الفصل الثاني والعشرون: القيد الصامت | سراب II
الفصل الثاني والعشرون: القيد الصامت
.........
بعد يومين من عودتنا للقرية اتخذت أنا وإيلان قرارًا بالعودة للمنطقة الشمالية مرة أخرى، هدفنا كان واضحًا، الإيقاع بالشباب أو استكشاف المملكة المجهولة.
خرجنا إلى المنطقة الشمالية مرة أخرى، الهواء كان نفسه، البرودة ذاتها، والغابة ما زالت تمتد تحت حافة الجبل كوحشٍ صامت يعرفنا أكثر مما نعرفه. الفرق الوحيد أننا لم نعد الشخصين نفسيهما.
كنت أشعر بذلك في خطواتي، في ثقل هالتي، في الطريقة التي لم يعد فيها المكان يربكني كما فعل من قبل. حتى الصمت لم يكن عدائيًا هذه المرة، كان مراقبًا فقط.
إيلان سار إلى جواري بثبات لم أعرفه فيه سابقًا. لم يعد يتلفت بلا وعي، لم يعد يقيس المسافات بعينيه فقط، بل بشيء أعمق. هالته الأرجوانية كانت مستقرة على نحو مقلق، لا تتصاعد ولا تتبعثر، كأنها تعلم متى تصمت ومتى تتكلم.
قلت دون أن أنظر إليه:
- تطورت.
أجاب بعد لحظة:
- لأنك لم تتركني أهرب.
لم أبتسم، لكنني شعرت بشيء يشبه الرضا. وقفنا عند النقطة نفسها تقريبًا. حافة الجبل، النهر في الأسفل، والغابة التي لا تُظهر ما تخفيه أبدًا. أغمضت عينيّ لثانية، أمددت إحساسي إلى الخارج. لا شيء.
لا هالات، لا تشوه في الخواء، لا صدى عدائي. وهذا كان أسوأ من أي إنذار. الصمت كان أوسع من اللازم، لا صوت داخلي يعلّق، لا سخرية معتادة، لا تنبيه في اللحظة الأخيرة.
مددت هالتي بحذر، لم أطلقها، فقط جعلتها تلامس المكان، في اللحظة ذاتها، التفّ شيء حولها..
لم يكن هجومًا مباشرًا، بل احتواء لهالتي وقوتي. حاولت التحرك، استجابت عضلاتي قليلًا لكن هالتي أبت. شعرت بثقل غير مرئي يهبط عليّ، لا يقيد جسدي بل يضغط وعيي.
- الآن.
جاء الصوت من خلفي، أعرفه، إنه إيلان.
التفت بصعوبة، وجدته واقفًا على مسافة قصيرة، ملامحه ثابتة على نحوٍ مؤلم. لم يكن عدائيًا، ولم يكن خائفًا.
كان حاسمًا قراره..
- ماذا فعلت؟
خرج صوتي هادئًا أكثر مما توقعت.
قال دون أن يقترب:
- ما كان يجب أن أفعله منذ البداية. أنتم السبب في كل شيء! بسبب أفعالكم مات أقرب البشر وأحبهم إلى قلبي.. بسببكم أنتم ذقت المر مرارًا. أما الآن، فقد حان وقت القصاص.
قلت:
- ما الذي تقصده يا إيلان؟
- لا تلعب معي لعبة الغباء الآن، الحراس أبوا أن يحشدوا الأهالي في ملاذات آمنة واكتفوا بالأطفال، لكن بالطبع لم يقدر جميعهم على حشد كل الأطفال فكنت أنا من بين من شهدوا مقتل عائلاتهم.
لم أتكلم ولم أجب عليه، اكتفيت بالصمت، ذلك الصمت الذي زاد من الانفعال داخله، قال بحنق مكتوم:
- تخيل فقط التعابير التي سترتسم على وجوههم عند حمل جثتك، تخيل كم الألم الذي سيعيشونه في تلك اللحظة.
أطرق قليلًا ثم أكمل بخفوت:
- ذلك الألم.. ذلك الحرمان...
رفع رأسه ببطء، وعيناه بل مثقلتين بشيء أعمق.
- لا يزول.
قالها كحقيقة لا اتهام.
- لا مع الوقت، ولا مع التدريب، ولا حتى مع القوة. يبقى يتغير شكله فقط.
شدّ قبضته، فاشتدت القيود حولي أكثر. شعرت وكأن الهواء نفسه صار أثقل، كأن الغابة كلها تميل نحوي.
- كنت تقف هناك.
وأشار بيده نحو الفراغ خلفي.
- وتتكلم عن الصمود، عن التحكم، عن أن أدوس على ألمي وأبتسم.
ضحك ضحكة قصيرة، مكسورة.
- حاولت، صدقني حاولت.
حاولت تحريك هالتي مرة أخرى، ليس للهجوم، بل للفهم. القيد لم يمنعني من الإحساس، فقط من الفعل.
قلت بهدوء:
- وإلى من ستسلمني؟
لم يجب فورًا. الصمت بيننا كان أثقل من أي صراخ.
- ستكتشف عما قريب.
آخر ما رأيته قبل أن يختفي كل شيء كان إيلان يدير ظهره..
لا هالة أطلقها، لا نظرة ندم، ولا حتى تردد.
