الفصل الخامس عشر: الاختبار الأخير (روايه سراب II)
الفصل الخامس عشر: الاختبار الأخير
.........
بعد ثلاثة أيام من عودته للمملكة أفلت من إيميليا بصعوبة بالغة ليحضر التدريبات ويتابع تطور المتدربين. برغم معرفته من أن خطوة كتلك من المحتمل أن تسبب له صداعًا لا يحتمل من أميرته إلا أنه يملك ما يجب إنجازه ومتابعته فضرب بكل تهديداتها عرض الحائط وتلاعب معها بأسلوبه الهادئ كي يستطيع الفرار.
لم يكن التدريب في ذلك الصباح استعراضًا للقوة، بل اختبارًا لما تبقّى بعدها. الأجساد نفسها، الساحة ذاتها، لكن شيئًا خفيًا تغيّر.
سيرين كانت أول من تحرّك. هالتها الزرقاء لم تتّسع كما في السابق، بل انكمشت حول جسدها بدقة أكبر، أكثر صفاءً، كأنها تعلمت أن الهدوء ليس ضعفًا بل اختيارًا. حين أغلقتها، لم يلحظ أحد لحظة الإنطفاء، فقط اختفت.
رهاف لم يعد يقاتل هالته. الفضيّ ما زال متقطّعًا، لكن الفواصل بين الوميض صارت أقصر، أكثر انتظامًا. لم يصل إلى السيطرة، لكنه لم يعد يتراجع عنها أيضًا.
ماريس كان التطور عنده مختلفًا. القوة ذاتها، الاندفاع ذاته، لكن حين أوقف هالته هذه المرة، سقط على ركبته الواحدة لا لأنه أُنهك، بل لأنه توقف بإرادته. رفع رأسه إلى سراب، لم يبتسم، لكنه لم يتحدَّ.
أما إيلان، فلم يكن تطوره في الهالة، هالته الأرجوانية ظهرت كما كانت: دخان يعرف طريقه. لكن الفرق كان في عينيه. لم يعد ينظر إلى الأرض طوال الوقت، ولم يعد ينظر للآخرين كتحدٍّ. كان حاضرًا، فقط حاضرًا.
لاحظ سراب ذلك، ولم يعلّق.
بعد انتهاء التدريب، تفرّقوا بصمت معتاد، صمت لا يعني النفور، بل الاعتياد
إيلان لم يتجه إلى القرية، ولا إلى بيت هلال. وجد نفسه يسير بلا قرار، كما حدث من قبل، حتى أدرك متأخرًا أنه يسلك أطراف القرية.
وكانت ليا هناك..
لم تجلس هذه المرة. كانت تمشي ببطء، حافية القدمين تقريبًا، تحمل بيدها كيسًا صغيرًا من الأعشاب. توقفت حين رأته، لا بدهشة، بل باعتراف هادئ.
- ثانية؟
قالتها وهي ترفع حاجبها بخفة.
- يبدو أن أطراف القرية تحب المصادفات.
أجابها دون حدة.
سارا معًا، لا بمحاذاة بعضهما تمامًا، ولا متباعدين. المسافة بينهما مريحة، غير ملزمة.
قالت بعد لحظة:
- سمعتُ أنهم شددوا التدريب مؤخرًا.
- نعم.
ثم أضاف بعد صمت قصير:
- ليس لأننا ضعفاء بل لأن من سبقونا دفعوا ثمن قوتهم وحدهم.
نظرت إليه ليا جانبًا، مهتمة للمرة الأولى حقًا:
- تقصد سراب؟
أومأ:
- سراب لم يصبح ما هو عليه بسهولة.
قالها إيلان، وصوته لم يكن حادًا ولا معجبًا، بل متفهمًا..
توقفا قرب شجرة قصيرة تطل على السهل. أكمل:
- الجميع يرونه قويًا، مختارًا، محاطًا بالحراس، لكن لا أحد يتحدث عن كم مرة اضطر أن يكون وحده، أو كم مرة اختار أن يتحمل بدلًا عن غيره.
