الفصل التاسع عشر: أصابع على القلب - سراب II
الفصل التاسع عشر: أصابع على القلب
.........
كانت شجرة الزيتون واقفة في مكانها المعتاد، لا تختلف عن نفسها، ولا تسأل لماذا تغيّر كل ما حولها. جذعها العتيق يحمل شقوقًا تشبه تجاعيد الزمن، وأوراقها الخضراء تهمس حين تمرّ بها الريح، كأنها تحفظ أسرار القصر منذ وُلد الحجر الأول.
جلست إيميليا تحتها، ظهرها مستند إلى الجذع، ويداها فوق بطنها في حركة لم تعد واعية، بل غريزية. كانت أنفاسها بطيئة، منتظمة، لكن قلبها لم يكن كذلك.
اقترب سراب بخطوات خفيفة، لم يُعلن عن نفسه، لم يحتج. وجوده كان كافيًا لتشعر به قبل أن تراه. رفعت رأسها قليلًا، ابتسمت ابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة التي لا تُقدَّم لأحد سواه.
جلس إلى جوارها، قريبًا بما يكفي ليشعر بحرارة جسدها، وبعيدًا بما يكفي ليمنحها المساحة التي تحتاجها. ساد صمت قصير، صمت لا يُحرج، بل يربت.
قال أخيرًا، بصوت منخفض، كأنه يخشى أن يوقظ شيئًا نائمًا في الهواء:
- كيف حالكِ يا أميرتي؟
تنفست إيميليا بعمق، ثم قالت بهدوء:
- أفضل مما كنت أظن وأسوأ مما أُظهر.
هزّ رأسه ببطء، وكأنه كان يتوقع ذلك. نظر إلى بطنها، لم يحدق، فقط لاحظ. الانحناءة الخفيفة التي لم تكن موجودة من قبل. الامتلاء الصغير الذي غيّر ملامحها دون أن يمسّها. قال بصوت أكثر لينًا:
- لقد كبرت معدتك قليلًا.
ابتسمت، وضعت يدها فوق يده دون أن تنظر:
- هو من كبر أنا فقط أفسحت له مكانًا.
تسللت نظرة سراب إلى يدها، إلى الحركة التي تحمي أكثر مما تُلامس. قال بعد لحظة:
- هل يؤلمك؟
هزّت رأسها:
- لا، لكنه يُشعرني..
ثم أضافت بنبرة أقرب للهمس:
- كأنه يذكّرني في كل لحظة أنني لست وحدي، حتى حين أخاف.
صمت سراب. الكلمات علقت في صدره. كم مرة كان وحده حين خاف؟ وكم مرة تمنى لو كان هناك شيء أو أحد يذكّره بذلك؟
قال أخيرًا:
- وأنا؟ هل تشعرين بي كما أشعر بكِ؟
نظرت إليه هذه المرة. لم تبحث في عينيه، بل رأت فيهما. قالت:
- أشعر بك حتى حين تحاول الاختفاء.
ثم مالت نحوه قليلًا:
- ترابط هالاتنا لم ينقطع، لكنه صار مؤلمًا.
ابتلع سراب أنفاسه ببطء. رفع يده، لمس بطنها هذه المرة، بحذر شديد، كأنها شيء هشّ، مقدس، لا يُمسّ إلا بإذن القلب.
- وكيف حاله؟
سألها دون أن يرفع عينيه. ابتسمت إيميليا، ابتسامة أوسع هذه المرة:
- هادئ، عنيد قليلًا..
ثم ضحكت بخفة:
- أظن أنه يشبهك.
ارتعشت شفتاه بابتسامة لم يخطط لها. قال:
- أتمنى أن يرث عنكِ شيئًا، لا أريده أن يحمل كل ما أحمله.
وضعت إيميليا جبهتها على كتفه:
- ومن قال أنني سأسمح بذلك!
