نوفلو | Novloo: yBZKvoIY5mYJbJmvpUzUIlIQdbv2
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

أنتِ الأمان نور

"إلى صديقتي… لم أكن يومًا أبحث عن الأمان، ولم أتخيل أن أجده صدفة في طريق قلبي. كنت أظن أن الأمان شيء بعيد، شيء نبحث عنه طويلًا بين الناس والأيام، لكنني اكتشفت معكِ أن بعض النِعَم لا نبحث عنها… بل يرسلها الله إلينا في الوقت الذي تكون فيه قلوبنا في أمسّ الحاجة إليها. حين عرفتكِ، أدركت أن بعض اللقاءات ليست مجرد صدفة عابرة،

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

سراب II الفصل الثالث والعشرون (الأخير): رحلة إيلان

جاري التحميل...

الفصل الثالث والعشرون (الأخير): رحلة إيلان

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

لم يرفع صوته، لم يحتج إلى كلماتٍ صاخبة. كانت الحروف التي خرجت من فمه منخفضة، متقطعة، كأنها لا تُقال بل تُستدعى من مكان أقدم من اللغة نفسها. الرموز المنقوشة على الأرض بدأت تتوهّج واحدًا تلو الآخر، ضوءها لم يكن أبيض ولا أحمر، بل شيء بينهما لون لا يُريح العين.
الشباب من حوله تراجعوا خطوةً لا إراديًا، بعضهم وضع يده على صدره، وبعضهم أغمض عينيه كأن عقله يرفض أن يرى ما يحدث. الأرض نفسها بدأت ترتجف ارتجافًا غير منتظم، كأنها تتنفس بعُسر.
أما سراب فكان صامتًا وإيلان بجانبه يرتجف من الخوف، في تلك اللحظة بدأ الطقس يخرج عن السيطرة. الرموز لم تعد تكتفي بالتوهج، بل بدأت تغوص في الأرض، كأنها تُسحب إلى عمقٍ آخر. الهواء صار كثيفًا لدرجة أن التنفس نفسه أصبح فعلًا مؤلمًا. أحد الشباب سقط على ركبتيه، يضغط على صدره، عيناه متسعتان وهو يختنق بقوة لا تُرى.
ابتسم ثامر ابتسامة انتصار بارد وقال بصوت ثابت:
- بدأت المتعة، لكن نفسًا واحدة ليست كافية.
في تلك اللحظة، بدأت الدائرة تُغلق، الهالات الخمس اندفعت في آنٍ واحد نحو مركز الطقس، لم تعد ملكًا لأصحابها، بل صارت وقودًا. أجسادهم ارتفعت قليلًا عن الأرض، أطرافهم ارتعشت بعنف، الصرخات خرجت قصيرة، مكسورة، كأن الحناجر لم تعد قادرة على حمل الصوت.
الشاب الأول انهار، جسده لم ينفجر، بل انطفأ وترك فراغًا دمويًا في الهواء. الثاني تفتت كرمادٍ مبتل. الثالث والرابع سقطا في اللحظة ذاتها، عيونهما مفتوحة، فارغة. أما الخامس فابتسم، ابتسامة قصيرة، مشوشة، قبل أن يتوقف قلبه. وتجمعت دماء الخمسة في بقعة واحدة على الأرض أمام سراب مباشرة.
شيء ما فُتح، الفراغ خلف الدائرة لم يعد أسود فقط، بل بدأ يتخذ شكلًا، عمقًا، وعيًا يحدّق للخارج. شعر سراب بذلك فورًا، شعر بالقفل وهو يتصدع، شعر بقوة قديمة هائلة تستعد للعبور.
وفي اللحظة نفسها انهار القيد من على إيلان، جسده ارتجف بعنف، الدم خرج من أنفه وأذنه، هالته الأرجوانية خرجت عن توازنها لأول مرة. حاول أن يصرخ، لكن صوته لم يخرج.
الطقس بدأ يلتهمه.
هنا فقط، كان سراب قد أخذ الوقت الكافي الذي احتاجه واستطاع التحرك، كان سراب مخططًا لكل شيء منذ البداية، منذ أن علم الحراس بموقع ثامر وهو يعلم أنها خطة منه ليبعده عن إيلان وبتلاعب بعقله.
استمر بتدريبه شهرًا كاملًا في قاعة التدريب وهو يعلم ما يدور في داخله وكيف يخطط لاستدراجه فقرر تسهيل المهمة على كل منهما والقضاء على ثامر بنفسه كما فعل قماريس مع كاروس.
خلال كل تلك المدة التي كان مقيدًا فيها على الارض كان يسرب هالته ببطء كي لا يلحظها ثامر أو إيلان حتى ملأت هالته المكان وأحاطت كل شيء، قيد ثامر بهالته وقوة انفجرت من داخله، لا لتواجه الطقس من الخارج، بل لتغوص في لبّه، لتصل إلى أعمق نقطة في ثامر نفسه. ضغط غير إنساني اجتاح المكان، الجدران تشققت، الرموز تصدعت، والفراغ صرخ.
ثامر صرخ معه وقال وهو يترنح:
- لا... لا... توقّف... إنك...
لكن الوقت كان قد فات والقوة بلغت ذروتها، أجساد الشباب الخمسة تحولت إلى رماد أسود في لحظة واحدة، أما الطقس الذي كان على وشك الاكتمال توقف، وقف سراب على قدميه وسار نحو ثامر المتصلب في مكانه، وضع يده على كتفه ثم التفت برأسه نحو إيلان، نظرات كانت مصدومة ومدهوشة، ابتسم سراب نحوه بنفس الابتسامة الدافئة وقال بهدوء:
- الآن نحن متعادلين، أبلغ هاشم أن يتولى رعاية المملكة.
أعاد رأسه نحو ثامر بينما انسابت الدموع على وجنتي إيلان، أغمض سراب عينيه استعدادًا للرحيل عن العالم، تذكر لحظاته القليلة التي جمعته مع من يحبهم، أشفق على حال إيميليا وطفله القادم، ولكن، من يلقَ السراب إذا أتاه؟
شعر بارتفاع حرارة جسده وأن تنفسه صار ضعيفًا وثامر من أمامه يصرخ بجنون، وفجأة، اختفى كل شيء، الأصوات، ثامر، الحرارة، كل شيء اختفى.
كان سراب ما يزال مغمضًا عينيه، قال:
- إذًا هذا ما يشعر به الإنسان حين يموت؟
لكنه سمع صوتًا مألوفًا، صوتًا ساخرًا يعرفه جيدًا:
- أخيرًا توقفت عن دور السيطرة الزائف. تبًا لك حتى هنا تسبقني؟
فتح عينيه والتفت سريعًا لمصدر الصوت فرآه، واقف كما كان دائمًا، بذات اللامبالاة المستفزة، وبذات الابتسامة التي تظهر في أسوأ اللحظات.
- لا يمكن! أنت مختوم!
ضحك عاصف:
- نصفي فقط ما كان مختومًا.
اقترب عاصف وصوته صار أهدأ:
- قماريس لم يستطع أن يختمني كاملًا فختم نصفي بداخله ووصل ذلك النصف إليك، أما النصف الآخر فاستطعت بطريقة ما الوصول إليه أثناء ختمي.
اتسعت عينا سراب:
- والطقس؟!
- كان قد شارف على الاكتمال لولا خطتك الذكية.
ساد الصمت ثم قال عاصف بنبرة حاسمة:
- الآن لن يستطيع كلانا العودة، القوة التي أطلقتها كسرت التوازن ويجب على أحد أن يدفع الثمن..
ثم اقترب أكثر من سراب وقال:
- هذه المرة سيكون أنا من يختفي وليس أنت.
قال سراب بعنف:
- لا، لن أتركك...
ابتسم عاصف ابتسامة وداع حقيقية:
- أنت لم تتركني من قبل ولم ترحل عني سابقًا.
ثم همس:
- من يحدثك الآن هو النصف الحر من قوتي وليس النصف المختوم، أما المكان الذي خُبئتُ فتذكره جيدًا واكسر ذلك الختم ثم عد بنا للمملكة.
قال الاسم ثم دفعه بجناحه خارج الفراغ، اندفع وعي سراب خارج الفراغ، والسواد انغلق، وآخر ما سمعه كان ضحكة عاصف.
عاد سراب إلى الغرفة وأمامه جثة متفحمة لثامر، تحطمت الدائرة المرسومة والجثث الخمس صارت رمادًا. سقط جسد سراب أرضًا وأنفه بدأ في النزيف، أما إيلان فقد بقي حيًا لأنه دُفع خارج الموت في اللحظة الأخيرة.
وقف سراب على قدميه مرة أخرى وبدأ يستجمع قوته، استخدم قدرته الخاصة التي طورها على صنع النيران وجعل من جثة ثامر المتفحمة رمادًا.
التفت إلى إيلان الذي لم يقل كلمة واحدة ثم وضع يده على كتفه وعادا سويًا إلى المملكة لكن ما لبث سراب أن غادر سريعًا للمكان الذي خُتم فيه عاصف.
كان المكان الذي وصفه عاصف لا يشبه أي موضع عرفه سراب من قبل، لم يكن مخبأً، ولا سجنًا، بل فجوة داخل الفجوة، نقطة عمياء في قلب الأرض، حيث لا تصل الهالات ولا تتردد الأصوات. الطريق إليه لم يكن مستقيمًا؛ كان إحساسًا أكثر منه اتجاهًا.
وقف سراب أمام الصدع ويده على الصخر البارد، أطلق هالته البيضاء برفق ليستشعر موضع الختم. لم يكن ختمًا واحدًا، بل طبقات. دوائر متداخلة، سوداء كليالي بلا قمر، وفي مركزها نبض ضعيف.
- وجدتك.
قالها سراب بصوت مبحوح. جلس أمام الختم واضعًا كفه على الأرض تاركًا هالته تنساب داخل الرموز. بعد لحظات من الانتظار واللهفة صمع سراب أخيرًا صوتًا ساخرًا مألوفًا:
- تأخرت، كنتُ على وشك أن أبدأ بالحديث مع الجدران.
ابتسم سراب وقال:
- اصمت.
انهار الختم وتلاشت الدوائر وتحررت منها هالة عاصف البيضاء ليخرج كما كان، وقف أمامه وقال:
- لا تسأل، أعرف نظرتك تلك، سنتشاجر لاحقًا.
مدّ سراب يده، ولم يقل شيئًا، صعد على ظهره بهدوء ثم قال:
- مرحبًا بعودة الوغد.
- تبًا لك يا ملك، لو متّ سأضطر لحمايتك من العالم الآخر أيضًا.
ضحك سراب بصدق لأول مرة منذ فترة طويلة ورفرف عاصف بجناحيه لتستقبلهما المملكة التي لم يعد حقل الطاقة لازمًا قيامه حولها.
عندما هبط الاثنان وجدا هاشم وتولين وآدم ينتظرانهما على أطراف القرية، هبط عاصف على الأرض الحجرية واختفى داخل صاحبه بينما سار الآخر نحوهم والابتسامة تعلو محياه.
تبادل النظرات معهم لكن تولين لم تنتظره حتى يأتي بل اختفت وظهرت أمامه مباشرة وقالت بحنق:
- إن كنت تنوي التضحية بحياتك فعلى الأقل أخبرنا! هل أنت راضٍ بكونك البطل الحزين؟!
ابتسم بخفة وقال:
- لا يا شقيقتي، لا أريد أن أصبح البطل الحزين، ما فعلته فقط كان لحماية المملكة لا أكثر.
لكمت كتفه بخفة فابتسم، ثم همس في أذنها:
- علمت من ليهار الكثير من الأمور الشيقة. تولين، مسقط رأسك جنوب المملكة في قرية تدعى فالروك. بعض قاطنيها ما زالوا أحياءً.
اتسعت عينيها بصدمة، فأكمل:
تجمدت الكلمات وتصلبت في مكانها فمسح على رأسها بخفة، ويبدو أن هاشم قرر التدخل كعادته القديمة:
- أيها الملك، هناك زوجة تنتظرك في القلعة لا نريد أن تراك هكذا.
ابتسم بخفة وقال:
- تبًا لهذا.
سحب يده بهدوء وانتقل لحظيًا للقلعة ليجدها في شرفة القصر قلقة عليه كعادتها، حين رأته وقفت في مكانها واتجهت نحوه بخطوات سريعة وارتمت بين ذراعيه باكية. مسح على رأسها بخفة وقال بصوت رخيم:
- آسف أنني أخفتك، كنت أنوي حمايتكم.
لم تجب، أكملت البكاء بينما أحاطها بذراعيه وصوت عاصف من داخله يقول:
- خبراتك النسائية فاقت توقعاتي، تتنقل من فتاة لأخرى بسهولة أتمناها.
كتم سراب الضحكة داخله وأجابه داخليًا:
- تبًا لك ولأمثالك يا صديقي العزيز.
ثم أغلق منافذه كي لا يتدخل مرة أخرى. 
***

بعد أشهر قليلة، الصراخ شقّ القلعة. لم يكن صراخ رعب، بل صراخ حياة. ركض سراب لا كملك، بل كزوج.
إيميليا كانت هناك متعبة، شاحبة، لكن عينيها ثابتتان. وحين رأته، هدأت أنفاسها رغم الألم. قال بتوتر:
- ما بك؟!
أجابت بصعوبة:
- أعتقد أنني سألد الآن.
وقف في مكانه لا يدري أين يذهب ثم تذكر تولين فانتقل إليها سريعًا وأخبرها أن إيميليا على وشك الولادة فاختفت من أمامه لتتنقل إلى ليا ومن ثم انتقل الاثنان إليها.
انتقل هو بدوره إلى هاشم وآدم وأعلمهما أن زوجته على وشك الولادة ثم اختفى بسرعة عائدًا للقلعة. انتظر خارج غرفته وهو يستمع إلى صرخاتها.
قال في نفسه:
- القليل فقط، تحملي قليلًا.
وجهه بدا متوترًا والعرق يتصبب من جبينه، بعد لحظات ظهر آدم وهاشم أمامه وربتا على كتفيه يهدئانه. بعد لحظات من الاضطراب والترقب خرج بكاؤه للعالم، بكاء طفله. ابتسم هاشم وآدم وهنآه على مولوده وأخبراه أن شعب المملكة كلها ينتظرونه أمام القلعة. 
لكنه لم يكن يهتم، كان فقط يهتم بها وطفلهما، سحب أنفاسًا متتالية ثم عقد العوم على الدخول للغرفة، دخل بملامح مترقبة للمولود الجديد، رأى إيميليا تحمل طفلهما على ذراعها بوجه متعب بينما تولين وليا تبتسمان له.
قالت تولين بخفة:
- إنه ولد يا سراب.
ابتسم ولم يجب، سار نحوها، نحو زوجته وحمل طفله على ذراعه، كان الطفل يبكي بصوت عالٍ فمسح بيده على رأسه وأجبره على النوم.
اقترب من إيميليا، همس:
- قوي مثلك وعنيدٌ مثلي.
سألته بنبرة واهنة:
- هل اخترت اسمًا؟
نظر إلى الطفل، تذكر كل ما مرّ، كل ما فُقد، كل ما صمد، وقال:
- فجر.
رفعت حاجبها بخفة:
- لماذا؟
- لأن هذا العالم مظلمٌ بما يكفي وهو لم يأت ليحاربه، بل ليبقى في مضيئًا.
ابتسمت بخفة، سار بطفله نحو الشرفة، نحو الحشد أمام القلعة، رفع طفله بيديه للسماء فارتفعت الهتافات في الأرجاء.
لم يكن إيلان قريبًا من الشرفة، ولم يكن بعيدًا بما يكفي ليكذب على نفسه. وقف عند الحد الذي تتداخل فيه أصوات الهتاف مع الصمت، حيث لا يصل الفرح كاملًا، ولا يختفي الألم تمامًا.
رآه.
سراب يرفع طفله عاليًا تحت ضوء الفجر الذي بدأ يتسلل للمملكة، والهتاف يصعد من صدور الناس كمدٍّ لا يُقاوم.
لم يرَ الملك، ولا البطل، ولا الحارس المختار، رأى رجلًا أنهكته الحروب أخيرًا وسمح لنفسه بلحظة حياة.
خفض إيلان بصره قبل أن ترتعش عيناه، لم يحقد عليه، لم يقل شيئًا، اكتفى بأن استدار. لم يخبر أحدًا أنه سيرحل، لم يودّع، لم ينظر خلفه ثانية. دار حول القرية كما لو كان يختبر إن كانت ستناديه، لكنها لم تفعل.
ثم مضى جنوبًا، حيث لا طرق محفوظة، ولا أسماء كبيرة، ولا هالات تُراقَب. كان يسير بلا هدف، أو ربما كان الهدف هو السير ذاته. أن يبتعد فقط، أن يختفي من الحكاية التي لم يعرف كيف يكون بطلًا أو شريرًا فيها.
وصل إلى قرية منعزلة مع غروب الشمس، قرية لا تشبه غيرها، بيوت منخفضة، حجارة سوداء، وأبواب لا تُفتح إلا نصف فتحة، كأنها تخشى من يطرقها.
الهواء هناك كان ثقيلًا، جلس عند طرف الساحة، وأسند ظهره إلى جدار متشقق، وأغمض عينيه لثانية أطول مما ينبغي.
حين فتحهما كانوا قد أحاطوا به، نظر إليهم بهدوء لكنه رأى الأذى في أعينهم. فعل هالته استعدادًا للقتال ودفع من أحاطوا به بعيدًا. ركض بأقصى سرعته عائدًا من حيث أتى لكنه لاحظ أمرًا غريبًا.
البيوت تتكرر، الطرقات لا تتغير كأنه حُبسَ في دوامة لا تنتهي. توقف مكانه وأخذ يطالع القرية من حوله، حاول الانتقال خارجها لكنه لم يستطع كأن قوة غريبة تمنعه من الخروج. وفجأة أحاطه الناس ثانية وهذه المرة قُيدّ بسهولة بالغة كأن هالته المنبعثة كانت مجرد لون فقط بلا أي تأثير أو قوة.
حمل السكان إيلان وساروا به بعد أن ربطوا على فمه كي لا يتكلم. بعد فترة وصلوا إلى بيت منعزل أصغر بقليل من البيوت المجاورة. تقدم أحدهم ودق على الباب ثم عاد مكانه مرة أخرى.
طال الصمت والانتظار، صمتٌ ثقيل مخيم على المكان، وبعد الكثير من الوقت فُتح الباب المهترئ على مصراعيه وخرجت عجوز ذو وجه شاحب من الباب تتكئ على عصا قديمة. تفحصت إيلان بعينيها ثم أشارت إلى مكان في آخر القرية. استدار الناس حاملين إيلان وساروا به إلى نهاية القرية، اتضح أن هناك سلمًا يقود للأسفل.
نزل اثنان معه إلى الأسفل، ممرٌ طويل مظلم ظهر أمامه وعن يمينه ويساره زنازين فولاذية مشبعة بطاقة مجهولة المصدر.
ألقى الحراس به في الزنزانة الأخيرة وحلوا قيوده ورباط فمه وعادوا من حيث أتوا. استوى إيلان في جلسته، نظر أمامه فوجد امرأة ثيابها متسخة وشعرها مجعد مبعثر تجلس في الزنزانة المقابلة. 
لم يحاول التحدث معها واكتفى بمراقبتها، كانت لا تتحرك اطلاقًا. كانت تجلس مستوية على الأرض وتنظر للأسفل وعينيها تمتلئ بحزن عميق.
في تلك اللحظة لم يفكر في سراب ولا في المملكة، فكر فقط في تلك اللحظة على الشرفة. في الطفل المرفوع عاليًا، وفي الفكرة الغريبة التي عبرت رأسه مبتسمة: ربما كان هذا هو مكاني منذ البداية.

