الفصل السادس عشر: ظل الفقد | سراب II
الفصل السادس عشر: ظل الفقد
.........
لم يختفِ الاضطراب تمامًا، لكنه لم يعد يسيطر. بعد خطاب سراب، لم يعد الناس يصرخون، ولم يعودوا يركضون بلا وجهة. كان الخوف لا يزال هناك، لكنّه انكمش، صار شيئًا يمكن حمله بدل أن يحملهم. بعضهم تشبث بكلمات الملك، بعضهم تشبث ببعضه، والبعض الآخر وقف صامتًا، يراقب السماء كأنها قد تجيب.
سراب شعر بذلك التغير. لم يحتج أن يراه، الهالات تخبره بكل شيء. أغلق عينيه للحظة قصيرة، ثم مد يده المصابة إلى الأمام. الهواء حوله اهتزّ، لا بعنف، بل بثقل. ومن خلفه، بدأ عاصف يتشكل.
خرج عاصف كظل أبيض كثيف، عيناه كانتا أول ما ظهر، ضوء هادئ لكنه عميق، كبحيرة تعرف كم غرقت فيها أشياء ولم تخرج.
قال سراب موجّهًا لعاصف وحده:
- ابقَ قريبًا.
رد عاصف بنبرة لم تكن مازحة هذه المرة:
- لن أبتعد.
خلفه، كانت تولين لا تزال تضع يدها على صدره، هالتها تعمل بدقة مؤلمة. لم تكن تعالجه فقط، كانت تُجبر جسده على التماسك، على ألا ينهار الآن. قالت دون أن ترفع عينيها:
- لا تحاول أن تكون ملكًا الآن، كن جسدًا حيًا فقط.
لم يردأ اكتفى بهزة رأس خفيفة. ثم.. تغيّر الهواء. لم يكن هجومًا واحدًا، ولا صرخة واحدة، كانت نقاطًا متعددة من الضغط تظهر فجأة خارج حدود القرية، كأن المكان نفسه يُقرص من أطرافه.
خمسة لا أكثر، الهالات ذاتها والوجوه الشاحبة نفسها، ذلك السواد الذي تشابك بالأرجواني، لكن التجمع السابق في الغابة أصبح تفرقًا على جهات القرية المختلفة كأنها خطة ذكية مدروسة.
قال عاصف بحدة:
- إنهم لا يريدون الدخول.
فهم سراب فورًا. رفع يده، وأطلق أمرًا واحدًا عبر الهالات للمحاربين الثمانية:
- لا أحد يخرج خارج حقل الطاقة.
المحاربون الذين اندفعوا غريزيًا توقفوا فجأة، كأن حائطًا غير مرئي ارتفع أمامهم. وفي اللحظة التالية، بدأ الهجوم الحقيقي. لم يتقدم أي من الخمسة أو يندفع بل أطلقوا تقنياتهم.
الهواء نفسه انكسر، الضوء تشوّه، المسافات فقدت معناها. ما كان خارج الطوق بدا فجأة أقرب، وما كان قريبًا بدا بعيدًا. بعض المحاربين شعروا وكأن الأرض تسحبهم خطوة للأمام دون أن يتحركوا.
صرخت تولين:
- هذا ليس هجومًا هذه هي التقنيات التي حدثتنا عنها!
وفجأة، وجد عدد من المحاربين أنفسهم خارج طوق الحماية، دون أن يشعروا كيف خرجوا. وقبل أن يستطيع سراب تعديل شيء، ظهر..
لم يخرج من ظل..
لم يأت من السماء..
كان هناك ببساطة..
ثامر.
وقف على مسافة قصيرة، ملامحه هادئة على نحو مستفز، كأن ما يحدث حوله مجرد ترتيب جانبي. عيناه استقرتا على عاصف، لا على سراب. ابتسم بخبث:
- أرجو ألا أكون قد تأخرت على مملكتك أيها الملك السارق.
تحركت تولين فورًا، أطلقت هالتها نحوه، لكن الضربة لم تصل. لم تنحرف بل تلاشت، كأنها دخلت مشهدًا ليس حقيقيًا.
قال سراب وهو يحاول الوقوف:
- أيها الوغد اللعين!
في حركة سريعة مد ثامر يده، ورسم بخط واحد في الهواء رمزًا معقدًا. الضوء انغلق على نفسه، ثم انقضّ على عاصف.
شعر سراب بالقطع الذي حدث كأن قوته كانت تُسحب منه تدريجيًا، لم يشعر بالألم، شعر بالفراغ..
صرخ بأعلى صوته متجاهلًا الألم الذي أصاب صدره:
- عاصف!
لكن الصوت لم يجد شيئًا يعود به، الهالة البيضاء انكمشت فجأة، ثم اختفت داخل ختم مظلم انغلق كقلبٍ أُجبر على التوقف.
تراجع سراب خطوة واحدة، كأن جزءًا من وعيه سُحب معه. تحرك ثامر نحوه، ببطء، وقال بابتسامة صفراء وصوتٍ لا يخلو من الحدة:
- الآن.. يمكنني قتلك ومن ثم أميرتك الحقيرة.
