالك من الحوارات ديه خالص.


في الصباح، وصلت دعاء الموقع، ووجدت مالك يقوم بالأشراف على العمال بنفسه، وأمرهم بعودة العمل في الوحدات الداخلية، اقتربت منه وسمعته يتحدث مع نصر قائلًا: عملت فحص للديكور اللي اتعمل كله يا عم نصر زي ما قولتلك؟
نصر: اه، إمبارح فحصنا كل الشغل اللي اتركب، وكله تمام.


قاطع حديثهما صوت دعاء التي قالت: صباح الخير.
نظر لها مالك وقال: صباح النور، إتفضل إنت يا عم نصر.
نصر: حاضر يا بشمهندس، صباح الخير يا بشمهندسة.
ابتسمت له دعاء وذهب نصر من أمامهما، ثم قال مالك: عاملة إيه حبيبتي؟!
دعاء: الحمد لله، إنت كويس النهاردة؟
مالك: اه بخير، قوليلي بقى حصل إيه في الشركة إمبارح؟
 
أخبرته دعاء عن زيارة حسن إلى عاصم في المكتب فقال مالك: يعني دلوقتي عاصم بيه فاكر إني شيلت الحوار كله لحسن ده، صح؟
دعاء: اه.
مالك: وإنتي شايفة إيه؟
دعاء: بصراحة... مش عارفة.
حاول مالك السيطرة على غضبه وقال: اممم، مش عارفة، طيب... خلينا نستنى لحد ما تستلمو المرحلة الأولى، ولحد ما تتسلم كل الكلام اللي حصل إمبارح هيتأجل.
دعاء بحزن: طيب أنا ذنبي إيه؟
مالك: ما إنتي مصدقاه.
دعاء: مقولتش مصدقاه، قلت معرفش حاجة، حتى بابا معرفتش أرد عليه لأني مش فاهمة إيه اللي بيحصل ده كله.
مالك: عشان مش مصدقة إن حاتم بيحاول يبوظ شغلي عشان ياخد هو المشروع، وأكيد هو اللي زرع حسن ده هنا بينا عشان يعمل كل ده.
دعاء: ما هو مفيش دليل إن حاتم عمل ده كله، واه... بمناسبة حاتم يعني، هو طلب إيدي من بابا إمبارح.
مالك بغضب: طيب ما هي واضحة جدًا، ولا إنتي مش شايفة غير إن حاتم ميعملش كده لكن مالك اه ممكن يطلع نصاب ومش أد كلمته وبيسرق في الخامات ويغش فيها؟
دعاء: أنا مش قصدي كده خالص.
مالك: وأنا مش شايفها غير كده، عشان كده بقولك إنتي وبشمهندس عاصم ليكو عندي معاد تسليم، ولما مسلمش في الميعاد خدو معايا الإجراء القانوني اللي إنتو عايزينه، وطبعًا بما إنك واثقة في حاتم وأنا لا فا أنا شايف إنك تروحي تتجوزيه.
تركها وذهب، حاولت اللحاق به ولكنه نظر لها نظرة غاضبة أصابت جسدها بالرعشة، وعاد إلى عمله في الموقع متجاهلًا وجود دعاء نهائيًا. 


هو يرى أن الثقة هي القاعدة الراسخة في أي علاقة، وعندما رأى الشك في عينيها قرر أن يبتعد حتى تتأكد من صدقه.


لست قلبي... الفصل الثالث عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين


حين تتصدع الثقة لا يحدث الانهيار فجأة بل يتسلل في صمت كشرخٍ دقيقٍ في قلبٍ كان يظن نفسه أمنًا.
الكلمات التي قيلت بنبرة شك، والنظرات التي حملت اتهامًا غير معلن، كانت كفيلة بأن تُطفئ وهج مشاعر لم تكتمل بعد.


بين قلبٍ اختار الابتعاد حفاظًا على كرامته وقلبٍ تائهٍ بين الحب والخوف، تبدأ المسافة في الاتساع؛ مسافة لا تُقاس بالخطوات بل بالخذلان.
فالشك حين يُزرع لا يحتاج إلى دليل لينمو بل إلى صمتٍ فقط.


وفي الوقت الذي ظن فيه الجميع أن الحقيقة ستظهر مع تسليم المشروع كانت الأقدار تُعد اختبارًا أشد قسوة. 
اختبارًا سيكشف من يتمسك بالحب ومن يهرب عند أول عاصفة، ومن كان ينتظر السقوط ليتقدم خطوة إلى الأمام.


