قيد من حرير | الفصل الاول : نحو المجهول
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

قيد من حرير | الفصل الاول : نحو المجهول

جاري التحميل...

الفصل الاول : نحو المجهول

يقولون إن الضوء لا يحرق إلا من اعتاد العيش في الظلال، لكنهم نسوا أن الضوء المبهر قد يعمي البصر حتى نرى السراب حقيقة. كانت "ليلى" تعيش في عالمٍ من الزجاج؛ كل شيء فيه براق، شفاف، وقابل للكسر عند أول حجرٍ يلقيه القدر. ظنت أن المتابعين هم "الجيش" الذي سيحميها، وأن "اللايكات" هي صكوك الغفران لخطاياها الصغيرة. لم تكن تعلم أن الجمهور الذي يصنع منكِ إلهاً، هو نفسه الذي يستمتع بمشاهدة صلبكِ حين يمل من العرض. في ليلةٍ واحدة، انكسر الزجاج، وتناثرت الشظايا لتجرح كل من يحمل اسمها. سقطت "أيقونة الجمال" في وحل الفضيحة، لتكتشف أن العاصمة التي احتضنتها، هي أول من لفظتها. وعلى الجانب الآخر من الوجع، كان هناك "فارس". رجلٌ لم تلوثه أضواء المدينة، ولم تخدعه المظاهر. هو ابن الأرض التي لا تعطي ثمارها إلا لمن يعرق فوقها، وابن الجبال التي لا تنحني للريح. كان يعيش في صمته الاختياري، يربي ابنته ويدفن ذكرياته في تراب المنيا، حتى جاءه النداء: "ابنة عمك في خطر، وعرضك يحترق في ساحات السوشيال ميديا". لم يأتِ فارس لينقذها حباً، بل جاء ليغسل عاراً رآه يلطخ اسم عائلته. جاء ليأخذها من "جنة" الزيف إلى "جحيم" الحقيقة. هناك.. حيث لا توجد فلاتر لتجميل القبح، ولا شاشات لإخفاء الدموع. هناك.. حيث ستتعلم ليلى أن الحرير لا يدفئ القلوب الباردة، وأن القوة ليست في عدد المشاهدات، بل في القدرة على الوقوف وحيدة أمام عاصفة الجنوب. هي.. هاربة من فضيحة لا ترحم. وهو.. سجانٌ يرتدي قناع المنقذ. وبينهما طفلة يتيمة، وأسرارٌ تهمس بها جدران القصر القديم، وحكاية عشقٍ لن تولد إلا بعد أن تموت ليلى القديمة.. وتُبعث من جديد

تحميل الفصول...
المؤلف

كان الضوءُ الأزرق المنبعث من شاشة الهاتف يخترقُ عتمة الغرفة كخنجرٍ بارد في تلك اللحظة، لم تكن "ليلى عاصم" ترى سوى الأرقام التي تتزايد بجنون؛ أرقام المشاهدات، التعليقات، والمشاركات. لكنها لم تكن أرقام "النجاح" التي اعتادت أن تفتخر بها أمام مرآتها، بل كانت مسامير تُدق في نعش سمعتها.


الفيديو كان قصيراً، ثلاثون ثانية فقط، لكنها كانت كافية لقلب حياتها رأساً على عقب لقطاتٌ مُجتزأة من سهرةٍ خاصة، تم التلاعب بإضاءتها وزواياها لتظهر ليلى في حالةٍ لا تليق بابنة "آل المنشاوي" كانت التعليقات تنهال كالسياط: "سقط القناع"، "هذه هي قدوتكم؟"، "نهاية الغرور".


ارتمت ليلى على سريرها الوثير، وشعرت بأن الغرفة تضيقُ بها. الزمالك، ذلك الحي الهادئ الذي لطالما شعرت فيه بالأمان، بدا الليلة كأنه ساحة إعدام انفتح البابُ فجأة دون استئذان، ودخل شقيقها الأكبر "زياد" كان وجهه شاحباً، وعيناه تلمعان بغضبٍ مكتوم.


- "هل أنتِ سعيدة الآن؟" قال زياد بصوتٍ يرتجف من الانفعال "والدكِ ينهار في الأسفل، وهواتفنا لا تتوقف عن الرنين حتى أصدقاؤنا.. أولئك الذين كانوا يتسابقون لرضاكِ، هم الآن أول من ينشرون الفضيحة."
- "زياد.. أقسم لك، الفيديو مفبرك أنا لم أكن...."
- "لا يهم ما كنتِ عليه يا ليلى!" قاطعها بحدة وهو يضرب بيده على الطاولة"في عالمنا، الحقيقة هي ما يراه الناس، والناس رأوا ابنة عاصم المنشاوي في وضعٍ مخزٍ لقد دمرتِ كل شيء.. صفقات والدي، اسم العائلة، وحتى مستقبلي أنا."


خرج زياد وأغلق الباب خلفه بقوة هزت أركان الغرفة شعرت ليلى بالوحدة تنهشُ قلبها هي التي يتابعها الملايين، لم تجد نفساً واحداً يصدقها.