تمت بحمد الله
               

الفصل الثاني والعشرون: القيد الصامت | سراب II

جاري التحميل...

الفصل الثاني والعشرون: القيد الصامت

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

بعد يومين من عودتنا للقرية اتخذت أنا وإيلان قرارًا بالعودة للمنطقة الشمالية مرة أخرى، هدفنا كان واضحًا، الإيقاع بالشباب أو استكشاف المملكة المجهولة.
خرجنا إلى المنطقة الشمالية مرة أخرى، الهواء كان نفسه، البرودة ذاتها، والغابة ما زالت تمتد تحت حافة الجبل كوحشٍ صامت يعرفنا أكثر مما نعرفه. الفرق الوحيد أننا لم نعد الشخصين نفسيهما.
كنت أشعر بذلك في خطواتي، في ثقل هالتي، في الطريقة التي لم يعد فيها المكان يربكني كما فعل من قبل. حتى الصمت لم يكن عدائيًا هذه المرة، كان مراقبًا فقط.
إيلان سار إلى جواري بثبات لم أعرفه فيه سابقًا. لم يعد يتلفت بلا وعي، لم يعد يقيس المسافات بعينيه فقط، بل بشيء أعمق. هالته الأرجوانية كانت مستقرة على نحو مقلق، لا تتصاعد ولا تتبعثر، كأنها تعلم متى تصمت ومتى تتكلم.
قلت دون أن أنظر إليه:
- تطورت.
أجاب بعد لحظة:
- لأنك لم تتركني أهرب.
لم أبتسم، لكنني شعرت بشيء يشبه الرضا. وقفنا عند النقطة نفسها تقريبًا. حافة الجبل، النهر في الأسفل، والغابة التي لا تُظهر ما تخفيه أبدًا. أغمضت عينيّ لثانية، أمددت إحساسي إلى الخارج. لا شيء.
لا هالات، لا تشوه في الخواء، لا صدى عدائي. وهذا كان أسوأ من أي إنذار. الصمت كان أوسع من اللازم، لا صوت داخلي يعلّق، لا سخرية معتادة، لا تنبيه في اللحظة الأخيرة.
مددت هالتي بحذر، لم أطلقها، فقط جعلتها تلامس المكان، في اللحظة ذاتها، التفّ شيء حولها..
لم يكن هجومًا مباشرًا، بل احتواء لهالتي وقوتي. حاولت التحرك، استجابت عضلاتي قليلًا لكن هالتي أبت. شعرت بثقل غير مرئي يهبط عليّ، لا يقيد جسدي بل يضغط وعيي.
- الآن.
جاء الصوت من خلفي، أعرفه، إنه إيلان.
التفت بصعوبة، وجدته واقفًا على مسافة قصيرة، ملامحه ثابتة على نحوٍ مؤلم. لم يكن عدائيًا، ولم يكن خائفًا.
كان حاسمًا قراره.. 
- ماذا فعلت؟
خرج صوتي هادئًا أكثر مما توقعت.
قال دون أن يقترب:
- ما كان يجب أن أفعله منذ البداية. أنتم السبب في كل شيء! بسبب أفعالكم مات أقرب البشر وأحبهم إلى قلبي.. بسببكم أنتم ذقت المر مرارًا. أما الآن، فقد حان وقت القصاص.
قلت:
- ما الذي تقصده يا إيلان؟
- لا تلعب معي لعبة الغباء الآن، الحراس أبوا أن يحشدوا الأهالي في ملاذات آمنة واكتفوا بالأطفال، لكن بالطبع لم يقدر جميعهم على حشد كل الأطفال فكنت أنا من بين من شهدوا مقتل عائلاتهم.
لم أتكلم ولم أجب عليه، اكتفيت بالصمت، ذلك الصمت الذي زاد من الانفعال داخله، قال بحنق مكتوم:
- تخيل فقط التعابير التي سترتسم على وجوههم عند حمل جثتك، تخيل كم الألم الذي سيعيشونه في تلك اللحظة.
أطرق قليلًا ثم أكمل بخفوت:
- ذلك الألم.. ذلك الحرمان...
رفع رأسه ببطء، وعيناه بل مثقلتين بشيء أعمق.
- لا يزول.
قالها كحقيقة لا اتهام.
- لا مع الوقت، ولا مع التدريب، ولا حتى مع القوة. يبقى يتغير شكله فقط.
شدّ قبضته، فاشتدت القيود حولي أكثر. شعرت وكأن الهواء نفسه صار أثقل، كأن الغابة كلها تميل نحوي.
- كنت تقف هناك.
وأشار بيده نحو الفراغ خلفي.
- وتتكلم عن الصمود، عن التحكم، عن أن أدوس على ألمي وأبتسم.
ضحك ضحكة قصيرة، مكسورة.
- حاولت، صدقني حاولت.
حاولت تحريك هالتي مرة أخرى، ليس للهجوم، بل للفهم. القيد لم يمنعني من الإحساس، فقط من الفعل.
قلت بهدوء:
- وإلى من ستسلمني؟
لم يجب فورًا. الصمت بيننا كان أثقل من أي صراخ.
- ستكتشف عما قريب.
آخر ما رأيته قبل أن يختفي كل شيء كان إيلان يدير ظهره..
لا هالة أطلقها، لا نظرة ندم، ولا حتى تردد.
***

لم أهبط على أرضٍ بالمعنى المعتاد، جدران الحجر الأسود ارتفعت من حولي كأنها نُحتت لا لتُبنى، بل لتُغلق. السقف لم يكن واضحًا، فقط ظلال متداخلة تتشابك في الأعلى، تتخللها شقوق ضيقة يتسلل منها ضوء شاحب، بارد، لا يكشف بقدر ما يراقب. الهواء نفسه كان ساكنًا على نحو مريب، لا رطوبة ولا دفء، فقط برودة جافة تلتصق بالجلد.
هذا هو المكان الذي اكتشفه الحراس، وهذا هو المكان الذي أمرتُهم ألا يقتربوا منه.
دوائر محفورة في الأرض، ليست طقسية بالكامل، لكنها ليست عشوائية أيضًا. رموز قديمة، أعرف بعضها، وأخرى لم أتعرف عليها لكنني شعرت بها.. شعور المعرفة المؤجلة، ذلك الإحساس الذي يخبرك أن الفهم سيأتي، لكن بثمن.
الشباب كانوا هناك، خمسة، يقفون في نصف دائرة، صامتين، رؤوسهم منخفضة قليلًا، هالاتهم لا تنبعث، بل مكبوتة، كأن أحدهم ضغط عليها وأمرها بالصمت. لم يكونوا سجناء، ولم يكونوا أحرارًا. كانوا في حالة انتظار. أعينهم خاوية من المشاعر وارتسمت داخلها أشكال هندسية كالتي ارتسمت يوم هجومهم الأول.
شعرت بحركة غريبة فالتفت بعيني نحو مصدرها، كان ثامر، خرج من الظل للتو. ملابسه كانت جلدية داكنة، ليست سوداء تمامًا، بل أقرب إلى لون الليل قبل الفجر. معطف جلدي طويل يصل إلى أسفل ركبتيه، مشدود عند الكتفين، مفتوح قليلًا عند الصدر، يكشف عن درع جلدي أخف تحته، محفور بخطوط دقيقة تشبه الشقوق.
قفازان جلديان يلتفان بإحكام حول يديه، أصابعه تتحرك ببطء، كأنها اعتادت رسم الرموز في الهواء. حزام عريض عند خصره. شعره كان مسدولًا إلى الخلف بلا فوضى، وعيناه كانتا هادئتين أكثر مما يجب.
اقترب خطوة واحدة فقط، لا أكثر. لم يحتج إلى المسافة، نظر إليّ كما ينظر شخص إلى نتيجة تجربة نجحت أخيرًا.
- مرحبًا بك في عالمي.
قالها بنبرة منخفضة، ثابتة.
- تأخرتَ قليلًا، لكن لا بأس كل الطرق كانت تؤدي إلى هنا.
شعرت بالقيد يشتدّ، لا لأنني تحركت، بل لأن المكان نفسه استجاب لصوته.
- هذا المكان.
تابع وهو يمد يده ويمررها على أحد الرموز في الجدار.
- ليس مخبأً إنه نقطة التقاء.
التفت إليّ، ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه.
- وأنت أيها الحقير كنت القطعة الناقصة.
ليس الأمر وكأنني خائف، أريد فقط معرفة نواياه، فقلت بهدوء مستفز:
- حقير؟ اعذرني، لست أنا من قتل والده وأخاه وضحى بجيشه وعشيرته.
ضحك بقوة حتى ملأ صدى ضحكته المجنونة المكان، قال:
- بدأت تعجبني! دعني إذًا أخبرك قصة قصيرة بما أن حياتك البائسة على وشك الانتهاء.
أخذ يدور حولي ويقول بنبرة عالية مجنونة:
- قيل قديمًا أنه من يمتلك هالة قوية وتضحيات بشرية يمكنه استدعاء مخلوق أسطوري، ذلك المخلوق لا يموت ولا يمكنك اصابته بضرر.
ثم اقترب من وجهي فباتت المسافة الفاصلة قليلة. أكمل:
- هذا المخلوق اسمه ماجما، مهمته انهاء كل سبل الحياة أو الانصياع لرغبة مستدعيه..
عاد للوراء قليلًا ولمحت بطرف عيني ملامح إيلان المصدومة، بدا عليه الندم على إحضاري لكن بم يفيد ندمك الآن ونحن في وكر العدو؟
- لكن لاستدعاء هذا المخلوق كان عليّ الانتظار طويلًا، كان عليّ أولًا أن أسرق عاصف منك ومن ثم أحضرك إلى بقعة الاستدعاء وليس هذا فحسب، بل عليّ التضحية بسبعة من البشر الأقوياء ذوي هالات قوية وشخص واحد فقط استثنائي.
فعل ثامر هالته بقوة فأحدث ضغطًا مفاجئًا ألقى بإيلان على الأرض، سار ثامر نحوه بخطوات بطيئة وقيده في موضعه وألقاه بجانبي. ابتسم تلك الابتسامة الخبيثة أما إيلان فقد صرخ بحرقة:
- لقد آمنت بك! لقد آمنت أنك من ستساعدني بالرغم من قتلك عائلتي! كيف فعلت هذا؟!
اقترب ثامر بخطى سريعة وركله في معدته بقوة فطاح إيلان على ظهره متألمًا، قال ثامر:
- اعرف مكانتك أيها البشري الوضيع!
التفت ثامر إليّ فطالعته ببرود ليركلني في رأسي لكن ركلته لم تسبب لي ضررًا يذكر. 
تراجع خطوتين للخلف وبدأ بتنفيذ الطقوس..
               

الفصل الواحد والعشرون: هدوء العاصفة - رواية سراب II

جاري التحميل...