تركها وذهب والغضب يشتعل بقلبه، ذبلت زهرة الحب في قلبه من قبل أن ترى نور الشمس، بات قلبي على سعادة حلم تحقق واستيقظ على كلمات تزرع أشواك الشك تنخر في ثنايا روحي، فلتبتعدي عني واتركي ذلك العليل النابض باسمك.


ظلت دعاء تراقبه من بعيد، تلاحظ غضبه المتصاعد، وقد شدد على العمال بأن عليهم الانتهاء من العمل سريعًا، واتصل بيامن وطلب منه سحب العمال من المشاريع الأخرى وإرسالهم إلى الموقع ووضع ورديات عمل لهم بحيث لا يتوقف العمل في الموقع نهائيًا.


لم تحاول دعاء التحدث معه أثناء اليوم، ولكن قبل أن تغادر ذهبت ووقفت وراءه وهو يتابع العمال وقالت: ممكن نتكلم؟
لم ينظر إليها فقط أجاب وهو لا يزال بذات الوضع: لا.
دعاء: أنا مكنش قصدي أشكك فيك.
مالك: قلت مش عايز أتكلم.
دعاء: مش هقدر أمشي وأسيبك كده.
مالك: لأ إمشي.
دعاء: طيب ممكن كفاية شغل وتروح ترتاح، ولا عايز تتعب تاني زي إمبارح.
مالك: تسليم الشغل ده دلوقتي أهم عندي من أي حاجة في الدنيا.
دعاء: عشان ترجعلي؟!


نظر لها مالك بغضب ولاحظ نظرتها الحزينة فقال: يعني إنتي مش هترجعي غير لما أسلم المشروع وتتأكدي من كلامي، صح؟!
دعاء: لأ مش صح، أنا عارفة إن شخصيتك قوية ومش بتحب تحس بإهانة من أي حد، أنا غلطت في التعبير وأنا بتكلم معاك الصبح، وعارفة إنك زعلت مني ولما قررت إنك مش هتكلمني غير بعد ما تسلم المرحلة الأولى عرفت إنك هتنفذ ده حتى لو بموت قدامك، بس أنا عارفة إنك هتسلم في الميعاد، وعارفة إنك متعملش حاجة زي كده، بس أنا معرفتش أرد على بابا ولا أدافع عنك، بس لو المرحلة إتسلمت بابا هيهدى ويصدقني ويصدقك.
مالك: تمام، طالما مش عارفة تدافعي عني غير بعد ما أسلم يبقى إستني التسليم.
دعاء: معنديش مشكلة أتحمل عقابك ده على كلامي، بس مش على حساب نفسك، أنا غلطت وعارفة إنك معاك حق بس مش هقدر أستحمل تعبك.
مالك: أنا كويس، روحي.


التفت وولاها ظهره وتركته وذهبت وهي حزينة ثم رفعت هاتفها واتصلت بيامن الذي تلقى المكالمة على الفور وقال: أيوة يا دعاء.
دعاء: معلش يا يامن بزعجك، بس ممكن تقنع مالك يروح وكفاية شغل كده، أنا قلقانة عليه يجراله حاجة.
يامن: هو ماله النهاردة عايز يخلص المشروع بسرعة كده ليه؟ هو حصل حاجة؟!
دعاء: فيه مشاكل بسبب الديكور اللي باظ والتصميمات اللي اتسرقت، بس ده مش معناه إنه يشتغل ليل نهار والدكتور قال إمبارح كده.
يامن: أيوه معاكي حق طيب أنا هكلمه.


أنهى المكالمة واتصل بمالك على الفور وحين تلقى المكالمة قال: مزعل القمر ليه؟!
مالك بتعجب: قمر مين؟
يامن: دعاء.
مالك: إنت بتعكسها قدامي يا يامن؟!
يامن: يا عم مش قصدي كده أكيد، بس نسمع كلامها يعني طالما معاها حق، كفاية شغل وروح وأنا هاجي أقف مع العمال شوية.


التفت مالك ليراها تصعد داخل سيارتها وعلامات الحزن ترتسم على وجهها، وحين تحركت السيارة قالت: راضي، عايزة أروح شركة معروف.
راضي: حاضر.


بعد وقت، وصلت دعاء إلى الشركة وطلبت مقابلة حاتم، وبالفعل بعد قليل كانت تجلس أمامه بالمكتب، ثم قالت له: إنت ليه طلبت إيدي من بابا؟
حاتم بابتسامة: وده سؤال؟ أكيد يعني عايز أتجوزك. 
دعاء: وليه مجتش تتكلم معايا في الأول. 
حاتم: عشان ده الصح، المفروض أطلب أيدك وأدخل البيت من بابه مش أروح أقولك من ورا بشمهندس عاصم،
دعاء: على الأقل خد رأيي شوف هوافق ولا لأ. 
حاتم: ما هو أكيد هياخد رأيك، وبعدين أنا توقعت إنك هتوافقي، ولا إنتي لسه مش حاسة بيا؟
دعاء بتعجب: يعني إيه؟! 


