الفصل السابع عشر: لحظة الاعتراف - سراب II
الفصل السابع عشر: لحظة الاعتراف
.........
نهض سراب من أمام إيلان دون كلمة إضافية. لم يكن في حركته جفاء، ولا تردد، فقط قرار أُخذ وانتهى. مد يده إلى تولين، وما إن لامست أصابعه معصمها حتى انطوى المكان حولهما، كأن الهواء طُوي على نفسه، ليظهرا في قلب القلعة.
بمجرد وصولهما تحركت إيميليا إلى سراب، اقتربت من سراب بخطوتين سريعتين، توقفت عنده، لم تحتضنه، لم تسأله، فقط رفعت يدها ولمسته عند صدره، كأنها تتأكد أنه ما يزال هنا. حين شعرت بانتظام أنفاسه، فقط حينها أغمضت عينيها لثانية واحدة.
لم يحتج أحد إلى سؤال..
وبعد لحظات، كان هاشم وآدم هناك، وملامحهما مشدودة كوترٍ قُطع نصفه. بعد صمت ثقيل قال هاشم أخيرًا:
- ثامر لم يأتِ ليستعرض قوته.
أجابه آدم:
- ولا ليسرق فقط.
رفع سراب رأسه ببطء. عينيه كانتا حاضرتين، لكن شيئًا فيهما كان بعيدًا. قال بصوت منخفض:
- التقنيات التي استخدموها..
ثم صمت، تحركت تولين خطوة للأمام، عقدت ذراعيها:
- هي تقنيات بصرية، لكنها ليست كالتي نعرفها. ليست خداعًا للحواس فقط، بل إعادة ترتيب لما تراه وتدركه في اللحظة نفسها.
قال هاشم بحدة مكبوتة:
- هذا مستحيل. تلك التقنيات لا تُستخدم إلا في..
رفع سراب عينيه إليه:
- إلا في المملكة المتحالفة مع الحراس. نعم.
ساد صمت ثقيل، شدت إيميليا أصابعها معًا وقالت:
- لكنهم لم يستطيعوا الدخول إليها من قبل.. الشجرة لم تستجب.
هزّ آدم رأسه:
- من قال ذلك؟ ربما استطاعوا الدخول نحن لا زلنا لا نعلم شيئًا بعد.
وقبل أن يُكمل النقاش، انزلق عقل سراب بعيدًا، لم يكن يريد ذلك، لم يسمح لنفسه عادة، لكن الفراغ الذي تركه عاصف كان أوسع من أن يُتجاهل. تذكر صوته الساخر.. "تبًا لك يا ملك، لو متّ سأضطر لحمايتك من العالم الآخر أيضًا."
وتذكر سخريته حين كان يصمت طويلًا، تذكر كيف كان عاصف أول من يسخر وأول من يقف خلفه دون شرط.
"لا تنظر، اشعر." الجملة مازالت ترن في رأسه. شدّ سراب قبضته دون أن ينتبه، كان عاصف أكثر من تنين، كان صديقه المقرب والمرآة الوحيدة التي لا تكذب.
- سراب.
صوت إيميليا أعاده. رفع رأسه، تنفس بعمق، كأن الهواء عاد إلى صدره متأخرًا. قال أخيرًا، بنبرة أقل شرودًا وأكثر حسمًا:
- ثامر لم يتعلم هذه التقنيات وحده، والشباب الذين معه، لم يكونوا جنودًا، كانوا أدوات.
قالت تولين:
- تقصد أن هناك ترابط؟ رابط بينه وبين المملكة المتحالفة؟
أومأ سراب ببطء:
- رابط أو ثغرة لا نعرفها.. الحقيقة المرة هي أننا لا نعرف كيف وصل ثامر لتلك التقنيات. والأمر أننا لا نعرف بأي صف تقف تلك المملكة..
ثم أضاف بصوت أخفض أقرب للهمس ويكاد لا يُسمع:
- وأيًا كان، فقد مرّ من خلالها وأخذ عاصف.
اقتربت إيميليا منه أخيرًا، واضعة يدها على ذراعه:
- سنعيده.
قال هاشم:
- إذًا علينا أن نعيد التفكير في كل ما نعرفه عن تلك المملكة.
رد سراب، هذه المرة دون تردد:
- لا.
ثم التفت إليهم جميعًا:
- علينا أن نعرف مالا نعرفه عنها.
وفي أعماقه، خلف كل التفكير، خلف كل الخطط، كان هناك شيء واحد فقط واضح تمامًا..
الشك.
