الفصل الواحد والعشرون: هدوء العاصفة - رواية سراب II
الفصل الواحد والعشرون: هدوء العاصفة
.........
قاعة التدريب استقبلته بسكونها المعتاد، العشب ساكن، الهواء أثقل قليلًا مما كان، كأن المكان نفسه يحتفظ بآثار ما جرى فيه منذ ساعات.
لم يكن إيلان نائمًا كما تركه، كان جالسًا قرب الجدار، ظهره مسنود إلى الحجر البارد، ساقاه مثنيتان، ويداه مستريحتان فوق ركبتيه.
هالته كانت هادئة على غير العادة، لا مستقرة تمامًا، لكنها لم تعد تتخبط كما قبل. عيناه كانتا مفتوحتين، ثابتتين، وكأنه كان يعلم أن سراب سيعود، فقط لا يعرف متى.
توقف سراب على بعد خطوات، راقبه دون أن يصدر صوتًا، لاحظ كل شيء: طريقة جلوسه، انتظام أنفاسه، ذلك الهدوء المصطنع الذي يخفي تعبًا لم يُهضم بعد.
قال إيلان دون أن ينظر إليه مباشرة:
- كنت أعرف أنك ستعود.
اقترب سراب خطوة واحدة، قال بهدوء:
- ولماذا لم تنم؟
رفع إيلان رأسه أخيرًا، التقت عيناهما. لم تكن هناك دموع هذه المرة، ولا ارتباك. فقط صدق عارٍ.
- لأن النوم أصبح يشبه الهروب.
سكت سراب قليلًا، ثم قال بصوت أخفض أكثر حدة مما بدا:
- جيد.
نهض إيلان ببطء، دون تسرع، دون تردد. وقف أمامه منتظرًا، لا يسأل، لا يطلب. نظر إليه سراب طويلًا هذه المرة.
لم يرَ الشاب الذي كان ينهار قبل ساعات، بل رأى بداية شيء آخر.. شيء لم يكتمل بعد، لكنه وُلد.
قال أخيرًا:
- اكتشفنا مكان ثامر.
لم يتغير وجه إيلان، لكن هالته ارتجّت ارتجافة خفيفة.
- وهذا يعني؟
سأل بهدوء متعمد.
اقترب سراب حتى صار على مسافة خطوة واحدة وقال:
- يعني أن تدريبك لم يعد ترفًا.
ثم أضاف وصوته صار أبرد:
- ويعني أن كل اضطراب سبّبته لك لم يكن عبثًا.
صمت لحظة ثم قال:
- هل أنت مستعد؟
لم يجب إيلان فورًا، أغمض عينيه لثانية واحدة فقط ثم فتحهما وقال:
- لم أعد أبحث عن الاستعداد.
ثم تابع بصوت ثابت:
- أنا هنا.
وهكذا تتابعت الأيام داخل قاعة التدريب، لا تُقاس بالشمس ولا بالليل، بل بعدد المرات التي سقط فيها إيلان ثم نهض، وبعدد اللحظات التي اضطر فيها سراب أن يكون قاسيًا أكثر مما يحتمل.
كان التدريب لا ينقطع، لا هدنة حقيقية، ولا راحة كاملة، فقط فواصل قصيرة يتأكد فيها الجسد أنه ما زال حيًا، ثم يُدفع من جديد إلى أقصى ما يستطيع تحمله، وما بعده.
لم يكن سراب ملازمًا للقاعة دائمًا، كان يغيب أحيانًا، يترك إيلان وحده مع الصمت ومع ما زرعه داخله، ليعود إلى المملكة، يتفقد شؤونها، يراقب الحدود، ويقف قرب إيميليا لحظاتٍ محسوبة، يطمئن على استقرارها، وعلى الطفل الذي يكبر بصمت، كأن الزمن قرر أن يستمر رغم كل شيء.
وفي كل مرة كان يعود، لم يكن يعود كما ذهب.
كان يحمل معه ثقل القرارات، ووعي الملك، ويعيد إسقاط ذلك كله على التدريب، فيزداد قسوة، ويزداد إيلان صلابة.
مرّ شهر كامل داخل القاعة، شهر لم يكن شهرًا بل معركة. تغيرت أنفاس إيلان، لم تعد متقطعة ولا متسرعة، تغيرت أنفاس إيلان، لم تعد متقطعة ولا متسرعة، تعلم كيف يقف أمام الألم دون أن يهرب، وكيف يتحرك وسط الفوضى دون أن يفقد نفسه.