نهض حاتم من على الكرسي واقترب منها وجثا أمامها وقال بهدوء: يعني زمان كان ليث الله يرحمه واخدك مني، وأنا كتمت مشاعري جوايا وقلت خلاص إنك مش من نصيبي، ولما مات قلت هتحسي بيا، بس واضح إنه محصلش، بس بما إنك دلوقتي عرفتي إني بحبك وعايزك؛ مفيش أمل توافقي على طلبي. 
كادت تتحدث، ولكن رفع يده أمام وجهها ونظر داخل عينيها بحب وقال: إنتي عرفاني كويس، وعارفة إني شخص محترم ومليش في الكلام الفارغ اللي بيعملوه الشباب ده، وهحافظ عليكي زي عينيا. 


دعاء بتردد: بس أنا مش بفكر فيك كده خالص يا حاتم، طول عمري شيفاك أخ ليا مش أكتر. 
حاتم: ما هو عشان ليث كان شاغل عقلك وقلبك، إيه اللي يمنع إنك تشوفيني دلوقتي بشكل تاني؟ ولا... فيه حد في حياتك؟! 
دعاء: بصراحة.... اه. 
عقد حاتم حاجبيه وقال: مين ده؟! 
دعاء: مالك العشري. 
 وقف في غضب وقال: مين؟! النصاب؟! بتحبي نصاب يا دعاء. 
وقفت أمامه بغضب وقالت: متقولش نصاب، ده مجرد سوء تفاهم مش أكتر. 
انفجر حاتم غاضبًا وقال: لأ نصاب وكداب، وبيلعب بعقول البنات ويرجع يسيبهم بعد ما يتعلقو بيه. 
دعاء: جبت الكلام ده منين؟! 
حاتم: عشان عمل كده مع سارة، ولو مش مصدقاني إسئليها، كان فيه بينهم حاجة ولا لأ؟! 
دعاء: سارة أختك؟! لأ مش ممكن، هو قالي إنه محبش قبل كده.
حاتم: يا بنتي بقولك كداب ونصاب، لو سمحتي يا دعاء بلاش تخليني أقول كلام مش عايز أقوله، لو مش مصدقة سارة عندك في البيت روحي إسئليها. 
دعاء: ليه هو فيه حاجة تانية المفروض أعرفها؟
حاتم: مش هقدر أقول حاجة، روحي إعرفي حقيقته بنفسك. 


أخذت حقيبتها وذهبت من أمامه وهي تطلق سهام الغضب من مقلتيها وتوجهت على الفور إلى منزل حاتم، وكانت هاجر جالسة بالغرفة مع سارة تحاول أن تقنعها أن تكذب على دعاء، وهي ترفض ذلك الأمر فقالت هاجر: يعني مش فارق معاكي مالك يحب ويتجوز البنت اللي عايزها أخوكي، وإنتي تفضلي قاعدة كده ترفضي في عرسان بسببه وهو ولا حاسس بيكي، ما على الأقل انتقمي عشان رفضك زمان، دوقيه كسرة القلب زي ما إنتي دوقتيها على إيديه، ولا عايزاه يعيش فرحان ومبسوط وكمان على حساب أخوكي؟
سارة: يا ماما هو معملش معايا حاجة غلط عشان أعمل فيه كده. 
هاجر: واللي بيعمله في أخوكي ده مش غلط، ما إنتي عارفة إنه عايز يتجوز دعاء من زمان لولا موضوع ليث، يا خسارة... كنت فاكرة إنك بتحبي أخوكي أكتر من كده. 
زفرت سارة بضيق وقالت: يعني إنتي عايزاني أقولها إيه دلوقتي؟!
هاجر : فهميها إنك كنتي على علاقة بيه وسابك من غير سبب، ولو تقولي كمان إنه كان عايز منك حاجة مش كويسة وإنتي رفضتي عشان كده سابك تبقي خلصتي الموضوع كله.
سارة: مش للدرجة ديه يا ماما.
هاجر: لا للدرجة ديه، وهتنفذي يا سارة غصب عنك، أخوكي كلمني وقالي إنها جاية في الطريق، إتصرفي.