الفصل الواحد والعشرون: هدوء العاصفة

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

قاعة التدريب استقبلته بسكونها المعتاد، العشب ساكن، الهواء أثقل قليلًا مما كان، كأن المكان نفسه يحتفظ بآثار ما جرى فيه منذ ساعات.
لم يكن إيلان نائمًا كما تركه، كان جالسًا قرب الجدار، ظهره مسنود إلى الحجر البارد، ساقاه مثنيتان، ويداه مستريحتان فوق ركبتيه.
هالته كانت هادئة على غير العادة، لا مستقرة تمامًا، لكنها لم تعد تتخبط كما قبل. عيناه كانتا مفتوحتين، ثابتتين، وكأنه كان يعلم أن سراب سيعود، فقط لا يعرف متى.
توقف سراب على بعد خطوات، راقبه دون أن يصدر صوتًا، لاحظ كل شيء: طريقة جلوسه، انتظام أنفاسه، ذلك الهدوء المصطنع الذي يخفي تعبًا لم يُهضم بعد.
قال إيلان دون أن ينظر إليه مباشرة:
- كنت أعرف أنك ستعود.
اقترب سراب خطوة واحدة، قال بهدوء:
- ولماذا لم تنم؟
رفع إيلان رأسه أخيرًا، التقت عيناهما. لم تكن هناك دموع هذه المرة، ولا ارتباك. فقط صدق عارٍ.
- لأن النوم أصبح يشبه الهروب.
سكت سراب قليلًا، ثم قال بصوت أخفض أكثر حدة مما بدا:
- جيد.
نهض إيلان ببطء، دون تسرع، دون تردد. وقف أمامه منتظرًا، لا يسأل، لا يطلب. نظر إليه سراب طويلًا هذه المرة.
لم يرَ الشاب الذي كان ينهار قبل ساعات، بل رأى بداية شيء آخر.. شيء لم يكتمل بعد، لكنه وُلد.
قال أخيرًا:
- اكتشفنا مكان ثامر.
لم يتغير وجه إيلان، لكن هالته ارتجّت ارتجافة خفيفة.
- وهذا يعني؟
سأل بهدوء متعمد.
اقترب سراب حتى صار على مسافة خطوة واحدة وقال:
- يعني أن تدريبك لم يعد ترفًا.
ثم أضاف وصوته صار أبرد:
- ويعني أن كل اضطراب سبّبته لك لم يكن عبثًا.
صمت لحظة ثم قال:
- هل أنت مستعد؟
لم يجب إيلان فورًا، أغمض عينيه لثانية واحدة فقط ثم فتحهما وقال:
- لم أعد أبحث عن الاستعداد.
ثم تابع بصوت ثابت:
- أنا هنا.
وهكذا تتابعت الأيام داخل قاعة التدريب، لا تُقاس بالشمس ولا بالليل، بل بعدد المرات التي سقط فيها إيلان ثم نهض، وبعدد اللحظات التي اضطر فيها سراب أن يكون قاسيًا أكثر مما يحتمل.
كان التدريب لا ينقطع، لا هدنة حقيقية، ولا راحة كاملة، فقط فواصل قصيرة يتأكد فيها الجسد أنه ما زال حيًا، ثم يُدفع من جديد إلى أقصى ما يستطيع تحمله، وما بعده.
لم يكن سراب ملازمًا للقاعة دائمًا، كان يغيب أحيانًا، يترك إيلان وحده مع الصمت ومع ما زرعه داخله، ليعود إلى المملكة، يتفقد شؤونها، يراقب الحدود، ويقف قرب إيميليا لحظاتٍ محسوبة، يطمئن على استقرارها، وعلى الطفل الذي يكبر بصمت، كأن الزمن قرر أن يستمر رغم كل شيء.
وفي كل مرة كان يعود، لم يكن يعود كما ذهب.
كان يحمل معه ثقل القرارات، ووعي الملك، ويعيد إسقاط ذلك كله على التدريب، فيزداد قسوة، ويزداد إيلان صلابة.
مرّ شهر كامل داخل القاعة، شهر لم يكن شهرًا بل معركة. تغيرت أنفاس إيلان، لم تعد متقطعة ولا متسرعة، تغيرت أنفاس إيلان، لم تعد متقطعة ولا متسرعة، تعلم كيف يقف أمام الألم دون أن يهرب، وكيف يتحرك وسط الفوضى دون أن يفقد نفسه.
أما سراب، فقد تعلّم هو الآخر شيئًا لم يكن يتوقعه: أن يرى انعكاسه القديم يقف أمامه، لا ليذكّره بالماضي، بل ليجبره على مواجهة ما صار عليه الآن.
وحين خرجا من القاعة أخيرًا، لم يكن خروجهما انسحابًا، بل عودة. عاد سراب وإيلان إلى المملكة، لا كما دخلا التدريب، ولا كما خرجا منه أول مرة. عادا وهما يعرفان أن القوة لم تعد احتمالًا بل استعدادًا حقيقيًا لما هو قادم.
عادا في يوم الحفل الأسبوعي، لم تكن المملكة في حالة استرخاء، بل في حالة تنفّس. ذلك اليوم لم يكن للهروب من الخوف، بل لتذكير الناس بأنهم ما زالوا هنا، وأن الحياة رغم كل شيء لم تُهزم بعد. الأضواء البسيطة علّقت بين البيوت، الموسيقى لم تكن صاخبة، لكنها حاضرة، كنبضٍ ثابت يرفض التوقف.
دخل سراب وإيلان من أطراف الساحة، دون إعلان، لم يلتفت الناس فورًا، ولم يكن ذلك ضروريًا. 
قبل أن يلاحظ إيلان شيئًا آخر، كان قد لاحظ التغيّر، رهاف كان يقف قرب إحدى العائلات المصابة، لا يلمس أحدًا، فقط يمد هالته بهدوء بالغ، يضبط تنفّس امرأة مرهقة، ويهدئ طفلًا دون أن يقترب. لم يعد متوترًا، لم يعد ينظر حوله بحثًا عن تأكيد. كانت حركاته محسوبة، صامتة، كأن القلق الذي كان يفضحه سابقًا قد صار أداةً بيده بدلًا من أن يكون عبئًا عليه.
سيرين..
لم تكن تقاتل، ولم تختفِ. كانت تسير بين الناس، هالتها الحمراء الجديدة بالكاد مرئية، لكنها كانت تشعر بكل شيء. حين انسكب شراب من يد أحدهم، كانت هناك قبل أن يلمس الأرض. حين ارتفعت نبرة صوت فجأة، كانت تقف في المنتصف دون أن تتكلم، فينخفض التوتر تلقائيًا. لم تعد قوتها في الاختفاء، بل في الحضور الكامل.
أما ماريس، فكان التغيّر فيه هو الأوضح والأخطر.
كان يضحك، يضحك دون أن تنفجر هالته، دون أن تتسرّب قوته بلا وعي. يقف بثبات، جسده ما زال صلبًا، لكن عقله، لم يعد فارغًا كما قال هاشم يومًا. كان يتحكم في اندفاعه، يختار متى يُظهر قوته ومتى يكبحها، كأن شيئًا ما أخيرًا التحم داخله.
إيلان كان يراقب كل ذلك، ثم أدرك فجأة أنه ليس مجرد متفرج، لأول مرة، جرّب أن يكون وسط الناس دون أن يراقب مخارج الهروب. وقف قرب حلقة موسيقى، ترك الإيقاع يمر عبره دون مقاومة. جرّب أن يبتسم، لا كقناع، بل كمحاولة.
حين اقترب طفل منه وسأله عن الندبة في يده، لم يتجمد، لم يغضب، فقط أجابه ببساطة، ثم فوجئ بنفسه يضحك حين قال الطفل:
- تبدو كندبة بطل.
على مسافة غير بعيدة، كان سراب يراقب، لم يتدخل، لم يقترب، لم يوجه.
كان واقفًا في الظل الخفيف قرب أحد الأعمدة، يراقب تحركات إيلان، تردده، ثم خطواته الواثقة البطيئة. لاحظ كيف لم تنفلت هالته، كيف لم يختفِ حين ارتفع صوت فجأة، وكيف لم يتجمّد حين اقتربت منه الحياة نفسها.
لأول مرة منذ زمن، لم يشعر سراب بأنه يصنع سلاحًا، شعر أنه يشهد ولادة شخص قادر على الوقوف. رفع عينيه قليلًا، لمح إيميليا من بعيد، نظرة واحدة كانت كافية، ثم عاد بنظره إلى الساحة. 
حين أدرك أنه لم يكن مراقبًا وأن لا أحد يدرك بوجوده انسحب ببطء نحوها..
               

الفصل العشرون: قبضة المعلم | سراب II

جاري التحميل...

الفصل العشرون: قبضة المعلم

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

في اليوم ذاته، عاد سراب إلى قاعة التدريب دون أن يعلن حضوره.
لم تُسبق خطاه بهالة، ولم يترك ظلًا يدل عليه. كان هناك، كاملًا، وغير موجود.
إيلان لم يشعر به.
كان يقف في منتصف الساحة، وحده، كتفاه مشدودتان أكثر من اللازم، أنفاسه غير منتظمة، كأن الهواء لا يدخل رئتيه بالقدر الكافي. هالته الأرجوانية كانت مضطربة، لا تنفجر ولا تخمد، تتحرك حوله في موجات قصيرة متقطعة، مثل شخص يحاول الصراخ وهو يضغط على فمه.
راقبه سراب بصمت.
لاحظ التفاصيل التي لا يراها أحد حين يكون حاضرًا، طريقة شدّ إيلان لقبضته قبل أي حركة، تردده قبل الهجوم، ثم اندفاعه المفاجئ كأنه يعاقب نفسه على التردد. الشرود الذي يسبق كل محاولة، ذلك الشرود الذي لا علاقة له بالتركيز، بل بالهروب.
اندفع إيلان للأمام، أطلق هالته دفعة واحدة، ضرب الهواء، لا هدف، لا خصم اصطدمت القوة بالأرض، ارتدّت، جعلته يتراجع نصف خطوة. زمجر بغضب مكتوم:
- تبًا...!
لم يكن الغضب موجّهًا للعالم بل لنفسه. رآه سراب يكرر الحركة، مرة، مرتين، ثلاث. في كل مرة كان يخطئ التوقيت. في كل مرة كان الألم في عينيه يسبق الجسد.
شدّ سراب فكه، كان يعرف هذا الاضطراب، هو ذاته الذي عاش فيه طويلًا، حين كان التدريب عقابًا، لا طريقًا.
جلس إيلان على ركبتيه فجأة، كأن الجسد خان صاحبه، أنزل رأسه، أنفاسه تتسارع، الهالة تنكمش حوله بعنف، ثم تنفلت.
ضرب الأرض بقبضته:
- ليس كافيًا.
قالها بصوت مبحوح.
- لن أكون كافيًا أبدًا.
تحرك سراب خطوة، ثم توقف. لم يظهر نفسه بعد، لم يكن هذا وقت التدخل. كان عليه أن يرى إلى أي حد سيصل هذا الاضطراب وكم سيكلفه.
نهض إيلان ببطء، مسح وجهه بكمّ ذراعه، كأن لا أحد يجب أن يرى ما انكشف. أعاد الوقوف، اتخذ وضعية التدريب من جديد.
شعر بوخز خافت في صدره، ذلك الوخز الذي لا يعلم هل هو بسبب نقصان قوته أو بسبب وضعه ذلك الثقل على كتفي إيلان.
قال في نفسه بصوت لا يسمعه أحد:
- الآن فهمت.
ثم أضاف:
- لم أكسره كما كنت أريد، بدأ ما كان نائمًا داخله أن يوقظ.
في تلك اللحظة فقط أظهر نفسه، وانتقل لحظيًا لموقع إيلان. من كان قبل لحظات يشكو من ضعفه وعدم قدرته أصبح أمام مدربه صامتًا خاضعًا ينتظر أوامره وتعليماته الجديدة.
استغرب سراب لكنه لم يبدي، بل أكمل خطته، فعل هالته بقوة وبلا أي مقدمات واندفع نحو إيلان ليتبادلا الضربات.
لم يكن سراب يهجم بقوة بقدر ما كان يسمح لإيلان بإخراج كل ما بداخله من قوة، لكن وبسبب قلة خبرته لم يستطع توجيه ضربة واحدة صحيحة نحو سراب. حينها تذكر اللقاء الأول مع عاصف مرة أخرى لكنه لم يكن ليسمح بالحزن أن يسيطر عليه في هذا الوقت تحديدًا.
عليه أن يبقى قويًا أمام متدربه، بالرغم من رؤيته لذاته القديمة أمامه. قال بينما يتفادى ضرباته بسهولة بالغة:
- لا تترك الغضب يقودك. اجعل القوة تنساب، لا تنفجر.
بدا من ملامح إيلان أنه يحاول فهم ما يقصده فأكمل:
- أغمض عينيك وركز قوة هالتك لتنتشر في أنحاء جسمك كاملًا، تخيل وصولها لكل عضلة وتغلغلها في دمك.
توقف إيلان عن الحركة وكذلك سراب توقف عاقدًا يديه خلف ظهره. أغمض إيلان عينيه وبعد لحظات من الصمت الثقيل، سكن الهواء من حوله. هالته الأرجوانية الجامحة غير المستقرة بدأت تنساب بأريحية حول جسده. 
ابتسم سراب ابتسامة لم يلحظها إيلان بفضل عينيه المغلقتين، وفجأة، اختفى إيلان من أمامه ليظهر على بعد خطوة واحدة من سراب ويسدد لكمة سريعة نحوه لكنها لم تصبه فقد تفاداها كأنه توقع مسارها.
توالت اللكمات والضربات بينما يتفادى سراب بأريحية بفضل فارق القوة بينهما، أمام إيلان الذي كان مضطربًا أصبح هادئًا ولكماته وضرباته أكثر اتزانًا.
تراجع إيلان للوراء بسرعة ودرس بعينيه الحادتين وقفة سراب بحثًا عن أي ثغرة تمكنه من الوصول لمبتغاه.
قال سراب باتزان:
- هل كنت تعلم أنك يمكنك شحذ قوة هالتك على هيئة سيوف أو أدوات تساعدك؟
تذكر إيلان تلك المعلومة التي أخبره هلال بها ذات مرة وهو يخبره عما حدث في الحرب الأخيرة. بالفعل ركز قوته وشحذ جزءًا بسيطًا منها في يد وفي اليد الأخرى كون سيفًا من هالته.
أما سراب فشحذ في يديه جزءًا من قوته ليصد بهما ضرباته، مرة أخرى وبنفس الهدوء السابق، اختفى إيلان بشكل متكرر وظهر في أماكن متفرقة من حوله فما كان لسراب إلا أن يغمض عينيه ليشعر باندفاعات إيلان. 
لكن إيلان فاجئه، فقد دفع السيف نحو قلبه تحديدًا من الخلف ثم اختفى وظهر أمامه وقذف كرة من الطاقة نحوه من الأمام كي لا يصبح لسراب أي مهرب سوى اليمين أو اليسار.
أعجبته خطته ففاجئه بخطة مماثلة وبدل الهروب انتقل خلفه مباشرة ووضع اصبعيه على عنقه.
تفاجأ إيلان، فقال سراب ببرود:
- الحرب خدعة والبقاء للأذكى قبل الأقوى. لكن، وفي كل الحالات.. ما زال أمامك طريق طويل لتصل إليّ.
أجاب إيلان بنبرة جعلت سراب يعيد التفكير:
- كما قلت، البقاء للأذكى.
تبخر إيلان من أمامه، أو بمعنى أدق، تبخرت نسخة إيلان التي صنعها ليحل سراب محل إيلان ويصبح إصبعي إيلان على عنقه هو. قال إيلان بنبرة باردة:
- شكرًا على النصيحة معلمي، لكن، أنا دائمًا أسبق غيري خطوة.
بقي سراب واقفًا مكانه دون أي حركة، صمتٌ ثقيل عم المكان للحظات قليلة والهواء من حولهما ثائر على النقيض مع هدوئهما المكتسب.. قال سراب ببرود:
- ملاحظات هلال عن الحرب الأخيرة؟ أحسنت.
- قد أكون خاسرًا لمعركة لكن فالنهاية، سأظفر بالحرب.
- الحرب؟ عن أي حرب تتحدث؟ أوه لقد فهمت، أبشرك بخسارتها.
اختفت نسخة سراب من أمامه ليظهر سراب الحقيقي من خلفه وإصبعيه على عنقه، لكن هذه المرة كانت عيناه تتوهجان بقوة، حادتين وهادئتين على نحو مرعب. صُدم إيلان من التحول المفاجئ وتصلب جسده.
في داخله أصبح موقنًا بخطورة ما هو مقبل عليه في الأيام القادمة.. وقبل أن ينطق بكلمة، اندفعت في المكان مرة أخرى وظهر المشهد نفسه أمام عينيه..
راقب إيلان المشهد مرارًا وتكرارًا، مرارًا وتكرارًا..
عند نهايته كل مرة كان يُعاد بلا توقف، مرة بعد أخرى. وإيلان مقيد لا يقو على الحركة.. قدرته على التحمل كانت تندثر أمام ذلك المشهد، وذلك بالتحديد ما كان سراب يريده، يريد أن يدفع به إلى حدوده. سيبقى يدفع به حتى يصير المشهد بالنسبة إليه أمرًا عاديًا.
أُغمي على إيلان من شدة الإنفعال الذي لم يستطع إخراجه حتى بالدموع. 
وقف سراب أمام جسد إيلان الملقى على الأرض. بداخله لم يكن راضيًا عما يفعل به، لكن لا خيار آخر أمامه. بالطبع الإشفاق على إيلان كان أمرًا لا يمكنه إنكاره داخله، ولكن، بم سيفيد الندم والتساهل معه إذا استخدم ثامر مثل تلك الطرق الملتوية عليه؟
لم يبالِ إن كرهه إيلان في المستقبل، لم يبالِ إن كان قاسيًا في نظره. 
حمل جسده الملقى على الأرض وسار نحو الكوخ الذي كان يومًا خاصًا به. دخل الكوخ ومدد جسد إيلان على السرير ثم هبط للطابق السفلي وجلس أمام المدفأة على الكرسي الخشبي الكبير بلا أي حراك.
               

الفصل التاسع عشر: أصابع على القلب - سراب II

جاري التحميل...