لكن قبل أن يصل، كانت تولين قد أنهت العلاج، وضعت يدها على الأرض، وأطلقت هالتها دفعة واحدة، ليس نحوه، بل نحو المجال نفسه. حاولت كسره، تشويهه، فتح ثغرة..
انضم سراب إليها، رغم الألم، حاول أن يستدعي ما تبقى منه، ما تبقى من الرابط.. لكن التقنية البصرية كانت حاضرة.
كل ضربة بدت وكأنها تصل ثم لا تفعل، كل محاولة إمساك تنتهي بفراغ. تراجع ثامر خطوة لكن سراب ما لبث أن تسارع نحوه مسددًا لكمات وضربات حول جسده كله وتولين من خلفه واضعة يدها على الأرض جاعلة هالتها من الأنصال الحادة هاجمة بها على ثامر من كل اتجاه..
ولكن، لم تصل أي من ضرباته أو هجماتها إليه، كان ثامر يتفادى كل الضربات ويصد الأخرى بالتقنيات البصرية.
قال ثامر ناظرًا إلى سراب باستهزاء:
- لم آت لأقاتل، جئت لأذكّرك.. أنك لست وحدك من يتعلم.
وفي اللحظة التالية، اختفى..
الشباب الذين معه تلاشت هالاتهم في آن واحد، كما لو أنهم لم يكونوا هناك أصلًا.
عاد الصمت، لكن هذه المرة.. لم يكن صمت أمان. كان صمت ما بعد الخسارة. وقف سراب مكانه، صدره يعلو ويهبط، يده ممدودة إلى حيث كان عاصف قبل لحظات. قال بصوت لم يسمعه إلا من كان قريبًا:
- لقد أخذ صديقي..
ثم صمت غارقًا في الكآبة دون أن ينطق بكلمة أخرى.. قال بصوت لم يسمعه إلا من كان قريبًا.. حاولت السير نحوه وسحب ما به بهالتها لكنه دفعها بهالة أقوى مانعًا إياها من الاقتراب..
كان إيلان ما يزال على الأرض، لم يسقط حين نُقلوا إلى حدود المملكة، لكنه لم ينهض أيضًا. ركبته كانت ملامسة للحجر، كفّه مغروسة في التراب كأنه يتمسك بشيء يثبّته في هذا العالم. كل ما حدث منذ الغابة وحتى الآن مرّ أمامه بلا فواصل، بلا فرصة للفهم.
رأى سراب وهو يُصدر الأوامر، رأى كيف توقّف المحاربون فورًا، كيف انصاعت الهالات لصوته دون تردد. لم يكن في صوته صراخ، ولا استعجال، فقط يقين. ذلك النوع من اليقين الذي لا يولد من القوة، بل من المسؤولية.
ثم رأى عاصف ورأى كيف اختفى..
في تلك اللحظة، انقبض صدر إيلان بشدة. لم يكن يعرف عاصف كما يعرفه سراب، لكنه شعر بالفقد كأن شيئًا انتُزع من المشهد كله، من توازنه. لاحظ كيف توقّف سراب عن الحركة لثانية واحدة فقط. ثانية قصيرة.. لكنها كانت كافية ليشعر إيلان أن الملك كاد يسقط.
لكنه لم يسقط.. وقف سراب مكانه، لم يصرخ، لم ينهَر، لم يندفع خلف ثامر. بل فعل ما لم يتخيله إيلان ممكنًا. استدار نحو من لم يُخلى من شعبه.
سمعه وهو يتحدث، لا كملك يطمئن رعاياه، بل كواحدٍ منهم، كمن ذاق الخسارة ويعرف ثمنها. رأى كيف هدأت الهالات، كيف تراجع الهلع خطوة للخلف، فقط لأن شخصًا واحدًا قرر أن يقف ثابتًا.
شعر إيلان بشيء ينكسر داخله.. ثم يُعاد تركيبه.
لم تكن الصدمة في أن سراب خسر عاصف، الصدمة الحقيقية أنه اختار الوقوف بعد الخسارة.
حين انتهى كل شيء، وحين بدأ الناس يتحركون بأوامر واضحة، شعر إيلان بنظرة تقع عليه. رفع رأسه ببطء.. كان سراب ينظر إليه.
اقترب منه خطوتين، رغم التعب الواضح في جسده، ورغم الفراغ الذي ما زال معلقًا في هالته. لم يقل شيئًا للحظة، فقط ابتسم. ابتسامة هادئة، صادقة، لا تشبه ابتسامات النصر. قال:
- الآن أصبحنا متشابهين.
تجمّد إيلان:
- ماذا تقصد؟
أجاب سراب بصوت منخفض، لكنه ثابت:
- كلانا يعرف كيف يبدو الفقد. والآن، كلانا يعرف ماذا يفعل بعده.
في تلك اللحظة، أدرك إيلان أن سراب لم يعد مجرد ملك، ولا حتى مجرد صديق، بل صورة لما يمكن أن يكونه الإنسان حين يُجبر على الاختيار بين الانكسار والوقوف.