قطع حديثهما دخول الخادمة التي أبلغت سارة أن دعاء بالأسفل وتريد مقابلتها، نظرت سارة إلى هاجر وزفرت بضيق ثم نزلت إلى أسفل، وبقلب متألم، وضمير يرفض ما تطلب منها هاجر تنفيذه، ويقين بأن ما ستفعله سيصيبها بالندم الشديد لاحقًا، إلا أنها أخبرتها بهذه الأكاذيب، طاعنة ذلك القلب الذي عرف طريق الحب مرة أخرى بصفعة ترنح على أثرها، أصبحت متخبطة، كان وقع الكلمات عليها كصاعقة مدوية في ليل غلب عليه السكون، وأكثر ما ألمها هو ما قالته عن هذا الطلب البغيض الذي طلبه منها.


ليت قلبي لم يحبك. 
ليت عيوني لم تراك.
ليت روحي لم تلقاك. 
ليت وليت... والآن بات الفراق. 


ليت قلبي ينساك. 
ليت عيوني تبكيك. 
ليت روحي تهجرك. 
ليتني لم أعشق.


غادرت المنزل باكية، راكضة إلى سيارتها، وعادت إلى منزلها على الفور، حاولت إن تخفي ألمها بقلبها ولا تظهره أمام عاصم، وانقضى الليل بين قلب احترق بنيران كاذبة، وقلب ينهشه الندم، وقلب تمزق من الشك.


في الصباح، ذهبت دعاء إلى العمل وهي في قمة غضبها ولكن دفنت كل ما نشعر به بداخلها، حين رأت مالك أمامها تجاهلته، تعجب مالك من نظراتها، شتان الفارق بين اليوم والأمس، توالت النظرات بينهما، وكلما رأى هذه النظرة زاد الفضول بداخله، حتى طرأ بفكره أن حاتم قد فعل شيء جديد يبعدها عنه كذهاب حسن إلى والدها للإيقاع بينهما، اقترب منها وهي تراجع بعض التصاميم التي تعدها للموقع، وقال: ممكن أعرف بتبصيلي كده ليه؟
نظرت له بنظرة باردة خالية من المشاعر وقالت: وأنا المفروض أبصلك إزاي يا بشمهندس.
عقد مالك ذراعيه أمام صدره وقال: اممم... فيه إيه جديد، يا ترى حاتم باشا كدب كدبة شكلها إيه المرة ديه، إتفضلي سمعيني؟
دعاء: هو أنت معندكش غير حاتم تعلق عليه أي مشكلة.
مالك: أنا مش قولتلك متدافعيش عنه قدامي، دعاء أنا بحذر مرة واحدة بس ومعنديش فرص تانية.
دعاء: مش مشكلتي، وحتى لو عندك فرص تانية مش عايزاها.


كادت تذهب ولكن أمسك يدها وجذبها بقوة ونظر لها بغضب قائلًا: مبحبش اللف والدوران، قولي في إيه.
نفضت دعاء يدها من يده وقالت بتحدي: تمام، أنا هقولك فيه إيه، كل الموضوع إني قابلت سارة أخت حاتم وقالتلي على اللي كان بينكم.
مالك: إيه اللي كان بينا مضايقك كده مش فاهم؟! وبعدين ما أنا قولتلك إن فيه واحدة حبتني ولما عرفت بمرضي بعدت عني، كانت سارة علي فكرة، إيه بقى الغلط اللي عملته في ده كمان؟!
دعاء: هي سابتك عشان مرضك بس؟! مش عشان طلبت منها حاجة مينفعش تطلبها من بنت أساسًا؟!
مالك: إيه اللي إنتي بتقوليه ده؟! سارة قالتلك كده؟ كدب طبعًا ومحصلش، والدليل إني كنت مريض قلب وحالتي صعبة جدًا إزاي هعمل كده، كل الحكاية إني لما عرفت إن سارة بتحبني رحت اتكلمت معاها بهدوء جدًا، تاني يوم لقيت حاتم عندي في الجامعة وقالي إن سارة بلغته برسالة ليا، وهي إنها أعجبت بيا في الأول ولما عرفت بمرضي شالتني من دماغها وإن كلام صحبتها ده قديم وهو جاي يبلغني بده عشان هي اتكسفت تقولي كده إمبارح، بس جيه عشان يحطني في وضعي ومصدقش إن أخته حبتني وإن أنا اللي رفضتها، ده كل اللي حصل ومكدبتش عليكي في حرف واحد، عايزة تصدقي أهلًا وسهلًا مش عايزة إنتي حرة، عشان مش منطقي كل أما حد يقولك كلمة عني تصدقيه من غير نقاش بالشكل ده.
دعاء: طيب أنا عايزة أعرف ليه بيعملو كده؟ حسن وحاتم وسارة، ليه؟
مالك: إنتي مش قولتي إن حاتم عايز يتجوزك؟ إعرفي إن حاتم لما بيحط حاجة في دماغه بيعملها مهما كانت الطريقة إيه، صح غلط حرام حلال، مش فارق، وفي إيدك تختاري طريقك، يا تصدقيه يا تصدقيني، وعلى العموم أنا برده هعمل اللي عليا وأثبتلك الحقيقة، مع إني متعودتش أدافع عن نفسي.