الفصل التاسع عشر: أصابع على القلب

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

كانت شجرة الزيتون واقفة في مكانها المعتاد، لا تختلف عن نفسها، ولا تسأل لماذا تغيّر كل ما حولها. جذعها العتيق يحمل شقوقًا تشبه تجاعيد الزمن، وأوراقها الخضراء تهمس حين تمرّ بها الريح، كأنها تحفظ أسرار القصر منذ وُلد الحجر الأول.
جلست إيميليا تحتها، ظهرها مستند إلى الجذع، ويداها فوق بطنها في حركة لم تعد واعية، بل غريزية. كانت أنفاسها بطيئة، منتظمة، لكن قلبها لم يكن كذلك.
اقترب سراب بخطوات خفيفة، لم يُعلن عن نفسه، لم يحتج. وجوده كان كافيًا لتشعر به قبل أن تراه. رفعت رأسها قليلًا، ابتسمت ابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة التي لا تُقدَّم لأحد سواه.
جلس إلى جوارها، قريبًا بما يكفي ليشعر بحرارة جسدها، وبعيدًا بما يكفي ليمنحها المساحة التي تحتاجها. ساد صمت قصير، صمت لا يُحرج، بل يربت.
قال أخيرًا، بصوت منخفض، كأنه يخشى أن يوقظ شيئًا نائمًا في الهواء:
- كيف حالكِ يا أميرتي؟
تنفست إيميليا بعمق، ثم قالت بهدوء:
- أفضل مما كنت أظن وأسوأ مما أُظهر.
هزّ رأسه ببطء، وكأنه كان يتوقع ذلك. نظر إلى بطنها، لم يحدق، فقط لاحظ. الانحناءة الخفيفة التي لم تكن موجودة من قبل. الامتلاء الصغير الذي غيّر ملامحها دون أن يمسّها. قال بصوت أكثر لينًا:
- لقد كبرت معدتك قليلًا.
ابتسمت، وضعت يدها فوق يده دون أن تنظر:
- هو من كبر أنا فقط أفسحت له مكانًا.
تسللت نظرة سراب إلى يدها، إلى الحركة التي تحمي أكثر مما تُلامس. قال بعد لحظة:
- هل يؤلمك؟
هزّت رأسها:
- لا، لكنه يُشعرني..
ثم أضافت بنبرة أقرب للهمس:
- كأنه يذكّرني في كل لحظة أنني لست وحدي، حتى حين أخاف.
صمت سراب. الكلمات علقت في صدره. كم مرة كان وحده حين خاف؟ وكم مرة تمنى لو كان هناك شيء أو أحد يذكّره بذلك؟
قال أخيرًا:
- وأنا؟ هل تشعرين بي كما أشعر بكِ؟
نظرت إليه هذه المرة. لم تبحث في عينيه، بل رأت فيهما. قالت:
- أشعر بك حتى حين تحاول الاختفاء.
ثم مالت نحوه قليلًا:
- ترابط هالاتنا لم ينقطع، لكنه صار مؤلمًا.
ابتلع سراب أنفاسه ببطء. رفع يده، لمس بطنها هذه المرة، بحذر شديد، كأنها شيء هشّ، مقدس، لا يُمسّ إلا بإذن القلب.
- وكيف حاله؟
سألها دون أن يرفع عينيه. ابتسمت إيميليا، ابتسامة أوسع هذه المرة:
- هادئ، عنيد قليلًا..
ثم ضحكت بخفة:
- أظن أنه يشبهك.
ارتعشت شفتاه بابتسامة لم يخطط لها. قال:
- أتمنى أن يرث عنكِ شيئًا، لا أريده أن يحمل كل ما أحمله.
وضعت إيميليا جبهتها على كتفه:
- ومن قال أنني سأسمح بذلك!

ظلّا تحت شجرة الزيتون، لا يتحركان إلا بقدر ما يسمح به التنفس. الريح كانت خفيفة، تلمس الأوراق ثم تبتعد، كأنها تخشى أن تزعج ما يُقال.
قال سراب بعد صمتٍ طال أكثر مما ينبغي:
- إيميليا.. الأيام القادمة لن تكون سهلة.
لم تقل أعلم، لم تقاطعه. اكتفت بأن شدّت يدها فوق يده، إشارة صغيرة تسمح له أن يُكمل.
- ثامر لم يأخذ عاصف فقط..
رفع عينيه إليها:
- أخذ جزءًا من ميزان القوة وأجبرني أن أرى أشياء كنت أتجاهلها.
تنفست بعمق، لم تُظهر خوفًا، لكنها شعرت به. شعرت بارتعاش خافت في هالته، ذلك الارتعاش الذي لا يراه غيرها.
- المملكة المتحالفة، التقنيات البصرية، الشباب الذين هاجمونا.
هزّ رأسه ببطء:
- كل خيط يصل بالذي قبله، وأنا هنا ماثل في المنتصف.
قالت بهدوء:
- والقطع يؤلم.
ابتسم ابتسامة قصيرة مرهقة:
- أحيانًا يقتل.
سكت قليلًا، ثم قال بصوت أخفض:
- سأضطر أن آخذ قرارات لن يفهمها الجميع.
ثم أضاف، وكأنه يختبر الكلمة:
- قرارات قاسية.
رفعت رأسها، نظرت إليه بثبات:
- قاسية على من؟
لم يجب فورًا. نظر إلى الأرض، إلى جذور الشجرة:
- على الجميع، وربما عليّ أكثر.
اقتربت منه أكثر، حتى صار كتفها يلامس كتفه:
- سراب، أنت لا تختار القسوة، أنت تختار النجاة.
ثم وضعت يدها على صدره:
- والفرق بين الاثنين النية.
تنفس بعمق، كأن الكلمات فتحت له ممرًا كان مغلقًا. قال:
- أخاف أن أتحول إلى شيء لا أعرفه، أخاف أن يراني الناس كما يرون ثامر حتى لو اختلفت الأسباب، أخاف أن أخذلكِ.
قال الأخيرة دون أن ينظر إليها. لم تتردد. أمسكت وجهه بيديها، أجبرته على النظر.
- لا تخلط بين من يدمّر لأنه يريد ومن يحمي لأنه مضطر.
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة، قوية:
- أنا لم أتزوج ملكًا، تزوجت الرجل الذي يعود إليّ حين ينكسر.
ارتعشت أنفاسه، لكن صوته خرج ثابتًا:
- وماذا إن طلبت منكِ الوقوف خلفي؟
هزت رأسها نافية:
- لا.
ثم أضافت بنبرة أكثر عمقًا:
- سأقف إلى جوارك، أمامك حين تتعب، وخلفك حين تحتاج أن تمضي دون أن تلتفت.
أنزلت يدها إلى بطنها:
- ونحن لسنا عبئًا عليك.
ابتسمت:
- نحن تذكيرك الوحيد بأنك ما زلت إنسانًا.
مال برأسه على جبهتها، أغلق عينيه:
- إذًا.. حين أخطئ؟
همست:
- سأذكّرك بمن كنت قبل أن تصبح مضطرًا.
ظلّا هكذا لحظة أطول من اللازم، أو ربما أقصر مما تمنّيا.
تحت شجرة الزيتون، لم تُحلّ المشاكل، لم تُرسم الخطط.
لكن قلبًا أثقل قليلًا.
صار قادرًا على الاحتمال أكثر.
تحت شجرة الزيتون، في تلك اللحظة الصغيرة، لم يكن هناك مملكة، ولا أعداء، ولا تنين مختوم، ولا ملك مثقل بالقرارات.
كان هناك رجل وامرأة، وطفلٌ ينمو بهدوء وسط عالمٍ لا يعرف الهدوء.
               

الفصل الثامن عشر: الفراغ والهيمنة (سراب II)

جاري التحميل...

الفصل الثامن عشر: الفراغ والهيمنة

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

في اليوم التالي، لم تعد المملكة كما كانت. لم تكن التغييرات صاخبة ولا واضحة من النظرة الأولى، لكنها كانت محسوسة، كأن المكان نفسه قد أعاد شدّ أوتاره. الناس يتحركون بحذرٍ أقل، لا لأن الخطر زال، بل لأنهم اعتادوا فكرة أنه موجود. الحراس انتشروا بنمط جديد، لا يحرسون فقط، بل يراقبون، يتبادلون إشارات قصيرة، أعينهم لا تتوقف عن القياس.
في إحدى القاعات الجانبية، كانت تولين تقف أمام رهاف، لم يكن التدريب قتالًا هذه المرة، بل صمتًا مركزًا.
قالت بهدوء صارم:
- ما الذي تعرفه عن المعالجين؟
أطرق ثم قال:
- أنهم يعالجون الجراح ويعيدون القوة للأجساد.
هزت رأسها نافية ثم أكملت:
- لا، المعالج هو من يتحكم في المحيط حوله أكثر من الحارس نفسه. إن لم تستطع التحكم في محيطك وهالتك لن تستطيع الصمود.
اقتربت منه خطوة أثارت القلق في داخله، أكملت:
- أراهن على أنك تشعر بالقلق مني الآن.
أجاب بملامح مترددة:
- نعم.
ابتسمت ثم قالت:
- هذا ما يمكن للمعالجين فعله، أنت لست مجرد شخص يداوي، أنت من يحدد كيف ستسير الحرب، أنت خط الدفاع الأول والأخير.. 
استدارت وسارت للأمام ورهاف يتابعها بتوجس حتى اختفت فجأة من أمامه وصارت خلفه مباشرة. قربت فمها من أذنه بينما لم يستطع أن يحرك ساكنًا كأنه مقيد. همست:
- هل تظن أنك قويٌ بما يكفي لتتخطى تأثير قوتي؟
انساب عرق بارد على جبينه فأكملت:
- ما بك هل أكل القط لسانك؟ أم أن الضعف يغمرك..
في الساحة المقابلة، كان هاشم يقف وسط دائرة محفورة في الأرض. أمامه سيرين، هالتها الزرقاء مشدودة حولها بدقة.
كان هاشم غير مفعلٍ لهالته بينما سيرين كانت تخطط داخل عقلها للهجوم عليه ومباغتته من الخلف عن طريق الاختفاء والظهور المفاجئ، كل شيء كان يسير وفق خطتها، هاجمت هجمات عشوائية ضعيفة في مختلف الاتجاهات لتشتيت انتباهه وماريس بفضل تشتت قوة هالته في مختلف الاتجاهات كان يساعدها دون علمٍ منه.
انتظرت اللحظة التي تشتت عينا هاشم عنها وفي لحظة اختفت وظهرت من خلفه ويدها مشدودة بقوة هالتها، ولكن في اللحظة الأخيرة وقبل أن تصل يدها إليه، سقطت على الأرض هي وماريس بتأثير قوته.
فعل هاشم هالته لأقصى حد فأنشأ ضغطًا بدد هالتيهما في لحظة ليسقط كلاهما على الأرض في الحال.
قال:
- أتعتقدين أن خطة كتلك قد تنطلي على عجوزٍ مثلي؟ وأنت يا ماريس، ما بال الضعف الذي يغمرك؟ جسدك صلبٌ لكن عقلك.. دعنا نقل أنّه فارغ.
***

أما في قاعة التدريب، فكان الصمت مختلفًا..
اختار سراب إيلان تحديدًا ليدربه بنفسه، كان يرى فيه نفسه القديمة، تلك النفس التي لم تقدر على فعل شيء سابقًا، تلك النفس التي كانت تنتظر من يرشدها إلى الطريق الصحيح.
وقفا متقابلين. لا مسافة تدريب رسمية، لا خطوط أرضية والعشب الأخضر من حولهما يتراقص بفعل انبعاث هالتهما.
قال سراب ناظرًا لعيني إيلان وقد لاحظ فيهما تغيرًا:
- هل تعلم أين نحن؟
أجاب:
- قاعة التدريب، تلك القاعة التي اتخذت منها المستقر.
لم يبتسم، لم تتغير تعابير وجهه الهادئة، زاد من انبعاث هالته حتى باتت مقارعة لهالة إيلان، عقد يديه خلف ظهره وقال ببرود لم يعهده إيلان:
- اقترب.
اتخذ إيلان وضعية مناسبة وراقب سراب بعينيه. قال في نفسه:
"استقامة ظهره، عقد اليدين خلف ظهره، نظرته الباردة، كل ذلك يوحي بثقته أنني لن أصيبه. متعجرف بقوته حتى أنه ترك أمامي ثغرات متاحة لمهاجمته، بالرغم من أن قوته لابد وأنها تناقصت منذ رحيل عاصف."
شد قبضتيه وبات ينتظر اللحظة المناسبة للهجوم بينما سراب يراقبه بصمت ثقيل. ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة. قال بنبرة مستهزئة:
- إن كانت قوتي ما يربكك فسوف أبطلها.
ثم أخمد هالته، شعر إيلان أنه قد تم الاستهزاء به وأثار ذلك غضبه، اندفع بكل قوته وسرعته نحوه بلا إدراك منه أن هذا ما كان سراب يريده.
وبمجرد أن انطلق كان قد خسر المواجهة.. تبدل المشهد حوله في لحظة وكسا السواد كل شيء حوله. اختفى سراب من أمامه وبقي هو يطفو في الفراغ. التفت حوله، يمينًا ويسارًا، نفس السواد لا شيء آخر. اتخذ وضعية دفاعية تحسبًا لأي هجمة غير متوقعة. وبالفعل كانت غير متوقعة.
لم يهجم عليه سراب ولم يقترب منه حتى، بل تركه يغرق في بحر ذكرياته المؤلمة، تركه يرى المشهد ذاته مرة أخرى..
بيته وهو يحترق، قاسم وثامر أمامه وأجساد عائلته على الأرض.. الابتسامة الخبيثة على محيا ثامر..
ارتفع صدره وانخفض بسرعة عدة مرات، صرخ بأعلى صوته طالبًا من سراب أن يتوقف، بعد لحظات اختفى كل شيء كما كان. ساحة التدريب الخضراء من حوله وسراب أمامه.
أما هو فكان جاثيًا على الأرض وعيناه غارقتان بالدموع. رفع نظره إلى سراب، نفس النظرة الباردة لم تتغير. قال سراب:
- لن يمهلك أحد الوقت ولن يعطف عليك الآخرون، سيستغلون كل لحظة تكون فيها مندفعًا بمشاعرك.. هكذا هي الحرب وهكذا تكون المكيدة. القوة ليست فيمن يملك الجسد الأقوى أو الهالة التي لا مثيل لها.. القوة هي أن تدعس على ألمك وتسير أمام الناس مبتسمًا، أن تخفي كل ما تشعر به، أن تتحكم في انفعالاتك.. هذا ما سأعلمه إياك.
في تلك اللحظة تحديدًا ومن بين كل اللحظات أدرك إيلان أمام من يقف، هو لا يقف أمام مجرد ملك، ولا مجرد حارس أو مختار هو الأقوى كما قيل.. 
شعر أن بداخله شيء قد تغير، لا يعرف إن كان ذلك التغيير للأفضل أم للأسوأ لكن ما أيقنه أن دموعه التي كانت تتدفق من عينيه بغزارة توقفت وباتت كأن لم تكن.
سار سراب نحوه حتى باتت تفصل بينهما خطوة واحدة، نزل على ركبته، أكمل:
- مرحبًا بك في عالمي الخاص. مرحبًا بك في مملكتي الخاصة التي لا يعرف أحد عنها شيئًا. هنا يجب أن تعلم أنني من أضع القوانين بما يرضي تقلباتي الباردة والمجنونة، تلك هي طريقتي في النجاة وقريبًا ستكون طريقتك كذلك. أما الآن، وحتى الغد وما بعد الغد وحتى نصل إلى أعماق قوتك الضئيلة التي لا معنى لها أمام قوتي سأبقى أدفع بك إلى أسوأ ما يمكنك تخيله وما لا يستطيع عقلك التخيل. لن أكذب عليك إن قلت أن الجانب المجنون مني يريد قتلك أثناء الرحلة ولكنك في الوقت ذاته تعتبر شخصًا مميزًا بالنسبة لي فسأتساهل معك أحيانًا لكنني لن أتهاون أو أتردد لحظة واحدة في دفعك إلى أعماق اليأس. أتمنى لك رحلة ممتعة يا صديقي السرابي. السراب سيصبح عنوانك شئت أم أبيت.
في تلك اللحظة كان المرح قد بدأ بالنسبة لمن فقد صديقه، أطلق هالته البيضاء بأقصى ما يستطيع الوصول إليه، دفع بها لأن تملأ المكان بأكمله، لم يرفع قوته بالهدوء المعتاد بل رفعها دفعة واحدة بشكل مفاجئ كي يدب الرعب في قلب الذي يجثو أمامه وجفت دموعه على وجنتيه. 
إيلان كان متجمدًا في مكانه، كل البرود واللامبالاة التي كان يمتلكها لا تشكل الآن شيئًا أمام ما يرى من القوة والجنون، عيناه التي كانت ذات مرة حادة مخيفة تشبه الآن عيون القطط المبتلة أمام عيون سراب المتوهجة الباردة. لم يشعر فقط بالخوف منها، شعر بأن عيني سراب تلتهمه، تبث داخله كل شعور ممكن بالخوف والاضطراب.
شعر بالضياع فيهما، تلك العينان الباردة، ما الذي جعلها تكون هكذا؟ هذا ما كان يفكر به وروحه ترتعش داخله. 
***