كل الاحتمالات تؤدي لنفس النتيجة، المملكة لابد وأن خيطًا ما يربطها بثامر. ولكن كيف لخيط كهذا أن يصير؟ تلك المملكة متحالفة مع الحراس منذ عقود طويلة ناهيك عن سريتها الشديدة وأن لا أحد سُمح له بدخولها إلا سراب أو من خضع لتأثير قوته. فكيف إذًا؟
لم تكن الحيرة في الكلمات، بل فيما لم يُقَل.
وقف سراب في مكانه بعد حديثهم، جسده حاضر، لكن هالته لم تكن مستقرة. لم تكن مضطربة بعنف، بل متكسّرة، كأنها تحاول أن تتماسك ولا تنجح.
شعرت إيميليا بذلك قبل أن يرفَع رأسه، قبل أن يبتعد بخطوة واحدة. شعرت بالضغط الخافت في صدرها، ذلك الوجع غير المحدد الذي لا يأتي إلا حين يكون هو على حافة لا يراها أحد غيرها.
همست باسمه:
- سراب...
الهواء حوله انكمش فجأة وفي لحظة لم يستطع أحد منعه من الاختفاء، حتى إيميليا، حتى تولين.
لم يكن المكان مقصودًا، ظهر عند أطراف المملكة، حيث الأرض صخرية والسماء أقرب مما ينبغي، حيث لا شيء يُشبه القلعة ولا الناس ولا الذكريات. وقف هناك، ظهره إلى الفراغ، كأن العالم كله أصبح خلفه فجأة.
قبضته ارتجفت للمرة الأولى منذ زمن طويل، لم يعرف ما القرار الصحيح..
- كنت هنا يا عاصف..
خرجت الجملة مبحوحة، لا خطاب فيها ولا نداء، مجرد اعتراف سقط دون إذن. شدّ أنفاسه، لكن الهواء لم يملأ صدره. شعر بالفراغ مكانه، مكان ذاك الصوت الذي كان يملأ الصمت سخريةً وحضورًا.
ثم شعر بها، شعر بهالتها، بحضورها الهادئ، إيميليا..
لم تقترب فورًا. وقفت خلفه بخطوتين، كأنها تقرأ انحناءة كتفيه، ثقل رأسه، التشقق الصامت في هالته.
قالت بهدوء لم تحاول فيه أن تكون قوية:
- لم تنتقل بعيدًا بما يكفي.
ضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي شيء:
- لم أكن أحاول.
استدارت لتواجهه من الجانب، رأت عينيه أخيرًا. لم تكن غاضبة، ولم تكن دامعة. كانت فارغة بطريقة أخافت قلبها.
- أنت تضيع.
قال دون أن يلتفت:
- لا، أنا واقف.
ثم انفلتت الكلمات:
- أنا فقط لا أعرف كيف أكون ملكًا بدون ما أكون أنا.
اقتربت خطوة وقالت بصوت هادئ:
- أنت لم تكن ملكًا حين أصبح عاصف معك، ولم تكت ملكًا حين واجهت ثامر والمحاربين بمفردك. لقد كنت ملكًا من قبل أن تعرف أنك مختار..
التفت إليها أخيرًا، وصوته انكسر رغم محاولته:
- لكنه كان معي، كان الجزء الذي يقويني.
ثم، بصراحة جارحة:
- كان الجزء الذي لا يسقط.
شعرت بالوجع يعبرها كما لو كان وجعها هي. لم تحاول إنكاره، لم تقل له سنستعيده، لم تقل رفعت يدها، وضعتها على صدره حيث كان جرحه الذي التأم.
- أنت لا تنكسر لأنك ضعيف.
قالتها بصوت منخفض، ثم أكملت:
- أنت تنكسر لأنك تحمل أكثر مما يجب دائمًا.
أغمض عينيه. للمرة الأولى لم يقاوم الشعور. قال بصوت خافت:
- أنا خائف.
كانت تلك أول مرة يقولها، كانت أول مرة يصارحها يما يشعر. اقتربت أكثر، حتى لامس جبينه جبينها.
- أعرف.
ثم أضافت:
- وأنا هنا، لا لأمنع خوفك بل لأقف فيه معك.
انخفض جسده قليلًا، كأن ثقلًا أُزيل فجأة. لم يحتضنها بقوة، بل استند إليها، كما يستند من أنهكه الوقوف طويلًا.
- لو خسرتك أنتِ أيضًا...
قاطعته فورًا، بحزمٍ لم يكن صراخًا:
- لن تخسرني.
ثم أضافت بصوت أهدأ:
- لكنك إن واصلت الوقوف وحدك، ستخسر نفسك.
رفعت رأسه بيديها برفق:
- أنت لست مطالبًا أن تكون ثابتًا طوال الوقت، سراب.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، مؤلمة:
- حتى الملوك يحتاجون إلى من يحملهم أحيانًا.