رفع هاتفه ليتصل بسارة ولكنها تمسكت بيده وقالت: إنت بتعمل إيه؟
مالك: هتصل بسارة وأسألها قدامك.
دعاء: لأ... متكلمهاش، مش هي كانت بتحبك؟ متكلمهاش.
مالك: ده ليه؟!
دعاء: عشان بغير أنا كمان.


نظر لها مالك بتعجب، ثم قال: لأ ده لعب عيال وأنا مش فايق ليه الصراحة.
دعاء: هو إيه اللي لعب عيال؟! بغير عليك فيها حاجة؟
مالك: طيب ما إنتي عارفة إني بغير عليكي، والمفروض اللي بيغير ده بيبقى بيحب، والحب من غير ثقة يا دعاء مش حب.
دعاء: وإنت ليه شايفها إني مش واثقة فيك، ده مجرد ما بسمع منك إنت الكلام بصدق من غير نقاش، زي دلوقتي كده، أنا مش محتاجة حد يأكد كلامك، طيب أنا عندي فكرة، تعالى ننسى كل اللي حصل إمبارح والنهاردة وإدينا فرصة نعرف بعض أكتر، خليني أعرفك كويس.
مالك: طالما قلت خلينا كده لحد ما أسلم المرحلة الأولى يبقى هعمل كده، عشان ساعتها هقدر أتكلم مع بشمهندس عاصم عننا، ومعنديش رأي تاني في الموضوع ده، أما بقى حكاية تصدقيني أو لأ فا ديه بتاعتك إنتي.


تركها وذهب، نظرت إلى أثره بضيق، فهو لا يسمع صوت آخر غير صوته هو فقط.
أدركت أن الحرب لم تعد بين الحقيقة والكذب بل بينها وبين قلبها.
لستِ قلبي... الفصل الرابع عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين


ليست كل الدموع ضعفًا فبعضها احتجاج صامت على ظلمٍ لم يجد له القلب تفسيرًا.
حين تُغلق الأبواب في وجه الحقيقة، وتُفتح النوافذ للشائعات ويصبح الحب متهمًا حتى يثبت العكس إن استطاع.
بين كلمةٍ كاذبة صدقها الخوف وصمتٍ اختاره الكبرياء، تنكسر الجسور التي بُنيت على مهل.
فهناك قلوب لا تعرف أن تدافع عن نفسها، وأخرى تفضل الرحيل على أن تُهان.
وفي اللحظة التي ظنت فيها دعاء أن الفراق هو النجاة كان هناك من يبتسم بسخرية، يُخبئ لها اختبارًا جديدًا؛ اختبارًا سيضع القلب أمام خيارٍ لا ثالث له: إما الثقة حتى آخر نبضة أو خسارة لا يُجدي معها الندم.


ارهقني الكبرياء... أذلني الفراق، بت أتمنى سماع صوتك، يالا هذا العقاب المميت، أراك أمامي كالماء وأنا الظمئان في عشقك... إرويني. 


طال الفراق، مضى ثلاثة أيام، رفض مالك أن يتحدث مع دعاء نهائيًا، هي تعدت على كرامته أكثر من مرة، لم تكن تعلم أن كبريائه قد يكون عقبة في علاقتهما، حتى جاء موعد حفل رجال الأعمال، واستعدت دعاء بثوب سهرة أحمر اللون، ولم تضع كثير من مساحيق التجميل، اكتفت بجمالها الطبيعي، وذهبت مع عاصم إلى الحفل، كانت تأمل أن ترى مالك هناك، ربما تكسر تلك القواعد الصارمة عندما يراها بتلك الهيئة.


وصلت إلى النادي ولفتت جميع الأنظار إليها، لم يراها أحد منذ وفاة ليث وها قد عادت وهي تلمع بين الحضور، وأول من اقترب منها هي نيرة، التي أحتضنتها بقوة وهمست داخل أذنها: نورتي الحفلة يا حبيبتي.
دعاء: شكرًا يا ماما منورة بيكي.
ابتعدت عنها والدموع داخل مقلتيها وقالت: أول ما شفتك حسيت إني هلاقي ليث داخل معاكي، كأن مكانه كان جنبك إنتي وبس.
تحمحمت دعاء بخجل من حديثها وقالت: الله يرحمه، عمري ما هلاقي حد يحبني زيه أبدًا، ولا حد حنين عليا زيه.