ظلّا تحت شجرة الزيتون، لا يتحركان إلا بقدر ما يسمح به التنفس. الريح كانت خفيفة، تلمس الأوراق ثم تبتعد، كأنها تخشى أن تزعج ما يُقال.
قال سراب بعد صمتٍ طال أكثر مما ينبغي:
- إيميليا.. الأيام القادمة لن تكون سهلة.
لم تقل أعلم، لم تقاطعه. اكتفت بأن شدّت يدها فوق يده، إشارة صغيرة تسمح له أن يُكمل.
- ثامر لم يأخذ عاصف فقط..
رفع عينيه إليها:
- أخذ جزءًا من ميزان القوة وأجبرني أن أرى أشياء كنت أتجاهلها.
تنفست بعمق، لم تُظهر خوفًا، لكنها شعرت به. شعرت بارتعاش خافت في هالته، ذلك الارتعاش الذي لا يراه غيرها.
- المملكة المتحالفة، التقنيات البصرية، الشباب الذين هاجمونا.
هزّ رأسه ببطء:
- كل خيط يصل بالذي قبله، وأنا هنا ماثل في المنتصف.
قالت بهدوء:
- والقطع يؤلم.
ابتسم ابتسامة قصيرة مرهقة:
- أحيانًا يقتل.
سكت قليلًا، ثم قال بصوت أخفض:
- سأضطر أن آخذ قرارات لن يفهمها الجميع.
ثم أضاف، وكأنه يختبر الكلمة:
- قرارات قاسية.
رفعت رأسها، نظرت إليه بثبات:
- قاسية على من؟
لم يجب فورًا. نظر إلى الأرض، إلى جذور الشجرة:
- على الجميع، وربما عليّ أكثر.
اقتربت منه أكثر، حتى صار كتفها يلامس كتفه:
- سراب، أنت لا تختار القسوة، أنت تختار النجاة.
ثم وضعت يدها على صدره:
- والفرق بين الاثنين النية.
تنفس بعمق، كأن الكلمات فتحت له ممرًا كان مغلقًا. قال:
- أخاف أن أتحول إلى شيء لا أعرفه، أخاف أن يراني الناس كما يرون ثامر حتى لو اختلفت الأسباب، أخاف أن أخذلكِ.
قال الأخيرة دون أن ينظر إليها. لم تتردد. أمسكت وجهه بيديها، أجبرته على النظر.
- لا تخلط بين من يدمّر لأنه يريد ومن يحمي لأنه مضطر.
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة، قوية:
- أنا لم أتزوج ملكًا، تزوجت الرجل الذي يعود إليّ حين ينكسر.
ارتعشت أنفاسه، لكن صوته خرج ثابتًا:
- وماذا إن طلبت منكِ الوقوف خلفي؟
هزت رأسها نافية:
- لا.
ثم أضافت بنبرة أكثر عمقًا:
- سأقف إلى جوارك، أمامك حين تتعب، وخلفك حين تحتاج أن تمضي دون أن تلتفت.
أنزلت يدها إلى بطنها:
- ونحن لسنا عبئًا عليك.
ابتسمت:
- نحن تذكيرك الوحيد بأنك ما زلت إنسانًا.
مال برأسه على جبهتها، أغلق عينيه:
- إذًا.. حين أخطئ؟
همست:
- سأذكّرك بمن كنت قبل أن تصبح مضطرًا.
ظلّا هكذا لحظة أطول من اللازم، أو ربما أقصر مما تمنّيا.
تحت شجرة الزيتون، لم تُحلّ المشاكل، لم تُرسم الخطط.
لكن قلبًا أثقل قليلًا.
صار قادرًا على الاحتمال أكثر.
تحت شجرة الزيتون، في تلك اللحظة الصغيرة، لم يكن هناك مملكة، ولا أعداء، ولا تنين مختوم، ولا ملك مثقل بالقرارات.
كان هناك رجل وامرأة، وطفلٌ ينمو بهدوء وسط عالمٍ لا يعرف الهدوء.