قالت ليا بهدوء:
- يبدو أنك ترى مالا يقوله الناس.
ابتسم ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت:
- ربما لأنني أعرف كيف يكون المرء حاضرًا بالجسد، وغائبًا بالروح.
لم ترد فورًا. ثم قالت:
- هل تخشاه؟
فكر للحظة:
- لا.
ثم صحح:
- أخشاه كما يُخشى الطريق الطويل، لا لأنه مخيف، بل لأنه يغيرك.
***
وفي اليوم التالي، كان الهواء أبرد من المعتاد. خرج سراب وإيلان وحدهما، دون حراس، دون إعلان. سارا خارج حدود القرية، حيث تنتهي البيوت ويبدأ الصمت الحقيقي. حافة الجبل كانت هناك، كما لو أنها تنتظر.
من فوقها، بدت الغابة الشمالية كثيفة، مظلمة، مشقوقة بنهر طويل يشقها نصفين، ماؤه يعكس السماء بلون داكن لا يبعث على الطمأنينة. وقفا جنبًا إلى جنب.
قال سراب بهدوء بينما اهتز معطفه قليلًا إثر الهواء:
- أبسط مما نظن وأعقد مما نتخيل.. هذه هي الغابة الشمالية.
لكنه لم يستطع أن يكمل لأن صرخة شقت الهواء. لم تكن الصرخة بشرية تمامًا، كانت حادّة أكثر مما يجب، كأن الهواء نفسه انشق قبل أن يصل الصوت.
تحرك سراب غريزيًا خطوة إلى الأمام، دون أن يلتفت، ووضع إيلان خلفه، في اللحظة ذاتها، اهتزت أطراف الجبل، وانفجرت خمس هالات من بين الأشجار دفعة واحدة. ظهروا بنفس العدد بنفس الوجوه الشاحبة، لكنهم لم يكونوا كما يتذكرهم.
هالاتهم لم تعد تنفجر بعنف أعمى، بل تدفقت كتيارٍ مظلم منظم، يتداخل فيه السواد مع الأرجواني، لكن هذه المرة لم يكن الدخان عشوائيًا كان منسوجًا، يتشكل في طبقات هندسية، كأن أحدًا أعاد كتابة قوانين طاقتهم.
قال إيلان بصوت منخفض، مشدود:
- هم...
لم يحتج سراب أن يسمع البقية، تحرك أولهم بسرعة غير طبيعية، لم يندفع، بل انزلق في الهواء، وكأن الأرض لم تعد تعنيه. الشفرة في يده لم تعد بدائية؛ الضوء حولها كان مكسورًا، مشوّهًا، كأنه يُرى من أكثر من زاوية في الوقت ذاته.
رفع سراب يده، وأطلق هالته الرمادية، لكنها لم تتوسع، توقف مكانه لما أحس أن شيئًا كان خاطئًا. الهالة الأولى التي اصطدمت بجدار طاقته لم ترتد، بل تشظّت إلى خطوط ضوئية انحنت فجأة، وغيرت مسارها، وكأن الضربة تفكّرت قبل أن تصيب.
قال عاصف داخليًا، بنبرة حادة:
- انتبه هذه ليست قوة اندفاع، هذه تقنية رؤية!
وفجأة اتسع المشهد، لم يرَ سراب خصومه فقط، رأي انعكاسهم. ضربات تخرج كلوحات ضوئية، ألوانها تتداخل، تتحرك ببطء خادع، تجعل العين تتبعها رغماً عنها. جمالٌ قاتل، مصمم ليُغرق العقل قبل الجسد.
شعر سراب للحظة أن الزمن تباطأ وأن الغابة صارت لوحة، أن النهر أسفل الجبل يعكس ضوءًا لم يكن موجودًا.
- سراب!
صرخ عاصف داخليًا.
- لا تنظر، اشعر!