اخترقت تلك الجملة سمع مالك الذي دخل إلى الحفل للتو، وبجواره يامن الذي سمعها أيضًا ولاحظ تعابير وجه مالك التي بدى عليه الغضب، فهمس له: ما هو أكيد بوشك ده هتفتكر ليث يعني، يا ابني البت عمالة تجيلك يمين وشمال وإنت قافل في وشها، قولي طيب عملت إيه؟
مالك بضيق: خلاص يا يامن بقى، أنا مش عايز اتكلم في الموضوع، وتعالى نبعد عنهم مش عايز لا أسلم عليها ولا عليه، خليها فرحانة بيهم.


مر بجوارهم ولم يلقي التحية، وعندما رأته دعاء تعجبت من تصرفه، لم ينظر إليها على الإطلاق، وقطع تلك النظرات قول عاصم الغاضب: شايفة قلة الذوق، ولا حتى سلم علينا. 
نظرت نيرة إلى مالك ثم عادت النظر إليهما وقالت: مين ده؟ 
عاصم: ده غلطتي، مالك العشري اللي استلم المشروع الأخير، ما أنا قولتلك على الموضوع ده من يومين. 
نيرة: اه صح، لو كان عمران هنا كان عرف يبهدله كويس، إنت طيب برده يا عاصم. 
عاصم: مش طيبة ولا حاجة، بس هو مسكني من إيدي، قالي ملكش تحاسبني غير لو جيت تستسلم مني ولقيت شغلك مش مظبوط أو متأخر. 
نيرة: باين عليه قليل الذوق. 
كانت دعاء تنظر له بغضب، فأردفت بضيق: جدًا. 


ابتسمت نيرة بداخلها عندما سمعت حديثها عنه، علمت أن حاتم قد استطاع أن يوقع بينهما. 


بعد وقت، كان مالك يقف على أحد الطاولات وعلى مقربة منه تقف دعاء وعاصم، ورأى حاتم يقترب منهما ومعه هاجر وظهرت من خلفهما سارة، حين رأت مالك يقف أمامها ورأت نظرته التي توجهت لها على الفور، وقفت وهي تشعر بالخوف، هي تعلم أنها اتهمته اتهام شنيع، وعلمت أن دعاء قد تركته لهذا السبب، فكانت كالقتيل يواجه من قتله دون سابق إنذار،  يتلقى نظرات اللوم والعتاب وهو عاجز عن الدفاع عن نفسه، فليس هناك مبرر لما فعلته سوى إنها ضعفت أمام حديث هاجر وأيضًا شعورها بالغيرة بأنه فضل دعاء عليها بينما هي رفضها. 


نظرت هاجر خلفها ورأت سارة ومالك يتبادلان النظرات، فعادت إلى الخلف وجذبتها من يدها بغضب، لينقطع ذلك الاتصال البصري بينهما، اقترب حاتم من عاصم بابتسامة هادئة ، ثم صافحهما وقال: إيه القمر ده يا دعاء!
عاصم: لأ لأ مش قدامي، أنا بغير على بنتي. 
حاتم: معلش يا بشمهندس، بس مين يقدر يقف قدام الجمال ده كله ويسكت؟!
عاصم: الصراحة مفيش. 


ضحكا معًا وشعرت دعاء بالخجل، فابتسمت ونظرت إلى الأسفل وهي تحاول أن تخبئ وجهها الذي غمره اللون الأحمر، تحت نظرات مالك الذي يتابعها من بعيد، والغيرة تنهش بقلبه بمجرد أن رأى حاتم يقترب منها، لاحظ يامن ما يحدث فقال: هو حاتم بيهزر معاها كده ليه؟
مالك: عايز يتجوزها. 
نظر له مالك بصدمة وقال: ده إزاي يعني؟ هو إيه أي حاجة لازم يدخل فيها منافسة معاك، أنا مش فاهم البني أدم ده بيفكر إزاي؟ وإيه الحقد ده كله من ناحيتك؟
مالك: شوف بقى كل اللي إنت بتقوله ده ودعاء بتدافع عنه، كل أما أحاول أفهمها إن حاتم ده مش كويس تقعد تقولي لا حاتم ميعملش كده. 
يامن: ما أنا عارف إنهم أصحاب من زمان، بس ضحكها ده معناه إن هي موافقة عليه. 