***
كان الجو في فيلا الزمالك مشحوناً بالتوتر. ليلى كانت تجلس في زاوية الصالون، ترتدي ثوباً أسود بسيطاً، وقد جردت وجهها من كل مساحيق التجميل، فبدت كطفلة ضائعة فجأة، ساد الصمت مع دخول "فارس".


لم يكن فارس كما تذكرته ليلى في طفولتها كان قد أصبح رجلاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى طولٌ فارع، جسدٌ رياضي صلب، وملامح سمراء حادة نحتتها شمس الصعيد. كان يرتدي قميصاً زيتياً وبنطالاً أسود، وعيناه الصقريتان تجولان في المكان ببرودٍ مستفز.


تجاهل فارس ليلى تماماً في البداية، وتوجه نحو عمه وقبل يده باحترام:
- "حمد لله على سلامتك يا عمي لا تحمل هماً، نحن رجال ونعرف كيف نصون بيوتنا."


التفت فارس نحو ليلى كانت نظراته كفيلة بجعلها تشعر بالصغر لم ينطق بكلمة إعجاب، بل قال بنبرة جافة:
- "جهزي حقائبكِ سنغادر في الفجر ولا تضعي في حقائبكِ سوى ما يستر، فالمكان الذي ستذهبين إليه لا يعرف (الموضة) التي تفتخرين بها."


اشتعلت ليلى غضباً وقالت بصوتٍ مرتعش:
- "أنا لستُ مجبرة على الذهاب معك! والدي لا يمكنه."
- "والدكِ فعل ما يجب فعله." قاطعها فارس وهو يقترب منها حتى شعرت بأنفاسه القوية "وأنا وافقت على هذا الزواج ليس حباً فيكِ، بل تقديراً لهذا الرجل الذي انحنى ظهره بسبب طيشكِ في بيتي، ستتعلمين أن قيمة المرأة في جوهرها، لا في عدد (اللايكات) على شاشتها."


***


بعد 6 ساعات من الجحيم، كانت الصالة الكبرى في فيلا الزمالك مهيأة لحدثٍ لم يكن يشبه الأعراس في شيء لم تكن هناك زغاريد، ولا ورود، ولا معازيم يتسابقون لالتقاط الصور كان هناك فقط "المأذون"، ووالدها المنكسر، وشقيقها الغاضب، والرجل الذي جاء ليأخذها كأنه يشتري قطعة أرضٍ متنازع عليها.


دخلت ليلى الصالة بخطواتٍ ثقيلة، كانت ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً، لكنه بدا عليها كأنه كفن لم ترفع عينها عن الأرض جلست في مواجهة "فارس المنشاوي"كان يجلس بجمودٍ مخيف، يرتدي حلته السوداء بوقارٍ لا يتناسب مع عمره الثلاثيني، وعيناه الصقريتان تراقبان كل حركة في المكان ببرود.


وضع المأذون الدفتر أمامهما سأل عاصم بصوتٍ متهدج: "هل أنتِ موافقة يا ابنتي؟"
نظرت ليلى إلى والدها، رأت في عينيه توسلاً لم تره من قبل كان يطلب منها أن تنقذ ما تبقى من كرامته بلعت ريقها المر وقالت بهمس: "موافقة".


وضع فارس يده في يد عاصم كانت يد فارس خشنة، قوية، تنم عن رجلٍ اعتاد العمل والقيادة، بينما كانت يد عاصم ترتجف ردد فارس كلمات المأذون بصوتٍ رخيم، ثابت، لم تهتز فيه نبرة واحدة وحين قال المأذون جملته الشهيرة "بارك الله لكما وبارك عليكما"، شعرت ليلى بأن حبل المشنقة قد لُف حول عنقها.


قام فارس، ولم يلتفت إليها ليبارك لها أو يبتسم بل نظر إلى عمه وقال:
- "انتهى الأمر يا عمي ليلى الآن في ذمتي، واسمي سيحميها من أي لسان يتجرأ عليها هيا يا ليلى، السيارة في الخارج."


***


في الرابعة فجراً، كانت السيارة تشق طريق الصعيد ليلى كانت تنظر من النافذة إلى أضواء القاهرة التي بدأت تتلاشى، وشعرت وكأنها تودع حياتها السابقة للأبد فارس كان يقود بصمتٍ مطبق، يداه القويتان تقبضان على المقود بثبات.


- "هل حقاً انت متزوج؟" سألت ليلى فجأة لتكسر الصمت.
نظر إليها فارس بطرف عينه وقال ببرود: "كنتُ متزوجاً زوجتي توفيت منذ ثلاث سنوات."
- "وهل كنت تحبها؟"
توقف فارس بالسيارة فجأة على جانب الطريق، ونظر إليها بعينين تشتعلان غضباً:
- "اسمعي يا ليلى.. حياتي الخاصة خط أحمر  زوجتي كانت امرأة صالحة، لم يعرف الناس لون عينيها. أما أنتِ، فداخله لبيتي لتكوني أماً لابنتي (نور)، وزوجة تحمل اسمي أمام الناس لا تسألي عن الحب، فالحب لا يولد في بيئة ملوثة كبيئتكِ."