قرر سراب بعد يوم كامل في القاعة من تدريب إيلان أن يتركه قليلًا ليهدأ عقله من كم الاضطرابات والصدمات التي سببها له.. كان يعلم علم اليقين أنه مهما كانت قوة إيلان النفسية قوية فإنها لن تصمد أمامه.
تركه يستريح في القاعة بينما عاد للمملكة مرة أخرى ليتابع آخر التطورات في تدريب المتدربين وإن توصل ثلاثتهم لشيء.
كي يعود للمملكة كان عليه أن يمر بقرية القمر التي كان ذات يوم ساكنًا لها. حدث نفسه بمجرد خروجه من قاعة التدريب قائلًا:
- قاعة الحراس.. حيث كانت البداية، تلك الفتحة الدائرية في السقف التي يسقط منها ضوء القمر الأزرق على تلك الصخرة التي أعلمها جيدًا. كل شيء مر سريعًا، انظر أين أصبحنا الآن؟
مر بعينيه سريعًا على نقوش وجوه الحراس على الجدران حتى وصل لنقش قماريس، حارس القمر الأول الذي بدأت من عنده ومن عند كاروس القصة كلها. لم يبد أي شيء، على النقيض تمامًا، التفت نحو الممر الطويل الذي تؤدي نهايته إلى قرية القمر. لم يرد السير هذه المرة، أراد أن يدفع بنفسه نحو هلاكه باستهلاك كل قوته بالرغم من علمه المسبق أن احتمالًا مثل ذلك غير قابل للتحقق.
فعل هالته وانتقل لحظيًا لنهاية الممر وجلس على أطرافه باسطًا هالته في الأرجاء كأنه يريد التحقق أنه ما يزال حيًا وأن كل ذلك ليس حلمًا. 
تأمل نافورة القمر في منتصف القرية، النافورة نفسها التي كانت بداية للكثير من اللحظات المثيرة للاهتمام.
- من يصدق أن نافورة كتلك هي مركز الاتصال بين القرى الخمس، أو حتى العالم خارج القرى؟ ذلك العالم الذي أبيد، حياة غريبة! كل شخص يريد الوصول لما يريد يتشكل بالهيئة التي يريد حتى يصل مبتغاه.. آنذاك قاسم وثامر كانا مالك وضياء وكنت أنا الأحمق الذي سلم كل شيء لهما!
تنهد بمرارة:
- قماريس، ظافر، تولين، هاشم.. 
ثم تذكر إيميليا، ليست إيميليا بالتحديد، بل الرؤيا التي رآها فيها للمرة الأولى. ابتسم لا شعوريًا، قال بارتياح بملامح هادئة:
- جاءت ملامحكِ المنامَ فأشرقت حتى تلاشى الحزنُ من أركاني، إن كان طيفُكِ في الرؤى متكرمًا فدعيني أعيش العمرَ في أحلامي.
تنهد بارتياح كأنه أفرغ كل ما بجعبته، نهض مكانه وتوجه للنافورة وسط أزقة وأكواخ القرية الساكنة.. انتقل مباشرة خراج القرية ثم بعدها لحظيًا للمملكة. كان يعلم أنه لا وقت بالنسبة له كي يتجول في الأرجاء باحثًا عن أطلال الماضي.
أرسل إشارات إلى ثلاثتهم كي يحضروا أمامه في الحال.. بعد وقت قليل كان الثلاثة أمامه. تمعن وجوههم بملامح هادئة مخفيًا ما خلفها، ثم قال بهدوء:
 - مرحبًا بعودتي.
قال هاشم:
- بالطبع لم تأتِ بنا إلى هنا كي ترحب بنفسك، دعني أخمن بما أنك أغلقت منافذ عقلك، تريد معرفة الأخبار الأخيرة عن تدريبهم، أليس كذلك؟
- بارعٌ في القراءة كعادتك. أصبت يا والدي.
ابتسم هاشم، قال:
- سيرين وماريس تطورهما ملحوظ، ماريس يتحكم في هالته بشكل أفضل من السابق وسيرين هادئة لكنها تفتقر لبعض القوة.
- وردود أفعالها؟
- أعمل عليها.
هز رأسه ثم نظر لآدم، فقال:
- المملكة آمنة حتى الآن، لا تحركات مشبوهة.
- والمحاربون؟
- في مواقعهم حول المملكة.
هز رأسه مرة أخرى ثم قال:
- جيد، شكرًا لكما وآسف على إحضاركما إلى هنا.
ابتسم كلاهما دون أن يضيفا أي شيء وبقيت تولين معه منتظرة ما يريد إخبارها به، انتظرت بوجه كسته الملامح القلقة على حالته، لكنه لم يسألها عن رهاف.
- هل صار شيء لإيميليا؟
لم تتفاجأ، فأجابت بسرعة:
- في الحقيقة لا أعلم.
أومأ متفهمًا وشكرها ثم فعل هالته وانتقل لمكانها، باحة القصر تحت شجرة الزيتون.
               

الفصل السابع عشر: لحظة الاعتراف - سراب II

جاري التحميل...

الفصل السابع عشر: لحظة الاعتراف

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

نهض سراب من أمام إيلان دون كلمة إضافية. لم يكن في حركته جفاء، ولا تردد، فقط قرار أُخذ وانتهى. مد يده إلى تولين، وما إن لامست أصابعه معصمها حتى انطوى المكان حولهما، كأن الهواء طُوي على نفسه، ليظهرا في قلب القلعة.
بمجرد وصولهما تحركت إيميليا إلى سراب، اقتربت من سراب بخطوتين سريعتين، توقفت عنده، لم تحتضنه، لم تسأله، فقط رفعت يدها ولمسته عند صدره، كأنها تتأكد أنه ما يزال هنا. حين شعرت بانتظام أنفاسه، فقط حينها أغمضت عينيها لثانية واحدة.
لم يحتج أحد إلى سؤال..
وبعد لحظات، كان هاشم وآدم هناك، وملامحهما مشدودة كوترٍ قُطع نصفه. بعد صمت ثقيل قال هاشم أخيرًا:
- ثامر لم يأتِ ليستعرض قوته.
أجابه آدم:
- ولا ليسرق فقط.
رفع سراب رأسه ببطء. عينيه كانتا حاضرتين، لكن شيئًا فيهما كان بعيدًا. قال بصوت منخفض:
- التقنيات التي استخدموها..
ثم صمت، تحركت تولين خطوة للأمام، عقدت ذراعيها:
- هي تقنيات بصرية، لكنها ليست كالتي نعرفها. ليست خداعًا للحواس فقط، بل إعادة ترتيب لما تراه وتدركه في اللحظة نفسها.
قال هاشم بحدة مكبوتة:
- هذا مستحيل. تلك التقنيات لا تُستخدم إلا في..
رفع سراب عينيه إليه:
- إلا في المملكة المتحالفة مع الحراس. نعم.
ساد صمت ثقيل، شدت إيميليا أصابعها معًا وقالت:
- لكنهم لم يستطيعوا الدخول إليها من قبل.. الشجرة لم تستجب.
هزّ آدم رأسه:
- من قال ذلك؟ ربما استطاعوا الدخول نحن لا زلنا لا نعلم شيئًا بعد.
وقبل أن يُكمل النقاش، انزلق عقل سراب بعيدًا، لم يكن يريد ذلك، لم يسمح لنفسه عادة، لكن الفراغ الذي تركه عاصف كان أوسع من أن يُتجاهل. تذكر صوته الساخر.. "تبًا لك يا ملك، لو متّ سأضطر لحمايتك من العالم الآخر أيضًا."
وتذكر سخريته حين كان يصمت طويلًا، تذكر كيف كان عاصف أول من يسخر وأول من يقف خلفه دون شرط.
"لا تنظر، اشعر." الجملة مازالت ترن في رأسه. شدّ سراب قبضته دون أن ينتبه، كان عاصف أكثر من تنين، كان صديقه المقرب والمرآة الوحيدة التي لا تكذب.
- سراب.
صوت إيميليا أعاده. رفع رأسه، تنفس بعمق، كأن الهواء عاد إلى صدره متأخرًا. قال أخيرًا، بنبرة أقل شرودًا وأكثر حسمًا:
- ثامر لم يتعلم هذه التقنيات وحده، والشباب الذين معه، لم يكونوا جنودًا، كانوا أدوات.
قالت تولين:
- تقصد أن هناك ترابط؟ رابط بينه وبين المملكة المتحالفة؟
أومأ سراب ببطء:
- رابط أو ثغرة لا نعرفها.. الحقيقة المرة هي أننا لا نعرف كيف وصل ثامر لتلك التقنيات. والأمر أننا لا نعرف بأي صف تقف تلك المملكة.. 
ثم أضاف بصوت أخفض أقرب للهمس ويكاد لا يُسمع:
- وأيًا كان، فقد مرّ من خلالها وأخذ عاصف.
اقتربت إيميليا منه أخيرًا، واضعة يدها على ذراعه:
- سنعيده.
قال هاشم:
- إذًا علينا أن نعيد التفكير في كل ما نعرفه عن تلك المملكة.
رد سراب، هذه المرة دون تردد:
- لا.
ثم التفت إليهم جميعًا:
- علينا أن نعرف مالا نعرفه عنها.
وفي أعماقه، خلف كل التفكير، خلف كل الخطط، كان هناك شيء واحد فقط واضح تمامًا..
الشك.
كل الاحتمالات تؤدي لنفس النتيجة، المملكة لابد وأن خيطًا ما يربطها بثامر. ولكن كيف لخيط كهذا أن يصير؟ تلك المملكة متحالفة مع الحراس منذ عقود طويلة ناهيك عن سريتها الشديدة وأن لا أحد سُمح له بدخولها إلا سراب أو من خضع لتأثير قوته. فكيف إذًا؟
لم تكن الحيرة في الكلمات، بل فيما لم يُقَل. 
وقف سراب في مكانه بعد حديثهم، جسده حاضر، لكن هالته لم تكن مستقرة. لم تكن مضطربة بعنف، بل متكسّرة، كأنها تحاول أن تتماسك ولا تنجح.
شعرت إيميليا بذلك قبل أن يرفَع رأسه، قبل أن يبتعد بخطوة واحدة. شعرت بالضغط الخافت في صدرها، ذلك الوجع غير المحدد الذي لا يأتي إلا حين يكون هو على حافة لا يراها أحد غيرها.
همست باسمه:
- سراب...
الهواء حوله انكمش فجأة وفي لحظة لم يستطع أحد منعه من الاختفاء، حتى إيميليا، حتى تولين.
لم يكن المكان مقصودًا، ظهر عند أطراف المملكة، حيث الأرض صخرية والسماء أقرب مما ينبغي، حيث لا شيء يُشبه القلعة ولا الناس ولا الذكريات. وقف هناك، ظهره إلى الفراغ، كأن العالم كله أصبح خلفه فجأة.
قبضته ارتجفت للمرة الأولى منذ زمن طويل، لم يعرف ما القرار الصحيح..
- كنت هنا يا عاصف..
خرجت الجملة مبحوحة، لا خطاب فيها ولا نداء، مجرد اعتراف سقط دون إذن. شدّ أنفاسه، لكن الهواء لم يملأ صدره. شعر بالفراغ مكانه، مكان ذاك الصوت الذي كان يملأ الصمت سخريةً وحضورًا.
ثم شعر بها، شعر بهالتها، بحضورها الهادئ، إيميليا.. 
لم تقترب فورًا. وقفت خلفه بخطوتين، كأنها تقرأ انحناءة كتفيه، ثقل رأسه، التشقق الصامت في هالته.
قالت بهدوء لم تحاول فيه أن تكون قوية:
- لم تنتقل بعيدًا بما يكفي.
ضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي شيء:
- لم أكن أحاول.
استدارت لتواجهه من الجانب، رأت عينيه أخيرًا. لم تكن غاضبة، ولم تكن دامعة. كانت فارغة بطريقة أخافت قلبها.
- أنت تضيع.
قال دون أن يلتفت:
- لا، أنا واقف.
ثم انفلتت الكلمات:
- أنا فقط لا أعرف كيف أكون ملكًا بدون ما أكون أنا.
اقتربت خطوة وقالت بصوت هادئ:
- أنت لم تكن ملكًا حين أصبح عاصف معك، ولم تكت ملكًا حين واجهت ثامر والمحاربين بمفردك. لقد كنت ملكًا من قبل أن تعرف أنك مختار..
التفت إليها أخيرًا، وصوته انكسر رغم محاولته:
- لكنه كان معي، كان الجزء الذي يقويني.
ثم، بصراحة جارحة:
- كان الجزء الذي لا يسقط.
شعرت بالوجع يعبرها كما لو كان وجعها هي. لم تحاول إنكاره، لم تقل له سنستعيده، لم تقل رفعت يدها، وضعتها على صدره حيث كان جرحه الذي التأم.
 - أنت لا تنكسر لأنك ضعيف.
قالتها بصوت منخفض، ثم أكملت:
- أنت تنكسر لأنك تحمل أكثر مما يجب دائمًا.
أغمض عينيه. للمرة الأولى لم يقاوم الشعور. قال بصوت خافت:
- أنا خائف.
كانت تلك أول مرة يقولها، كانت أول مرة يصارحها يما يشعر. اقتربت أكثر، حتى لامس جبينه جبينها.
- أعرف.
ثم أضافت:
- وأنا هنا، لا لأمنع خوفك بل لأقف فيه معك.
انخفض جسده قليلًا، كأن ثقلًا أُزيل فجأة. لم يحتضنها بقوة، بل استند إليها، كما يستند من أنهكه الوقوف طويلًا.
- لو خسرتك أنتِ أيضًا...
قاطعته فورًا، بحزمٍ لم يكن صراخًا:
- لن تخسرني.
ثم أضافت بصوت أهدأ:
- لكنك إن واصلت الوقوف وحدك، ستخسر نفسك.
رفعت رأسه بيديها برفق:
- أنت لست مطالبًا أن تكون ثابتًا طوال الوقت، سراب.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، مؤلمة:
- حتى الملوك يحتاجون إلى من يحملهم أحيانًا.
               

الفصل السادس عشر: ظل الفقد | سراب II

جاري التحميل...

