الفصل العشرون: قبضة المعلم | سراب II
الفصل العشرون: قبضة المعلم
.........
في اليوم ذاته، عاد سراب إلى قاعة التدريب دون أن يعلن حضوره.
لم تُسبق خطاه بهالة، ولم يترك ظلًا يدل عليه. كان هناك، كاملًا، وغير موجود.
إيلان لم يشعر به.
كان يقف في منتصف الساحة، وحده، كتفاه مشدودتان أكثر من اللازم، أنفاسه غير منتظمة، كأن الهواء لا يدخل رئتيه بالقدر الكافي. هالته الأرجوانية كانت مضطربة، لا تنفجر ولا تخمد، تتحرك حوله في موجات قصيرة متقطعة، مثل شخص يحاول الصراخ وهو يضغط على فمه.
راقبه سراب بصمت.
لاحظ التفاصيل التي لا يراها أحد حين يكون حاضرًا، طريقة شدّ إيلان لقبضته قبل أي حركة، تردده قبل الهجوم، ثم اندفاعه المفاجئ كأنه يعاقب نفسه على التردد. الشرود الذي يسبق كل محاولة، ذلك الشرود الذي لا علاقة له بالتركيز، بل بالهروب.
اندفع إيلان للأمام، أطلق هالته دفعة واحدة، ضرب الهواء، لا هدف، لا خصم اصطدمت القوة بالأرض، ارتدّت، جعلته يتراجع نصف خطوة. زمجر بغضب مكتوم:
- تبًا...!
لم يكن الغضب موجّهًا للعالم بل لنفسه. رآه سراب يكرر الحركة، مرة، مرتين، ثلاث. في كل مرة كان يخطئ التوقيت. في كل مرة كان الألم في عينيه يسبق الجسد.
شدّ سراب فكه، كان يعرف هذا الاضطراب، هو ذاته الذي عاش فيه طويلًا، حين كان التدريب عقابًا، لا طريقًا.
جلس إيلان على ركبتيه فجأة، كأن الجسد خان صاحبه، أنزل رأسه، أنفاسه تتسارع، الهالة تنكمش حوله بعنف، ثم تنفلت.
ضرب الأرض بقبضته:
- ليس كافيًا.
قالها بصوت مبحوح.
- لن أكون كافيًا أبدًا.
تحرك سراب خطوة، ثم توقف. لم يظهر نفسه بعد، لم يكن هذا وقت التدخل. كان عليه أن يرى إلى أي حد سيصل هذا الاضطراب وكم سيكلفه.
نهض إيلان ببطء، مسح وجهه بكمّ ذراعه، كأن لا أحد يجب أن يرى ما انكشف. أعاد الوقوف، اتخذ وضعية التدريب من جديد.
شعر بوخز خافت في صدره، ذلك الوخز الذي لا يعلم هل هو بسبب نقصان قوته أو بسبب وضعه ذلك الثقل على كتفي إيلان.
قال في نفسه بصوت لا يسمعه أحد:
- الآن فهمت.
ثم أضاف:
- لم أكسره كما كنت أريد، بدأ ما كان نائمًا داخله أن يوقظ.
في تلك اللحظة فقط أظهر نفسه، وانتقل لحظيًا لموقع إيلان. من كان قبل لحظات يشكو من ضعفه وعدم قدرته أصبح أمام مدربه صامتًا خاضعًا ينتظر أوامره وتعليماته الجديدة.
استغرب سراب لكنه لم يبدي، بل أكمل خطته، فعل هالته بقوة وبلا أي مقدمات واندفع نحو إيلان ليتبادلا الضربات.
لم يكن سراب يهجم بقوة بقدر ما كان يسمح لإيلان بإخراج كل ما بداخله من قوة، لكن وبسبب قلة خبرته لم يستطع توجيه ضربة واحدة صحيحة نحو سراب. حينها تذكر اللقاء الأول مع عاصف مرة أخرى لكنه لم يكن ليسمح بالحزن أن يسيطر عليه في هذا الوقت تحديدًا.
عليه أن يبقى قويًا أمام متدربه، بالرغم من رؤيته لذاته القديمة أمامه. قال بينما يتفادى ضرباته بسهولة بالغة:
- لا تترك الغضب يقودك. اجعل القوة تنساب، لا تنفجر.
بدا من ملامح إيلان أنه يحاول فهم ما يقصده فأكمل:
- أغمض عينيك وركز قوة هالتك لتنتشر في أنحاء جسمك كاملًا، تخيل وصولها لكل عضلة وتغلغلها في دمك.
توقف إيلان عن الحركة وكذلك سراب توقف عاقدًا يديه خلف ظهره. أغمض إيلان عينيه وبعد لحظات من الصمت الثقيل، سكن الهواء من حوله. هالته الأرجوانية الجامحة غير المستقرة بدأت تنساب بأريحية حول جسده.