تحرك في اللحظة الأخيرة، انحرف بجسده نصف خطوة فقط، بينما مرت الضربة بجواره واصطدمت بالأرض. لم تنفجر الأرض، بل انشقت. تصدعت حافة الجبل كأنها زجاج، امتدت الشقوق في خطوط هندسية دقيقة، ثم سُمع صوت مكتوم، عميق، جعل الهواء يرتجف.
تراجع إيلان خطوة واحدة، مذهولًا وقال بصوت مبحوح:
- لو أصابتك...
- لما كنتُ واقفًا الآن..
قالها سراب بهدوء بينما بدأت هالته تتحرك أخيرًا. فكر في داخله مع عاصف بينما عينيه تتابعان الخمسة من أمامه.
"تلك التقنيات لم نرها إلا في القرية المخفية، كيف لجنود ثامر أن يستطيعوا تقليدها؟ كيف! إن كان الوصول لتلك القرية سهلًا لما كان دخول هاشم عقبة."
أجاب عاصف: "وماذا إن دخل للقرية بعد خروجك منها؟"
- "كيف سيدخل ولم أشعر بأي هالة تنبعث لحظة خروجي! سيجن عقلي!"
في تلك اللحظة وبينما كان الاثنان منغمسان كان إيلان في واد مختلف تمامًا، لم يكن خائفًا فحسب.. كان مذعورًا من أن يتكرر المشهد ذاته مرة أخرى، كيف احترق منزله وقتلت عائلته. شعر بنفس العجز الذي كان عليه يوم الحادثة. وهنا صرخ بأعلى صوته جاثيًا على ركبتيه:
- أنا نفس الفاشل الذي كنت، لا شيء تغير! لا أستطيع اخراج قوتي لا أستطيع التحكم بها الآن في هذا الوقت الحرج!
التفت إليه سراب ثم وضع يده على كتفه وقال بهدوء:
- قالت لي حكيمة ذات مرة: الوقت يغيرنا، يغير شكلنا أفعالنا، بصيرتنا، يغير كل شيء تقبُل ذاتك الحالية ومسامحة ذاتك القديمة هي ما يجب أن تفعله فكل شخصية منا في أي عمر تتصرف حسب وعيها وإدراكها.
رفع إيلان رأسه لابتسامة سراب الهادئة لكنه لم يلبث أن يرى ضوئًا من بعيد اخترق صدر سراب ليسقط جاثيًا على حافة الجبل في الحال. انصدم إيلان وتبلدت ملامحه بينما عينيه أسقطتا دموعًا صامتة لم تكن له القدرة على التحكم بها.
في لحظة سريعة وضع سراب يده الأخرى على كتف صديقه لينتقلا مباشرة إلى حدود المملكة. بعث سراب اشارات بهالته يستدعي بها تولين ثم هاشم وآدم ليمثلوا أمامه بعد لحظات وتبدأ تولين معالجة جرحه بصمت وثبات.
أثناء ذلك أصدر سراب تعليماته بصوت متعب كأن ما أصابه استنزف قسمًا كبيرًا من قوته:
- انقلوا كل من في المملكة إلى الملاذ السري الآن أما المحاربون فسأوزعهم على أطراف المملكة.
أومأ الاثنان بسرعة واختفيا وبدأت أصوات السكان المذعورة تنتشر في المكان فتواصل سراب بما تبقى له من قوة مع السكان جميعًا في آن واحد بصوت حاول إخفاء آثار إصابته:
- أيها الناس، لا أريد أن يتمكن الهلع من قلوبكم وأنفسكم. الإخلاء الآن ليس بسبب حرب أخرى أو إبادة وشيكة، لا! لن يحدث لكم شيء ونحن على قيد الحياة، لن تتكرر المأساة أخرى، لن يصيبنا ما أصابنا في الماضي. نُقسمُ تحت ضوءٍ لا يُرى وموتٍ في صمت لا يُنسى!