***
لم أهبط على أرضٍ بالمعنى المعتاد، جدران الحجر الأسود ارتفعت من حولي كأنها نُحتت لا لتُبنى، بل لتُغلق. السقف لم يكن واضحًا، فقط ظلال متداخلة تتشابك في الأعلى، تتخللها شقوق ضيقة يتسلل منها ضوء شاحب، بارد، لا يكشف بقدر ما يراقب. الهواء نفسه كان ساكنًا على نحو مريب، لا رطوبة ولا دفء، فقط برودة جافة تلتصق بالجلد.
هذا هو المكان الذي اكتشفه الحراس، وهذا هو المكان الذي أمرتُهم ألا يقتربوا منه.
دوائر محفورة في الأرض، ليست طقسية بالكامل، لكنها ليست عشوائية أيضًا. رموز قديمة، أعرف بعضها، وأخرى لم أتعرف عليها لكنني شعرت بها.. شعور المعرفة المؤجلة، ذلك الإحساس الذي يخبرك أن الفهم سيأتي، لكن بثمن.
الشباب كانوا هناك، خمسة، يقفون في نصف دائرة، صامتين، رؤوسهم منخفضة قليلًا، هالاتهم لا تنبعث، بل مكبوتة، كأن أحدهم ضغط عليها وأمرها بالصمت. لم يكونوا سجناء، ولم يكونوا أحرارًا. كانوا في حالة انتظار. أعينهم خاوية من المشاعر وارتسمت داخلها أشكال هندسية كالتي ارتسمت يوم هجومهم الأول.
شعرت بحركة غريبة فالتفت بعيني نحو مصدرها، كان ثامر، خرج من الظل للتو. ملابسه كانت جلدية داكنة، ليست سوداء تمامًا، بل أقرب إلى لون الليل قبل الفجر. معطف جلدي طويل يصل إلى أسفل ركبتيه، مشدود عند الكتفين، مفتوح قليلًا عند الصدر، يكشف عن درع جلدي أخف تحته، محفور بخطوط دقيقة تشبه الشقوق.
قفازان جلديان يلتفان بإحكام حول يديه، أصابعه تتحرك ببطء، كأنها اعتادت رسم الرموز في الهواء. حزام عريض عند خصره. شعره كان مسدولًا إلى الخلف بلا فوضى، وعيناه كانتا هادئتين أكثر مما يجب.
اقترب خطوة واحدة فقط، لا أكثر. لم يحتج إلى المسافة، نظر إليّ كما ينظر شخص إلى نتيجة تجربة نجحت أخيرًا.
- مرحبًا بك في عالمي.
قالها بنبرة منخفضة، ثابتة.
- تأخرتَ قليلًا، لكن لا بأس كل الطرق كانت تؤدي إلى هنا.
شعرت بالقيد يشتدّ، لا لأنني تحركت، بل لأن المكان نفسه استجاب لصوته.
- هذا المكان.
تابع وهو يمد يده ويمررها على أحد الرموز في الجدار.
- ليس مخبأً إنه نقطة التقاء.
التفت إليّ، ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه.
- وأنت أيها الحقير كنت القطعة الناقصة.
ليس الأمر وكأنني خائف، أريد فقط معرفة نواياه، فقلت بهدوء مستفز:
- حقير؟ اعذرني، لست أنا من قتل والده وأخاه وضحى بجيشه وعشيرته.
ضحك بقوة حتى ملأ صدى ضحكته المجنونة المكان، قال:
- بدأت تعجبني! دعني إذًا أخبرك قصة قصيرة بما أن حياتك البائسة على وشك الانتهاء.
أخذ يدور حولي ويقول بنبرة عالية مجنونة:
- قيل قديمًا أنه من يمتلك هالة قوية وتضحيات بشرية يمكنه استدعاء مخلوق أسطوري، ذلك المخلوق لا يموت ولا يمكنك اصابته بضرر.
ثم اقترب من وجهي فباتت المسافة الفاصلة قليلة. أكمل:
- هذا المخلوق اسمه ماجما، مهمته انهاء كل سبل الحياة أو الانصياع لرغبة مستدعيه..
عاد للوراء قليلًا ولمحت بطرف عيني ملامح إيلان المصدومة، بدا عليه الندم على إحضاري لكن بم يفيد ندمك الآن ونحن في وكر العدو؟
- لكن لاستدعاء هذا المخلوق كان عليّ الانتظار طويلًا، كان عليّ أولًا أن أسرق عاصف منك ومن ثم أحضرك إلى بقعة الاستدعاء وليس هذا فحسب، بل عليّ التضحية بسبعة من البشر الأقوياء ذوي هالات قوية وشخص واحد فقط استثنائي.
فعل ثامر هالته بقوة فأحدث ضغطًا مفاجئًا ألقى بإيلان على الأرض، سار ثامر نحوه بخطوات بطيئة وقيده في موضعه وألقاه بجانبي. ابتسم تلك الابتسامة الخبيثة أما إيلان فقد صرخ بحرقة:
- لقد آمنت بك! لقد آمنت أنك من ستساعدني بالرغم من قتلك عائلتي! كيف فعلت هذا؟!
اقترب ثامر بخطى سريعة وركله في معدته بقوة فطاح إيلان على ظهره متألمًا، قال ثامر:
- اعرف مكانتك أيها البشري الوضيع!
التفت ثامر إليّ فطالعته ببرود ليركلني في رأسي لكن ركلته لم تسبب لي ضررًا يذكر.
تراجع خطوتين للخلف وبدأ بتنفيذ الطقوس..