ابتسم سراب ابتسامة لم يلحظها إيلان بفضل عينيه المغلقتين، وفجأة، اختفى إيلان من أمامه ليظهر على بعد خطوة واحدة من سراب ويسدد لكمة سريعة نحوه لكنها لم تصبه فقد تفاداها كأنه توقع مسارها.
توالت اللكمات والضربات بينما يتفادى سراب بأريحية بفضل فارق القوة بينهما، أمام إيلان الذي كان مضطربًا أصبح هادئًا ولكماته وضرباته أكثر اتزانًا.
تراجع إيلان للوراء بسرعة ودرس بعينيه الحادتين وقفة سراب بحثًا عن أي ثغرة تمكنه من الوصول لمبتغاه.
قال سراب باتزان:
- هل كنت تعلم أنك يمكنك شحذ قوة هالتك على هيئة سيوف أو أدوات تساعدك؟
تذكر إيلان تلك المعلومة التي أخبره هلال بها ذات مرة وهو يخبره عما حدث في الحرب الأخيرة. بالفعل ركز قوته وشحذ جزءًا بسيطًا منها في يد وفي اليد الأخرى كون سيفًا من هالته.
أما سراب فشحذ في يديه جزءًا من قوته ليصد بهما ضرباته، مرة أخرى وبنفس الهدوء السابق، اختفى إيلان بشكل متكرر وظهر في أماكن متفرقة من حوله فما كان لسراب إلا أن يغمض عينيه ليشعر باندفاعات إيلان.
لكن إيلان فاجئه، فقد دفع السيف نحو قلبه تحديدًا من الخلف ثم اختفى وظهر أمامه وقذف كرة من الطاقة نحوه من الأمام كي لا يصبح لسراب أي مهرب سوى اليمين أو اليسار.
أعجبته خطته ففاجئه بخطة مماثلة وبدل الهروب انتقل خلفه مباشرة ووضع اصبعيه على عنقه.
تفاجأ إيلان، فقال سراب ببرود:
- الحرب خدعة والبقاء للأذكى قبل الأقوى. لكن، وفي كل الحالات.. ما زال أمامك طريق طويل لتصل إليّ.
أجاب إيلان بنبرة جعلت سراب يعيد التفكير:
- كما قلت، البقاء للأذكى.
تبخر إيلان من أمامه، أو بمعنى أدق، تبخرت نسخة إيلان التي صنعها ليحل سراب محل إيلان ويصبح إصبعي إيلان على عنقه هو. قال إيلان بنبرة باردة:
- شكرًا على النصيحة معلمي، لكن، أنا دائمًا أسبق غيري خطوة.
بقي سراب واقفًا مكانه دون أي حركة، صمتٌ ثقيل عم المكان للحظات قليلة والهواء من حولهما ثائر على النقيض مع هدوئهما المكتسب.. قال سراب ببرود:
- ملاحظات هلال عن الحرب الأخيرة؟ أحسنت.
- قد أكون خاسرًا لمعركة لكن فالنهاية، سأظفر بالحرب.
- الحرب؟ عن أي حرب تتحدث؟ أوه لقد فهمت، أبشرك بخسارتها.
اختفت نسخة سراب من أمامه ليظهر سراب الحقيقي من خلفه وإصبعيه على عنقه، لكن هذه المرة كانت عيناه تتوهجان بقوة، حادتين وهادئتين على نحو مرعب. صُدم إيلان من التحول المفاجئ وتصلب جسده.
في داخله أصبح موقنًا بخطورة ما هو مقبل عليه في الأيام القادمة.. وقبل أن ينطق بكلمة، اندفعت في المكان مرة أخرى وظهر المشهد نفسه أمام عينيه..
راقب إيلان المشهد مرارًا وتكرارًا، مرارًا وتكرارًا..
عند نهايته كل مرة كان يُعاد بلا توقف، مرة بعد أخرى. وإيلان مقيد لا يقو على الحركة.. قدرته على التحمل كانت تندثر أمام ذلك المشهد، وذلك بالتحديد ما كان سراب يريده، يريد أن يدفع به إلى حدوده. سيبقى يدفع به حتى يصير المشهد بالنسبة إليه أمرًا عاديًا.
أُغمي على إيلان من شدة الإنفعال الذي لم يستطع إخراجه حتى بالدموع.
وقف سراب أمام جسد إيلان الملقى على الأرض. بداخله لم يكن راضيًا عما يفعل به، لكن لا خيار آخر أمامه. بالطبع الإشفاق على إيلان كان أمرًا لا يمكنه إنكاره داخله، ولكن، بم سيفيد الندم والتساهل معه إذا استخدم ثامر مثل تلك الطرق الملتوية عليه؟
لم يبالِ إن كرهه إيلان في المستقبل، لم يبالِ إن كان قاسيًا في نظره.
حمل جسده الملقى على الأرض وسار نحو الكوخ الذي كان يومًا خاصًا به. دخل الكوخ ومدد جسد إيلان على السرير ثم هبط للطابق السفلي وجلس أمام المدفأة على الكرسي الخشبي الكبير بلا أي حراك.