الفصل السادس عشر: ظل الفقد

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

لم يختفِ الاضطراب تمامًا، لكنه لم يعد يسيطر. بعد خطاب سراب، لم يعد الناس يصرخون، ولم يعودوا يركضون بلا وجهة. كان الخوف لا يزال هناك، لكنّه انكمش، صار شيئًا يمكن حمله بدل أن يحملهم. بعضهم تشبث بكلمات الملك، بعضهم تشبث ببعضه، والبعض الآخر وقف صامتًا، يراقب السماء كأنها قد تجيب.
سراب شعر بذلك التغير. لم يحتج أن يراه، الهالات تخبره بكل شيء. أغلق عينيه للحظة قصيرة، ثم مد يده المصابة إلى الأمام. الهواء حوله اهتزّ، لا بعنف، بل بثقل. ومن خلفه، بدأ عاصف يتشكل.
خرج عاصف كظل أبيض كثيف، عيناه كانتا أول ما ظهر، ضوء هادئ لكنه عميق، كبحيرة تعرف كم غرقت فيها أشياء ولم تخرج. 
قال سراب موجّهًا لعاصف وحده:
- ابقَ قريبًا.
رد عاصف بنبرة لم تكن مازحة هذه المرة:
- لن أبتعد.
خلفه، كانت تولين لا تزال تضع يدها على صدره، هالتها تعمل بدقة مؤلمة. لم تكن تعالجه فقط، كانت تُجبر جسده على التماسك، على ألا ينهار الآن. قالت دون أن ترفع عينيها:
- لا تحاول أن تكون ملكًا الآن، كن جسدًا حيًا فقط.
لم يردأ اكتفى بهزة رأس خفيفة. ثم.. تغيّر الهواء. لم يكن هجومًا واحدًا، ولا صرخة واحدة، كانت نقاطًا متعددة من الضغط تظهر فجأة خارج حدود القرية، كأن المكان نفسه يُقرص من أطرافه.
خمسة لا أكثر، الهالات ذاتها والوجوه الشاحبة نفسها، ذلك السواد الذي تشابك بالأرجواني، لكن التجمع السابق في الغابة أصبح تفرقًا على جهات القرية المختلفة كأنها خطة ذكية مدروسة.
قال عاصف بحدة:
- إنهم لا يريدون الدخول.
فهم سراب فورًا. رفع يده، وأطلق أمرًا واحدًا عبر الهالات للمحاربين الثمانية:
- لا أحد يخرج خارج حقل الطاقة.
المحاربون الذين اندفعوا غريزيًا توقفوا فجأة، كأن حائطًا غير مرئي ارتفع أمامهم. وفي اللحظة التالية، بدأ الهجوم الحقيقي. لم يتقدم أي من الخمسة أو يندفع بل أطلقوا تقنياتهم.
الهواء نفسه انكسر، الضوء تشوّه، المسافات فقدت معناها. ما كان خارج الطوق بدا فجأة أقرب، وما كان قريبًا بدا بعيدًا. بعض المحاربين شعروا وكأن الأرض تسحبهم خطوة للأمام دون أن يتحركوا. 
صرخت تولين:
- هذا ليس هجومًا هذه هي التقنيات التي حدثتنا عنها!
وفجأة، وجد عدد من المحاربين أنفسهم خارج طوق الحماية، دون أن يشعروا كيف خرجوا. وقبل أن يستطيع سراب تعديل شيء، ظهر..
لم يخرج من ظل..
لم يأت من السماء..
كان هناك ببساطة..
ثامر.
وقف على مسافة قصيرة، ملامحه هادئة على نحو مستفز، كأن ما يحدث حوله مجرد ترتيب جانبي. عيناه استقرتا على عاصف، لا على سراب. ابتسم بخبث:
- أرجو ألا أكون قد تأخرت على مملكتك أيها الملك السارق.
تحركت تولين فورًا، أطلقت هالتها نحوه، لكن الضربة لم تصل. لم تنحرف بل تلاشت، كأنها دخلت مشهدًا ليس حقيقيًا.
قال سراب وهو يحاول الوقوف:
- أيها الوغد اللعين!
في حركة سريعة مد ثامر يده، ورسم بخط واحد في الهواء رمزًا معقدًا. الضوء انغلق على نفسه، ثم انقضّ على عاصف.
شعر سراب بالقطع الذي حدث كأن قوته كانت تُسحب منه تدريجيًا، لم يشعر بالألم، شعر بالفراغ..
صرخ بأعلى صوته متجاهلًا الألم الذي أصاب صدره:
- عاصف!
لكن الصوت لم يجد شيئًا يعود به، الهالة البيضاء انكمشت فجأة، ثم اختفت داخل ختم مظلم انغلق كقلبٍ أُجبر على التوقف. 
تراجع سراب خطوة واحدة، كأن جزءًا من وعيه سُحب معه. تحرك ثامر نحوه، ببطء، وقال بابتسامة صفراء وصوتٍ لا يخلو من الحدة:
- الآن.. يمكنني قتلك ومن ثم أميرتك الحقيرة.
لكن قبل أن يصل، كانت تولين قد أنهت العلاج، وضعت يدها على الأرض، وأطلقت هالتها دفعة واحدة، ليس نحوه، بل نحو المجال نفسه. حاولت كسره، تشويهه، فتح ثغرة..
انضم سراب إليها، رغم الألم، حاول أن يستدعي ما تبقى منه، ما تبقى من الرابط.. لكن التقنية البصرية كانت حاضرة.
كل ضربة بدت وكأنها تصل ثم لا تفعل، كل محاولة إمساك تنتهي بفراغ. تراجع ثامر خطوة لكن سراب ما لبث أن تسارع نحوه مسددًا لكمات وضربات حول جسده كله وتولين من خلفه واضعة يدها على الأرض جاعلة هالتها من الأنصال الحادة هاجمة بها على ثامر من كل اتجاه..
ولكن، لم تصل أي من ضرباته أو هجماتها إليه، كان ثامر يتفادى كل الضربات ويصد الأخرى بالتقنيات البصرية.
قال ثامر ناظرًا إلى سراب باستهزاء:
- لم آت لأقاتل، جئت لأذكّرك.. أنك لست وحدك من يتعلم.
وفي اللحظة التالية، اختفى.. 
الشباب الذين معه تلاشت هالاتهم في آن واحد، كما لو أنهم لم يكونوا هناك أصلًا.
عاد الصمت، لكن هذه المرة.. لم يكن صمت أمان. كان صمت ما بعد الخسارة. وقف سراب مكانه، صدره يعلو ويهبط، يده ممدودة إلى حيث كان عاصف قبل لحظات. قال بصوت لم يسمعه إلا من كان قريبًا:
- لقد أخذ صديقي..
ثم صمت غارقًا في الكآبة دون أن ينطق بكلمة أخرى.. قال بصوت لم يسمعه إلا من كان قريبًا.. حاولت السير نحوه وسحب ما به بهالتها لكنه دفعها بهالة أقوى مانعًا إياها من الاقتراب..
كان إيلان ما يزال على الأرض، لم يسقط حين نُقلوا إلى حدود المملكة، لكنه لم ينهض أيضًا. ركبته كانت ملامسة للحجر، كفّه مغروسة في التراب كأنه يتمسك بشيء يثبّته في هذا العالم. كل ما حدث منذ الغابة وحتى الآن مرّ أمامه بلا فواصل، بلا فرصة للفهم.
رأى سراب وهو يُصدر الأوامر، رأى كيف توقّف المحاربون فورًا، كيف انصاعت الهالات لصوته دون تردد. لم يكن في صوته صراخ، ولا استعجال، فقط يقين. ذلك النوع من اليقين الذي لا يولد من القوة، بل من المسؤولية.
ثم رأى عاصف ورأى كيف اختفى.. 
في تلك اللحظة، انقبض صدر إيلان بشدة. لم يكن يعرف عاصف كما يعرفه سراب، لكنه شعر بالفقد كأن شيئًا انتُزع من المشهد كله، من توازنه. لاحظ كيف توقّف سراب عن الحركة لثانية واحدة فقط. ثانية قصيرة.. لكنها كانت كافية ليشعر إيلان أن الملك كاد يسقط.
لكنه لم يسقط.. وقف سراب مكانه، لم يصرخ، لم ينهَر، لم يندفع خلف ثامر. بل فعل ما لم يتخيله إيلان ممكنًا. استدار نحو من لم يُخلى من شعبه. 
سمعه وهو يتحدث، لا كملك يطمئن رعاياه، بل كواحدٍ منهم، كمن ذاق الخسارة ويعرف ثمنها. رأى كيف هدأت الهالات، كيف تراجع الهلع خطوة للخلف، فقط لأن شخصًا واحدًا قرر أن يقف ثابتًا.
شعر إيلان بشيء ينكسر داخله.. ثم يُعاد تركيبه.
لم تكن الصدمة في أن سراب خسر عاصف، الصدمة الحقيقية أنه اختار الوقوف بعد الخسارة.
 حين انتهى كل شيء، وحين بدأ الناس يتحركون بأوامر واضحة، شعر إيلان بنظرة تقع عليه. رفع رأسه ببطء.. كان سراب ينظر إليه.
اقترب منه خطوتين، رغم التعب الواضح في جسده، ورغم الفراغ الذي ما زال معلقًا في هالته. لم يقل شيئًا للحظة، فقط ابتسم. ابتسامة هادئة، صادقة، لا تشبه ابتسامات النصر. قال:
- الآن أصبحنا متشابهين.
تجمّد إيلان:
- ماذا تقصد؟
أجاب سراب بصوت منخفض، لكنه ثابت:
- كلانا يعرف كيف يبدو الفقد. والآن، كلانا يعرف ماذا يفعل بعده.
في تلك اللحظة، أدرك إيلان أن سراب لم يعد مجرد ملك، ولا حتى مجرد صديق، بل صورة لما يمكن أن يكونه الإنسان حين يُجبر على الاختيار بين الانكسار والوقوف.
               

الفصل الخامس عشر: الاختبار الأخير (روايه سراب II)

جاري التحميل...

الفصل الخامس عشر: الاختبار الأخير

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

بعد ثلاثة أيام من عودته للمملكة أفلت من إيميليا بصعوبة بالغة ليحضر التدريبات ويتابع تطور المتدربين. برغم معرفته من أن خطوة كتلك من المحتمل أن تسبب له صداعًا لا يحتمل من أميرته إلا أنه يملك ما يجب إنجازه ومتابعته فضرب بكل تهديداتها عرض الحائط وتلاعب معها بأسلوبه الهادئ كي يستطيع الفرار.
لم يكن التدريب في ذلك الصباح استعراضًا للقوة، بل اختبارًا لما تبقّى بعدها. الأجساد نفسها، الساحة ذاتها، لكن شيئًا خفيًا تغيّر. 
سيرين كانت أول من تحرّك. هالتها الزرقاء لم تتّسع كما في السابق، بل انكمشت حول جسدها بدقة أكبر، أكثر صفاءً، كأنها تعلمت أن الهدوء ليس ضعفًا بل اختيارًا. حين أغلقتها، لم يلحظ أحد لحظة الإنطفاء، فقط اختفت.
رهاف لم يعد يقاتل هالته. الفضيّ ما زال متقطّعًا، لكن الفواصل بين الوميض صارت أقصر، أكثر انتظامًا. لم يصل إلى السيطرة، لكنه لم يعد يتراجع عنها أيضًا. 
ماريس كان التطور عنده مختلفًا. القوة ذاتها، الاندفاع ذاته، لكن حين أوقف هالته هذه المرة، سقط على ركبته الواحدة لا لأنه أُنهك، بل لأنه توقف بإرادته. رفع رأسه إلى سراب، لم يبتسم، لكنه لم يتحدَّ.
أما إيلان، فلم يكن تطوره في الهالة، هالته الأرجوانية ظهرت كما كانت: دخان يعرف طريقه. لكن الفرق كان في عينيه. لم يعد ينظر إلى الأرض طوال الوقت، ولم يعد ينظر للآخرين كتحدٍّ. كان حاضرًا، فقط حاضرًا.
لاحظ سراب ذلك، ولم يعلّق. 
بعد انتهاء التدريب، تفرّقوا بصمت معتاد، صمت لا يعني النفور، بل الاعتياد
إيلان لم يتجه إلى القرية، ولا إلى بيت هلال. وجد نفسه يسير بلا قرار، كما حدث من قبل، حتى أدرك متأخرًا أنه يسلك أطراف القرية.
وكانت ليا هناك..
لم تجلس هذه المرة. كانت تمشي ببطء، حافية القدمين تقريبًا، تحمل بيدها كيسًا صغيرًا من الأعشاب. توقفت حين رأته، لا بدهشة، بل باعتراف هادئ.
- ثانية؟
قالتها وهي ترفع حاجبها بخفة.
- يبدو أن أطراف القرية تحب المصادفات. 
أجابها دون حدة.
سارا معًا، لا بمحاذاة بعضهما تمامًا، ولا متباعدين. المسافة بينهما مريحة، غير ملزمة.
قالت بعد لحظة:
- سمعتُ أنهم شددوا التدريب مؤخرًا.
- نعم.
ثم أضاف بعد صمت قصير:
- ليس لأننا ضعفاء بل لأن من سبقونا دفعوا ثمن قوتهم وحدهم.
نظرت إليه ليا جانبًا، مهتمة للمرة الأولى حقًا:
- تقصد سراب؟
أومأ:
- سراب لم يصبح ما هو عليه بسهولة.
قالها إيلان، وصوته لم يكن حادًا ولا معجبًا، بل متفهمًا.. 
توقفا قرب شجرة قصيرة تطل على السهل. أكمل:
- الجميع يرونه قويًا، مختارًا، محاطًا بالحراس، لكن لا أحد يتحدث عن كم مرة اضطر أن يكون وحده، أو كم مرة اختار أن يتحمل بدلًا عن غيره.
قالت ليا بهدوء:
- يبدو أنك ترى مالا يقوله الناس.
ابتسم ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت:
- ربما لأنني أعرف كيف يكون المرء حاضرًا بالجسد، وغائبًا بالروح.
لم ترد فورًا. ثم قالت:
- هل تخشاه؟
فكر للحظة:
- لا.
ثم صحح:
- أخشاه كما يُخشى الطريق الطويل، لا لأنه مخيف، بل لأنه يغيرك.
***

وفي اليوم التالي، كان الهواء أبرد من المعتاد. خرج سراب وإيلان وحدهما، دون حراس، دون إعلان. سارا خارج حدود القرية، حيث تنتهي البيوت ويبدأ الصمت الحقيقي. حافة الجبل كانت هناك، كما لو أنها تنتظر.
من فوقها، بدت الغابة الشمالية كثيفة، مظلمة، مشقوقة بنهر طويل يشقها نصفين، ماؤه يعكس السماء بلون داكن لا يبعث على الطمأنينة. وقفا جنبًا إلى جنب.
قال سراب بهدوء بينما اهتز معطفه قليلًا إثر الهواء:
- أبسط مما نظن وأعقد مما نتخيل.. هذه هي الغابة الشمالية.
لكنه لم يستطع أن يكمل لأن صرخة شقت الهواء. لم تكن الصرخة بشرية تمامًا، كانت حادّة أكثر مما يجب، كأن الهواء نفسه انشق قبل أن يصل الصوت.
تحرك سراب غريزيًا خطوة إلى الأمام، دون أن يلتفت، ووضع إيلان خلفه، في اللحظة ذاتها، اهتزت أطراف الجبل، وانفجرت خمس هالات من بين الأشجار دفعة واحدة. ظهروا بنفس العدد بنفس الوجوه الشاحبة، لكنهم لم يكونوا كما يتذكرهم.
هالاتهم لم تعد تنفجر بعنف أعمى، بل تدفقت كتيارٍ مظلم منظم، يتداخل فيه السواد مع الأرجواني، لكن هذه المرة لم يكن الدخان عشوائيًا كان منسوجًا، يتشكل في طبقات هندسية، كأن أحدًا أعاد كتابة قوانين طاقتهم.
قال إيلان بصوت منخفض، مشدود:
- هم...
لم يحتج سراب أن يسمع البقية، تحرك أولهم بسرعة غير طبيعية، لم يندفع، بل انزلق في الهواء، وكأن الأرض لم تعد تعنيه. الشفرة في يده لم تعد بدائية؛ الضوء حولها كان مكسورًا، مشوّهًا، كأنه يُرى من أكثر من زاوية في الوقت ذاته.
رفع سراب يده، وأطلق هالته الرمادية، لكنها لم تتوسع، توقف مكانه لما أحس أن شيئًا كان خاطئًا. الهالة الأولى التي اصطدمت بجدار طاقته لم ترتد، بل تشظّت إلى خطوط ضوئية انحنت فجأة، وغيرت مسارها، وكأن الضربة تفكّرت قبل أن تصيب.
قال عاصف داخليًا، بنبرة حادة:
- انتبه هذه ليست قوة اندفاع، هذه تقنية رؤية!
وفجأة اتسع المشهد، لم يرَ سراب خصومه فقط، رأي انعكاسهم. ضربات تخرج كلوحات ضوئية، ألوانها تتداخل، تتحرك ببطء خادع، تجعل العين تتبعها رغماً عنها. جمالٌ قاتل، مصمم ليُغرق العقل قبل الجسد.
شعر سراب للحظة أن الزمن تباطأ وأن الغابة صارت لوحة، أن النهر أسفل الجبل يعكس ضوءًا لم يكن موجودًا. 
- سراب!
صرخ عاصف داخليًا.
- لا تنظر، اشعر!
تحرك في اللحظة الأخيرة، انحرف بجسده نصف خطوة فقط، بينما مرت الضربة بجواره واصطدمت بالأرض. لم تنفجر الأرض، بل انشقت. تصدعت حافة الجبل كأنها زجاج، امتدت الشقوق في خطوط هندسية دقيقة، ثم سُمع صوت مكتوم، عميق، جعل الهواء يرتجف.
تراجع إيلان خطوة واحدة، مذهولًا وقال بصوت مبحوح:
- لو أصابتك...
- لما كنتُ واقفًا الآن..
قالها سراب بهدوء بينما بدأت هالته تتحرك أخيرًا. فكر في داخله مع عاصف بينما عينيه تتابعان الخمسة من أمامه.
"تلك التقنيات لم نرها إلا في القرية المخفية، كيف لجنود ثامر أن يستطيعوا تقليدها؟ كيف! إن كان الوصول لتلك القرية سهلًا لما كان دخول هاشم عقبة."
أجاب عاصف: "وماذا إن دخل للقرية بعد خروجك منها؟"
- "كيف سيدخل ولم أشعر بأي هالة تنبعث لحظة خروجي! سيجن عقلي!"
في تلك اللحظة وبينما كان الاثنان منغمسان كان إيلان في واد مختلف تمامًا، لم يكن خائفًا فحسب.. كان مذعورًا من أن يتكرر المشهد ذاته مرة أخرى، كيف احترق منزله وقتلت عائلته. شعر بنفس العجز الذي كان عليه يوم الحادثة. وهنا صرخ بأعلى صوته جاثيًا على ركبتيه:
- أنا نفس الفاشل الذي كنت، لا شيء تغير! لا أستطيع اخراج قوتي لا أستطيع التحكم بها الآن في هذا الوقت الحرج!
التفت إليه سراب ثم وضع يده على كتفه وقال بهدوء:
- قالت لي حكيمة ذات مرة: الوقت يغيرنا، يغير شكلنا أفعالنا، بصيرتنا، يغير كل شيء تقبُل ذاتك الحالية ومسامحة ذاتك القديمة هي ما يجب أن تفعله فكل شخصية منا في أي عمر تتصرف حسب وعيها وإدراكها.
رفع إيلان رأسه لابتسامة سراب الهادئة لكنه لم يلبث أن يرى ضوئًا من بعيد اخترق صدر سراب ليسقط جاثيًا على حافة الجبل في الحال. انصدم إيلان وتبلدت ملامحه بينما عينيه أسقطتا دموعًا صامتة لم تكن له القدرة على التحكم بها. 
في لحظة سريعة وضع سراب يده الأخرى على كتف صديقه لينتقلا مباشرة إلى حدود المملكة. بعث سراب اشارات بهالته يستدعي بها تولين ثم هاشم وآدم ليمثلوا أمامه بعد لحظات وتبدأ تولين معالجة جرحه بصمت وثبات. 
أثناء ذلك أصدر سراب تعليماته بصوت متعب كأن ما أصابه استنزف قسمًا كبيرًا من قوته:
- انقلوا كل من في المملكة إلى الملاذ السري الآن أما المحاربون فسأوزعهم على أطراف المملكة.
أومأ الاثنان بسرعة واختفيا وبدأت أصوات السكان المذعورة تنتشر في المكان فتواصل سراب بما تبقى له من قوة مع السكان جميعًا في آن واحد بصوت حاول إخفاء آثار إصابته:
- أيها الناس، لا أريد أن يتمكن الهلع من قلوبكم وأنفسكم. الإخلاء الآن ليس بسبب حرب أخرى أو إبادة وشيكة، لا! لن يحدث لكم شيء ونحن على قيد الحياة، لن تتكرر المأساة أخرى، لن يصيبنا ما أصابنا في الماضي. نُقسمُ تحت ضوءٍ لا يُرى وموتٍ في صمت لا يُنسى!
               