أكمل طريقه دون أن ينطق بكلمة أخرى، تاركاً ليلى تغرق في دموعها الصامتة.


***


مع خيوط الفجر الأولى، بدأت تظهر ملامح "عزبة المنشاوي" مساحات شاسعة من اللون الأخضر، نخيلٌ يعانق السماء، وقصرٌ قديم مبني من الحجر الجيري الأبيض ينم عن ثراءٍ فاحش وأصالةٍ عريقة.


عند مدخل القصر، كان هناك حشدٌ من الخدم والعمال الذين وقفوا لاستقبال "سيدهم" وعروسه الجديدة نزلت ليلى من السيارة، وشعرت بالعيون تلاحقها كانت تشعر بأنها غريبة، كطائرٍ ملون سقط في غابة من الصقور.


دخلت القصر، لتجد "مريم"، شقيقة فارس الكبرى، بانتظارها كانت امرأة في الثلاثينيات، ترتدي عباءة سوداء أنيقة، وعلى وجهها ابتسامة فاترة.
- "أهلاً بكِ يا ليلى في بيتكِ." قالت مريم بنبرة هادئة "فارس أخبرنا بكل شيء لا تقلقي، نحن هنا عائلة واحدة، وسنساعدكِ لتنسي ما حدث."


في تلك اللحظة، ركضت طفلة صغيرة نحو فارس، وارتمت في حضنه:
- "بابا! هل أحضرت لي اللعبة؟"
حملها فارس بحنانٍ مفرط، وتغيرت ملامحه القاسية تماماً قبلها وقال:
- "أحضرت لكِ ما هو أفضل من اللعبة يا نور.. أحضرت لكِ (ليلى)، ستعيش معنا من الآن."


نظرت الطفلة "نور" إلى ليلى بعينين واسعتين تشبهان عيني فارس تماماً اقتربت منها ببطء وقالت:
- "هل أنتِ جميلة مثل الصور التي في هاتف عمتي؟"


ارتبكت ليلى، وشعرت بغصة في حلقها فارس نظر إليها بحدة وكأنه يحذرها من نطق أي كلمة تخدش براءة ابنته.


***


قادها فارس إلى جناحها الخاص كان جناحاً واسعاً، أثاثه من الخشب المحفور يدوياً، ورائحة البخور والياسمين تملأ المكان.
- "هنا ستنامين." قال فارس وهو يضع حقيبتها "نور تنام في الغرفة المجاورة.
 أريدكِ أن تقضي معها وقتاً طويلاً. هي تحتاج لأم، وأنتِ تحتاجين لأن تتعلمي كيف تكونين إنسانة مسؤولة."


- "وانت؟ أين ستنام؟" سألت ليلى بتوجس.
ابتسم فارس بسخرية: "لا تقلقي.. أنا لا أنام مع امرأة لا تحترم نفسها سأكون في غرفتي بالجانب الآخر من الجناح زواجنا هو (اتفاق حماية) فقط، حتى يشاء الله أمراً كان مفعولاً."


خرج فارس وأغلق الباب، لتجد ليلى نفسها وحيدة وسط هذا السكون القاتل توجهت نحو الشرفة، ونظرت إلى الأراضي الممتدة أمامها لم يكن هناك صخب سيارات، ولا أضواء نيون، فقط صوت الرياح وهي تداعب أوراق الشجر.


جلست على طرف السرير، وشعرت بثقل المسؤولية هي التي لم تكن تهتم سوى بماركة حقيبتها ولون طلاء أظامرها، أصبحت الآن مسؤولة عن طفلة يتيمة، وزوجة لرجل يراها "خطيئة" يجب التكفير عنها.


وفي منتصف الليل، سمعت صوت بكاءٍ خفيض يأتي من الغرفة المجاورة قامت ليلى بتردد، وفتحت الباب لتجد "نور" جالسة على سريرها وتبكي بصمت.
- "ما بكِ يا نور؟" سألت ليلى وهي تقترب منها بحذر.
- "أنا خائفة.. ماما كانت تأتي لي في الحلم، لكنها اليوم لم تأتِ."


شعرت ليلى بشيءٍ يتحرك في صدرها لأول مرة جلست بجانب الطفلة ووضعت يدها على شعرها:
- "لا تخافي.. أنا هنا. هل تريدين أن أحكي لكِ قصة؟"
نظرت إليها نور بلهفة: "هل تعرفين قصصاً غير قصص الهواتف؟"


ابتسم ليلى بمرارة: "سأحكي لكِ قصة فتاة كانت تظن أنها تملك العالم، فاكتشفت أنها لا تملك حتى نفسها."


وبدأت ليلى تحكي، وبينما كانت نور تغط في النوم، كان فارس واقفاً خلف الباب الموارب، يراقب المشهد بصمت كانت ملامحه لا تزال جامدة، لكن في أعماق عينيه، كان هناك سؤالٌ بدأ يطرح نفسه: هل يمكن لهذا "الجمال الزائف" أن يحمل قلباً حقيقياً؟


يتبع...
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.