زاد هذا الحديث من غيرة مالك، والتي لاحظتها دعاء ولكن فكرت بأن تزيد من غيرته عله يأتي ويتحدث معها، فظلت تتحدث مع حاتم وهو يراقبها. 


كانت سارة تراقب مالك باشتياق، وترغب في أن تبلغه حقيقة ما حدث، أمسكت هاتفها وأرسلت له رسالة، انتبه مالك إلى هاتفه وفتح الرسالة: "قابلني عند البسين."


رفع عينيه ونظر لها ثم تنهد وقال ليامن: هدخل الحمام وأجي. 
ذهب مالك ولحقت به سارة تحت نظرات دعاء التي أشعلت فتيل الغيرة. 


كانت سارة تلحق به وقلبها ينتفض من الخوف من مواجهته، وقفت أمامه وهو ينظر إليها بصرامة شديدة، عيناه حادة النظر كأنها تطلق رصاص يخترق قلبها على الفور، ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت: أنا.... عارفة إن إعتذاري مش هيفيد بحاجة، بس أنا بجد أسفة. 
مالك: مش شايف أي مبرر يخليني أقبل الإعتذار ده خالص. 
سارة: لأ هو فيه، بس أنا مش عايزة أقول حاجة تضايقك زيادة. 
مالك: لأ قولي. 
سارة: بص... هي ماما ضغطت عليا بصراحة أقول كده عشان حاتم بيحب دعاء وعايز يتجوزها، وهو حاسس إنك بتاخدها منه. 
مالك: إيه علاقة ده بيكي؟ وليه توافقي تساعدي أخوكي بالطريقة ديه، اه هو ممكن تساعديه بس مش كده. 
سارة: هي شافت إن ديه الطريقة يعني بس أنا مكنتش موافقة، هي بقى قعدت تقولي هو رفضك عشانها ولازم تاخدي حقك. 
مالك: وخدتيه؟! 
سارة: أنا مش كده أصلًا يا مالك، إنت عارفني وكنا زمايل قبل ما ترفضني، ومن بعد ما حاتم عرف وخرجني من الجامعة وأنا محاولش أتدخل في حياتك ولا أظهر فيها، لو ديه أنا كنت حاولت أعمل كده من زمان، لكن أنا بعدت عشان ديه مشاعري أنا وإنت مغلطش في حاجة عشان انتقم منك، وعلى فكرة كل مرة بتيجي سيرتك قدامي بقولهم نفس الكلام، مالك مغلطش في حقي في حاجة. 
مالك: ثواني بس، هو إنتي بعدتي عني عشان رفضتك بس؟! 
سارة بتعجب: هو المفروض يبقى فيه سبب تاني؟! 
مالك: اللي أعرفه إن فيه سبب تاني، حاتم جيه قالي إنك مش بتحبيني أساسًا والكلام اللي صاحبتك قالته ده قديم، وإنك شيلتي الحوار من دماغك لما عرفتي إني مريض.
سارة بصدمة: مريض؟! إنت مريض؟! 
مالك: كنت يعني، خلاص خفيت، بس أنا كده فهمت، حاتم عمل كده عشان يرد كرامتك وميبقاش حاسس إني رفضتك. 
سارة: مش فاهمة، وبعدين مريض إزاي؟! كان إيه مرضك يعني. 
مالك: قلب، وعملت عملية وخلاص بقيت كويس. 
سارة: أنا مكنتش أعرف حاجة عن الموضوع ده، بس ده مش سبب البعد عنك أكيد، أنا أهلي بيضغطو عليا أوي يا مالك وأنا مكنتش عايزة أعمل ده معاك، مش عايزة أئذيك، عايزاك تحب وتعيش حياتك وأنا كويسة طول ما أنت كويس، وأسفة مرة تانية على اللي حصل، ولو عايزني أروح أقول لدعاء الحقيقة هعمل كده.
مالك: لأ هي دعاء صدقت إني معملتش حاجة من اللي إنتي قولتيها، وخلاص الموضوع خلص، أنا بس كنت محتاج أفهم إنتي عملتي كده ليه وخلاص فهمت، ومش زعلان منك عشان مستوعب حاتم ومدام هاجر بيعملو كده ليه، المهم متخليش حد يضغط عليكي وتعملي حاجة ضد مبادئك تاني. 
سارة: لأ حرمت، أنا بقالي كام يوم مش بنام بسبب الموضوع ده، وفرحانة إني إتكلمت معاك واعتذرتلك. 