الفصل الرابع عشر: هالات متشابكة (سراب II)

جاري التحميل...

الفصل الرابع عشر: هالات متشابكة

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

سرتُ مبتعدًا عن حدود الغابة، خطواتي هذه المرة أخفّ، كأن الهواء نفسه لم يعد يقاومني. لم أستخدم هالتي فورًا، أردت أن أخرج كما دخلت: على مهل، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأنني لم أترك خلفي مملكة كاملة تنظر إلى ظهري دون أن تراه.
قال عاصف داخليًا، بنبرة لا تخلو من الشماتة:
- أعترف، هذا الشيخ العجوز سرق الأضواء منك.
ضحكتُ بخفة:
- لا، هو فقط لم يحاول إبهاري.
"أسوأ نوع من الناس." ردّ عاصف. "يجعلونك تشعر أنك أنت من يحاول إثبات شيء."
تنفست بعمق، وشعرت لأول مرة منذ أيام أن صدري يتسع دون مقاومة. قلت:
- المكان غريب.. لكنه صادق. لا يطلب منك أن تكون أقوى، فقط أن تكون حاضرًا.
"وهذه مشكلتك." قالها عاصف سريعًا. "أنت بارع في القوة، فاشل في الحضور."
هززت رأسي مبتسمًا:
- أتعلم؟ لو كنت أستمع لنصائحك منذ البداية لكنت الآن راهبًا يزرع الخضروات.
"أو ملكًا أقل حماقة." أجاب بضحكة خافتة.
تقدمت أكثر، والفراغ بيني وبين مملكة القمر يتلاشى. في تلك اللحظة، ضربني الإدراك فجأة، لا كفكرة بل كثقلٍ هبط على صدري. توقفت.
- عاصف..
- نعم؟
- كم من الوقت مر هناك؟
ساد صمت قصير، ثم قال بجدية نادرة:
- بحسب ما قاله ليهار ثلاثة أيام تقريبًا.
- ثلاثة أيام!
لم يكن هناك دليل، لا أثر، لا اضطراب في المملكة، لا صرخات إنذار. لكنني لم أحتج دليلاً
جاءني الشعور فجأة، حادًا، موجعًا، كأن أحدهم شد خيطًا داخليًا كنت أنساه عمدًا. إيميليا!
حزنها لم يكن صاخبًا، كان ثقيلًا، مكتومًا، من ذلك النوع الذي لا ينهار بل ينهك. شعرت به يتسلل عبر رابطة الهالات، ارتجافًا خفيفًا يخفي خوفًا عميقًا. قلت دون تردد:
- كفانا مشيًا!
وانبعثت هالتي، لا كاملة، لا صاخبة، فقط كافية. انطوى المكان من حولي، وانفتحت المسافة، وخطوتُ خطوة واحدة لأجد نفسي تحت شجرة الزيتون الوحيدة في حديقة القصر. كانت هناك..
تقف أمام الجذع، يدها على اللحاء الخشن، رأسها منحنٍ قليلًا. لم تلتفت فورًا، لكنها شعرت بي، أعرف ذلك. شدّة الرابط تغيّرت، توترت، ثم انفجرت. استدارت نحوي، وعيناها تلمعان بغضب لم يكن كله غضبًا:
- أين كنت؟!
لم أجب فورًا. اكتفيت بالنظر إليها، إلى التعب الذي حاولت إخفاءه، إلى التوتر المشدود في كتفيها، إلى عينيها اللتين لم تناما جيدًا. 
خطت خطوة للأمام، قالت بانفعال:
- ثلاثة أيام يا سراب! ثلاثة أيام بلا أثر، بلا هالة، بلا أي شيء! هل تدرك ماذا يعني هذا؟!
قلت بهدوء، لم أرفعه ولم أخفضه:
- أعلم.
- لا، أنت لا تعلم! صاحت. أنت تختفي وكأن العالم سيتوقف عن القلق لأنك قررت ذلك!
اقتربت أكثر، قبضتاها مشدودتان:
- أنا لم أشعر بك.. لم أشعر بك إطلاقًا!
مددت يدي ببطء، لا لألمسها، بل لأُظهر أنني هنا، كامل، حاضر:
- لم يكن اختفاءً عنك، كان ضياعًا عن نفسي.
توقفت. الكلمات وصلت حيث لم تصل الصرخة. عيناها ارتجفتا، والغضب الذي كان يقف كجدار تصدّع فجأة. قالت بصوت أخفض:
- لا تفعل هذا بي مرة أخرى.
ابتسمت بحزن خفيف:
- لم أنوِ الرحيل.. لكنني عدت لأنني شعرت بك.
لم تقل شيئًا. للحظة ظننت أنها ستدير ظهرها، أو تضربني كما تفعل أحيانًا حين تعجز الكلمات. لكنها فجأة تقدمت خطوة أخيرة، ثم سقطت بين ذراعي. لا بعنف، لا باندفاع، بل كمن تخلّى عن مقاومة طويلة.
لففت ذراعيّ حولها دون تردد. شعرت بأنفاسها تتباطأ تدريجيًا، بأن جسدها يستسلم أخيرًا للثبات. وضعت ذقني فوق رأسها، وأغمضت عينيّ. قال عاصف داخليًا، بصوت خافت:
- أيها الرومانسي الطائر.
أجبته بصمتٍ داخلي:
- اصمت أيها الوغد المراقب!
ثم أغلقت منافذ الرؤية والشعور كي يرى أو يسمع شيئًا. 
ظلّت بين ذراعيّ، والشجرة فوقنا ساكنة، أوراقها لا تتحرك. وفي تلك اللحظة، لم أكن ملكًا، ولا حارسًا، ولا ضائعًا.. كنت فقط عائدًا.
***

لم يغادرها بقية ذلك اليوم. بقيا معًا في الحديقة، تحت شجرة الزيتون، لا يتحدثان كثيرًا. لم يكن الصمت بينهما فراغًا، بل امتلاءً هادئًا، من النوع الذي لا يحتاج تفسيرًا. جلست إيميليا قُربه، رأسها مسنود إلى كتفه، ويده ما زالت تحتضنها كأنها قد تختفي إن أفلتها.
قالت بعد وقتٍ طويل، بصوتٍ منخفض:
- كنت أشعر أنك قريب.. لكن بعيد في الوقت نفسه.
أجاب بهدوء:
- كنت كذلك فعلًا.
لم تسأله أين كان، ولم يشرح. أدركا معًا أن بعض الأسئلة تحتاج أن تنتظر حتى تستقر الأرواح قبل العقول. مع حلول المساء، عاد معها إلى القلعة. تناول الطعام بصمت، رافقها إلى غرفتها، وبقي حتى غلبها النوم. لم يستخدم هالته، لم يُفكّر، فقط جلس هناك، يراقب تنفّسها المنتظم، كأنه يستعيد إيقاع العالم من جديد.
وحين أشرقت الشمس في اليوم التالي، كان كل شيء قد عاد إلى شكله.. ظاهريًا.
***

دخل قاعة الاجتماع بخطوات ثابتة. كان هاشم واقفًا عند النافذة، آدم يجلس إلى الطاولة الحجرية، وتولين تقف في المنتصف، ذراعاها معقودتان، نظرتها ثابتة لا تحمل ترحيبًا. قال سراب ببساطة:
- صباح الخير.
لم يأت الرد. وفي اللحظة التالية، تحركت تولين. لم تُطلق هالتها أولًا، بل خطت خطوة واحدة فقط، ثم اندفعت القيود من تحت الأرض كأنها كانت تنتظر الإشارة. سلاسل ضوئية شاحبة التفّت حول ذراعيه وصدره وقدميه، ثبتته في مكانه دون أن تجرحه.
لم يقاوم. لم تُظهر ملامحه دهشة ولا غضبًا، فقط تنفّس بهدوء وقال:
- توقعت هذا.
قال آدم بحدة:
- اختفيت ثلاثة أيام، دون أثر، دون هالة، دون أي تفسير.
قال هاشم بصوتٍ منخفض لكنه ثقيل:
- وتولين كادت تفقد السيطرة حين لم تشعر بك.
نظرت تولين إليه أخيرًا، عيناها حادتان:
- لو كنت شخصًا آخر، لما اكتفيت بالتقييد.
أجابها بهدوء كامل:
- أعرف هذا ولهذا لم أقاوم.
ساد صمت قصير. ثم، دون أن يطلب، ألغت تولين القيود. سقط الضوء وتلاشى، واستعاد سراب حركته كأن شيئًا لم يكن. عدّل معطفه الأسود بهدوء، ثم قال:
- إن أردتم الغضب، افعلوا. لكن دعوني أبدأ بالشرح.
جلس الثلاثة. أما تولين بقيت واقفة. قال سراب:
- لم أختفِ عبثًا. لم أكن هاربًا، ولم أكن أسيرًا. دخلت مملكة أخرى، مملكة محجوبة.
رفع آدم حاجبيه:
- مملكة؟ أي مملكة؟
أجاب:
- في المملكة التي نعرفها والتي لم نكن نعرفها حقًا.
ابتسم هاشم:
- تقصد التي بوابة دخولها تلك الشجرة؟
أجاب:
- نعم تحديدًا هي، كنت في حالة أشبه بالضياع وفجأة وجدت نفسي داخلها.
سادت لحظة صمت قصيرة، ثم قال هاشم:
- الشجرة لم تستجب لي. لم أشعر بأي عبور، بأي أثر.
أومأت:
- وهذا أمر غريب. من الممكن أنها منعتك لأن قوتك كانت أقل من قوتي.
أطرق هاشم قليلًا:
- أو ربما من داخلها منع عبور شخص بعدك.
رفع حاجبًا:
- هل من الممكن؟
أومأ هاشم:
- ولم لا.
قال سراب:
- لم أدرك أنني وصلت إلى المملكة إلا حين ناداني عاصف. وقتها فقط نظرت حولي بوعي حقيقي، ولم يكن المكان خطأ، بل كان كاملًا أكثر مما ينبغي.
رفع رأسه قليلًا، وكأنه يصف لهم ما رأى:
- سماء فضية بلا مصدر ضوء. أبنية من حجر أملس، تتوهج من داخلها، لا تفرض حضورها، ولا تخفيه. كل شيء هناك يعرف مكانه. لا فوضى، ولا استعراض.
قال آدم:
- وماذا عن الناس؟
- هادئون. ليسوا ضعفاء، ولا خائفين. يرتدون الجلد لا للزينة، بل كجزء من هويتهم، يمشون وكأنهم يعرفون أن لا شيء سيباغتهم.
سكتُّ قليلًا، ثم أضفت:
- أول من واجهني كان حارسًا منهم. لم يهاجمني، لم يستجوبني، فقط سار، وكأنه يعلم أنني سأتبع.
قالت تولين:
- وهذا ما فعلته؟
- نعم.
ابتسمت بخفه:
- لأن المكان نفسه كان يقول لي إن المقاومة هنا سابقة لأوانها. 
تابع:
- الحارس لم يكن كحراس القمر. لا هالة صاخبة، ولا ضغط، وجوده كان ثابتًا، كالجذور.
تنهد هاشم:
- ثم وقع الاشتباك.
أومأ:
- نعم. حين فقدتُ صبري من ألغازه التي لا تحمل معنى.
رفع كتفه قليلًا ثم اضاف:
- ضرباته لم تكن موجهة للجسد بل للإدراك. 
نظروا إليه بتركيز، فتابع:
- تقنيات بصرية، تجعلك تنجذب للجمال، فتنسى أن تتفادى. لو لم يُنبّهني عاصف لكنتُ تلقيت ضربة كانت لتسبب ضررًا بليغًا.
ثم قال بنبرة أخفض:
- حين تفادت الضربة الأرض، تشققت.. تشققت بعد اصطدام تقنيته بها. وهنا فقط ظهر الباقون.
قال آدم:
- الحراس الآخرون؟
- رجالًا ونساءً.
أضاف:
- أحاطوا بي، كلٌ بهالته وتقنيته، دون فوضى. عندها أطلقت هالتي البيضاء. لكنني لم أضرب ولم تصل ضرباتهم إليّ لأن أحدًا آخر قرر أن يتدخل.
رفع عينه لهم:
- ليهار.
قال هاشم بهدوء:
- العجوز؟
- أحسنت بقراءة أفكاري.
أكمل:
- ظهر كأنه شبح، مرّ بكل واحد منهم، لمس أكتافهم فهدأت قواهم تمامًا.
ابتسم بلا وعي:
- وبّخ الحارس أمامي.
سألت تولين بفضول:
- وماذا قال لك؟
- الكثير..
ثم رفع رأسه:
- عن المملكة، عن الحراس، عن الزمن، اليوم هناك يساوي ثلاثة هنا ولهذا.. حين عدت، كنتم قد انتظرتم ثلاثة أيام. نفس فكرة قاعة التدريب. أيضًا، ليهار هو من دلّني على طريق العودة وقال إن المملكة لا تغلق أبوابها.
               

سراب II الفصل الثالث عشر: هالتي وأثرها

جاري التحميل...