أما سراب، فقد تعلّم هو الآخر شيئًا لم يكن يتوقعه: أن يرى انعكاسه القديم يقف أمامه، لا ليذكّره بالماضي، بل ليجبره على مواجهة ما صار عليه الآن.
وحين خرجا من القاعة أخيرًا، لم يكن خروجهما انسحابًا، بل عودة. عاد سراب وإيلان إلى المملكة، لا كما دخلا التدريب، ولا كما خرجا منه أول مرة. عادا وهما يعرفان أن القوة لم تعد احتمالًا بل استعدادًا حقيقيًا لما هو قادم.
عادا في يوم الحفل الأسبوعي، لم تكن المملكة في حالة استرخاء، بل في حالة تنفّس. ذلك اليوم لم يكن للهروب من الخوف، بل لتذكير الناس بأنهم ما زالوا هنا، وأن الحياة رغم كل شيء لم تُهزم بعد. الأضواء البسيطة علّقت بين البيوت، الموسيقى لم تكن صاخبة، لكنها حاضرة، كنبضٍ ثابت يرفض التوقف.
دخل سراب وإيلان من أطراف الساحة، دون إعلان، لم يلتفت الناس فورًا، ولم يكن ذلك ضروريًا.
قبل أن يلاحظ إيلان شيئًا آخر، كان قد لاحظ التغيّر، رهاف كان يقف قرب إحدى العائلات المصابة، لا يلمس أحدًا، فقط يمد هالته بهدوء بالغ، يضبط تنفّس امرأة مرهقة، ويهدئ طفلًا دون أن يقترب. لم يعد متوترًا، لم يعد ينظر حوله بحثًا عن تأكيد. كانت حركاته محسوبة، صامتة، كأن القلق الذي كان يفضحه سابقًا قد صار أداةً بيده بدلًا من أن يكون عبئًا عليه.
سيرين..
لم تكن تقاتل، ولم تختفِ. كانت تسير بين الناس، هالتها الحمراء الجديدة بالكاد مرئية، لكنها كانت تشعر بكل شيء. حين انسكب شراب من يد أحدهم، كانت هناك قبل أن يلمس الأرض. حين ارتفعت نبرة صوت فجأة، كانت تقف في المنتصف دون أن تتكلم، فينخفض التوتر تلقائيًا. لم تعد قوتها في الاختفاء، بل في الحضور الكامل.
أما ماريس، فكان التغيّر فيه هو الأوضح والأخطر.
كان يضحك، يضحك دون أن تنفجر هالته، دون أن تتسرّب قوته بلا وعي. يقف بثبات، جسده ما زال صلبًا، لكن عقله، لم يعد فارغًا كما قال هاشم يومًا. كان يتحكم في اندفاعه، يختار متى يُظهر قوته ومتى يكبحها، كأن شيئًا ما أخيرًا التحم داخله.
إيلان كان يراقب كل ذلك، ثم أدرك فجأة أنه ليس مجرد متفرج، لأول مرة، جرّب أن يكون وسط الناس دون أن يراقب مخارج الهروب. وقف قرب حلقة موسيقى، ترك الإيقاع يمر عبره دون مقاومة. جرّب أن يبتسم، لا كقناع، بل كمحاولة.
حين اقترب طفل منه وسأله عن الندبة في يده، لم يتجمد، لم يغضب، فقط أجابه ببساطة، ثم فوجئ بنفسه يضحك حين قال الطفل:
- تبدو كندبة بطل.
على مسافة غير بعيدة، كان سراب يراقب، لم يتدخل، لم يقترب، لم يوجه.
كان واقفًا في الظل الخفيف قرب أحد الأعمدة، يراقب تحركات إيلان، تردده، ثم خطواته الواثقة البطيئة. لاحظ كيف لم تنفلت هالته، كيف لم يختفِ حين ارتفع صوت فجأة، وكيف لم يتجمّد حين اقتربت منه الحياة نفسها.
لأول مرة منذ زمن، لم يشعر سراب بأنه يصنع سلاحًا، شعر أنه يشهد ولادة شخص قادر على الوقوف. رفع عينيه قليلًا، لمح إيميليا من بعيد، نظرة واحدة كانت كافية، ثم عاد بنظره إلى الساحة.
حين أدرك أنه لم يكن مراقبًا وأن لا أحد يدرك بوجوده انسحب ببطء نحوها..