في هذه الأثناء كانت دعاء تنظر بالإتجاه الذي ذهبا إليه معًا وهي تشعر بالضيق، نظر لها عاصم وقال: حبيبتي زعلانة ليه؟ تيجي نرقص سوا؟
دعاء: نرقص يا حبيبي.
رقصا معًا تحت نظرات كل المتواجدين، وبعد قليل عاد مالك إلى مكان الحفل، ولاحظ أن دعاء ترقص مع والدها، وقف يتأملها وهي تتمايل بخفة بين يديه، فراشة ترفرف؛ وبرغم أجنحتها الخفيفة إلا أنها كانت كفيلة أن تحرك الهواء من حولها، أصبح كالأعصار يضرب ذلك القلب العاشق السجين بأمر صاحبه، معذب بهذه القيود التي وضعها حوله. 


قاطع ذلك التأمل صوت أحد الشباب يتحدث مع صديق له فقال أحدهم: دعاء رجعت تاني أخيرًا، من ساعة موت ليث وهي مختفية خالص. 
أجابه آخر: بس راجعة زي القمر، ولا لأ هي طول عمرها قمر. 


نظر لهما مالك نظرة أرعبتهما، فنظرا إلى بعضهما البعض بخوف، وعاد مالك النظر إلى دعاء ليجد حاتم يقترب منها وهو يسترق النظر إليه، ثم همس إلى عاصم: تسمحلي يا بشمهندس أرقص مع دعاء؟
عاصم : طبعًا يا حاتم.


ارتبكت دعاء من داخلها ونظرت إلى مالك بتوجس، ثم لمحت سارة تعود إلى المكان من خلفه، وتأكدت من أنها كانت معه لذا عزمت أن تذيقه من نفس الكأس، مدت يدها وأمسكت يد حاتم الذي اقترب منها ووضع يده الأخرى حول خصرها.
هل هناك بشر يطلقون النيران من بين أعينهم؟! 
كانت نظرة مالك كفيلة بأن تحرق كل ما حولهما، لاحظت دعاء نظراته ولم تستطع أن تخفي خوفها فارتعشت وارتبكت بين يدي حاتم فقال: مالك متوترة ليه كده؟
دعاء: ها... لأ مفيش حاجة.


حاول ذلك الوحش الخامل أن يسيطر على مشاعره ولكن بلا جدوى، لم يشعر بذاته وهو يقترب منهما بغضب وجذب يدها من يده، فزعت دعاء مما فعل، وبدأ الناس من حولهما يتهامسون بتعجب، أما ذلك المالك فكان يسلط بعينيه على حاتم بغضب وقال: بطل الحركات ديه شوية، أنضف شوية بقى عشان بدأت أقرف حتى أبص في وشك، إنت معمول من إيه نفسي أفهم؟
حاتم بغضب: إنت بتتكلم معايا أنا كده؟! 
مالك: اه معاك إنت، مين إنت أساسًا، إنت بني أدم عايز ياخد كل حاجة في الدنيا وخلاص مش مهم على حساب مين ولا إيه الغلط وإيه الصح، وأنا كل ده ساكت ومش عايز أعمل حاجة عشان عارف إن نهايتك هتيجي هتيجي، زيك زي أمثالك بالظبط، بس لحد دعاء ومش هسكت، لو قربت منها تاني يا حاتم مش هيحصلك كويس. 


اقترب منهم عاصم وجذب يد دعاء من يده بعنف، وقال له: إنت بتدخل بينهم ليه؟! واحدة بترقص مع خطيبها إنت زعلان ليه؟
نظر مالك إلى دعاء التي تنظر إلى والدها بصدمة وقالت: لا حاتم مش خطيبي. 
مالك: أنا فيه حاجات كتير منعاني أتكلم دلوقتي أولها إني مش بحب أدافع عن نفسي بس بستنى أشوف نظرة الندم في عين كل واحد فكر فيا غلط، وديه مش شماتة بس بحب أفعالي تثبت إني صح واللي قدامي هو اللي غلط، بس أنا هقولك حاجة قبل ما أمشي، دعاء بتاعتي حتى لو لفت الدنيا كلها هترجعلي في الآخر، وبالنسبة لخطوبتها على حاتم إنت أول واحد هيندم، فا بلاش تعمل في نفسك كده يا بشمهندس. 


تركهم وذهب، ودعاء تنظر إلى أثره بسعادة، شخصيته الفريدة تزلزل قلبها بقوة، تاركًا ذلك الغاضب وذلك المتعجب ينظران إلى بعضهما البعض، مالك قد أعلن ملكيته لها أمام الجميع... فهل ما يظنه حقيقيًا أم أمل زائف؟
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.