الفصل الثالث عشر: هالتي وأثرها

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

لم يقل الحارس شيئًا حين خرجنا من الفسحة المنعزلة، فقط أدار ظهره وسار، كأنه واثق أنني سأتبعه. لم أسأله إلى أين، ولم أطلب تفسيرًا لما حدث. كنت أعلم أن أي سؤال في هذا المكان يُعد إعلانًا بعدم الفهم، وأنا لم أكن أفهم بعد.
سرتُ إلى جواره بخطوات متساوية، لا متعجلة ولا متباطئة. كان الحارس أطول مني قليلًا، عريض الكتفين، حركته هادئة لكن محسوبة، كأن الأرض نفسها تعرف خطوه قبل أن يطأها. ملابسه الجلدية داكنة، ليست مصقولة ولا فاخرة، لكنها محكمة، تحمل آثار استعمال طويل لا إهمال فيه. لم يكن يشبه حراس القمر؛ لا هالة صارخة، ولا حضور ضاغط. وجوده كان أقرب إلى الجذور ثابت، صامت، يصعب اقتلاعه.
قال بعد مسافة من الصمت:
- الناس هنا لا تحب الأسئلة المفاجئة.
أجبته دون أن أنظر إليه:
- وأنا لا أحب الإجابات الجاهزة.
لم يبتسم، لكنه أمال رأسه قليلًا، كأن الجملة سُجِّلت لا أكثر. دخلنا طرقات أوسع، وبدأت القرية تكشف نفسها لي ببطء. الشوارع لم تكن مرصوفة، لكنها مستوية على نحو غريب، كأنها تشكّلت مع الزمن لا بيدٍ بشرية. الحجر الأملس ذاته، التوهج الخافت ذاته، لكن هنا كانت الحياة تتحرك داخله.
الناس يسيرون بهدوء، لا استعجال ولا تردد. لا أحد يصطدم، لا أحد يرفع صوته. كل حركة لها مسار، وكل توقف له سبب. كانوا ينظرون، نعم، لكن دون فضول فاضح. نظرات قصيرة، تقييم سريع، ثم عودة لما كانوا يفعلونه.
لاحظت ملابسهم. الجلد حاضر في كل شيء: صدريات، أردية، أحزمة، وحتى الأحذية. جلود مختلفة، ألوانها تميل إلى البني الداكن، الرمادي، وبعضها فضي باهت. لم تكن زينة، بل امتدادًا للجسد، كأن القماش هنا شيء ثانوي، بينما الجلد هو اللغة الأساسية للحماية والهوية.
مررنا بجانب امرأة مسنّة تجلس قرب مدخل بيت حجري منخفض، يداها تعملان على شريط جلدي طويل. رفعت رأسها، نظرت إليّ، ثم قالت للحارس:
- هذا ليس من هنا.
أجابها ببساطة:
- أعلم.
نظرت إليّ مرة أخرى، أطول هذه المرة، ثم قالت:
- عيونك مشغولة أكثر مما يجب.
توقفت للحظة، التفتُّ إليها:
- ربما لأنني أرى أكثر مما أفهم.
هزّت رأسها ببطء:
- الفهم يأتي متأخرًا دائمًا.
ثم عادت لعملها، وكأن الحديث انتهى. واصلنا السير، لكن كلماتها بقيت معلقة داخلي، مثل حجر صغير في الحذاء، لا يؤلم لكنه يُذكّر.
قال عاصف داخليًا:
- أهل هذه المملكة لا يضيعون كلماتهم.
أجبته داخليًا:
- هذه المملكة تشعرني بالضجر، الناس هنا كلامهم غريب ليس هناك إلا ذاك العجوز الذي أفضل التعامل معه.
اقتربنا من مجموعة أطفال يلعبون بشيء يشبه الأقراص الحجرية، يرمونها فتعود إليهم بطريقة لا أفهمها. أحدهم توقف فجأة، نظر إليّ، ثم ابتسم ابتسامة واسعة بلا خوف. ركض نحوي خطوتين ثم توقف، كأنه تذكر نفسه، وعاد إلى لعبه.
سألت الحارس بصوت منخفض:
- لا يخافون؟
أجاب:
- الخوف هنا ليس افتراضيًا.
تابعنا السير حتى بدأ المكان يتغير تدريجيًا. الأبنية صارت أوسع، الشوارع أكثر انتظامًا، والضوء أكثر كثافة، لا أقوى بل أوضح. شعرت وكأننا نقترب من قلبٍ ما، مركز لا يُعلن عن نفسه لكنه يجذب كل شيء نحوه.
شعرت بذلك الإحساس مرة أخرى. ليس مراقبة مباشرة، بل إدراك متبادل. كأن المكان نفسه يختبر وزني فيه. توقفت دون قصد. لاحظ الحارس، فتوقف هو الآخر. 
- هل هذا هو قلب القرية؟
نظر أمامه ثم إليّ:
- القلب لا يُسمّى كذلك إلا بعد أن يُختبر.
في تلك اللحظة، لم أعد أبحث عن إجابة، بل عن نهاية لهذا الهدوء المستفز. شعرت أنني إن سمحت لجملةٍ أخرى أن تمرّ دون معنى، فسأختفي أنا لا صبري. 
قلت بنفاد صبر:
- هل أنت أحمق أم ماذا؟ 
نظر لي باستنكار وقال:
- ما الذي قلت؟!
أضفت:
- تحدثني بالألغاز لحظة التقيتك وتسمي ذلك ارشادًا؟! أتظن أنك نوع من المخلوقات النادرة التي خُلقت فقط لإظهار برودها وثقلها على الغير؟!
استدار نحوي بقبضة مشدودة وقال:
- أعد ما قلته أخرى وسأريك من فينا البارد.
قال عاصف داخليًا:
- الآن أصبحت الأجواء أكثر حماسًا، فلنطح بذلك المتعجرف.
ابتسمت موافقًا وللمرة الأولى منذ دخولي أطلقت هالتي السوداء وقلت بحماس:
- الآن بدأت تفهمني. 
ثم قلت مشيرًا بيدي نحو الحارس:
- اقترب أو سيكون أنا أول من يقترب.
***

استقام الحارس أمامي، وتبدلت وضعيته في لحظة. لم يعد مجرد دليل صامت، بل جسدٌ يعرف كيف يقف حين تُختبر الأرض تحته. قدماه انغرستا قليلًا في الحجر، كتفاه انخفضتا، ونَفَسه صار أبطأ.. أثقل.
قال بهدوء لا يشبه التهديد:
- إن كنت ستكشف نفسك، فافعلها كاملة.
لم أنتظر، اندفعت نحوه بخطوة واحدة، لا هالة، لا تمهيد. قبضتي عبرت الهواء حيث كان رأسه قبل جزءٍ من الثانية. اختفى. ليس انتقالًا، بل انزلاقًا جانبيًا، كأن المشهد نفسه أعاد ترتيب موضعه. تبادلت الضربة مع الفراغ، والفراغ لم يكن فارغًا.
ضربة ثانية. ثالثة ولا واحدة اصابت.
قال عاصف داخليًا، بنبرة ملاحِظة:
- هو لا يهرب هو يحاول أن يقرأ تحركاتك ويسبقك بخطوة.
قبل أن أستوعب الجملة، رفع الحارس يده، لكن بدل أن يضرب، رسم. لم تكن تقنية طاقة كما اعتدت. الهواء أمامه تشكّل إلى خطوط ضوئية شفافة، متداخلة، أشبه بتموجات ماءٍ مضاء من الداخل. تحركت نحوي ببطءٍ خادع، لا تحمل ضغطًا، بل جمالًا.
توقفت دون وعي، الألوان لم تكن بيضاء ولا فضية، بل شيء بينهما، ألوان لا تُسمّى. شعرت أن عقلي يلين، أن الفكرة نفسها تفقد حوافها. أردت أن أمد يدي، لا لأصدّ، بل لألمس.
قال عاصف صارخًا:
- سراب! لا تنظر… هذه ليست ضربة، هذه خدعة!
انتفضت في اللحظة الأخيرة. انحرفت بجسدي، لا بالقوة بل بالحدس. مرت التقنية بمحاذاة كتفي، ثم اصطدمت بالأرض خلفي.
لم يكن هناك انفجار بل كان انكسار. تشقق الحجر في خطوط متفرعة، عميقة، كأن القرية نفسها شهقت. تراجع الهواء، واهتز الضوء للحظة قصيرة، ثم عاد كل شيء إلى هدوئه ما عدا المكان الذي لم يعد كما كان.
تنفست بعمق، ابتسمت.
- جميل.. وخطير.
لم يجب. فقد ظهروا بجانبه. من أطراف الشوارع، من خلف الأعمدة، من فوق الأسطح المنخفضة. حراس آخرون، رجال ونساء، أعمار مختلفة، لكن النظرة واحدة: تركيز بلا غضب. لم يصرخوا، لم يهددوا. فقط أخذوا أماكنهم، دائرة غير مكتملة تحيط بي.
قال عاصف:
- الآن أصبحت ضيفًا رسميًا.
ضحكت بخفة، ورفعت رأسي. وفي تلك اللحظة أطلقت هالتي بقوة أكبر. البياض لم ينفجر، بل انبسط. خرج من حولي كمدٍّ صامت، ليس نورًا أعمى، بل حضورًا نقيًا، كثيفًا، يجعل كل لون آخر يبدو مترددًا أمامه. انعكس على الحجر، على الجلود، على الوجوه التي لم تتراجع لكنها شدّت أنفاسها.
في تلك اللحظة تفرست وجوههم فلم أجد من الخوف ما يعتريها بل استعد كل منهم واتخذ وضعيته للهجوم. شعرت بشعور لم أشعر به من قبل، شعرت براحة غريبة لإطلاق قوتي في العلن برغبتي الشخصية لإطلاقها.
أطلق كل حارس تقنيته وقبل أن أتمكن من الصد أو الرد توقفت تقنياتهم وتوقف انبعاث هالتي. شيء من أمامنا مر سريعًا لدرجة أن عيناي لم تستطع اللحاق به. لم يكن حركة، كان عبورًا.
شبحٌ سريع، أسرع من الإدراك، مرّ أمام كل واحد منهم في اللحظة ذاتها. لم يضرب، لم يدفع. فقط وضع يده على كتف كل حارس لمسة خفيفة، عادية، كأنها لا تعني شيئًا. لكنها فعلت. خمدت الهالات وانطفأت التقنيات وسقطت القوة كما تسقط فكرة انتهى وقتها.
وقف الجميع مذهولين، أما أنا فقد شعرت به قبل أن أراه لكنه برغم ذلك نجح في اخماد قوتي.
قال صوت مألوف، هادئ، يحمل ثقل السنين دون أن ينحني لها:
- كفى.
التفتُّ، وكان العجوز ليهار واقفًا هناك، عصاه الجلدية بيده، لحيته البيضاء تتحرك مع نسمة خفيفة، وعيناه.. عيناه لا تنظران لتقيّم، بل لتعرف. قال للحارس الأول، بنبرة ودودة لا تخلو من توبيخ:
- هكذا نستقبل من يأتي ضائعًا؟ بالعروض القتالية؟
انحنى الحارس فورًا:
- سيدي أردت فقط...
قاطعه ليهار مبتسمًا:
- أردت أن تختبره. وقد فعلت. والآن اختبر نفسك، واهدأ.
ثم نظر إليّ، اقترب خطوة ووضع يده على صدري. لم يسحب قوتي ولم يدفع هالتي، فقط قال:
- أهلًا بك يا سراب تأخرتَ كثيرًا.
***

نظرت باستغراب، لا انفعال؟ لا استياء من طريقتي؟ لا أي ذرة غضب منه نحوي؟! بل على النقيض تمامًا شعرت أنه مرحبٌ بي بشكل بالغ.
لم يطلب ليهار مني أن أتبعَه، ولم يُشر بيده. فقط استدار وبدأ السير، وكنت أعرف أن الطريق إن لم أمشِه الآن فلن يُعاد عرضه مرة أخرى. أطفأت هالتي تمامًا دون أن يطلب، وسرت إلى جواره.
كان يمشي ببطءٍ يناقض كل ما رأيته منه قبل لحظات. خطواته قصيرة، غير متعجلة، عصاه الجلدية تلامس الأرض كأنها تعدّها لا تستند إليها. قال فجأة، وكأنه يُكمل حديثًا بدأه منذ زمن:
- لا تقلق، هم لن يهاجموك بعد الآن.
أجبت:
- لم أكن قلقًا، فقط متحفزًا.
ضحك ضحكة خفيفة، صافية:
- وهذا أسوأ. التحفز الدائم يُتعب الروح أكثر مما يُخيف الجسد.
سرنا بين الطرقات التي بدأت أعرفها دون أن أحفظها. الحراس الذين كانوا قبل قليل مستعدين لتمزيق المكان عادوا إلى أماكنهم، بعضهم أومأ لي، بعضهم تجاهلني تمامًا، وكأن ما حدث لم يكن إلا تمرينًا قصيرًا خرج عن مساره.
قلت وأنا أنظر حولي:
- هؤلاء ليسوا كحراس القمر.
أجاب فورًا:
- بالطبع لا. حراس القمر يحمون بفكرة الواجب. حراس هذه القرية يحمون بفكرة الفهم.
توقفت لحظة:
- الفهم؟
نظر إليّ من طرف عينه:
- أن تعرف متى تستخدم قوتك ومتى تكون القوة نفسها عبئًا.
تابعنا السير، وبدأت ألاحظ تفاصيل لم أرها من قبل. علامات محفورة على الجدران، ليست رموزًا سحرية، بل آثار تدريب. أرضيات صُقلت في أماكن محددة، زوايا لم تُصمَّم للسكن بل للحركة. قلت:
- هذه ليست قرية فقط.
ابتسم:
- أخيرًا لاحظت.
ثم أضاف بعفوية:
- نحن لا نُسمي أنفسنا مملكة. نحن مكان يختفي كي لا يُستخدم.
سألته:
- ولماذا أنا؟
لم يتوقف عن المشي:
- لأنك دخلت دون أن تطلب، وغادرت دون أن تهرب. هذه صفة نادرة.
ساد صمت قصير، قطعته أنا:
- كيف أعود؟
توقف ليهار هذه المرة. التفت إليّ ببطء، وقال:
- قبل أن أخبرك كيف تعود يجب أن تعرف متى.
قطبت حاجبي:
- ماذا تعني؟
- الوقت هنا ليس كريمًا مع الخارج.
شرح ببساطة، كأنه يتحدث عن الطقس:
- اليوم الواحد في هذه القرية يمرّ كثلاثة أيام في مملكتك.
تجمدت للحظة ثم قلت ببطء:
- هذا يشبه قاعة التدريب.
تغيرت ابتسامته. لم تختفِ، لكنها صارت أعمق:
- لأن الفكرة ليست تشابهًا.
توقفنا أمام ساحة دائرية، مألوفة على نحوٍ صادم. نفس الإحساس. نفس الضغط الخفيف على الصدر. قال:
- قاعة التدريب التي تعرفها أصلها هنا. نحن من وضعنا الأساس.
نظرت إليه:
- لكن القاعة في مملكتي؟
- نُقلت الفكرة، لا المكان. حين عقد التحالف، لم يكن مسموحًا أن نكشف عن القرية. فاخترنا أن نترك أثرًا فقط. نسخة أقل خطورة.
أطرقت رأسي:
- وأنتم؟
- بقينا حيث يجب أن نبقى.
ثم أشار بعصاه إلى ممر ضيق بين صخرتين:
- العودة من هناك. لا تحتاج قوة، ولا اختفاء. فقط قرارًا واضحًا أنك تريد الرحيل.
نظرت للممر، ثم عدت إليه:
- ولماذا تخبرني بكل هذا؟
اقترب خطوة، وضع يده على كتفي، نفس اللمسة التي أطفأت الحراس:
- لأنك ستعود، وسيتغير شيء. ومن الأفضل أن تعرف من أين بدأ.
تنفست بعمق:
- سنلتقي ثانية؟
ابتسم، تلك الابتسامة التي لا تعطي وعدًا ولا تنفيه:
- القرى التي تختفي لا تودّع.
ابتسمت له بخفه شاكرًا إياه في داخلي ثم استدرت لأسير نحو الممر لكنني توقفت واستدرت نحوه مرة أخرى بوجه به آثار الدهشة:
- لكنني لم أخبرك أنني ملك ولدي مملكة؟
ضحك بخفة:
- لم تكت تحتاج أن تخبرني نحن من تحالف حراس القمر معهم.
هنا فقط فهمت ما كان ينقصني وابتسمت له مرة أخرى واستدرت لأكمل طريقي. استدرت، وسرت نحو الممر. مع كل خطوة، خفّ الضوء، ثقل الهواء، حتى شعرت بذلك الانسحاب الهادئ، نفس الإحساس الذي لم أشعر به حين دخلت.
               

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.